سارة الزعفراني... مهندسة مخضرمة تترأس حكومة تونسية أولوياتها اقتصادية

في طليعة مهامها «تحقيق العدالة للجميع»

الزعفراني
الزعفراني
TT

سارة الزعفراني... مهندسة مخضرمة تترأس حكومة تونسية أولوياتها اقتصادية

الزعفراني
الزعفراني

بعد نحو ستة أشهر من تعديل حكومي واسع شمل 22 حقيبة وزارية ورئاسة الحكومة، أعلنت رئاسة الجمهورية في تونس عن إقالة رئيس الحكومة كمال المدوري، الخبير الدولي في المفاوضات الاجتماعية والا

قتصادية، وتعويضه بوزيرة التجهيز والإسكان في حكومته سارة الزعفراني الزنزري. جاء هذا التعديل، وهو السادس من نوعه منذ يناير (كانون الثاني) 2020، في مرحلة شهدت تعقد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية التي تمر بها تونس والمنطقة، وخلال فترة عرفت تزايد انتقادات الرئيس التونسي قيس سعيّد لـ«لوبيات» اتهمها بعرقلة مشاريع الإصلاح التي أراد أن يفتتح بها عهدته الرئاسية الثانية. هذه الانتقادات أعادت إلى الأذهان تصريحات وبلاغات إعلامية رئاسية عديدة صدرت خلال الأشهر الماضية عن الرئيس سعيّد ومقرّبين منه تتهم مسؤولين كباراً في الحكومة وفي الإدارة بالسلبية والفشل وسوء التصرف في الأملاك العمومية، وأيضاً في ملفات التضخم وارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية للطبقات الشعبية، بجانب ملفات أمنية عديدة، بينها تدفق آلاف المهاجرين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء وتمركزهم في تونس بطريقة غير قانونية.

كشفت البلاغات الرسمية الصادرة عن قصر الرئاسة التونسية في قرطاج فور مباشرة المهندسة سارة الزعفراني الزنزري، رئيسة الحكومة الجديدة، مهامها عن أن أولوياتها ستكون في المقام الأول «تقنية» واقتصادية اجتماعية. وتشمل بالأخص إصلاح الأوضاع المالية وتحقيق العدالة للجميع، وتكريس الديمقراطية الاجتماعية والأمن الاجتماعي.

في المقابل، غضّت كل التصريحات الصادرة عن الزعفراني، فور توليها منصبها الجديد، الطرف عن مطالب النقابات والمعارضة التي تطالب بـ«الديمقراطية السياسية»، و«تنقية المناخ السياسي العام في البلاد»، و«تكريس استقلالية القضاء والإعلام» وتنظيم «حوار وطني» بين السلطات والنقابات والمعارضة.

لقد خصّص الخطاب الذي ألقاه الرئيس التونسي أمام أعضاء مجلس الأمن القومي، قبل ساعات من إقالة رئيس الحكومة السابق كمال المدوري وتعيين الزعفراني، فقرات لانتقاد المعارضة والنقابات و«اللوبيات»، التي اتهمها بـ«التآمر» على الدولة بالتزامن مع انطلاق محاكمة عشرات من المتهمين في قضايا «التآمر على أمن الدولة» وشبهات «الضلوع في الإرهاب والفساد»، بينهم عدد من زعماء أحزاب المعارضة، ووزراء، وبرلمانيون سابقون، ومحامون ورجال أعمال، ونشطاء سياسيون وحقوقيون مستقلون. وكان بين هؤلاء قادة «جبهة الخلاص الوطني» المعارضة وزعيمة الحزب الدستوري عبير موسي، ورئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي ورئيس الحكومة الأسبق علي العريّض.

أيضاً، رفض سعيّد بقوة، في المناسبة، الدعوات إلى «تنظيم حوار وطني جديد»، واتهم الداعين إليه بمحاولة «إهدار الحكومة ومؤسسات الدولة وإعادة البلاد إلى مرحلة الصراعات والمؤامرات السياسية». وقال سعيّد إن لدى البلاد برلماناً منتخباً من غرفتين وظيفته «تشريعية». واعتبر أن «الحوار يجري بداخله»، وأن دور رئيس الحكومة مساعدة رئيس الجمهورية في أداء مهماته.

رهان على «المهندسين»

على الرغم من الصبغة السياسية والسيادية لموقع رئيس الحكومة، يكرّس اختيار المهندسة ووزيرة التجهيز والإسكان لرئاستها استمرارية اعتمدها صنّاع القرار في تونس منذ 2011 عند اختيار رؤساء الحكومات. وإذا ما استثنينا هشام المشيشي، الذي ترأس حكومة تونس ما بين سبتمبر (أيلول) 2020 و25 يوليو (تموز) 2021 والذي كان خريجاً لكلية الحقوق والعلوم السياسية، فإن معظم رؤساء الحكومات الذين تداولوا على قصر القصبة، منذ انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011، مهندسون ومن خريجي المدارس العليا للمهندسين في تونس وأوروبا.

في هذا السياق، يسجّل أن حزب «حركة النهضة» والائتلاف الحاكم بين 2011 و2014 عيَّن ثلاثة مهندسين لرئاسة الحكومة، هم على التوالي: حمّادي الجبالي (ديسمبر/كانون الأول 2011 - مارس/آذار 2013) وعلي العريّض (مارس 2013 – يناير 2014 ) والمهدي جمعة (يناير 2014 - فبراير/شباط 2015).

وإبّان حكم الرئيس الليبرالي الباجي قائد السبسي بين يناير 2015 ويوليو 2019 اختار الرئيس مهندسَين لرئاسة الحكومة، هما الحبيب الصيد لمدة سنة ونصف السنة، ثم يوسف الشاهد لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة.

فترة حكم سعيّد

كذلك، ما يلفت أن سارة الزعفراني الزنزري هي المهندسة الرابعة التي تعيّن لرئاسة الحكومة منذ وصول الرئيس قيس سعيّد إلى قصر قرطاج بعد انتخابات أكتوبر 2019.

إذ عيّن المهندس الحبيب الجملي رئيساً لأول حكومة بعد تلك الانتخابات، لكنه فشل بعد أكثر من شهرين من المفاوضات في نيل ثقة البرلمان، فسقطت حكومته وجرى تمديد عهدة المهندس يوسف الشاهد حتى أواخر فبراير 2020، وهو تاريخ تنصيب المهندس إلياس الفخفاخ رئيساً جديداً لـ«حكومة الوحدة الوطنية».

وبعد منعرج 25 يوليو 2021، والانتقال من «نظام برلماني معدّل» إلى «نظام رئاسي مركزي»، عيّن الرئيس سعيّد المهندسة نجلاء بودن رمضان رئيسة للحكومة الجديدة، التي استمرت حتى أغسطس (آب) 2023. وبعدها استعيض عن بودن بالخبير القانوني أحمد الحشّاني لمدة سنة، ثم بوزير الشؤون الاجتماعية السابق كمال المدوري لمدة ستة أشهر، قبل أن يقع الاختيار مجدداً على مهندسة «لتنسيق العمل الحكومي»، على حد تعبير الرئيس سعيّد نفسه. وهذا ما قاله أخيراً بقصر قرطاج أمام كبار كوادر الجيش والأمن وعدد من الوزراء بينهم السيدة الزعفراني نفسه، ثم على هامش موكب «تسليم المهام» في قصر الحكومة بالقصبة.

الجانب الأهم في المسار المهني والإداري والسياسي للزعفراني خبرتها الطويلة في مجال الإشراف على المشاريع الكبرى

ثاني امرأة

لم يُعرف عن سارة الزعفراني، ثاني امرأة تتولى رئاسة الحكومة التونسية، انخراطها في الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني قبل ثورة 2011 أو بعدها. وأيضاً، لا يذكر زملاؤها في الجامعة التونسية أنها كانت من بين الطلبة الذين لعبوا دوراً بارزاً في النقابات والتيارات السياسية الطلابية اليسارية أو القومية والإسلامية التي كان تأثيرها قوياً إبّان العقود الماضية.

وإذ كانت الزعفراني قد تولّت رئاسة الحكومة وهي في الـ62 من عمرها، فإن سيرتها الذاتية تبرز صبغتها «التقنية» وخبرتها الإدارية الطويلة في الإدارة التونسية، وخاصةً، في قطاع الإشراف على المشاريع الكبرى للدولة، لا سيما في وزارتي التجهيز والإسكان والأشغال العامة والنقل.

لكن من نقاط قوة الزعفراني كونها ضمن أقلية من الوزراء الذين لم يعزلهم الرئيس سعيّد، منذ تعيينها وزيرة ضمن حكومة بودن في أكتوبر 2021، على الرغم من خطورة الملفات التي كانت تشرف عليها مالياً وتقنياً وسياسياً، وبينها الإشراف على مشاريع الإسكان وتطوير البنية الأساسية في كل القطاعات وفي كامل البلاد.

وحقاً، حافظت الزعفراني على منصبها طوال فترة حكومة بودن، ثم في فترتي حكومتي أحمد الحشاني وكمال المدوري. بل، وكُلّفت أيضاً الإشراف على حقيبة النقل عند شغور المنصب في 2024.

وعلى الرغم الصبغة «التقنية» لكل المسؤوليات الحكومية التي أسندت للزعفراني طوال ثلاث سنوات ونصف السنة، فإن عضويتها بمجلس الوزراء ومواكبتها ومشاركتها بمؤسسات تتدخل في كل المشاريع العمومية للدولة ولكل الوزارات، مزايا تؤهلها - حسب تقدير المتحمسين لتعيينها - لأن تلعب دوراً سياسياً كبيراً في سياق المربّع الذي يرسمه لها رئيس الدولة.

الأمن والدفاع والإدارة

تبرز السيرة الذاتية التفصيلية لرئيسة الحكومة التونسية الجديدة، وهي أم لثلاثة أولاد، أنها ولدت في العاصمة تونس في يناير 1963، ثم تزوجت من شخصية من عائلة الزنزري في منطقة الساحل، التي ينحدر منها غالبية المسؤولين في الدولة منذ عهد الرئيسين الحبيب بورقيبة (1956 - 1987) وزين العابدين بن علي (1987 - 2011).

وإذ عرفت الزعفراني باستقلاليتها ونجاحها مهندسةً عامة متخصّصة في الهندسة المدنية والهندسة الجيو - تقنية، فإن في رصيدها كذلك مشواراً أكاديمياً وعلمياً في جامعات المهندسين في تونس وألمانيا وفي مؤسسات العلوم الإدارية والأمنية والعسكرية والسياسية، بما في ذلك «معهد الدفاع الوطني» و«المدرسة العليا للإدارة» في تونس.

إذ حصلت الزعفراني عام 1989 على إجازة في الهندسة المدنية من المدرسة الوطنية للمهندسين في الجامعة التونسية، ثم على شهادة الماجستير في الهندسة «الجيو- تقنية» من جامعة هانوفر بألمانيا. وعبر مساريها العلمي والجامعي في تونس وألمانيا أتقنت 4 لغات هي العربية، والفرنسية، والألمانية والإنجليزية.

كذلك، شاركت الزعفراني في دورات تدريب إداري وأمني متقدّم عامي 2019 و2020 في الدورة الـ37 من دورات «معهد الدفاع الوطني»، التي تخصّص لتنويع خبرات نخبة من كوادر الدولة المدنيين والعسكريين والأمنيين. وحصلت عام 2019 على شهادة من «معهد القيادة الإدارية» بـ«المدرسة الوطنية للإدارة» بعد مشاركتها في برنامج تدريب خاص ب«القيادة والسياسات العمومية».

التوازنات المالية والأمن الاجتماعي

غير أن الجانب الأهم في المسار المهني والإداري والسياسي لسارة الزعفراني هو خبرتها الطويلة في مجال الإشراف على المشاريع الكبرى بقطاعات الدراسات الهندسية وبرامج الحكومات المتعاقبة منذ 1989 في مجالات البنية التحتية والتجهيز والنقل والجسور والطرقات.

وهنا نشير إلى أن رئيسة الحكومة الجديدة كانت قد رقّيت منذ يناير 2014 إلى منصب مدير عام في وزارة التجهيز والإسكان مكلفة بالإشراف على قطاع الطرقات والجسور على الصعيد الوطني. وعرفت، بحسب عدد من زملائها السابقين في الجامعة وفي الإدارة والعمل الحكومي، بـ«جديتها وحزمها وانضباطها واحترامها للقوانين».

هذا، وكشفت جلسات العمل الأولى التي عقدتها الزعفراني مع الرئيس سعيّد ومع محافظ البنك المركزي فتحي النوري ووزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي، ثم مع كامل فريقها الحكومي، عن أن أولويات المرحلة المقبلة هي الإصلاحات المالية وتعديل قانون البنك المركزي وتخفيض الأعباء الإدارية للحكومة والتحكم في عدد الموظفين.

كذلك، كشفت عن أن «هاجس» الرئيس سعيّد وراء تعيينها على رأس الحكومة الجديدة هو محاولة تكريس برامجه وشعاراته عن «الانحياز للفقراء وضعاف الحال» و«العدالة الاجتماعية» و«الاعتماد على الموارد الذاتية للدولة من دون اللجوء إلى الاستدانة من الخارج».

واقع اللااستقرارولكن التعديل الجديد على رأس الحكومة التونسية دفع مراقبين إلى التساؤل عن حظوظ تناغم الفريق الحكومي الحالي، وما إذا كانت التعديلات ستشمل أيضاً الوزراء الذين جُدد لـ22 منهم قبل بضعة أشهر، وسط انخراط أعضاء في البرلمان الحالي وفي الأحزاب المساندة للرئيس في حملات إعلامية وسياسية وجهت انتقادات لسياسات الدولة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. وشملت تلك الانتقادات ملفات الأسعار والاستثمار والبطالة والهجرة القانونية وغير القانونية والعلاقات مع «دول الجوار»، وبالذات مع ليبيا، والجزائر، وإيطاليا وفرنسا. كذلك أعرب مراقبون عن انشغالهم وتخوفهم من هشاشة الاستقرار الحكومي منذ 2011، وبخاصة منذ 2020.

فلقد رأت دراسات وتقارير متخصصة أن «سرعة تغيير» الوزراء ورؤساء الحكومات والكوادر العليا للدولة يمكن أن تفاقم المعضلات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية والأمنية للبلاد، فضلاً عن احتمال تعطيل برامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والأمني وخطط «الإنقاذ» التي وعدت بها أطراف سياسية عديدة خلال السنوات الماضية.

وفي الوقت نفسه، نوَّه عدد كبير من الإعلاميين والساسة بإيجابية تعيين «مهندسة مستقلة» و«شخصية تكنوقراطية» على رأس الحكومة، على الرغم من تساؤلهم عن فرص نجاحها في قيادة البلاد مع رئيس الدولة في مرحلة صعّدت فيها النقابات والمعارضة تحرّكاتها الاحتجاجية، بالتزامن مع انطلاق مسلسل محاكمة المتهمين في قضايا التامر على امن الدولة بحضور مراقبين دوليين.


مقالات ذات صلة

محامو تونس يبدأون سلسلة احتجاجات وإضرابات في المحاكم

شمال افريقيا جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

محامو تونس يبدأون سلسلة احتجاجات وإضرابات في المحاكم

بدأ المحامون في تونس، اليوم (الثلاثاء)، سلسلة احتجاجات وإضرابات بالمحاكم، للمطالبة بإصلاحات في القطاع والاحتجاج ضد قيود على ممارسة المهنة وعلى استقلالية القضاء.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)

محامو تونس يضربون احتجاجاً على تعطل الحوار مع السلطة

أعلنت الهيئة الوطنية للمحامين في تونس، اليوم (الخميس)، سلسلة إضرابات عامة في المحاكم بولايات الجمهورية كافة، بدءاً من يوم الثلاثاء المقبل.

شمال افريقيا جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)

«اتحاد الشغل» التونسي ينتقد «الوضع الصعب» للعمال في عيدهم العالمي

ندد اتحاد الشغل التونسي «بالوضع الصعب الذي يعيشه العمّال والمتقاعدون على حدّ سواء، جرّاء الارتفاع الجنوني لتكلفة المعيشة، وتدهور القدرة الشرائية».

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا وزارة الخارجية الأميركية بالعاصمة واشنطن (رويترز)

أميركا تقر صفقة محتملة لبيع معدات أمن لتونس

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، اليوم (الاثنين) ‌أنها ‌وافقت ​على ‌صفقة ⁠محتملة ​لبيع معدات إلى ⁠تونس دعماً للمرحلة ⁠الثالثة ‌من مشروع ‌أمن ​الحدود ‌التونسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شمال افريقيا جانب من الوقفة الاحتجاجية المطالبة بإطلاق سراح الصحافي مراد الزغيدي (أ.ف.ب)

تونس تعلِّق نشاط «رابطة حقوق الإنسان» الحاصلة على جائزة نوبل للسلام

أكدت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» أنه تم إيقاف نشاطها مدة شهر، في بيان صدر في وقت متأخر، أمس (الجمعة).

«الشرق الأوسط» (تونس)

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».