تصعيد ميداني يحدد «سقف التفاوض» بين روسيا وأوكرانيا

مرتكزات بوتين للتسوية... شروط تواجه تحوّلات الموقف الأميركي وتصاعد التوترات مع أوروبا

حريق عقب هجوم روسي على العاصمة الأوكرانية كييف يوم 8 يوليو 2026 (رويترز)
حريق عقب هجوم روسي على العاصمة الأوكرانية كييف يوم 8 يوليو 2026 (رويترز)
TT

تصعيد ميداني يحدد «سقف التفاوض» بين روسيا وأوكرانيا

حريق عقب هجوم روسي على العاصمة الأوكرانية كييف يوم 8 يوليو 2026 (رويترز)
حريق عقب هجوم روسي على العاصمة الأوكرانية كييف يوم 8 يوليو 2026 (رويترز)

انعكس جمود العملية السياسية، وتراجع التعويل على تحرك أميركي حاسم لدفع التسوية على الوضع الميداني على طرفي جبهات القتال في روسيا أوكرانيا؛ ففي مقابل ارتفاع منسوب هجمات المسيّرات الأوكرانية داخل العمق الروسي، أطلقت موسكو هجوماً واسعاً في محيط دونيتسك وزابوريجيا؛ في مسعى للضغط على كييف وتحقيق إنجازات ميدانية تعوّض الخسائر التي سبَّبتها الوتائر المتصاعدة للهجمات على البنى التحتية في مدن روسية عدة.

غداة إعلان الكرملين أنه لا يتوقع قريباً زيارة للمبعوثين الأميركيين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لبحث فرص دفع التسوية السياسية، بدا أن التصعيد الميداني يسيطر على المشهد بشكل كامل. وكان الكرملين قد أشار إلى «انشغال» مبعوثي الرئيس دونالد ترمب بـ«ملفات أخرى»؛ مما أعطى انطباعاً بعدم توقع موسكو تنشيط المسار السياسي قريباً.

لكن التصعيد الميداني الواسع أخيراً، على طرفي جبهات القتال، بدا مرتبطاً أكثر ليس بمحاولة تسجيل توسّع على الأرض يحدد خرائط جديدة ونهائية للتفاوض وفقاً للمنظور الروسي خلال العامين الأخيرين، بل بتحسين الشروط التفاوضية بعدما أيقنت موسكو وكييف أن الموقف الأميركي بعد الحرب الإيرانية آخذ في التبدل، وأن واشنطن لن تضغط مجدداً على الأوكرانيين لتقديم «تنازلات مؤلمة» كما حصل في وقت سابق، كما أنها لم تعد تبدو متحمسة للقبول بشروط بوتين لوقف فوري للقتال.

تحولات واشنطن

واللافت أن موسكو ظلت حريصة على إبراز رهانها الثابت على الوساطة الأميركية رغم مؤشرات واضحة إلى تحوّل جدي في الموقف الأميركي برز خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا. ومع أن ترمب تعمّد استباق القمة بإجراء مكالمة هاتفية مطولة مع نظيره الروسي أكد خلالها رغبته في استئناف جهود السلام، واستبق كذلك لقاءه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة الناتو بإطلاق تصريحات متفائلة قال فيها إن التوصل إلى حل للحرب الدائرة منذ أكثر من أربع سنوات في أوكرانيا «بات أقرب ⁠مما يتصور كثيرون»، لكنَّ اللقاء مع الرئيس الأوكراني انتهى بإشارة واضحة إلى تبدّل مهم في موقف الإدارة الأميركية التي كانت قد أوقفت سابقاً برامج للتعاون العسكري مع كييف لإجبارها على تقديم تنازلات.

اتضح أن القراءة الأوكرانية المدعومة بالموقف الأوروبي كانت أكثر دقة، بعدما بدا أن الطرفين الروسي والأوكراني يراقبان الموقف الأميركي المتجدد. وقال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف إنه يعتقد أن الموقف الأميركي بشأن كيفية حل الصراع «لا يزال دون ‌تغيير»، فيما قال زيلينسكي في مقابلة مع ‌صحيفة «فاينانشال تايمز» إنه يعتقد أن ترمب «بات ينظر إلى الصراع من زاوية جديدة في ضوء النجاحات الأوكرانية في الآونة الأخيرة».

هذه «الزاوية الجديدة» أثمرت موافقة أميركية على مطلب قديم لزيلينسكي للحصول على ترخيص لإنتاج مشترك لصواريخ «باتريوت» التي تحتاج إليها كييف بشدة، وهو أمر كان الكرملين قد نبّه إليه بشدة في السابق، وأكد أن طلبات أوكرانيا المستمرة للحصول على أنواع جديدة من الأسلحة «لن تمنع استمرار العملية العسكرية، والتسوية لن تتحقق إلا عندما تستعد كييف لاتخاذ القرارات اللازمة للسلام».

فُسّر الضوء الأخضر الأميركي بطرق مختلفة في كييف وموسكو. ففي مقابل الارتياح الأوكراني الواسع، شكك خبراء في روسيا بحجم هذا التحوّل من خلال الإشارة إلى أن «كييف تحتاج إلى الصواريخ الآن، وهذه مجرد وعود بإنتاج مشترك في المستقبل وليست خطوات عملية لدعم أوكرانيا». لكن المهم هنا أن ترمب بدا مجدداً اللاعب الوحيد والأقوى القادر على إدارة عملية المفاوضات.

ووفقاً لخبراء، فإن التحول الحاصل في الموقف الأميركي يعني أن واشنطن ستكون أقل ميلاً للضغط على كييف، لكنها، في الوقت ذاته، لا تتراجع عن بذل جهود لتسريع عملية إنهاء الحرب وضمان الحد الأدنى لمصالح الطرفين الروسي والأوكراني.

مرتكزات بوتين

في هذه الأجواء، سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إعادة رسم ملامح المرتكزات التي تضعها إدارته للقبول بوقف نهائي للقتال، ورسم ملامح التسوية المقبلة. وخلال اجتماعه قبل أيام، مع أعضاء الحكومة الروسية، وضع أربعة أسس تستند إليها رؤية موسكو لأي مفاوضات محتملة لإنهاء الصراع في أوكرانيا.

انطلق بوتين من أن استعداد بلاده للحوار السلمي ليس وليد اللحظة، بل يستند إلى تفاهمات سابقة، مع رفض قاطع لما وصفها بـ«محاولات خلق واقع مزيف» عبر الضربات العسكرية المتواصلة داخل العمق الروسي.

لكن قراءة الشروط التي وضعها بوتين تُظهر أنه ما زال بعيداً عن القبول باتفاقية تقوم على «حل وسط» يُرضي كل الأطراف المنخرطة في الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بما في ذلك أوروبا التي واصلت تعزيز دورها وتأكيد عزمها على المشاركة في رسم ملامح أي تسوية مستقبلية.

في هذا السياق، قامت مرتكزات السلام المنشود من جهة الكرملين على قراءة روسية للتفاهمات السابقة وليس على تعامل مع المتغيرات السياسية والعسكرية الجارية، وفقاً لتحليل خبراء.

وهكذا فقد تمسك بوتين بـ«اتفاقيات إسطنبول 2022» كمرتكز أساسي أول لأي عملية تفاوضية مستقبلية، في إشارةٍ إلى أن الوفد الأوكراني في جولات التفاوض السابقة كان قد وقّع بشكل مبدئي على تفاهمات محددة تضع إطاراً عاماً للنقاش حول بنود التسوية المستقبلية، مما يعني قبولها من جانب كييف، ورأى أنه «لا سبب لدى روسيا للتراجع عنها».

الإطار الثاني تمثّل في «آليات أنكوراج»، في إشارة إلى تفاهمات غامضة تم التوصل إليها خلال القمة الوحيدة التي جمعت الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب في ألاسكا العام الماضي. وهي تفاهمات رغم أنها لم تترجَم إلى وثائق موقَّعة، لكنها من وجهة النظر الروسية تُعدّ الإطار المؤسسي والتقني الذي تم رسم ملامحه لضمان تنفيذ أي تفاهمات مستقبلية.

اللافت هنا أن تلك التفاهمات تحدثت عن إقرار أميركي بمكسبين مهمين للكرملين، أولهما مبدأ التنازل عن الأراضي من جانب أوكرانيا، والآخر هو استبعاد أوروبا من المرحلة الأولى لرسم ملامح اتفاق سلام بين موسكو وكييف. ويفسر هذا تمسك بوتين بتلك التفاهمات رغم تراجع لهجة البيت الأبيض لاحقاً، في التعامل معها بوصفها «اتفاقاً كاملاً» يحدد ملامح التسوية المستقبلية.

ومع تراجع اللهجة الأميركية، وحديث الوزير ماركو روبيو عن «عدم وجود اتفاقات موثقة»، اضطر الكرملين إلى الإقرار بواقع جديد في تعامل الإدارة الأميركية مع ملف التسوية. وشنت دوائر الكرملين هجوماً غير مباشر على واشنطن، حسبما ظهر في لهجة الوزير سيرغي لافروف الذي أبدى استياءه حيال «سياسة ترمب التي لم تتبدل عن سياسة سلفه». وأقر مساعد بوتين لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف، بـ«صعوبات أمام تطبيع العلاقة مع واشنطن»، ولوّح بأن موسكو ستواصل فرض رؤيتها للسلام في ساحة المعركة إذا فشلت الدبلوماسية.

ورغم ذلك، ما زال الكرملين وبعد الإقرار بأن تفاهمات ألاسكا لم تنعكس في وثيقة ملزمة ومكتوبة، يعوّل على أن الرئيس الأميركي لم يتراجع نهائياً عن «روح أنكوراج».

الواقع الميداني

المرتكز الثالث لبوتين هو الواقع الميداني الراهن. وقد أكد الرئيس الروسي أن المفاوضات يجب أن تنطلق «من الحقائق الموجودة على الأرض، وليس من تصورات وهمية»، مشيراً إلى التقدم المستمر للقوات الروسية. تواجه هذه القناعة مشكلات جدية بينها أن أوكرانيا حققت، وفقاً لخبراء غربيين، نوعاً من توازن الضغط الميداني رغم التفاوت الكبير في القدرات العسكرية بين البلدين. وقد حوّلت ضربات المسيّرات في العمق الروسي مسار القتال بشكل ملحوظ خلال العام الأخير. وفي مقابل تمسك موسكو باستراتيجية التوسع الميداني البطيء ولكن الثابت في مناطق شرق وجنوب أوكرانيا، نجحت كييف في ضرب استقرار إمدادات الوقود داخل روسيا ووجّهت ضربات جدية إلى قطاع السياحة وحرمت موسكو عملياً من جزء مهم من عوائد ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب الإيرانية. كما أسفرت هجمات المسيّرات المكثفة واليومية عن تراجع مستوى الثقة الداخلية بأن الحرب مقبلة على مراحلها النهائية.

أما المرتكز الرابع فقد بُني على الرؤية الاستراتيجية التي قدمها بوتين في خطابه أمام وزارة الخارجية الروسية في يونيو (حزيران) 2024، والتي ترسم الخطوط العريضة للسياسة الخارجية والأمنية الروسية. تقوم الرؤية على عدم التراجع عن الأراضي التي ضمَّتها موسكو واشتراط إقرار دولي وإقليمي بالتوسع الروسي، فضلاً عن أنها تضع شروطا أمام سياسات كييف الداخلية (حجم الجيش، ونوعية تسليحه، ورؤية الانتخابات المحلية، وعدم حرمان الناطقين بالروسية من المشاركة السياسية... من بين شروط أخرى). كما تضع هذه الرؤية شروطاً أقسى على السياسة الخارجية الأوكرانية لجهة الحياد الكامل وحرمان كييف من الانضمام إلى أي تحالفات ترى فيها موسكو ضرراً بأمنها القومي. اللافت هنا أن هذه الشروط لم تتغير بل زادت تشدداً، وبعدما كان الإصرار الروسي يتوقف عند حلف شمال الأطلسي، فقد اتسعت خطوط بوتين الحمراء خلال العام الأخير، وبدأ الكرملين يتحدث عن رفض الانضمام الأوكراني إلى الاتحاد الأوروبي أيضاً، الذي وفقاً لتعبير مقربين من بوتين «يتحوّل سريعاً من تكتل اقتصادي إلى تحالف عسكري أكثر ضرراً وخطورة على روسيا من حلف شمال الأطلسي».

مواصلة حرب الاستنزاف

في هذا السياق، يرى خبراء أن خيارات بوتين مع تحوّل لهجة واشنطن، واستمرار التصعيد مع أوروبا تتجه أكثر نحو تشديد الضغط العسكري على أوكرانيا من خلال توسيع قاعدة الضربات اليومية والاستهداف التدريجي لمراكز صنع القرار السياسي والبنى التحتية الاقتصادية والصناعية. وقبل أيام، أكد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، أن «الدول الغربية لا ينبغي أن تشك في تصميم روسيا على تحقيق أهداف العملية العسكرية». وأشار إلى ملاحظة «عناصر انجراف» في الموقف الأميركي بعيداً عن التفاهمات السابقة، معرباً عن أمله في «ألا يتحول إلى مراجعة كاملة للنهج الأميركي».

وأكد ريابكوف استمرار الحوار مع واشنطن رغم عدم وجود اتفاقات محددة حول موعد أو مستوى استئناف المناقشات الجوهرية.

لكن، وخلافاً لتأكيدات محللين غربيين بأن بوتين يواجه أزمة داخلية متصاعدة قد تضطره إلى اللجوء إلى خيارات «ليست شعبية» مثل التعبئة العسكرية الكاملة، وفرض تدابير إلزامية قاسية، يبدو المشهد الداخلي أكثر هدوءاً من توقعات الغرب. وقد نجح الكرملين في تعويض الخسائر على الجبهات عبر سياسة العقود العسكرية التي انخرط من خلالها مئات الألوف من المتعاقدين، ولا يبدو الكرملين بحاجة إلى فرض إجراءات أخرى حالياً. ونجح الكرملين أيضاً في تكريس واقع اقتصادي يقوم على «كل الجهد لصالح المعركة» لكنه ثابت وهادئ داخلياً ولا ينذر بتفاقمات كبرى. ويرى خبراء أن روسيا ما زالت قادرة على مواصلة حرب استنزاف لسنوات عدة، من دون أن تواجه هزات داخلية واسعة.

الدخان يتصاعد عقب هجوم بمسيّرات أوكرانية على مصفاة نفط في موسكو يوم 18 يونيو 2026 (رويترز)

مخاطر توسيع رقعة الحرب

وسط الأجواء الميدانية المتفاقمة، بدا أن المخاوف من اتساع نطاق التصعيد العسكري سيطرت على المشهد بشكل متزايد. وبرزت تحذيرات متزايدة في روسيا وجارتها الأقرب بيلاروسيا من توسيع رقعة الحرب والقيام بـ«استفزازات» تستهدف جر مينسك للانخراط مباشرةً إلى المواجهة.

كان الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، قد قال إنه أخبر ممثلي الرئيس فولوديمير زيلينسكي بأن «طبيعة الحرب ستتغير على الفور في حال تم جرّ بيلاروسيا إليها».

وأشار إلى أن زيلينسكي ردّ على هذا التصريح بأن كييف تدرك أنه لا يجب جرّ مينسك إلى النزاع. وتابع: «دعونا نتوصل إلى اتفاق، يجب أن يكون الاتفاق جوهرياً. لا داعي لإثارة الغبار ولا داعي للصراخ. لا نريد قتال الأوكرانيين، موقفنا سلمي ولكن في جميع الأحوال، سنكون إلى جانب روسيا إذا دعت الحاجة».

اللافت أن مينسك كررت تحذيراتها من محاولات جرّها إلى دائرة الصراع خلال زيارة يقوم بها لوكاشينكو إلى الصين. وبدا أن هذا الموضوع أحد المحاور المطروحة على طاولة محادثاته مع الزعيم الصيني شي جينبينغ.

وكان لافتاً أيضاً أن وزارة الخارجية البيلاروسية أصدرت بياناً شديد اللهجة خلال وجود لوكاشينكو في بكين، أكدت فيه استعداد مينسك لاستخدام كل قدراتها لمواجهة أي اختراق للحدود من جانب أوكرانيا أو تهديدات خارجية تتعرض لها بيلاروسيا.

في غضون ذلك، بدا أن أوكرانيا تعمل أيضاً على تعزيز شراكتها العسكرية مع حلفائها في الاتحاد الأوروبي، وأعلن رئيس وزراء لاتفيا أندريس كولبيرغس، عزم بلاده بالشراكة مع أوكرانيا على إنشاء مصنع مشترك لإنتاج الطائرات المسيّرة على الحدود مع روسيا وبيلاروسيا.

وجاءت تصريحات كولبيرغس خلال زيارة لقاعدة عسكرية في منطقة لاتغاليا، حيث أكد أن المشروع يأتي في إطار توسيع التعاون بين لاتفيا وأوكرانيا في مجال الصناعات العسكرية، بما يشمل إنشاء مصنع مشترك لإنتاج الطائرات المسيّرة على الحدود اللاتفية. وأضاف أن بلاده تخطط أيضاً لاستخدام طائرات مسيّرة اعتراضية للتصدي للمسيّرات التي تخترق الحدود مع روسيا وبيلاروسيا، موضحاً أن ذلك سيحدّ من الحاجة إلى إقلاع الطائرات العسكرية في كل مرة، وهو خيار وصفه بأنه مرتفع التكلفة؛ كونه ليس الأفضل ولا الأكثر إنتاجية.

كانت موسكو قد صعَّدت لهجتها تجاه الأوروبيين، وحذَّرت من التعامل معها بلغة «الإنذارات النهائية» في وقت استعد الاتحاد الأوروبي لفرض الرزمة الـ21 من العقوبات على روسيا، وحذر قادته من أن على موسكو أن تختار طريق السلام.


مقالات ذات صلة

واشنطن تضبط نيران البحر الأسود... تطلب من كييف تعليق استهداف السفن في ميناء نوفوروسيسك

أوروبا مسيرات انتحارية في تايوان خلال تدريبات عسكرية يوم 8 أغسطس (إ.ب.أ) p-circle

واشنطن تضبط نيران البحر الأسود... تطلب من كييف تعليق استهداف السفن في ميناء نوفوروسيسك

واشنطن تضبط نيران البحر الأسود... تطلب من كييف تعليق استهداف السفن في ميناء نوفوروسيسك، وبوتين يهدد بالاستيلاء على سفن غربية.

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا جنود أوكرانيون يجهزون مسيرة هجومية تستحدم في عمليات ضد مواقع الروسية (ا.ب)

مسيّرات تستهدف مبان سكنية في نوفوروسيسك الروسية

قال ‌أندريه كرافتشينكو رئيس بلدية مدينة نوفوروسيسك الروسية المطلة على البحر الأسود، ​إن حطام طائرات مسيرة ألحق أضرارا بستة مبان سكنية في المدينة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أوكرانيتان تجلسان مع كلبيهما بعد هجوم صاروخي روسي على زابوريجيا الاثنين (أ.ب) p-circle

زيلينسكي يتهم روسيا باستخدام صواريخ باليستية كورية شمالية في قصف أوكرانيا

زيلينسكي يتهم روسيا باستخدام صواريخ باليستية كورية شمالية في قصف أوكرانيا وبالمقابل طلب من سيول تزويده بأنظمة دفاعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو قبالة محطة كوزمينو في خليج ناخودكا بروسيا (رويترز)

ارتفاع حاد في أسعار الديزل مع تقلص المعروض العالمي

ارتفعت أسعار الديزل في الولايات المتحدة وأوروبا ارتفاعاً حاداً، بعد أن أدت الهجمات على مصافي تكرير في روسيا إلى تفاقم اضطرابات الإمدادات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أحد السكان يقف بجوار مبنى تضرر جراء غارة صاروخية روسية ليلية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في زابوريجيا (رويترز)

زيلينسكي: روسيا استخدمت صواريخ باليستية كورية شمالية في قصف زابوريجيا

أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الثلاثاء)، أن الجيش الروسي استخدم «صواريخ باليستية كورية شمالية» لضرب مدينة زابوريجيا في جنوب أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
TT

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006 من «قواعد اشتباك» غير مكتوبة نجحت في ضبط إيقاع الصراع طوال نحو 17 سنةً، يبدو أنه انهار مع الحرب الأخيرة، التي أعادت رسم البيئة العملياتية على الجبهة الجنوبية، وفرضت معادلات جديدة تقوم على المنطقة العازلة، والسيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، وحرية العمل العسكري الإسرائيلي. وبين حربين تفصل بينهما 20 سنة، لا تقتصر المقارنة على تطوّر الأسلحة أو تبدّل موازين القوى، بل تمتد إلى العقيدة العسكرية التي حكمت الصراع. ففي حين قامت قواعد ما بعد عام 2006 على الردع المتبادل ورفع كلفة الحرب على الطرفين، أفرزت «حرب 2026» نموذجاً مختلفاً، تسعى إسرائيل من خلاله إلى تعطيل قدرات «حزب الله» قبل استخدامها، مستفيدة من التفوّق الاستخباراتي والتكنولوجي، ومن الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة العسكرية.

لا يقتصر التحوّل في الوضع العسكري بين لبنان وإسرائيل على الأدوات العسكرية، بل يشمل أيضاً فلسفة إدارة الصراع؛ إذ بعدما كان الهدف الأساسي خلال السنوات التي أعقبت «حرب 2006» منع انزلاق الجبهة إلى مواجهة واسعة، أصبحت المواجهة اليوم تُدار وفق قواعد مختلفة تقوم على المبادرة والضربات الاستباقية، ومحاولة فرض الوقائع الميدانية قبل أن تتحول إلى تهديد.

قواعد 2006... كيف وُلدت؟

لفهم طبيعة التحول الذي شهدته الجبهة الجنوبية، يرى اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي أن العودة إلى حرب يوليو (تموز) 2006 وحدها لا تكفي؛ لأن جذور قواعد الاشتباك تعود إلى تفاهم أبريل (نيسان) 1996 الذي أعقب عملية «عناقيد الغضب». قال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» شارحاً إن «الاستهداف كان يقتصر على العسكريين، وإذا جرى استهداف المدنيين من أحد الطرفين كان يُقابَل باستهداف مماثل للمدنيين من الطرف الآخر».

وأردف أن هذه القواعد «تكرّست بصورة أوضح بعد حرب 2006؛ إذ أصبحت عمليات (حزب الله) العسكرية محصورة بالمناطق المحتلة، ولا سيما مزارع شبعا، بينما كان الرد على عمليات الاغتيال الإسرائيلية يجري غالباً ضمن هذا الإطار، بما يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة».

شحيتلي أوضح أيضاً «أن مرحلة ما بعد حرب 2006 لم تكن مرحلة سلام، بل مرحلة إدارة دقيقة للصراع. فالحزب التزم بما نص عليه القرار 1701 لناحية سحب أسلحته الثقيلة والصاروخية من جنوب الليطاني، فيما بدأ الطرفان، الإسرائيلي و(حزب الله)، مباشرة التحضير للمواجهة التالية».

وتابع: «إسرائيل كانت تتحضر للحرب المقبلة، وكذلك الحزب، وكان كل طرف يراقب تحركات الآخر. الإسرائيليون كانوا يتحدثون عن إنشاء تحصينات أو رصد أعمال ميدانية للحزب، فيما كان لبنان يعتبر أن كل ما يجري داخل أراضيه يدخل ضمن الإجراءات الدفاعية ولا يبرر أي تدخل إسرائيلي». ومن ثم «خلال تلك المرحلة، تشكلت منظومة ردع غير معلنة، قوامها أن أي تصعيد واسع سيقود إلى رد واسع، وهو ما أفرز معادلات مثل (بيروت مقابل تل أبيب) و«الضاحية مقابل حيفا). ولم تكن هذه المعادلات تعني تكافؤاً في القدرات العسكرية، بقدر ما كانت تعكس تكافؤاً في كلفة الحرب؛ إذ امتلك كل طرف القدرة على إلحاق أضرار يصعب على الطرف الآخر تحملها سياسياً وعسكرياً».

وهنا يلفت اللواء شحيتلي إلى أن «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) لعبت خلال تلك المرحلة دوراً محورياً في منع التصعيد... وأي حادث ميداني، مهما كان محدوداً، كان يُعالج عبر قنوات الارتباط بين الجيش اللبناني و(اليونيفيل) والجيش الإسرائيلي، مع تدخلات أميركية حالت دون تحول الحوادث الموضعية إلى حرب واسعة». ويستطرد، من ثم، ليشير إلى أن هذه المنظومة بقيت تحكم الحدود لسنوات طويلة، إلى أن بدأت تتآكل تدريجياً مع تبدل البيئة الإقليمية والعسكرية، قبل أن تصل إلى نقطة الانهيار مع الحرب الأخيرة، التي لم تغيّر حجم العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً طبيعة قواعد الاشتباك التي استقرت منذ عام 2006.

لماذا انهارت قواعد الاشتباك التي كرّستها حرب 2006؟

إذا كانت قواعد الاشتباك التي أرستها حرب يوليو (تموز) 2006 قد نجحت في ضبط المواجهة على مدى سنوات طويلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الذي أدى إلى انهيارها؟

العميد الركن المتقاعد بهاء حلّال قال، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن الإجابة لا ترتبط بنتيجة الحرب الأخيرة وحدها، بل بمجموعة تحوّلات استراتيجية وعسكرية تراكمت تدريجياً، قبل أن تبلغ ذروتها مع الحرب التي أعقبت السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والتي أفرزت بيئة عملياتية تختلف جذرياً عن تلك التي سادت بعد عام 2006.

وبحسب حلّال: «حرب 2006 أفرزت منظومة ردع متبادل استندت إلى أربعة مرتكزات أساسية، هي: الردع المتبادل، ومعادلة بيروت مقابل تل أبيب، ومعادلة الضاحية مقابل حيفا، إضافة إلى احترام نسبي للقرار 1701 الذي أبقى الحدود البرية مستقرة نسبياً رغم الخروقات الجوية الإسرائيلية».

وأوضح أن «معادلة بيروت مقابل تل أبيب كرّست توازناً يقوم على أن أي استهداف واسع للعاصمة اللبنانية قد يقابله استهداف للعمق الإسرائيلي، بما فيه تل أبيب، فيما قامت معادلة الضاحية مقابل حيفا على أن أي تدمير واسع للضاحية الجنوبية سيُقابل باستهداف المدن الإسرائيلية الكبرى، وفي مقدمها حيفا، الأمر الذي رفع كلفة أي تصعيد وجعل الطرفين أكثر حذراً في استخدام القوة».

ثم شرح أن «إسرائيل كانت تمتلك التفوق الجوي والاستخباراتي، فيما امتلك (حزب الله) قدرة صاروخية قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، ما جعل كلفة الحرب مرتفعة على الطرفين، ورسّخ معادلات ردع حالت دون اندلاع مواجهة واسعة لسنوات».

لبنان: 5 قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة

ووفق حلال، هذه المنظومة لم تسقط بفعل عامل واحد، بل نتيجة «خمسة متغيرات استراتيجية رئيسة، هي: تغير البيئة الإقليمية بعد هجوم السابع من أكتوبر، ودخول الجبهة اللبنانية في حرب استنزاف طويلة، واتساع استخدام المسيّرات الدقيقة، والتطوّر غير المسبوق في القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية، إضافة إلى تراجع فاعلية الردع التقليدي مع استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة».

واستطرد مشدداً على أن «هذه المتغيرات لم تبدّل شكل العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً فلسفة إدارة الصراع. فبدلاً من أن يكون الردع المتبادل هو الآلية الأساسية لمنع الحرب، أصبحت الأولوية لدى إسرائيل تتمثّل في منع تشكل التهديد أصلاً، من خلال المراقبة المستمرة، والاستهداف المسبق، وحرمان الخصم من إعادة بناء قدراته».

وهنا حدّد حلّال خمس قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة؛ إذ قال إن «القاعدة الأولى تتمثل في إنشاء منطقة عازلة بالنار، بحيث لم تعد إسرائيل تعتمد فقط على وجود قواتها على الحدود، بل على الاستطلاع الدائم والمسيّرات والضربات الجوية والاغتيالات لمنع إعادة بناء البنية العسكرية، وهكذا أصبحت المنطقة العازلة منطقة نارية أكثر منها منطقة احتلال».

أما القاعدة الثانية، وفق حلاّل، فهي «توسيع حرية العمل الإسرائيلي داخل لبنان بهدف منع تراكم القدرات العسكرية قبل استخدامها... أي الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي».

وأما القاعدة الثالثة «فتقوم على السيطرة بالنار عبر الاستطلاع المستمر ثم اكتشاف الأهداف واستهدافها فوراً، بما يعني الانتقال من الردع إلى الهيمنة العملياتية بالنار». ثم استأنف كلامه ليقول إن «القاعدة الرابعة تقوم على الضربات الاستباقية؛ إذ لم يعد العمل العسكري ينتظر وقوع التهديد، بل أصبح التهديد المحتمل مبرراً كافياً لتنفيذ الضربة. وأخيراً... تتمثل القاعدة الخامسة في اعتماد ردود موضعية وتكتيكية محدودة واحتواء سريع للتصعيد، بدلاً من الردود الاستراتيجية الواسعة التي كانت سائدة بعد حرب 2006».وهكذا، يعتبر حلّال أن التحول العملياتي الأبرز يتمثل في انتقال مركز الثقل «من توازن القوة إلى توازن المعلومات، حيث أصبحت الاستخبارات وسرعة كشف الأهداف العامل الحاسم، كما انتقلت المبادرة العملياتية بدرجة أكبر إلى الطرف القادر على فرض إيقاع الاشتباك من خلال الضربات الاستباقية والسيطرة على المجال الجوي»، ويؤكد أن «الردع لم يعد قائماً فقط على التهديد بتدمير المدن، بل بات يعتمد بصورة متزايدة على تعطيل القدرات العسكرية للطرف المقابل قبل استخدامها، وهو ما يقترب من مفهوم الردع بالحرمان إلى جانب الردع بالعقاب».

ومن هنا، فإن الفارق الجوهري، بحسب العميد والمحلل العسكري اللبناني، بين مرحلتي 2006 و2026، يتمثل في أن قواعد الاشتباك السابقة كانت تهدف إلى منع الحرب عبر رفع كلفتها على الطرفين، بينما تقوم القواعد الحالية على إدارة التصعيد بصورة مستمرة، وفرض السيطرة بالنار، والمحافظة على حرية العمل العسكري، مع السعي إلى منع الخصم من استعادة قدراته قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.

من الردع المتبادل إلى قواعد جديدة

في صعيد موازٍ، إذا كان انهيار قواعد الاشتباك التي كرستها حرب يوليو 2006 يفسّر التحوّل الذي شهدته الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما القواعد التي تحكم المواجهة اليوم؟

عن هذا السؤال، أجاب العميد الركن المتقاعد فادي داود بـ«أن الحرب الأخيرة لم تبدّل قواعد الاشتباك فحسب، بل غيّرت طبيعة الحرب نفسها، بعدما انتقلت إسرائيل من سياسة تقوم على الردع المتبادل إلى استراتيجية تهدف إلى فرض قواعدها الميدانية مستندة إلى تفوقها العسكري والتكنولوجي».

وأضاف داود في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «قواعد الاشتباك التي سادت بين إسرائيل و(حزب الله) بعد حرب يوليو 2006 لم تعد قائمة... والمواجهة دخلت عام 2026 مرحلة مختلفة كلياً، تقوم على تفوّق عسكري إسرائيلي يسمح بفرض قواعد ميدانية جديدة، بعدما كانت العلاقة سابقاً تستند إلى ردع متبادل يفرض قيوداً على الطرفين». وتابع أن معادلة عام 2006 كانت تقوم على مبدأ «بيروت مقابل تل أبيب»، بحيث كان أي استهداف إسرائيلي للبنان يقابله استهداف من «حزب الله» للعمق الإسرائيلي، ما أوجد مستوى من الردع المتبادل؛ إذ امتلك الحزب منظومة صاروخية قادرة على تهديد شمال إسرائيل، فيما كانت إسرائيل تتردد في تنفيذ اجتياحات برية واسعة خشية الاستنزاف والخسائر. غير أن هذه المعادلة تبدلت جذرياً؛ إذ لم تعد قواعد اللعبة قائمة على تفاهم غير مباشر بين طرفين يمتلك كل منهما القدرة على إيلام الآخر، «بل باتت إسرائيل تفرض قواعد الاشتباك مستندة إلى تفوقها العسكري الكاسح، في حين يسعى الطرف المقابل إلى تجنب الانهيار الكامل والمحافظة على ما تبقى من قدراته».

تحولات رئيسة

وبالنسبة للتحوّلات، فثمة خمسة تحولات، حسب رأي داود، هي:

1 - الانتقال من الردع المتبادل إلى السيطرة بالنار؛ إذ إن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى احتلال المناطق ميدانياً لإخضاعها، بل تعتمد بصورة متزايدة على القوة النارية، ولا سيما سلاح الجو، لتدمير المواقع وفرض السيطرة عليها من دون وجود بري دائم.

2 - انتهاء مرحلة اللاحرب واللاسلم التي استمرت سنوات بعد حرب 2006، لتحل محلها مرحلة تقوم على الضربات الاستباقية في العمق، بحيث أصبحت إسرائيل تعتمد سياسة المبادرة العسكرية المستمرة بدلاً من الاكتفاء بالرد على الهجمات، وتسعى إلى تعطيل مصادر التهديد قبل أن تتحول إلى خطر مباشر.

3 - الانتقال من المواجهة التقليدية المتكافئة نسبياً إلى الحرب غير المتماثلة... ذلك أن الاشتباكات في السابق كانت تقوم على عمليات خاصة متبادلة، سواء عبر تسلل مجموعات أو تنفيذ عمليات محدودة على جانبي الحدود، أما اليوم فقد تغيرت طبيعة القتال، وباتت الطائرات المسيّرة، والقدرات التكنولوجية، والضربات الدقيقة، تشكل أدوات المواجهة الرئيسة، بما يعكس انتقال الحرب إلى نمط مختلف تحكمه التكنولوجيا أكثر مما تحكمه الكثافة العددية للقوات.

4 - تبدّل مفهوم الردع لدى «حزب الله»؛ إذ انتقل من الردع المسبق الذي كان يقوم على التهديد برد فوري يمنع إسرائيل من الإقدام على الهجوم، إلى ردع استنزافي مؤجل، حيث لم يعد الرد المباشر والفوري هو القاعدة، بل بات يعتمد على استنزاف الخصم مع مرور الوقت، بدلاً من الرد العسكري المتزامن مع الضربة الإسرائيلية.

5 - تغيّر مفهوم وقف إطلاق النار نفسه. فبعد حرب 2006 كان وقف النار يعني عملياً توقف العمليات العسكرية، أما اليوم فأصبح وقف إطلاق النار إطاراً سياسياً أكثر منه واقعاً ميدانياً؛ إذ تستمر العمليات العسكرية والضربات الإسرائيلية رغم وجود تفاهمات أو اتفاقات سياسية، وهو ما يعكس اختلافاً جذرياً في طبيعة إدارة الصراع مقارنة بما كان سائداً بعد عام 2006».

ختاماً، بحسب داود، «هذه التحولات مجتمعة تعكس انتقالاً من مرحلة كانت تقوم على توازن الردع وفرض القيود المتبادلة، إلى مرحلة باتت إسرائيل فيها تسعى إلى فرض قواعدها العملياتية عبر السيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، والتفوّق في مجالات الاستخبارات والاستطلاع، بما يجعل إدارة الصراع مختلفة جذرياً عن تلك التي عرفتها الجبهة اللبنانية طوال السنوات التي أعقبت حرب يوليو 2006».


جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو
TT

جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو

في ولاية تكساس الأميركية، حيث يمكن لصورة السياسي وهو يأكل اللحم المشوي أن تصبح بياناً انتخابياً، وجد جيمس تالاريكو نفسه مضطراً إلى تأكيد أنه ليس نباتياً. إذ قال ساخراً في تجمع بمدينة سان أنطونيو إن الجمهوريين وصفوه بأشياء كثيرة، «حتى إنهم قالوا إنني نباتي، وهذه كلمات قتال في تكساس». لم تكن النكتة تفصيلاً عابراً؛ فالمرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ يواجه حملة تتهمه بالضعف و«قلة الرجولة»، وتلاحق جسده وحالته الاجتماعية وعقيدته قبل برنامجه. إلا أنه لا يرد بأسلوب راعي البقر الذي يريد خصومه جرّه إليه، بل بحكاية أبيه الذي كان يجزّ عشب جارته الأرملة من دون طلب منها، ليقول إن «العظمة ليست في الإخضاع والإهانة، بل في خدمة الآخرين». هذه المواجهة تختصر الرهان كله.

يسعى جيمس تالاريكو، النائب المحلي البالغ 37 سنة والمدرّس السابق وطالب اللاهوت المشيخي، لينتزع تعريفات الرجولة والإيمان والشعبوية من حركة «ماغا» الجمهورية المتشددة يميناً، ويعيد تقديم الديمقراطيين حزباً للعمل والأسرة لا حزباً للمواعظ الثقافية.

والواقع، أنه إذا نجح تالاريكو في إلحاق الهزيمة بمنافسه المدعي العام الجمهوري كين باكستون، سيصبح أول ديمقراطي تنتخبه تكساس لمجلس الشيوخ منذ لويد بنتسن - الوزير السابق - عام 1988، وسيقلب تحديداً مقعداً ظلّ جمهورياً منذ فوز جون تاور التاريخي عام 1961. ولكن، على الرغم من ذلك، فإن عليه أن يثبت أن القصص التي صنعت نجوميته كفيلة بتحريك ولاية أعطت الرئيس دونالد ترمب تقدّماً بنحو 14 نقطة عام 2024.

سيرة تُروى كعظة

يقدم تالاريكو نفسه بصفته «تكساسياً من الجيل الثامن»، بيد مركز قصته ليس نسباً عريقاً، بل غرفة متواضعة في فندق. فوفق روايته الانتخابية، غادرت أمه، وهي ابنة واعظ من مدينة لاريدو، أباه المدمن والعنيف عندما كان جيمس رضيعاً، وانتقلت به إلى الفندق الذي كانت تعمل فيه.

يومذاك، لم يكن في شقتهما مكان لغرفة طفل، فوضعت سريره في خزانة وزيّنتها بالصور والألعاب.

هذه الحكاية تمنحه لغة سياسية عن الحب الذي «لا يتسامح مع الإساءة»، وتربط حديثه عن الأجر والسكن والرعاية الصحية بخبرة عائلية لا ببيانات مستشارين.

درس تالاريكو العلوم السياسية في جامعة تكساس - أوستن، ثم نال شهادة الماجستير في سياسات التعليم من جامعة هارفارد، وبينهما درّس اللغة لطلاب الصف السادس في حي مكسيكي - أميركي فقير بسان أنطونيو.

عام 2018 طرق متطوِّعو حملته الانتخابية 95 ألف باب، وسار هو على امتداد دائرته، وقلب مقعداً كان ترمب قد فاز به قبل سنتين بنحو ألفي صوت، ليصبح أصغر أعضاء مجلس نواب تكساس. ولكن أثناء ذلك المشي، أصابه دوار قاده إلى المستشفى وإلى تشخيص إصابته بالسكري؛ وبعد انتخابه شارك في تمرير قانون خصص سقفاً مقداره 25 دولاراً للمدفوعات الشخصية للإنسولين.

هنا تتصل الإصابة الشخصية مباشرة بفكرته عن السياسة: تحويل جرح فردي إلى قانون.

لم يكن تالاريكو مجرد خطيب معارض داخل مجلس يهيمن عليه الجمهوريون. إذ عمل معهم لتمرير تشريعات تتصل بالمدارس والأدوية ورعاية الأطفال والإسكان، واشتهر في الوقت نفسه باستجواب أصحاب مشاريع عرض «الوصايا العشر» في الصفوف وحظر كتب المكتبات.

وبعد انسحاب ديمقراطيي الولاية إلى واشنطن عام 2021 لمنع سَن قانون انتخابي، عاد خائباً من عجز قيادة الحزب الوطنية عن إقرار حماية اتحادية للتصويت. وسقط ذات ليلة على درج نصب لنكولن وكسر إبهامه، ثم قرّر، كما روى لصحيفة الـ«نيويوركر»، أن يدخل مدرسة لاهوت كي يوازن إغراء القوة ببوصلة أخلاقية.

يسار... ولكن بلكنة تكساسية

الدين عند جيمس تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة اليمين الإنجيلي، بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً. ثم إنه يصف «القومية المسيحية» بأنها تحويل للمسيح إلى أداة سلطة، ويقول إن الإيمان يقوده إلى ديمقراطية متعددة الأعراق والأديان. وحقاً، جعلته مقاطع مواجهاته في المجلس ووعظه ضد توظيف الدين، نجماً رقمياً يتابعه الملايين، وقادته إلى برنامج جو روغان، مقدم «البودكاست» المحافظ الشهير، الذي بقي في الربع الثاني من 2026 الأكثر استماعاً أسبوعياً في الولايات المتحدة. وللعلم، قال له روغان في نهاية حواره الطويل: «عليك أن تترشح للرئاسة».

لكن «الواعظ التقدمي» سياسي عملي أيضاً. وجوهر رسالته أن الانقسام الحقيقي ليس بين اليسار واليمين، بل بين القمة والقاع. ويضيف: «المليارديرات يريدون أن ينشغل الناس ببعضهم كي لا ينظروا إليهم».

ثم إن تالاريكو يعرض برنامجاً تفصيلياً لزيادة ضرائب الأثرياء والشركات، ورفع الحد الأدنى الاتحادي للأجور إلى 15 دولاراً، ومنع شركات وول ستريت من شراء المنازل والتلاعب بالإيجارات، ويعمل لخفض تكلفة الدواء، وإلغاء رسوم ترمب الجمركية. كذلك، يرفض أموال «لجان العمل السياسي» (اللوبيات) المرتبطة بالشركات، ويعِد بحزمة لمكافحة الفساد وحظر تداول أعضاء الكونغرس للأسهم وإعادة رسم الدوائر بواسطة لجان مستقلة.

وحتى الحدود، التي يعدّها ترمب والجمهوريون إحدى أهم القضايا لاستقطاب الناخبين، يصوغها تالاريكو باستعارة تكساسية؛ إذ يقول: «يجب أن تكون شرفة أمامية عليها بساط ترحيب وقفل في الباب»، مع تشديد التصدي للعصابات والمهرّبين، مع اتباع مسارات قانونية للمهاجرين وتسوية أوضاع المقيمين منذ زمن.

الدين عند تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة

اليمين الإنجيلي... بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً

ضد الانعزال والحروب

وفي السياسة الخارجية يرفض تالاريكو الانعزال والحروب غير الضرورية، ويدعم الدفاع عن أوكرانيا، ويقرّ «بحق إسرائيل في حماية شعبها»، لكنه يرفض قصف المدنيين والتجويع والعقاب الجماعي في غزة واستخدام المال الأميركي لإيذائهم. بذا يحاول الإجابة عن أزمة الحزب الديمقراطي... ليس بالهروب من الدين والحدود والأمن، بل بإعادة تعريف هذه القضايا أخلاقياً واقتصادياً.

في المقابل، نقطة ضعفه أن اللغة التي تمنحه التميز قد تبدو أكاديمية أو متكلفة، حسب «بوليتيكو». فقد اعترف بأن قوله عام 2021 إن «الله غير ثنائي» كان استفزازياً و«محرجاً»، موضحاً أن قصده أن الله يتجاوز التصنيفات البشرية. والحال، أن بعض خطاباته المحفوظة بإتقان تبدو مصنوعة، كما أن وعده «بشفاء» الاستقطاب يمكن أن يصطدم بعصر يكافئ الغضب أكثر مما يكافئ المصالحة.

«الرجولة» ساحة قتال

باكستون والجمهوريون يرون في هذه الثغرة مدخلاً واسعاً، فيسمونه «توفو تالاريكو» و«لو-تي تالاريكو»، في إشارة سلبية إلى رجولته، ويستحضرون قوله عن جنس الله ودفاعه السابق عن حقوق المتحوّلين. ويلمّحون إلى أن نحول جسمه وبقاءه عازباً «دليلان» على الضعف، في حين روّج بعض أنصارهم ادعاءات كاذبة بأنه مثلي أو متحوّل. وأنتجت لجنة محافظة شريطاً بالذكاء الاصطناعي يصوّره في هيئة جولي أندروز، بطلة فيلم «صوت الموسيقى»، وهي تغني عن إعطاء الهرمونات للأطفال، مع أن حملته تؤكد أنه يعارض رعاية تأكيد النوع للقاصرين.

بالطبع، الهدف أكبر من السخرية الشخصية. فقد انتقل شبان لاتينيون وسود إلى اليمين بانتخابات 2024، وبات كثير منهم يربط الجمهوريين بالاستقلال المالي وتكوين الأسرة، والديمقراطيين بصراعات الهوية. وأظهر استطلاع لمركز «ثيرد واي» (الطريق الثالث) أن 49 في المائة من الرجال يرون تالاريكو يسارياً جداً. وفي تكساس، حيث للرجل القوي مكانة ثقافية خاصة، يريد الجمهوريون تحويل الانتخاب من استفتاء على فساد باكستون وتكلفة المعيشة إلى اختبار لهوية تالاريكو.

لكن رد الأخير لم يكن التجاهل. فقد بات يأكل الشواء أمام الكاميرات، وقدّم رسائل معلنة خلال مباريات كأس العالم ونهائيات كرة السلة، وهو يسعى إلى تكرار ظهوره الناجح مع روغان، ويتحدى باكستون إلى مناظرات متلفزة «رجلاً لرجل». وحين سماه خصمه «تالافريكو»، فإنه طبع اللقب على قمصان وباعها. لكنه يرفض أن يقلد استعراض ترمب؛ فتعريفه لـ«الرجل الحقيقي» هو من يكون صادقاً ويحمي أسرته ويخدم جيرانه، أما الضعيف فهو من يخدم نفسه.

باكستون... أفضل فرصة وأخطر فخ

من جهة ثانية، لم يختر الديمقراطيون خصم تالاريكو، لكنهم حصلوا على المرشح الذي تمنّونه. فقد أطاح باكستون السيناتور المخضرم جون كورنين في جولة الإعادة الجمهورية بنسبة تقارب 64 في المائة، بعد تأييد متأخر من ترمب، في انتصار لجناح يعتبر القتال ضد اليسار أهم من التسويات. غير أن الرجل الذي يقدم نفسه «محارباً محافظاً» يحمل سجلاً ثقيلاً: أحاله مجلس نواب تكساس ذو الغالبية الجمهورية عام 2023 إلى محاكمة برلمانية باتهامات إساءة المنصب والرشوة، قبل أن يبرئه مجلس الشيوخ؛ وأُسقطت اتهامات احتيال بالأوراق المالية بعد اتفاق تضمن نحو 300 ألف دولار تعويضاً من دون إقرار بالذنب، كما امتنع القضاء الاتحادي عن توجيه اتهامات إليه. ثم طلبت زوجته الطلاق «لأسباب إنجيلية».

وبالفعل، أثبت باكستون ثلاث مرات أنه قادر على الفوز على مستوى الولاية رغم الفضائح، وأن أنصاره يرون التحقيقات دليلاً على أنه مقاتل مضطهد لا سبباً لإسقاطه. وهذه هي خطورة بناء حملة تالاريكو كلها على فساد الخصم. لكن الفارق هذه المرة هو المال والبيئة الوطنية. فقد أفادت صحيفة «تكساس تريبيون» بأن حملة تالاريكو جمعت منذ مطلع 2025 نحو 72 مليون دولار، مقابل 16.8 مليون لباكستون، وأنها أنهت يونيو (حزيران) بأكثر من ثلاثة أضعاف سيولته.

مع ذلك، تمنح الاستطلاعات تالاريكو أملاً... لا ضماناً. ولقد وضعه مسح «تكساس بابليك أوبينيون ريسيرتش» في يوليو (تموز) متقدماً 45 إلى 40 في المائة، ومسح جامعة تكساس الجنوبية المنشور في 4 أغسطس (آب) متقدماً 47 إلى 45، وكلا الفارقين ضمن هامش الخطأ أو قريب منه.

كذلك، ما زالت النشرة السياسية المستقلة «كوك بوليتيكال ريبورت»، المتخصصة في تحليل الانتخابات، تصنّف السباق بأنه «يميل للجمهوريين». فالاستطلاع كان محطة وجاء بعد إنفاق تالاريكو التلفزيوني الكبير وقبل اكتمال اتحاد الجمهوريين، وليس إلغاءً لثلاثة عقود من الهزائم الديمقراطية.

مرشح أمام أزمة حزبين

كما سبق، اختار الناخبون الجمهوريون باكستون، المدعوم من ترمب، على حساب كورنين الذي عدّته قيادات في الحزب أكثر قدرة على خوض الانتخابات العامة، في حين ركزت حملة باكستون على قضايا النوع الاجتماعي بالتزامن مع تصاعد قلق الناخبين من أسعار الطاقة وتداعيات الحرب مع إيران.

ولكن استطلاع «رويترز/إبسوس» مطلع أغسطس بيّن تراجع شعبية ترمب إلى 35 في المائة، وتقدم الديمقراطيين للمرة الأولى منذ نحو عقد بنقطة واحدة فقط في الثقة بإدارة الاقتصاد؛ أي أن أفضلية الجمهوريين تآكلت، لا أن الناخب اقتنع تماماً بالبديل.

في أي حال، الديمقراطيون أكثر شعبية في الصحة والتعليم والإجهاض، لكنهم فقدوا لغة الرجال والطبقة العاملة، وضعفت قاعدتهم الريفية، وما عادوا ضامنين ولاء ناخبيهم السود. إذ هزم تالاريكو، منافسته جاسمين كروكيت في تمهيدية مشحونة عرقياً، ويدعي 77 في المائة من الناخبين السود في تكساس أن الحزب يأخذهم أمراً مسلماً به، وإن كان استطلاع حديث قد وجد أن 79 في المائة منهم معه مقابل 12 لباكستون.ختاماً، الديمقراطيون يحتاجون إلى كسب أربعة مقاعد صافية لاستعادة مجلس الشيوخ؛ وتكساس يمكن أن تكون طريقاً إلى الغالبية، لكنها قبل ذلك اختبار لما إذا كان تالاريكو قصة وطنية جميلة أم بداية اصطفاف سياسي جديد.


كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)
TT

كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)

كانت تكساس في الماضي، مثل معظم الجنوب، معقلاً حصيناً للحزب الديمقراطي. وفي حينه جمع الحزب محافظين وليبراليين تحت سقف واحد.

لكن الانشقاق الحديث بدأ عام 1961، عندما فاز الجمهوري جون تاور في انتخابات خاصة لمجلس الشيوخ، أول جمهوري تنتخبه الولاية على مستوى عام منذ حقبة إعادة الإعمار. ومع انتقال البيض المحافظين والإنجيليين وأصحاب الأعمال تدريجياً إلى الجمهوريين، وتسارع الاستقطاب حول الحقوق المدنية والضرائب والطاقة، حافظت تكساس لمدة ثلاثة عقود على سيناتور من كل حزب، قبل أن يكتمل التحوّل.

لويد بنتسن كان آخر ديمقراطي ينتخب لمجلس الشيوخ عام 1988، وكان بوب كروغر آخر ديمقراطي يشغل مقعداً فيه بالتعيين خمسة أشهر عام 1993. كذلك فاز ديمقراطيون بمناصب الولاية للمرة الأخيرة عام 1994، ثم اكتسح الجمهوريون المناصب التنفيذية في 1998. ومنذ ذلك الحين عزّزت قبضتهم الضواحي المحافظة، وصناعة النفط والغاز، والكنائس الإنجيلية، والريف الشاسع في شرق وغرب وشمال تكساس. ولا تزال المقاطعات الريفية تمنحهم هوامش قد تتجاوز 70 نقطة، فيما أظهرت دراسة أكاديمية أن أكثر من ربع المقاطعات الريفية كان بلا رئيس محلي ديمقراطي عام 2022، مقابل وجود رئيس محلي جمهوري في كل منها.

السناتور لويد بنتسن (وزارة الخزانة الأميركية)

قوة الديمقراطيين تتركّز في قلب المدن الكبرى: مقاطعة هاريس حول هيوستن، ودالاس، وترافيس حول أوستن عاصمة الولاية، وبيكسار حول سان أنطونيو، وإل باسو، إضافة إلى هايز وبعض الضواحي المتنوعة مثل فورت بيند. لكن الفوز بهذه الجزر لا يكفي إذا لم يرفعوا المشاركة ويقلّصوا خسائر الضواحي والريف.

عام 2024، فاز ترمب بالولاية بنحو 14 نقطة، واستعاد مقاطعة تارانت، وتقدم بقوة في وادي ريو غراندي؛ حتى مقاطعة ستار على الحدود مع المكسيك ذات الغالبية اللاتينية الساحقة صوتت جمهورياً للمرة الأولى منذ أكثر من قرن.

لذا، ليست تكساس «زرقاء مؤجلة» بفعل الديموغرافيا وحدها. إنها ولاية شابة ومتنوعة ومنخفضة المشاركة، لكن اللاتينيين والآسيويين والوافدين لا يصوّتون ككتلة واحدة. لهذا فطريق تالاريكو يمرّ بهوامش ضخمة في المدن، واستعادة اللاتينيين في الجنوب، واجتذاب المستقلين في الضواحي، وتقليص الانهيار الريفي. وتلك عملية تنظيمية، لا معجزة حسابية.