عودة «اللغة النووية» إلى واجهة المشهد السياسي العالمي

واشنطن تُلَوِّح بالاختبارات... وبكين تُسرّع الحفر في «لوب نور» وموسكو تراقب

تفجير نووي تجريبي اميركي في صحراء نيفادا (أ ب)
تفجير نووي تجريبي اميركي في صحراء نيفادا (أ ب)
TT

عودة «اللغة النووية» إلى واجهة المشهد السياسي العالمي

تفجير نووي تجريبي اميركي في صحراء نيفادا (أ ب)
تفجير نووي تجريبي اميركي في صحراء نيفادا (أ ب)

تعود اللغة النووية اليوم لتتصدّر الخطاب السياسي العالمي، في مشهد يعيد إلى الذاكرة سنوات التوتر الكبرى إبان «الحرب الباردة»، لكن بملامح جديدة تماماً، وبقوى مختلفة، وبسياقات لا يمكن اختزالها في «ثنائية واشنطن-موسكو» التي حكمت العالم طوال النصف الثاني من القرن الماضي. إذ عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ونائبه جي دي فانس، نيّة الإدارة «البدء بالتجارب النووية من جديد»، بدا أن العالم يقف أمام تحوّل استراتيجي واسع قد يعيد خلط المفاهيم والالتزامات والمعاهدات، ويدفع القوى الكبرى إلى سباق تسلّح غير معلن تتقاطع فيه الرسائل، والمصالح، وحسابات الردع. وبينما كانت أروقة القرار في واشنطن تناقش حول جدوى العودة إلى التفجيرات تحت الأرض، كانت الصين تعمل بصمت في قلب صحراء شينجيانغ (سنكيانغ – في غرب الصين) لتوسيع منشأة «لوب نور» التاريخية، وتواصل روسيا الإيحاء بأنها قادرة على الرد فوراً على أي تغيير أميركي، حتى إن لم تنفذه بنفسها. وهكذا يتشكّل مشهد نووي جديد، مختلف عن كل ما سبق، عنوانه الأساسي: عودة الردع إلى نقطة الصفر!

تقني أميركي داخل مرفق سانديا النووي في ولاية نيومكسيكو (آ ب)

منذ اللحظة الأولى لإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتزامه استئناف التجارب النووية، اندلع جدل واسع في الأوساط الأميركية والدولية. إذ جاء الإعلان في سياق سياسي حسّاس، تزامن مع اجتماعات رفيعة المستوى بين واشنطن وبكين، ومع تدهور الثقة بين القوى النووية الكبرى، ومع انهيار أجزاء كبيرة من منظومة الحد من التسلح التي بُنيت خلال عقود.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تُجرِ أي تفجير نووي منذ عام 1992، فإن الرئيس الأميركي ربط قرار العودة إلى التجارب بضرورة «التعامل بندّية» مع روسيا والصين، ملمحاً إلى أن الدولتين «ربما تنفّذان اختبارات منخفضة العائد» أو تعملان على تحديث رؤوسهما النووية من دون قيود مماثلة. وكان بعض المسؤولين الأميركيين قد لمّحوا، على مدى سنوات، لشكوك حول منشآت صينية وروسية، لكن من دون أدلة قاطعة.

من جهته، أوضح جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي، أن الاختبارات ستكون «علمية وتقنية قبل أن تكون سياسية»، وأن الغاية منها «التحقّق من سلامة الترسانة الأميركية». غير أن هذا الطرح لم يُقنِع خبراء المختبرات الأميركية الكبرى، لوس آلاموس ولورنس ليفرمور وسانديا، الذين يؤكدون أن التقنيات الحديثة، من المحاكاة الحاسوبية الفائقة الدقة إلى أجهزة الليزر العملاقة، مروراً بتجارب المواد غير الحرجة، توفر بيانات تُغني عن أي تفجير فعلي.

ومن ثم، في حين يقول مؤيدو الخطوة إن واشنطن تدخل مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي، ولا تستطيع إبقاء برامجها في حالة «جمود طوعي» بينما تتحرّك القوى المنافسة بوتيرة متسارعة، يصف معارضو القرار بأنه «سياسي أكثر منه علمي»، وأنه قد يطلق سباقاً نووياً يتجاوز بكثير حدود المقارنة التقنية.

ترسانة ضخمة... وقلق من الشيخوخة

تملك الولايات المتحدة اليوم ما يقرب من 3700 رأس نووي، بينها نحو 1700 رأس في حالة نشر. ولكن على الرغم من توافر هذه القوة الكاسحة، تتزايد المخاوف بشأن تقادم المواد الانشطارية التي صُنعت في السبعينات والثمانينات. ولهذا، يُعاد فتح النقاش حول حاجات المختبرات لاختبار بعض النماذج.

في المقابل، يشدد العديد من المتخصّصين على أن مشروع «تحديث» الترسانة، الذي قد تتجاوز كلفته 1.7 تريليون دولار على مدى ثلاثة عقود، يضمن بقاء الأسلحة الأميركية في وضع متفوق من دون الحاجة إلى تفجير واحد. ويوضح هؤلاء أن الولايات المتحدة تملك أكبر قاعدة بيانات نووية في العالم وأكثرها تعقيداً، وأن أي اختبار جديد لن يضيف معرفة لا يمكن الحصول عليها بالحسابات الرقمية.

مع هذا، تبقى الحسابات السياسية حاضرة بقوة. ذلك أن ترمب يطرح التجربة بعدّها جزءاً من سياسة «إظهار القوة»، في لحظة تتعاظم فيها التحديات مع الصين وروسيا في فضاءات عدة؛ أبرزها: بحر الصين الجنوبي، وأوروبا الشرقية، وقواعد الرّدع في مناطق القطب الشمالي والمحيط الهادئ.

وفي حال اتُخذ القرار فعلياً، فإن الموقع الأكثر ترجيحاً هو موقع نيفادا للتجارب النووية، الذي شهد أكثر من ألف تفجير منذ الأربعينات. بيد أن البنية التحتية فيه تدهورت إلى حد كبير: فالأنفاق مطمورة، والتجهيزات متقادمة، والكوادر المتخصّصة تقاعدت منذ زمن. بل، وتقدّر وزارة الطاقة أن إعادة الموقع للعمل قد تستغرق من سنتين إلى ثلاث سنوات، وبكلفة تصل إلى 150 مليون دولار على الأقل للتجربة الواحدة.

ولكن رغم ذلك، يلوّح بعض «صقور» المحافظين داخل أوساط اليمين الأميركي بخيار «التجربة فوق الأرض» لأهداف رمزية، مع أن هذا محظور دولياً منذ 1963 بسبب الآثار الإشعاعية.

معارضة داخلية... وتبعات دولية

في الداخل الأميركي، يواجه قرار العودة إلى التجارب معارضة سياسية وشعبية قوية في ولايات الغرب، وبخاصةٍ ولاية نيفادا، التي عانت كثيراً من آثار التجارب السابقة. وبالفعل، عدّ ساسة تلك الولايات القرار «قتلاً وتسميماً للشعب الأميركي»، مذكّرين بأن الحكومة دفعت أكثر من 2.7 مليار دولار تعويضات للمتضرّرين من الإشعاعات النووية خلال القرن الماضي.

ثم إن الرأي العام يشكِّك في جدوى المخاطرة بفتح سباق نووي من جديد، تشارك فيه هذه المرة ليس فقط روسيا والصين، بل أيضاً كوريا الشمالية والهند وباكستان، وربما إيران. ويضاف إلى ما سبق، أن واشنطن – التي لم تُصادق على «معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية» مع أنها التزمت بها عُرفياً – ستفقد آخر أوراق ذريعتها الأخلاقية في ملف الحد من الانتشار... ومن ثمّ، تمنح الصين وروسيا وآخرين غطاء مثالياً لأي خطوة مماثلة.

الصين تتوسع وروسيا تراقب

في هذه الأثناء، بينما ارتفعت الأصوات في واشنطن، التزمت بكين الصمت، مكتفية بنفي «أي انتهاكات» لـ«معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية». غير أن صحيفة «وول ستريت جورنال» اليمينية، ذكرت في تقرير لها «أن ما يجري على الأرض، وفق صور الأقمار الاصطناعية وتحليل خبراء مستقلين، يكشف عن واقع آخر».

ووفق التقرير، في قلب صحراء شينغيانغ، حيث تمتد القاعدة النووية الضخمة في منطقة «لوب نور» الصحراوية، ظهرت منذ 2020 أعمال توسع نوعية، منها:

- حفر أنفاق جديدة على الحافة الشمالية للمجمّع.

- إنشاء غرف تفجير أعمق.

- تشييد بنى دعم لوجيستية وكهربائية.

- حفر آبار رأسية يُرجح استخدامها لاختبارات ذات عائد كبير.

- نشاط مستمر للمركبات الثقيلة منذ 2021 وحتى 2025.

- زيادة الحركة في مركز القيادة المركزي داخل القاعدة.

ويقدّر مركز «أول سورسز آناليسيز» البحثي أن الموقع «شهد أكبر طفرة تطوير منذ التسعينات»، ما يشير إلى استعداد صيني لمواجهة سيناريو يعيد فتح باب التجارب. كذلك، يشير بعض الخبراء أيضاً إلى ان الصين، التي أجرت أقل عدد من الاختبارات التاريخية، «تفتقر إلى البيانات التجريبية» مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، وهذا ما قد يدفعها إلى عمليات اختبار منخفض العائد لتعويض هذا النقص، خصوصاً، في سياق تطوير رؤوس نووية أصغر وأقل عائداً، ومحركات الصواريخ الحديثة.

ترسانة الصين تُقدر – وفق المصادر – بنحو 600 رأس نووي، وقد تصل إلى ألف بحلول 2030. لكن حتى هذا الرقم لا يُقارَن بالمخزون الأميركي أو حتى المخزون الروسي. ومن جهتها، تربط مصادر دفاعية أميركية توسعة «لوب نور» بأهداف صينية أكبر، أبرزها:

يواجه قرار العودة إلى التجارب معارضة سياسية وشعبية قوية في ولايات الغرب

- زيادة الغموض حول إمكاناتها النووية.

- تطوير رؤوس دقيقة تُستخدم لردع الخصوم في محيطها الإقليمي.

- بناء بنية تحتية تتيح إجراء اختبارات قصيرة وسرية عند الحاجة.

وتشير تقارير «البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية) إلى أن الصين قد تنتقل من «اختبارات موسمية» إلى «قدرة على التشغيل طوال العام»، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من السرّية. ومع أن بكين تؤكد التزامها بمبدأ «عدم الاستخدام الأول»، فإن قلة البيانات المتاحة حول برنامجها النووي تجعل أي تحليل عرضة للتأويل.

أما روسيا فتتخذ موقعاً وسطاً بين الخطابين الأميركي والصيني. فهي لم تُجرِ أي اختبار نووي منذ التسعينات، لكنها انسحبت من «معاهدة الحظر الشامل للتجارب» عام 2023، ورفعت مستوى خطابها النووي، خصوصاً، بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.

كذلك، في كل مرة تلوّح واشنطن بالاختبارات، يخرج مسؤولون روس للتأكيد على «جاهزية» بلادهم للرد الفوري. ومع أنه توجد مؤشرات على إجراء تفجيرات جديدة، تواصل موسكو تحديث أنظمة صواريخ «سارمات» و«أفانغارد» و«بوريفيستنيك»، مع تكثيف المناورات العسكرية التي تشمل قوات الردع. ويرى محللون غربيون أن روسيا تتعامل مع المسألة ببراغماتية شديدة: فهي لن تبدأ الاختبارات أولاً، لكنها لن تتأخر إذا قامت واشنطن بخطوة مماثلة.

مشهد نووي متعدد الأقطاب

في أي حال، يختلف السياق الحالي جذرياً عن مرحلة «الحرب الباردة». ففي الماضي، كانت الثنائية الأميركية - السوفياتية تجعل الحسابات أوضح، والضوابط قابلة للتفاوض. أما اليوم، فإن المشهد أكثر تعقيداً؛ ذلك أن الولايات المتحدة تبحث عن تعزيز الردع التقليدي والنووي، والصين تبني قدرات صاعدة بسرعة غير مسبوقة، وروسيا تعتمد خطاباً تصعيدياً لتعويض ضعفها التقليدي. أما القوى الأخرى، مثل كوريا الشمالية والهند وباكستان، فتراقب التطورات وتتكيف معها.

هذه البيئة المركبة تجعل أي اختبار، حتى لو كان محدوداً، كفيلاً بتغيير معادلات عدة في وقت قصير.

هنا، يتفق معظم العلماء الأميركيين على أنه لا حاجة إلى اختبارات نووية جديدة، لأن برامج المحاكاة الحديثة توفر دقة تفوق بكثير ما يمكن أن يقدمه تفجير واحد تحت الأرض. وهذا بالإضافة إلى أن البيانات المتراكمة على مدى عقود تجعل الترسانة الأميركية قابلة للتحليل والتقييم من دون الحاجة إلى تجربة فعلية.

لكن المشكلة، بحسب خبراء الحد من التسلح، تكمن في أن «السلاح النووي ليس مجرد منظومة تقنية، بل رمز سياسي». ومجرد إعلان النية بالعودة إلى الاختبارات يحمل في ذاته رسالة ردعية، قد تكون مفيدة للبعض وخطرة للغاية لآخرين.

وهكذا، بين مواقع التجارب النووية، يتشكّل اليوم فصل جديد من «سباق الظلال النووية». ومع أن أي دولة لم تضغط بعد على زر التفجير، فإن العالم يقف على مسافة قصيرة من لحظة قد تبدّل ميزان القوى بالكامل. والحقيقة، أن المنظومة التي بُنيت منذ الستينات، من معاهدات الحظر الجزئي والكامل، إلى اتفاقات الحد من التسلح، إلى آليات الشفافية، تتعرّض اليوم لاهتزازات عنيفة. وفي ظل انعدام الثقة، وتزايد الغموض، وتضارب الخطابات، يكفي قرار منفرد من أي قوة كبرى لإطلاق سباق لا يمكن إيقافه بسهولة. في الداخل الأميركي،

حقائق

أبرز المعاهدات والاتفاقات الدولية التي شكّلت لعقود العمود الفقري لمنظومة الحدّ من الأسلحة النووية

رسمت المعاهدات النووية خلال العقود السبعة الماضية الإطار القانوني والأمني الذي حاول ضبط سباق التسلح والحدّ من انتشار الأسلحة النووية. وتعد «معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية»، الموقعة عام 1968، الحجر الأساس في هذا النظام. وقد هدفت إلى منع انتقال السلاح النووي إلى دول جديدة، مقابل التزام الدول النووية بتقليص ترساناتها، وتعهد جميع الأطراف باستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية فقط. ورغم ثغراتها، ما زالت تلك المعاهدة الإطار الأكثر شمولية، إذ انضمت إليها غالبية دول العالم.

في أوروبا، شكّلت «معاهدة الحدّ من القوات النووية المتوسطة المدى» عام 1987 نقطة تحوّل. إذ أنهت سباق الصواريخ الأميركية والسوفياتية في أوروبا بإلغاء فئة كاملة من الصواريخ الباليستية والمجنّحة بمدى بين 500 و5500 كلم. لكن الانسحاب الأميركي منها عام 2019، بحجة الخروق الروسية، واستخدام الروس هذه الأنواع من الصواريخ أخيراً في أوكرانيا، أعاد القارة إلى مرحلة انعدام القيود.

أما معاهدات «ستارت» بين واشنطن وموسكو، بدءاً من «ستارت 1» عام 1991، فقد أسهمت في تقليص ضخم للترسانات الاستراتيجية لكلا البلدين. ومع انتهاء معظم هذه الاتفاقيات، لم يبق قيد التنفيذ اليوم سوى «نيو ستارت» (2010) التي تحدد سقف الرؤوس النووية المنشورة بـ1550 رأساً لكل طرف. ولكن مع تعليق روسيا العمل بها عام 2023 ورفضها التعاون في عمليات التفتيش، تقف المعاهدة على حافة الانهيار.

أما لجهة التجارب النووية، فجاءت «معاهدة الحظر الجزئي للتجارب» (1963) لتمنع التفجيرات في الجو والفضاء وتحت الماء، وتسمح فقط بالتجارب تحت الأرض، رداً على التلوث الإشعاعي الواسع في الخمسينات والستينات، قبل أن يسعى المجتمع الدولي لاحقاً إلى حظر شامل عبر معاهدة الحظر الكامل للتجارب النووية عام 1996. ورغم توقيع معظم الدول الكبرى عليها، لم تدخل حيز التنفيذ لأن دولاً أساسية مثل الولايات المتحدة والصين وإيران وإسرائيل ومصر وكوريا الشمالية والهند وباكستان لم تصادق عليها.

أيضاً، برزت معاهدات أخرى ذات طبيعة إقليمية، مثل «معاهدة تلاتيلولكو» لإنشاء منطقة خالية من السلاح النووي في أميركا اللاتينية، و«معاهدة بليندابا» لأفريقيا، و«معاهدة ريناتشيرو» لجنوب شرقي آسيا، وهي تشكل جزءاً من جهود دولية لمحاصرة الانتشار النووي عبر مناطق منزوعة السلاح. ورغم التراجع الكبير في منظومة الرقابة خلال العقد الأخير، ما زالت هذه المعاهدات تمثل الإطار المرجعي الأساسي لأي مفاوضات مستقبلية لإعادة بناء نظام الردع العالمي وضبط سباق التسلح النووي.



مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.