للمرة التاسعة في أقل من عشر سنوات ذهبت جمهورية البيرو، في أميركا الجنوبية، نهاية الأسبوع الأول من هذا الشهر لانتخاب رئيس جديد لها في أجواء من التوتر السياسي والاجتماعي الشديد. كان الوضع قد تفاقم خلال الأشهر الأخيرة الماضية بفعل الاستقطاب الإقليمي الحاد بين القوى والأحزاب «التقدمية» واليسارية من جهة، والتيارات اليمينية المتطرفة التي تنشط على وقع الدعم الأميركي وتدخل واشنطن المباشر بعد إعادة إحيائها «شرعة مونرو» التي تكرّس أميركا اللاتينية حكراً على نفوذها، وأصبحت قاب قوسين من التدخل العسكري المباشر في كوبا، بعد العملية العسكرية الخاطفة التي شنتها في فنزويلا مُطيحة رئيسها نيكولاس مادورو ومحيلة إياه إلى المحاكمة أمام القضاء الأميركي.
تطوّرات غريبة ومفاجآت عديدة شهدتها الرئاسات السابقة في البيرو، من الانتخابات التي جاءت بها، إلى الأحداث التي أنهتها بقرارات قضائية أو باستقالات مفاجئة... مروراً بما تخللها من اضطرابات وفضائح ومحاولات انقلابية.
كل هذه تسببت بتقويض ثقة المواطنين في المؤسسات والطبقة السياسية، وعمّقت الشرخ الجغرافي بين العاصمة ليما، التي تضمّ ثلث السكان والنخبة الاقتصادية اليمينية، والأرياف التي تقطنها غالبية واسعة من الفقراء والسكان الأصليين الذين اختمرت بين صفوفهم في السابق حركات ثورية مثل منظمة «الدرب المضيء» التي سارت في خطى ماو تسي تونغ وسيطرت سنوات بالسلاح على مناطق شاسعة من البلاد.
غير أن هذه الانتخابات الأخيرة أضافت تطوّراًً جديداً غير مسبوق عندما أعلن رئيس الهيئة الانتخابية، صبيحة الاثنين الماضي، أن النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية لن تُعرَف قبل مطالع الشهر المقبل، مع أن عمليات الفرز كانت قد بلغت 95 في المائة من الأصوات.
النتائج الأولية لهذه الدورة الثانية أظهرت تقدّم المرشح اليساري روبرتو سانشيز بفارق 40 ألف صوت فقط على منافسته اليمينية كيكو فوجيموري التي تخوض الانتخابات الرئاسية للمرة الرابعة، وهي ابنة الرئيس الأسبق – الياباني الأصل - ألبرتو فوجيموري. وكان أبوها قد حكم البيرو منذ عام 1990 إلى أن أقاله مجلس النواب عام 2000 بعدما أسس نظاماً ديكتاتورياً شبه عسكري، وأجرى تغييرات نيو ليبرالية، وارتكب سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان وأعمال الفساد التي أفضت إلى محاكمته وإيداعه السجن.
نتائج أولية... وطعن مبكّر
بعد ظهور النتائج التي شملت كامل أقلام الاقتراع في العاصمة، التي تشكّل المعقل الرئيسي لفوجيموري، وقبل إكمال فرز أصوات المهاجرين والمناطق الريفية التي تصوّت عادة لمرشحي اليسار، سارعت المرشحة اليمينية إلى تقديم طعن بما يزيد على 1500 من القوائم الانتخابية التي كان تمّ فرزها وجاءت نتائجها لمصلحتها. وكانت تلك محاولة مكشوفة لتأخير صدور النتائج النهائية، وربما «للتلاعب» فيها كما قال أنصار سانشيز.
ومع مرور الأيام راحت النتائج المؤقتة تظهر تقدم المرشحة اليمينية فوجيموري، وترسّخت الشكوك التي كان أعرب عنها المعسكر اليساري بأن وراء الطعن وتأخير صدور النتائج النهائية محاولات للتلاعب يقف وراءها أنصار فوجيموري.
وصباح السبت الماضي، أعلن رئيس «المكتب الوطني لمراقبة العمليات الانتخابية» أنه بعد فرز 98 في المائة من الأصوات تتقدّم فوجيموري بنسبة 50 في المائة مقابل 49.9 في المائة للمرشح اليساري روبرتو سانشيز، وأن الفارق بين المرشحين لا يتجاوز الألف صوت. أما الأمر اللافت في هذه النتائج، فهو أن سانشيز يتقدّم في فرز أصوات الداخل بنسبة 50.2 في المائة، في حين تتقدّم فوجيموري في فرز أصوات الخارج بنسبة 63.4 في المائة.

أصوات الخارج لليمين
هذه النتائج التي تظهر تقدماً ملموساً للمرشحة اليمينية بين المواطنين الذين يقيمون في الخارج، زادت من نقمة أنصار سانشيز منذ الإعلان عن تأخير صدور النتائج النهائية حتى مطالع الشهر المقبل. وراح هؤلاء يتساءلون كيف يجوز لمرشح أن يتولّى الرئاسة إذا خسر أصوات الداخل وحظي بتأييد الذين يعيشون منذ سنوات خارج البيرو؟
أيضاً، كان لافتاً أن فوجيموري، المتحدّرة من أصول يابانية ولكن يطلق عليها لقب «الصينية»، نالت ما يقارب 90 في المائة من أصوات البيروفيين الذين يقيمون في القارة الآسيوية، بينما تعادلت تقريباً نتائج المرشحين بين المقيمين في أوروبا.
أمام هذا التطوّر الجديد بادر معسكر المرشح اليساري إلى تقديم طعن بنتائج 2400 قلم اقتراع رجّحت نتائجها كفة المرشحة فوجيموري، منها 650 في الولايات المتحدة؛ الأمر الذي أنذر بمزيد في التأخير لمعرفة النتائج النهائية بشكل رسمي قبل أسابيع.
النتائج الأولية للدورة الثانية أظهرت تقدّم المرشح اليساري روبرتو سانشيز بفارق 40 ألف صوت فقط على منافسته اليمينية كيكو فوجيموري
رفض تقني من المحكمة الانتخابية
ولكن صباح الاثنين، أعلنت المحكمة الانتخابية الخاصة، المخوّلة بتّ مثل هذه الطعون، رفضها الطلب بذريعة أنه لم يكن مرفقاً بالرسوم التي ينبغي تسديدها كشرط لقبولها، وهي تناهز في مجموعها المليون دولار. وحتى بعدما دعا سانشيز أنصاره إلى حملة تبرّعات لتغطية هذا المبلغ، أعلنت المحكمة الانتخابية «عدم جواز قبول أي طعون؛ لأن القانون ينصّ على وجوب تقديمها خلال الأيام الثلاثة التي تلي نهاية العملية الانتخابية».
أكثر من هذا، زاد في الاحتقان السياسي والاجتماعي السائد في البيرو، أن المرشح اليساري روبرتو سانشيز والقوى الشعبية والنقابية التي تدعمه، دعوا إلى مسيرة احتجاجية السبت الماضي تحت عنوان «كيكو لم تفُز في البيرو»، في إشارة إلى تقدّم سانشيز بين الناخبين في داخل البلاد، بينما فوجيموري قد تصبح أول رئيسة للبيرو تخسر أصوات الداخل وتفوز بأصوات الخارج.
أيضاً، بينما رفع أنصار سانشيز لافتات مثل «كيكو هي الفساد والإفلات من العقاب»، توجه سانشيز نفسه، في محاولة لتخفيف التوتر، إلى فوجيموري طالباً منها عقد اجتماع بينهما في أسرع وقت ممكن، والاتفاق على أعادة الفرز من أوله بإشراف مراقبين إقليميين ودوليين، لكن المرشحة اليمينية لم تتجاوب مع طلبه.
لا نتيجة قبل البت بالطعون
في غضون ذلك، أعلن «المكتب الوطني لمراقبة العمليات الانتخابية» مساء الأحد الماضي أنه أنجز فرز كامل أقلام الاقتراع، لكنه أوضح أن النتائج النهائية لن تصدر بشكل رسمي قبل إنهاء البت في الطعون التي كانت قدّمتها فوجيموري وعدد من اللوائح غير المستكملة الشروط القانونية، التي تشكّل في مجموعها 1.67 في المائة من الأصوات.
من جهة ثانية، شملت مفاجآت هذه الانتخابات أنه في الأسابيع الأولى من الحملة الانتخابية لم يكن أي من المتنافسين اليوم على الرئاسة، فوجيموري وسانشيز، في عداد الذين كانت الاستطلاعات ترجّح فوزهم.
بعدها في الأيام الأولى التي تلت انتهاء عملية الاقتراع في الانتخابات، سارع أنصار سانشيز إلى الاحتفال بالنصر بعدما بلغت عملية الفرز 89 في المائة من الأصوات. ولكن، مع بدء فرز أصوات الخارج مالت الكفة لصالح فوجيموري التي تشعر اليوم بأن الرئاسة التي تمنّعت عليها في المرات الثلاث السابقة أصبحت الآن على حبل ذراعها.
في الانتخابات السابقة التي خسرتها فوجيموري أمام المدرّس الريفي اليساري بيدرو كاستيّو، الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بمحاولة انقلاب ذاتي على حكومته، شكت المرشحة اليمينية من «عملية تزوير ممنهجة» ضدها ورفضت الاعتراف بالنتائج. ومن ثم أشعلت أزمة سياسية أدخلت البيرو في مرحلة من المخاض والاضطرابات الاجتماعية والتهديد بتدخل القوت المسلحة. بيد أنها اليوم، بعد رجحان كفتها في الشوط الأخير من عملية الفرز، تظهر أمام أنصارها مطالبة بالتحلي بالحذر والروح المسؤولية. وفي المقابل، نرى سانشيز، الذي كان تسرّع في إعلان انتصاره، هو الذي يشكّك الآن في النتائج ويدعو فوجيموري إلى الاتفاق على إعادة الفرز من بدايته؛ منعاً لمفاقمة الأزمة في الشارع، الذي شهد نهاية الأسبوع الماضي انتشاراً واسعاً لمؤيديه.
ختاماً، يقول المراقبون إن الأمل الوحيد المتبقي أمام سانشيز، مرشح اليسار، يكمن في القوائم الانتخابية التي لم تدخل بعد في عملية الفرز النهائي لكونها مشوبة ببعض الأخطاء، وذلك بعدما قررت المحكمة الانتخابية رفض الطعون التي تقدم بها بحجة أنه لم يدفع الرسوم المتوجبة ضمن المهلة المحددة. وحقاً، أصوات هذه القوائم يمكن أن ترجّح كفته مع التذكير بأن الفارق بين المرشحَين لم يتجاوز بضعة آلاف صوت منذ بداية الفرز.
ولكن، أيّاً كان الفائز في هذه الانتخابات، فمن المؤكد أن نتائجها النهائية لن تظهر قبل مطالع الشهر المقبل؛ لأن الصراع عاد محصوراً بين المعسكرين اللذين يتجاذبان البلاد منذ سنوات. هذان المعسكران هما معسكر الريف اليساري ومعسكر اليمين المديني العاصمي. المعسكر الأول يقوده من السجن الرئيس الأسبق بيدرو كاستيّو، الذي كان قد أقال خلال أقل من سنة ونصف السنة 70 وزيراً من حكوماته، وادّعى خلال محاكمته بتهمة محاولة الانقلاب أنه كان تحت تأثير المخدّر. أما الآخر، فهو معسكر كيكو فوجيموري الذي يحمل إرثاً مثقلاً بالفضائح والانتهاكات، وتقوده السيدة التي تتزعم أكبر كتلة نيابية، وكانت كتلتها وراء إقالة ثلاثة رؤساء بعد سقوط كاستيّو: الرئيسة الأولى لأنها أصدرت أوامر بقمع مظاهرات أوقعت عشرات القتلى، والرئيس الثاني لاتهامه بعملية اغتصاب جنسي، والرئيس الثالث لأنه دافع علناً عن العلاقات الجنسية مع القاصرين.
