تصعيد ميداني يحدد «سقف التفاوض» بين روسيا وأوكرانيا

مرتكزات بوتين للتسوية... شروط تواجه تحوّلات الموقف الأميركي وتصاعد التوترات مع أوروبا

حريق عقب هجوم روسي على العاصمة الأوكرانية كييف يوم 8 يوليو 2026 (رويترز)
حريق عقب هجوم روسي على العاصمة الأوكرانية كييف يوم 8 يوليو 2026 (رويترز)
TT

تصعيد ميداني يحدد «سقف التفاوض» بين روسيا وأوكرانيا

حريق عقب هجوم روسي على العاصمة الأوكرانية كييف يوم 8 يوليو 2026 (رويترز)
حريق عقب هجوم روسي على العاصمة الأوكرانية كييف يوم 8 يوليو 2026 (رويترز)

انعكس جمود العملية السياسية، وتراجع التعويل على تحرك أميركي حاسم لدفع التسوية على الوضع الميداني على طرفي جبهات القتال في روسيا أوكرانيا؛ ففي مقابل ارتفاع منسوب هجمات المسيّرات الأوكرانية داخل العمق الروسي، أطلقت موسكو هجوماً واسعاً في محيط دونيتسك وزابوريجيا؛ في مسعى للضغط على كييف وتحقيق إنجازات ميدانية تعوّض الخسائر التي سبَّبتها الوتائر المتصاعدة للهجمات على البنى التحتية في مدن روسية عدة.

غداة إعلان الكرملين أنه لا يتوقع قريباً زيارة للمبعوثين الأميركيين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لبحث فرص دفع التسوية السياسية، بدا أن التصعيد الميداني يسيطر على المشهد بشكل كامل. وكان الكرملين قد أشار إلى «انشغال» مبعوثي الرئيس دونالد ترمب بـ«ملفات أخرى»؛ مما أعطى انطباعاً بعدم توقع موسكو تنشيط المسار السياسي قريباً.

لكن التصعيد الميداني الواسع أخيراً، على طرفي جبهات القتال، بدا مرتبطاً أكثر ليس بمحاولة تسجيل توسّع على الأرض يحدد خرائط جديدة ونهائية للتفاوض وفقاً للمنظور الروسي خلال العامين الأخيرين، بل بتحسين الشروط التفاوضية بعدما أيقنت موسكو وكييف أن الموقف الأميركي بعد الحرب الإيرانية آخذ في التبدل، وأن واشنطن لن تضغط مجدداً على الأوكرانيين لتقديم «تنازلات مؤلمة» كما حصل في وقت سابق، كما أنها لم تعد تبدو متحمسة للقبول بشروط بوتين لوقف فوري للقتال.

تحولات واشنطن

واللافت أن موسكو ظلت حريصة على إبراز رهانها الثابت على الوساطة الأميركية رغم مؤشرات واضحة إلى تحوّل جدي في الموقف الأميركي برز خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا. ومع أن ترمب تعمّد استباق القمة بإجراء مكالمة هاتفية مطولة مع نظيره الروسي أكد خلالها رغبته في استئناف جهود السلام، واستبق كذلك لقاءه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة الناتو بإطلاق تصريحات متفائلة قال فيها إن التوصل إلى حل للحرب الدائرة منذ أكثر من أربع سنوات في أوكرانيا «بات أقرب ⁠مما يتصور كثيرون»، لكنَّ اللقاء مع الرئيس الأوكراني انتهى بإشارة واضحة إلى تبدّل مهم في موقف الإدارة الأميركية التي كانت قد أوقفت سابقاً برامج للتعاون العسكري مع كييف لإجبارها على تقديم تنازلات.

اتضح أن القراءة الأوكرانية المدعومة بالموقف الأوروبي كانت أكثر دقة، بعدما بدا أن الطرفين الروسي والأوكراني يراقبان الموقف الأميركي المتجدد. وقال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف إنه يعتقد أن الموقف الأميركي بشأن كيفية حل الصراع «لا يزال دون ‌تغيير»، فيما قال زيلينسكي في مقابلة مع ‌صحيفة «فاينانشال تايمز» إنه يعتقد أن ترمب «بات ينظر إلى الصراع من زاوية جديدة في ضوء النجاحات الأوكرانية في الآونة الأخيرة».

هذه «الزاوية الجديدة» أثمرت موافقة أميركية على مطلب قديم لزيلينسكي للحصول على ترخيص لإنتاج مشترك لصواريخ «باتريوت» التي تحتاج إليها كييف بشدة، وهو أمر كان الكرملين قد نبّه إليه بشدة في السابق، وأكد أن طلبات أوكرانيا المستمرة للحصول على أنواع جديدة من الأسلحة «لن تمنع استمرار العملية العسكرية، والتسوية لن تتحقق إلا عندما تستعد كييف لاتخاذ القرارات اللازمة للسلام».

فُسّر الضوء الأخضر الأميركي بطرق مختلفة في كييف وموسكو. ففي مقابل الارتياح الأوكراني الواسع، شكك خبراء في روسيا بحجم هذا التحوّل من خلال الإشارة إلى أن «كييف تحتاج إلى الصواريخ الآن، وهذه مجرد وعود بإنتاج مشترك في المستقبل وليست خطوات عملية لدعم أوكرانيا». لكن المهم هنا أن ترمب بدا مجدداً اللاعب الوحيد والأقوى القادر على إدارة عملية المفاوضات.

ووفقاً لخبراء، فإن التحول الحاصل في الموقف الأميركي يعني أن واشنطن ستكون أقل ميلاً للضغط على كييف، لكنها، في الوقت ذاته، لا تتراجع عن بذل جهود لتسريع عملية إنهاء الحرب وضمان الحد الأدنى لمصالح الطرفين الروسي والأوكراني.

مرتكزات بوتين

في هذه الأجواء، سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إعادة رسم ملامح المرتكزات التي تضعها إدارته للقبول بوقف نهائي للقتال، ورسم ملامح التسوية المقبلة. وخلال اجتماعه قبل أيام، مع أعضاء الحكومة الروسية، وضع أربعة أسس تستند إليها رؤية موسكو لأي مفاوضات محتملة لإنهاء الصراع في أوكرانيا.

انطلق بوتين من أن استعداد بلاده للحوار السلمي ليس وليد اللحظة، بل يستند إلى تفاهمات سابقة، مع رفض قاطع لما وصفها بـ«محاولات خلق واقع مزيف» عبر الضربات العسكرية المتواصلة داخل العمق الروسي.

لكن قراءة الشروط التي وضعها بوتين تُظهر أنه ما زال بعيداً عن القبول باتفاقية تقوم على «حل وسط» يُرضي كل الأطراف المنخرطة في الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بما في ذلك أوروبا التي واصلت تعزيز دورها وتأكيد عزمها على المشاركة في رسم ملامح أي تسوية مستقبلية.

في هذا السياق، قامت مرتكزات السلام المنشود من جهة الكرملين على قراءة روسية للتفاهمات السابقة وليس على تعامل مع المتغيرات السياسية والعسكرية الجارية، وفقاً لتحليل خبراء.

وهكذا فقد تمسك بوتين بـ«اتفاقيات إسطنبول 2022» كمرتكز أساسي أول لأي عملية تفاوضية مستقبلية، في إشارةٍ إلى أن الوفد الأوكراني في جولات التفاوض السابقة كان قد وقّع بشكل مبدئي على تفاهمات محددة تضع إطاراً عاماً للنقاش حول بنود التسوية المستقبلية، مما يعني قبولها من جانب كييف، ورأى أنه «لا سبب لدى روسيا للتراجع عنها».

الإطار الثاني تمثّل في «آليات أنكوراج»، في إشارة إلى تفاهمات غامضة تم التوصل إليها خلال القمة الوحيدة التي جمعت الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب في ألاسكا العام الماضي. وهي تفاهمات رغم أنها لم تترجَم إلى وثائق موقَّعة، لكنها من وجهة النظر الروسية تُعدّ الإطار المؤسسي والتقني الذي تم رسم ملامحه لضمان تنفيذ أي تفاهمات مستقبلية.

اللافت هنا أن تلك التفاهمات تحدثت عن إقرار أميركي بمكسبين مهمين للكرملين، أولهما مبدأ التنازل عن الأراضي من جانب أوكرانيا، والآخر هو استبعاد أوروبا من المرحلة الأولى لرسم ملامح اتفاق سلام بين موسكو وكييف. ويفسر هذا تمسك بوتين بتلك التفاهمات رغم تراجع لهجة البيت الأبيض لاحقاً، في التعامل معها بوصفها «اتفاقاً كاملاً» يحدد ملامح التسوية المستقبلية.

ومع تراجع اللهجة الأميركية، وحديث الوزير ماركو روبيو عن «عدم وجود اتفاقات موثقة»، اضطر الكرملين إلى الإقرار بواقع جديد في تعامل الإدارة الأميركية مع ملف التسوية. وشنت دوائر الكرملين هجوماً غير مباشر على واشنطن، حسبما ظهر في لهجة الوزير سيرغي لافروف الذي أبدى استياءه حيال «سياسة ترمب التي لم تتبدل عن سياسة سلفه». وأقر مساعد بوتين لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف، بـ«صعوبات أمام تطبيع العلاقة مع واشنطن»، ولوّح بأن موسكو ستواصل فرض رؤيتها للسلام في ساحة المعركة إذا فشلت الدبلوماسية.

ورغم ذلك، ما زال الكرملين وبعد الإقرار بأن تفاهمات ألاسكا لم تنعكس في وثيقة ملزمة ومكتوبة، يعوّل على أن الرئيس الأميركي لم يتراجع نهائياً عن «روح أنكوراج».

الواقع الميداني

المرتكز الثالث لبوتين هو الواقع الميداني الراهن. وقد أكد الرئيس الروسي أن المفاوضات يجب أن تنطلق «من الحقائق الموجودة على الأرض، وليس من تصورات وهمية»، مشيراً إلى التقدم المستمر للقوات الروسية. تواجه هذه القناعة مشكلات جدية بينها أن أوكرانيا حققت، وفقاً لخبراء غربيين، نوعاً من توازن الضغط الميداني رغم التفاوت الكبير في القدرات العسكرية بين البلدين. وقد حوّلت ضربات المسيّرات في العمق الروسي مسار القتال بشكل ملحوظ خلال العام الأخير. وفي مقابل تمسك موسكو باستراتيجية التوسع الميداني البطيء ولكن الثابت في مناطق شرق وجنوب أوكرانيا، نجحت كييف في ضرب استقرار إمدادات الوقود داخل روسيا ووجّهت ضربات جدية إلى قطاع السياحة وحرمت موسكو عملياً من جزء مهم من عوائد ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب الإيرانية. كما أسفرت هجمات المسيّرات المكثفة واليومية عن تراجع مستوى الثقة الداخلية بأن الحرب مقبلة على مراحلها النهائية.

أما المرتكز الرابع فقد بُني على الرؤية الاستراتيجية التي قدمها بوتين في خطابه أمام وزارة الخارجية الروسية في يونيو (حزيران) 2024، والتي ترسم الخطوط العريضة للسياسة الخارجية والأمنية الروسية. تقوم الرؤية على عدم التراجع عن الأراضي التي ضمَّتها موسكو واشتراط إقرار دولي وإقليمي بالتوسع الروسي، فضلاً عن أنها تضع شروطا أمام سياسات كييف الداخلية (حجم الجيش، ونوعية تسليحه، ورؤية الانتخابات المحلية، وعدم حرمان الناطقين بالروسية من المشاركة السياسية... من بين شروط أخرى). كما تضع هذه الرؤية شروطاً أقسى على السياسة الخارجية الأوكرانية لجهة الحياد الكامل وحرمان كييف من الانضمام إلى أي تحالفات ترى فيها موسكو ضرراً بأمنها القومي. اللافت هنا أن هذه الشروط لم تتغير بل زادت تشدداً، وبعدما كان الإصرار الروسي يتوقف عند حلف شمال الأطلسي، فقد اتسعت خطوط بوتين الحمراء خلال العام الأخير، وبدأ الكرملين يتحدث عن رفض الانضمام الأوكراني إلى الاتحاد الأوروبي أيضاً، الذي وفقاً لتعبير مقربين من بوتين «يتحوّل سريعاً من تكتل اقتصادي إلى تحالف عسكري أكثر ضرراً وخطورة على روسيا من حلف شمال الأطلسي».

مواصلة حرب الاستنزاف

في هذا السياق، يرى خبراء أن خيارات بوتين مع تحوّل لهجة واشنطن، واستمرار التصعيد مع أوروبا تتجه أكثر نحو تشديد الضغط العسكري على أوكرانيا من خلال توسيع قاعدة الضربات اليومية والاستهداف التدريجي لمراكز صنع القرار السياسي والبنى التحتية الاقتصادية والصناعية. وقبل أيام، أكد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، أن «الدول الغربية لا ينبغي أن تشك في تصميم روسيا على تحقيق أهداف العملية العسكرية». وأشار إلى ملاحظة «عناصر انجراف» في الموقف الأميركي بعيداً عن التفاهمات السابقة، معرباً عن أمله في «ألا يتحول إلى مراجعة كاملة للنهج الأميركي».

وأكد ريابكوف استمرار الحوار مع واشنطن رغم عدم وجود اتفاقات محددة حول موعد أو مستوى استئناف المناقشات الجوهرية.

لكن، وخلافاً لتأكيدات محللين غربيين بأن بوتين يواجه أزمة داخلية متصاعدة قد تضطره إلى اللجوء إلى خيارات «ليست شعبية» مثل التعبئة العسكرية الكاملة، وفرض تدابير إلزامية قاسية، يبدو المشهد الداخلي أكثر هدوءاً من توقعات الغرب. وقد نجح الكرملين في تعويض الخسائر على الجبهات عبر سياسة العقود العسكرية التي انخرط من خلالها مئات الألوف من المتعاقدين، ولا يبدو الكرملين بحاجة إلى فرض إجراءات أخرى حالياً. ونجح الكرملين أيضاً في تكريس واقع اقتصادي يقوم على «كل الجهد لصالح المعركة» لكنه ثابت وهادئ داخلياً ولا ينذر بتفاقمات كبرى. ويرى خبراء أن روسيا ما زالت قادرة على مواصلة حرب استنزاف لسنوات عدة، من دون أن تواجه هزات داخلية واسعة.

الدخان يتصاعد عقب هجوم بمسيّرات أوكرانية على مصفاة نفط في موسكو يوم 18 يونيو 2026 (رويترز)

مخاطر توسيع رقعة الحرب

وسط الأجواء الميدانية المتفاقمة، بدا أن المخاوف من اتساع نطاق التصعيد العسكري سيطرت على المشهد بشكل متزايد. وبرزت تحذيرات متزايدة في روسيا وجارتها الأقرب بيلاروسيا من توسيع رقعة الحرب والقيام بـ«استفزازات» تستهدف جر مينسك للانخراط مباشرةً إلى المواجهة.

كان الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، قد قال إنه أخبر ممثلي الرئيس فولوديمير زيلينسكي بأن «طبيعة الحرب ستتغير على الفور في حال تم جرّ بيلاروسيا إليها».

وأشار إلى أن زيلينسكي ردّ على هذا التصريح بأن كييف تدرك أنه لا يجب جرّ مينسك إلى النزاع. وتابع: «دعونا نتوصل إلى اتفاق، يجب أن يكون الاتفاق جوهرياً. لا داعي لإثارة الغبار ولا داعي للصراخ. لا نريد قتال الأوكرانيين، موقفنا سلمي ولكن في جميع الأحوال، سنكون إلى جانب روسيا إذا دعت الحاجة».

اللافت أن مينسك كررت تحذيراتها من محاولات جرّها إلى دائرة الصراع خلال زيارة يقوم بها لوكاشينكو إلى الصين. وبدا أن هذا الموضوع أحد المحاور المطروحة على طاولة محادثاته مع الزعيم الصيني شي جينبينغ.

وكان لافتاً أيضاً أن وزارة الخارجية البيلاروسية أصدرت بياناً شديد اللهجة خلال وجود لوكاشينكو في بكين، أكدت فيه استعداد مينسك لاستخدام كل قدراتها لمواجهة أي اختراق للحدود من جانب أوكرانيا أو تهديدات خارجية تتعرض لها بيلاروسيا.

في غضون ذلك، بدا أن أوكرانيا تعمل أيضاً على تعزيز شراكتها العسكرية مع حلفائها في الاتحاد الأوروبي، وأعلن رئيس وزراء لاتفيا أندريس كولبيرغس، عزم بلاده بالشراكة مع أوكرانيا على إنشاء مصنع مشترك لإنتاج الطائرات المسيّرة على الحدود مع روسيا وبيلاروسيا.

وجاءت تصريحات كولبيرغس خلال زيارة لقاعدة عسكرية في منطقة لاتغاليا، حيث أكد أن المشروع يأتي في إطار توسيع التعاون بين لاتفيا وأوكرانيا في مجال الصناعات العسكرية، بما يشمل إنشاء مصنع مشترك لإنتاج الطائرات المسيّرة على الحدود اللاتفية. وأضاف أن بلاده تخطط أيضاً لاستخدام طائرات مسيّرة اعتراضية للتصدي للمسيّرات التي تخترق الحدود مع روسيا وبيلاروسيا، موضحاً أن ذلك سيحدّ من الحاجة إلى إقلاع الطائرات العسكرية في كل مرة، وهو خيار وصفه بأنه مرتفع التكلفة؛ كونه ليس الأفضل ولا الأكثر إنتاجية.

كانت موسكو قد صعَّدت لهجتها تجاه الأوروبيين، وحذَّرت من التعامل معها بلغة «الإنذارات النهائية» في وقت استعد الاتحاد الأوروبي لفرض الرزمة الـ21 من العقوبات على روسيا، وحذر قادته من أن على موسكو أن تختار طريق السلام.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: ناقشت مع ترمب هدنة بقطاع الطاقة وجهود إنهاء الحرب

أوروبا الرئيسان الأميركي والأوكراني يتصافحان خلال اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)

زيلينسكي: ناقشت مع ترمب هدنة بقطاع الطاقة وجهود إنهاء الحرب

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمس (الثلاثاء) إنه ناقش مع نظيره الأميركي دونالد ترمب الجهود الرامية لإنهاء الحرب مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك (الولايات المتحدة))
الولايات المتحدة​ صورة مركبة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يسار) ونظيره الروسي سيرغي لافروف (ا.ف.ب)

روبيو يلتقي لافروف اليوم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، أن وزير الخارجية ماركو روبيو، سيلتقي نظيره الروسي سيرغي لافروف، صباح الأربعاء على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ب)

روبيو يتهم أوكرانيا بضرب سفن تحمل شحنات نفط لأميركا

اتهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اليوم الثلاثاء أوكرانيا بضرب سفن وشحنات نفط لها علاقات بالولايات المتحدة خلال هجمات كييف الانتقامية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين (د.ب.أ)

الكرملين منفتح على محادثات مع «البديل من أجل ألمانيا»

أعربت روسيا اليوم الثلاثاء عن استعدادها لإجراء محادثات مع «حزب البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، في أعقاب النجاح الكبير الذي حققه الحزب الموالي للكرملين.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يحضر فعالية في منطقة إيفانو فرانكيفسك بأوكرانيا 18 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
p-circle

هجمات روسية أوكرانية تسبق لقاء نيويورك... هدنة الطاقة و«باتريوت» على الطاولة

هجمات متبادلة تسبق لقاء نيويورك... هدنة الطاقة و«باتريوت» على الطاولة خبراء لـ«الشرق الاوسط»: ضربات تمنح كييف أوراق ضغط دون أفضلية حاسمة.

إيلي يوسف (واشنطن)

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.