انعكس جمود العملية السياسية، وتراجع التعويل على تحرك أميركي حاسم لدفع التسوية على الوضع الميداني على طرفي جبهات القتال في روسيا أوكرانيا؛ ففي مقابل ارتفاع منسوب هجمات المسيّرات الأوكرانية داخل العمق الروسي، أطلقت موسكو هجوماً واسعاً في محيط دونيتسك وزابوريجيا؛ في مسعى للضغط على كييف وتحقيق إنجازات ميدانية تعوّض الخسائر التي سبَّبتها الوتائر المتصاعدة للهجمات على البنى التحتية في مدن روسية عدة.
غداة إعلان الكرملين أنه لا يتوقع قريباً زيارة للمبعوثين الأميركيين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لبحث فرص دفع التسوية السياسية، بدا أن التصعيد الميداني يسيطر على المشهد بشكل كامل. وكان الكرملين قد أشار إلى «انشغال» مبعوثي الرئيس دونالد ترمب بـ«ملفات أخرى»؛ مما أعطى انطباعاً بعدم توقع موسكو تنشيط المسار السياسي قريباً.
لكن التصعيد الميداني الواسع أخيراً، على طرفي جبهات القتال، بدا مرتبطاً أكثر ليس بمحاولة تسجيل توسّع على الأرض يحدد خرائط جديدة ونهائية للتفاوض وفقاً للمنظور الروسي خلال العامين الأخيرين، بل بتحسين الشروط التفاوضية بعدما أيقنت موسكو وكييف أن الموقف الأميركي بعد الحرب الإيرانية آخذ في التبدل، وأن واشنطن لن تضغط مجدداً على الأوكرانيين لتقديم «تنازلات مؤلمة» كما حصل في وقت سابق، كما أنها لم تعد تبدو متحمسة للقبول بشروط بوتين لوقف فوري للقتال.
تحولات واشنطن
واللافت أن موسكو ظلت حريصة على إبراز رهانها الثابت على الوساطة الأميركية رغم مؤشرات واضحة إلى تحوّل جدي في الموقف الأميركي برز خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا. ومع أن ترمب تعمّد استباق القمة بإجراء مكالمة هاتفية مطولة مع نظيره الروسي أكد خلالها رغبته في استئناف جهود السلام، واستبق كذلك لقاءه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة الناتو بإطلاق تصريحات متفائلة قال فيها إن التوصل إلى حل للحرب الدائرة منذ أكثر من أربع سنوات في أوكرانيا «بات أقرب مما يتصور كثيرون»، لكنَّ اللقاء مع الرئيس الأوكراني انتهى بإشارة واضحة إلى تبدّل مهم في موقف الإدارة الأميركية التي كانت قد أوقفت سابقاً برامج للتعاون العسكري مع كييف لإجبارها على تقديم تنازلات.
اتضح أن القراءة الأوكرانية المدعومة بالموقف الأوروبي كانت أكثر دقة، بعدما بدا أن الطرفين الروسي والأوكراني يراقبان الموقف الأميركي المتجدد. وقال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف إنه يعتقد أن الموقف الأميركي بشأن كيفية حل الصراع «لا يزال دون تغيير»، فيما قال زيلينسكي في مقابلة مع صحيفة «فاينانشال تايمز» إنه يعتقد أن ترمب «بات ينظر إلى الصراع من زاوية جديدة في ضوء النجاحات الأوكرانية في الآونة الأخيرة».
هذه «الزاوية الجديدة» أثمرت موافقة أميركية على مطلب قديم لزيلينسكي للحصول على ترخيص لإنتاج مشترك لصواريخ «باتريوت» التي تحتاج إليها كييف بشدة، وهو أمر كان الكرملين قد نبّه إليه بشدة في السابق، وأكد أن طلبات أوكرانيا المستمرة للحصول على أنواع جديدة من الأسلحة «لن تمنع استمرار العملية العسكرية، والتسوية لن تتحقق إلا عندما تستعد كييف لاتخاذ القرارات اللازمة للسلام».
فُسّر الضوء الأخضر الأميركي بطرق مختلفة في كييف وموسكو. ففي مقابل الارتياح الأوكراني الواسع، شكك خبراء في روسيا بحجم هذا التحوّل من خلال الإشارة إلى أن «كييف تحتاج إلى الصواريخ الآن، وهذه مجرد وعود بإنتاج مشترك في المستقبل وليست خطوات عملية لدعم أوكرانيا». لكن المهم هنا أن ترمب بدا مجدداً اللاعب الوحيد والأقوى القادر على إدارة عملية المفاوضات.
ووفقاً لخبراء، فإن التحول الحاصل في الموقف الأميركي يعني أن واشنطن ستكون أقل ميلاً للضغط على كييف، لكنها، في الوقت ذاته، لا تتراجع عن بذل جهود لتسريع عملية إنهاء الحرب وضمان الحد الأدنى لمصالح الطرفين الروسي والأوكراني.
مرتكزات بوتين
في هذه الأجواء، سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إعادة رسم ملامح المرتكزات التي تضعها إدارته للقبول بوقف نهائي للقتال، ورسم ملامح التسوية المقبلة. وخلال اجتماعه قبل أيام، مع أعضاء الحكومة الروسية، وضع أربعة أسس تستند إليها رؤية موسكو لأي مفاوضات محتملة لإنهاء الصراع في أوكرانيا.
انطلق بوتين من أن استعداد بلاده للحوار السلمي ليس وليد اللحظة، بل يستند إلى تفاهمات سابقة، مع رفض قاطع لما وصفها بـ«محاولات خلق واقع مزيف» عبر الضربات العسكرية المتواصلة داخل العمق الروسي.
لكن قراءة الشروط التي وضعها بوتين تُظهر أنه ما زال بعيداً عن القبول باتفاقية تقوم على «حل وسط» يُرضي كل الأطراف المنخرطة في الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بما في ذلك أوروبا التي واصلت تعزيز دورها وتأكيد عزمها على المشاركة في رسم ملامح أي تسوية مستقبلية.
في هذا السياق، قامت مرتكزات السلام المنشود من جهة الكرملين على قراءة روسية للتفاهمات السابقة وليس على تعامل مع المتغيرات السياسية والعسكرية الجارية، وفقاً لتحليل خبراء.
وهكذا فقد تمسك بوتين بـ«اتفاقيات إسطنبول 2022» كمرتكز أساسي أول لأي عملية تفاوضية مستقبلية، في إشارةٍ إلى أن الوفد الأوكراني في جولات التفاوض السابقة كان قد وقّع بشكل مبدئي على تفاهمات محددة تضع إطاراً عاماً للنقاش حول بنود التسوية المستقبلية، مما يعني قبولها من جانب كييف، ورأى أنه «لا سبب لدى روسيا للتراجع عنها».
الإطار الثاني تمثّل في «آليات أنكوراج»، في إشارة إلى تفاهمات غامضة تم التوصل إليها خلال القمة الوحيدة التي جمعت الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب في ألاسكا العام الماضي. وهي تفاهمات رغم أنها لم تترجَم إلى وثائق موقَّعة، لكنها من وجهة النظر الروسية تُعدّ الإطار المؤسسي والتقني الذي تم رسم ملامحه لضمان تنفيذ أي تفاهمات مستقبلية.
اللافت هنا أن تلك التفاهمات تحدثت عن إقرار أميركي بمكسبين مهمين للكرملين، أولهما مبدأ التنازل عن الأراضي من جانب أوكرانيا، والآخر هو استبعاد أوروبا من المرحلة الأولى لرسم ملامح اتفاق سلام بين موسكو وكييف. ويفسر هذا تمسك بوتين بتلك التفاهمات رغم تراجع لهجة البيت الأبيض لاحقاً، في التعامل معها بوصفها «اتفاقاً كاملاً» يحدد ملامح التسوية المستقبلية.
ومع تراجع اللهجة الأميركية، وحديث الوزير ماركو روبيو عن «عدم وجود اتفاقات موثقة»، اضطر الكرملين إلى الإقرار بواقع جديد في تعامل الإدارة الأميركية مع ملف التسوية. وشنت دوائر الكرملين هجوماً غير مباشر على واشنطن، حسبما ظهر في لهجة الوزير سيرغي لافروف الذي أبدى استياءه حيال «سياسة ترمب التي لم تتبدل عن سياسة سلفه». وأقر مساعد بوتين لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف، بـ«صعوبات أمام تطبيع العلاقة مع واشنطن»، ولوّح بأن موسكو ستواصل فرض رؤيتها للسلام في ساحة المعركة إذا فشلت الدبلوماسية.
ورغم ذلك، ما زال الكرملين وبعد الإقرار بأن تفاهمات ألاسكا لم تنعكس في وثيقة ملزمة ومكتوبة، يعوّل على أن الرئيس الأميركي لم يتراجع نهائياً عن «روح أنكوراج».
الواقع الميداني
المرتكز الثالث لبوتين هو الواقع الميداني الراهن. وقد أكد الرئيس الروسي أن المفاوضات يجب أن تنطلق «من الحقائق الموجودة على الأرض، وليس من تصورات وهمية»، مشيراً إلى التقدم المستمر للقوات الروسية. تواجه هذه القناعة مشكلات جدية بينها أن أوكرانيا حققت، وفقاً لخبراء غربيين، نوعاً من توازن الضغط الميداني رغم التفاوت الكبير في القدرات العسكرية بين البلدين. وقد حوّلت ضربات المسيّرات في العمق الروسي مسار القتال بشكل ملحوظ خلال العام الأخير. وفي مقابل تمسك موسكو باستراتيجية التوسع الميداني البطيء ولكن الثابت في مناطق شرق وجنوب أوكرانيا، نجحت كييف في ضرب استقرار إمدادات الوقود داخل روسيا ووجّهت ضربات جدية إلى قطاع السياحة وحرمت موسكو عملياً من جزء مهم من عوائد ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب الإيرانية. كما أسفرت هجمات المسيّرات المكثفة واليومية عن تراجع مستوى الثقة الداخلية بأن الحرب مقبلة على مراحلها النهائية.
أما المرتكز الرابع فقد بُني على الرؤية الاستراتيجية التي قدمها بوتين في خطابه أمام وزارة الخارجية الروسية في يونيو (حزيران) 2024، والتي ترسم الخطوط العريضة للسياسة الخارجية والأمنية الروسية. تقوم الرؤية على عدم التراجع عن الأراضي التي ضمَّتها موسكو واشتراط إقرار دولي وإقليمي بالتوسع الروسي، فضلاً عن أنها تضع شروطا أمام سياسات كييف الداخلية (حجم الجيش، ونوعية تسليحه، ورؤية الانتخابات المحلية، وعدم حرمان الناطقين بالروسية من المشاركة السياسية... من بين شروط أخرى). كما تضع هذه الرؤية شروطاً أقسى على السياسة الخارجية الأوكرانية لجهة الحياد الكامل وحرمان كييف من الانضمام إلى أي تحالفات ترى فيها موسكو ضرراً بأمنها القومي. اللافت هنا أن هذه الشروط لم تتغير بل زادت تشدداً، وبعدما كان الإصرار الروسي يتوقف عند حلف شمال الأطلسي، فقد اتسعت خطوط بوتين الحمراء خلال العام الأخير، وبدأ الكرملين يتحدث عن رفض الانضمام الأوكراني إلى الاتحاد الأوروبي أيضاً، الذي وفقاً لتعبير مقربين من بوتين «يتحوّل سريعاً من تكتل اقتصادي إلى تحالف عسكري أكثر ضرراً وخطورة على روسيا من حلف شمال الأطلسي».
مواصلة حرب الاستنزاف
في هذا السياق، يرى خبراء أن خيارات بوتين مع تحوّل لهجة واشنطن، واستمرار التصعيد مع أوروبا تتجه أكثر نحو تشديد الضغط العسكري على أوكرانيا من خلال توسيع قاعدة الضربات اليومية والاستهداف التدريجي لمراكز صنع القرار السياسي والبنى التحتية الاقتصادية والصناعية. وقبل أيام، أكد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، أن «الدول الغربية لا ينبغي أن تشك في تصميم روسيا على تحقيق أهداف العملية العسكرية». وأشار إلى ملاحظة «عناصر انجراف» في الموقف الأميركي بعيداً عن التفاهمات السابقة، معرباً عن أمله في «ألا يتحول إلى مراجعة كاملة للنهج الأميركي».
وأكد ريابكوف استمرار الحوار مع واشنطن رغم عدم وجود اتفاقات محددة حول موعد أو مستوى استئناف المناقشات الجوهرية.
لكن، وخلافاً لتأكيدات محللين غربيين بأن بوتين يواجه أزمة داخلية متصاعدة قد تضطره إلى اللجوء إلى خيارات «ليست شعبية» مثل التعبئة العسكرية الكاملة، وفرض تدابير إلزامية قاسية، يبدو المشهد الداخلي أكثر هدوءاً من توقعات الغرب. وقد نجح الكرملين في تعويض الخسائر على الجبهات عبر سياسة العقود العسكرية التي انخرط من خلالها مئات الألوف من المتعاقدين، ولا يبدو الكرملين بحاجة إلى فرض إجراءات أخرى حالياً. ونجح الكرملين أيضاً في تكريس واقع اقتصادي يقوم على «كل الجهد لصالح المعركة» لكنه ثابت وهادئ داخلياً ولا ينذر بتفاقمات كبرى. ويرى خبراء أن روسيا ما زالت قادرة على مواصلة حرب استنزاف لسنوات عدة، من دون أن تواجه هزات داخلية واسعة.

مخاطر توسيع رقعة الحرب
وسط الأجواء الميدانية المتفاقمة، بدا أن المخاوف من اتساع نطاق التصعيد العسكري سيطرت على المشهد بشكل متزايد. وبرزت تحذيرات متزايدة في روسيا وجارتها الأقرب بيلاروسيا من توسيع رقعة الحرب والقيام بـ«استفزازات» تستهدف جر مينسك للانخراط مباشرةً إلى المواجهة.
كان الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، قد قال إنه أخبر ممثلي الرئيس فولوديمير زيلينسكي بأن «طبيعة الحرب ستتغير على الفور في حال تم جرّ بيلاروسيا إليها».
وأشار إلى أن زيلينسكي ردّ على هذا التصريح بأن كييف تدرك أنه لا يجب جرّ مينسك إلى النزاع. وتابع: «دعونا نتوصل إلى اتفاق، يجب أن يكون الاتفاق جوهرياً. لا داعي لإثارة الغبار ولا داعي للصراخ. لا نريد قتال الأوكرانيين، موقفنا سلمي ولكن في جميع الأحوال، سنكون إلى جانب روسيا إذا دعت الحاجة».
اللافت أن مينسك كررت تحذيراتها من محاولات جرّها إلى دائرة الصراع خلال زيارة يقوم بها لوكاشينكو إلى الصين. وبدا أن هذا الموضوع أحد المحاور المطروحة على طاولة محادثاته مع الزعيم الصيني شي جينبينغ.
وكان لافتاً أيضاً أن وزارة الخارجية البيلاروسية أصدرت بياناً شديد اللهجة خلال وجود لوكاشينكو في بكين، أكدت فيه استعداد مينسك لاستخدام كل قدراتها لمواجهة أي اختراق للحدود من جانب أوكرانيا أو تهديدات خارجية تتعرض لها بيلاروسيا.
في غضون ذلك، بدا أن أوكرانيا تعمل أيضاً على تعزيز شراكتها العسكرية مع حلفائها في الاتحاد الأوروبي، وأعلن رئيس وزراء لاتفيا أندريس كولبيرغس، عزم بلاده بالشراكة مع أوكرانيا على إنشاء مصنع مشترك لإنتاج الطائرات المسيّرة على الحدود مع روسيا وبيلاروسيا.
وجاءت تصريحات كولبيرغس خلال زيارة لقاعدة عسكرية في منطقة لاتغاليا، حيث أكد أن المشروع يأتي في إطار توسيع التعاون بين لاتفيا وأوكرانيا في مجال الصناعات العسكرية، بما يشمل إنشاء مصنع مشترك لإنتاج الطائرات المسيّرة على الحدود اللاتفية. وأضاف أن بلاده تخطط أيضاً لاستخدام طائرات مسيّرة اعتراضية للتصدي للمسيّرات التي تخترق الحدود مع روسيا وبيلاروسيا، موضحاً أن ذلك سيحدّ من الحاجة إلى إقلاع الطائرات العسكرية في كل مرة، وهو خيار وصفه بأنه مرتفع التكلفة؛ كونه ليس الأفضل ولا الأكثر إنتاجية.
كانت موسكو قد صعَّدت لهجتها تجاه الأوروبيين، وحذَّرت من التعامل معها بلغة «الإنذارات النهائية» في وقت استعد الاتحاد الأوروبي لفرض الرزمة الـ21 من العقوبات على روسيا، وحذر قادته من أن على موسكو أن تختار طريق السلام.
