هربرت كيكل... زعيم اليمين النمساوي المتطرف ينتظر فرصته لإحداث تغييرات سياسية جذرية

ر

هربرت كيكل
هربرت كيكل
TT

هربرت كيكل... زعيم اليمين النمساوي المتطرف ينتظر فرصته لإحداث تغييرات سياسية جذرية

هربرت كيكل
هربرت كيكل

رفض الأحزاب السياسية في النمسا تشكيل حكومة مع حزب الحرية اليميني المتطرف، بزعامة هربرت كيكل، يعود بشكل أساسي لشخص زعيمه وليس للحزب نفسه. ولعل اضطرار حزب الشعب (المحافظ) إلى التخلي عن رفضه التعاون مع كيكل إثر فشل الحزب في تشكيل حكومة، يدل على مدى راديكالية كيكل الذي يقول مراقبون إنه دفع بحزب الحرية إلى اليمين أكثر منذ ترأسه له عام 2021.

المؤرخ النمساوي فلوريان فينيغر، الأستاذ في جامعة فيينا، يرى أن حزب الحرية تحت زعامة كيكل يتبع آيديولوجية قومية جعلته على «ارتباط علني» بحركات يمينية متطرفة، بخلاف ما كان عليه في ظل قيادة الزعيمين اللذين سبقا كيكل في قيادته، يورغ هايدر وهاينز - كريستيان شتراخه. وللعلم، فإن هايدر وشتراخه كانا مرتبطين بشكل وثيق خلال نشأتهما بالنازية. إذن، كان والدا هايدر ناشطَين في الحزب النازي، بينما أمضى شتراخه فترة شبابه عضواً في منظمة «الأخوة القومية الألمانية» التي تنتمي إلى النازيين الجدد.

خلفية كيكل العائلية

في المقابل، فإن كيكل البالغ من العمر 55 سنة، ابن عائلة من الطبقة متوسطة من إقليم كارينثيا، ولا يملك لا هو ولا عائلته ماضياً مرتبطاً بالنازيين. ثم أن حزب الحرية كان يعدُّه «دخيلاً»، بحسب كتاب عن سيرته الذاتية نشر خلال العام الماضي.

بدأ كيكل دراسته الجامعية عام 1988 بدراسة الصحافة والعلوم السياسية في جامعة فيينا. وفي العام التالي تحوّل لدراسة الفلسفة والتاريخ، لكنه لم يكمل في أي من التخصصين، بل سرعان ما بدأ ينشط في حزب الحرية خلف الكواليس، وفي قيادة الحملات الانتخابية بشكل أساسي.

بعدها، عمل كاتب خطابات للزعيم السابق للحزب يورغ هايدر الذي قُتل في حادث سيارة، وثبت أنه كان ثملاً عندما كان يقودها.

وحقاً، كان كيكل صاحب شعارات قومية عدة أطلقها هايدر أثارت الكثير من الجدل - آنذاك - منها «دم فيينا... كثرة الأغراب ليست جيدة لأحد».

من خلف الكواليس إلى وزارة الداخلية

بقي صعود هربرت كيكل، داخل الحزب، خلف الكواليس حتى عام 2017 حين عُيّن وزيراً للداخلية في حكومة قادها حزب الشعب وشارك فيها حزب الحرية. ولقد أثار الرجل إبان فترة ولايته القصيرة التي انتهت بعد سنتين إثر فضيحة فساد أدت إلى انهيار الائتلاف الحاكم، بالكثير من الجدل بسبب سياساته حول الهجرة وتصريحاته التي كان يستخدم فيها تعابير نازية. وأيضاً، خلقت مواقفه من القضاء والإعلام، وانتقاداته لهما، توتراً في العلاقات مع رئيس الجمهورية فان دير بيلن الذي اتهمه بمحاولة تقويض الديمقراطية. ومن ناحية ثانية، أراد كيكل خفض التواصل مع وسائل الإعلام التقليدية، انتقد القضاء لرفضه مقترحاً منه لترحيل المهاجرين المتهمين بجرائم قبل إدانتهم. كذلك تعرّض لاتهامات بأنه يحاول تقويض القوانين الأوروبية وقوانين حقوق الإنسان.

فضيحة... ثم عودة انتهت بتبوئه الزعامة

بعدها، طُرد كيكل من منصبه في أعقاب اتهامه بأنه كان مسؤولاً عن الجانب المالي في حزبه إثر «فضيحة إيبيزا» التي أدت إلى انهيار الائتلاف الحاكم (آنذاك)، وأضرت بسمعة حزب الحرية بشكل كبير. وما يستحق الذكر هنا، أنه كان وراء الفضيحة شريط فيدير صوّر سراً يُظهر زعيم الحزب (في حينه) شتراخه مجتمعاً مع سيدة روسية زعمت بأنها ابنة أوليغارش روسي وبإمكانها أن تساعد بتغطية إعلامية إيجابية لحزب الحرية مقابل خدمات يقدّمها لها الحزب وعقود بقيمة الملايين مع الحكومة النمساوية.

غير أنه، على الرغم من أن حزب الحرية خسر الكثير من شعبيته بسبب تلك الفضيحة، نجح كيكل شخصياً في إعادته إلى الواجهة مستفيداً بشكل أساسي من جائحة «كوفيد – 19». وأيضاً، استفاد كيكل من تراجع حزبه بعد انهيار الحكومة؛ ما أدى إلى استقالة شتراخه من زعامة الحزب. وهكذا، نجح كيكل في الوصول إلى القمة عام 2021 وظفر بموقع الزعامة.

في الواقع، يعود الفضل في تعافي الحزب المتطرف من الفضيحة وصعوده من جديد إلى كيكل نفسه، الذي استغل نقمة كثيرين من القيود التي فرضتها الحكومة للحد من انتشار جائحة «كوفيد – 19»، فرفع شعبيته. وبالفعل، صار الزعيم التطرف وجهاً مألوفاً ومشاركاً دائماً في التظاهرات ضد القيود، وموجهاً سيلاً من الانتقادات الشعبوية إلى الاتحاد الأوروبي مدعياً أنه «يريد التحكّم بنا».

«الحركة الهويّاتية»... و«إعادة الترحيل»

وفي ظل زعامة كيكل اقترب الحزب من «الحركة الهويّاتية» (أو الـ«آيدنتيتاريين»)، وهي حركة قومية يمينية متطرفة جداً. وتبنّى الكثير من أفكارها في وقت كانت جماعات يمينية متطرفة أخرى تبعد نفسها عنها، مثل حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف في ألمانيا. وكان زعيم «الحركة الهوياتية» مارتن سيلنر قد أثار جدلاً واسعاً في ألمانيا بنهاية عام 2023 في أعقاب مشاركته في مؤتمر سرّي لليمين المتطرف عقد في مدينة بوتسدام المجاورة للعاصمة الألمانية برلين، طرح فيها فكرة «إعادة الترحيل»، أي ترحيل كل متحدّر من أصول مهاجرة أو مهاجر.

يومذاك، كان من بين المشاركين في المؤتمر، الذي كشف عنه صحافي متخفٍ حضره، ساسة مؤثرون داخل حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المعادي للمهاجرين. إلا أن الحزب الألماني أبعد نفسه عن سيلنر وفكرته بعد موجة الغضب الشعبية والسياسية إثر الكشف عن المؤتمر. ولكن في ظل صعود التيار العنصري في الكثير من أنحاء أوروبا، ثبت أنها كانت عامل جذب انتخابي كبيراً... أوصلت اليمين المتطرف النمساوي إلى الفوز بالانتخابات.

بل، حتى في ألمانيا، عادت بعض أفرع حزب «البديل من أجل ألمانيا» لاستخدام التعبير ذاته «إعادة الترحيل» في الحملة الانتخابية تأهباً للانتخابات المبكّرة المقررة يوم 23 فبراير (شباط) بعدما أثبتت نجاحها في جذب الأصوات. وحتى أليس فيدل، زعيمة حزب «البديل» كرّرت التعبير أخيراً، بعد جريمة طعن نفّذها لاجئ أفغاني قتل فيها طفلاً ورجلاً، مستفيدةً من الدعم العلني من أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك، لحزبها خلال الأسابيع الماضية.

على صعيد موازٍ، ليست مواقف هربرت كيكل من الهجرة وغزله مع النازيين الجُدد المشكلة الوحيدة بالنسبة لحزب الشعب وأيضاً لأوروبا. ذلك أن موقفه المقرّب من روسيا، وعدائيته العلنية والواضحة تجاه الاتحاد الأوروبي، يشكلان نقاط خلاف كبيرة قد لا يتمكن حزب الشعب من تخطّيها لتشكيل ائتلاف معه. وللعلم، كان كريستيان شتوكر، زعيم حزب الشعب، قد وصف كيكل بأنه «خطر أمني»، ولكن هذا قبل أن يفشل حزبه بتشكيل حكومة ائتلافية، وتوكل المهمة لكيكل.

حينذاك، كان زعيم الشعبيين يرفض رفضاً قاطعاً التحالف مع حزب كيكل. ولكن على الرغم من تغييره موقفه، ما زال من غير الواضح ما إذا كان سيتمكن من تخطي الخلافات حول السياسية الخارجية، علماً بأن الزعيمين اتفقا حتى الآن على السياسة المالية التي منعت الأحزاب الثلاثة الأخرى من التوصل إلى اتفاق.

أيضاً، ليس واضحاً بعد ما إذا كان كيكل نفسه مستعداً لتلطيف مواقفه المتطرفة من بروكسل أو تأييده موسكو. فهو منذ تولى زعامة حزب الحرية يوجه انتقادات لا تتوقف للاتحاد الأوروبي، كما يعارض الحزب منذ عقود انضمام النمسا للاتحاد، كما يعارض توسعه نحو الشرق. وكل هذا، نسبة عالية جداً من الوظائف في البلاد تعتمد على الاتحاد الأوروبي.

الموقف من روسيا وحرب أوكرانيا

من جانب آخر، لا يخفي هربرت كيكل معارضته الشديدة لموقف النمسا الراهن من روسيا وأوكرانيا. وبالفعل، عندما توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بكلمة عبر دائرة الفيديو إلى البرلمان النمساوي، وقف كيكل وغادر الجلسة اعتراضاً ومعه نواب حزبه. أما تبرير كيكل لذلك فهو «حياد النمسا» التي اعتُمد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانتهى مع اندلاع الحرب في أوكرانيا.

ومن دون شك، فإن حكومة نمساوية معارضة للعقوبات على روسيا، ستعقّد مهمة بروكسل تجديد تلك العقوبات مع اتساع دائرة الدول الأوروبية المؤيدة لموسكو والتي تضم حالياً المجر وسلوفاكيا. ومعلوم، أن علاقة حزب الحرية مع موسكو تتخطى العلاقات الاقتصادية التي تطبع على الأرجح علاقات روسيا مع المجر وسلوفاكيا اللتين تستفيدان من الغاز الروسي البخس الثمن. فحزب الحرية وقّع عام 2016 «اتفاقية صداقة» مع روسيا حدّدت أطر التعاون بين الطرفين.

أخيراً، وفي الأحوال، تنتظر النمسا سنوات من التغيرات الكبيرة على الأرجح في حال نجح كيكل بتشكيل حكومة. أما في حال فشله، فقد تتجه البلاد مرة جديدة لانتخابات قد لا تفرز نتائج مختلفة عن الأولى، بل ربما تعزّز قوة الحزب المتطرف وتعطي زعيمه حججاً إضافية إلى تبني المزيد من السياسات الأكثر تطرّفاً. منذ تولى زعامة حزب الحرية وهو يوجّه انتقادات لا تتوقف للاتحاد الأوروبي... كما يعارض وحزبه منذ عقود انضمام النمسا للاتحاد الأوروبي


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته النمساوية مستجدات المنطقة

الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله الوزيرة بياته ماينل رايزنغر في الرياض (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته النمساوية مستجدات المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنغر، الثلاثاء، مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة، وتداعياتها الخطيرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عالمية كاش بوينت أرينا بملعب نادي ألتاش للكرة النسائية النمساوي (رويترز)

حُكم مخفف لمتهم بتصوير لاعبات نمساويات في غرف الملابس يثير غضباً واسعاً

أثارت قضية صادمة في النمسا موجة غضب واسعة داخل الأوساط الرياضية، بعد صدور حكم مخفف بحق رجل أُدين بتصوير لاعبات فريق ألتاش للسيدات خلسة داخل غرف الملابس والصالة.

فاتن أبي فرج (بيروت)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزيرة بياته ماينل رايزنجر خلال لقائهما في الرياض الخميس (الخارجية السعودية)

السعودية والنمسا تبحثان تطوير التعاون بمختلف المجالات

استعرض وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنجر، علاقات التعاون الثنائي بين البلدين، وسبل تطويرها في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق قناة نهر الدانوب وسط مدينة فيينا - النمسا (أ.ف.ب)

بعد 35 عاماً... الحمض النووي يحل لغز تبديل طفلتين في النمسا

تمكن اختبار للحمض النووي من حل لغز تبديل طفلتين حديثتي الولادة في أحد المستشفيات بجنوب النمسا، بعد نحو 35 عاماً على وقوع الخطأ.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
أوروبا رجال شرطة في شارع قريب من مدرسة حيث أفادت التقارير بمقتل عدد من الأشخاص في حادث إطلاق نار (أ.ف.ب)

10 قتلى في إطلاق نار داخل مدرسة ثانوية بالنمسا

نقلت «وكالة النمسا للأنباء» اليوم عن رئيسة بلدية مدينة غراتس الواقعة جنوب البلاد قولها إن إطلاق نار في مدرسة بالمدينة أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 10.

«الشرق الأوسط» (فيينا)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.


بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

كيريكو (آ ف ب)
كيريكو (آ ف ب)
TT

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

كيريكو (آ ف ب)
كيريكو (آ ف ب)

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين الرسمية هي مدينة بورتو نوفو، إلا أن «جارتها» كوتونو هي العاصمة الحكومية والاقتصادية وكبرى مدن البلاد.

تطل بنين على المحيط الأطلسي، وكان ساحلها – متصلاً وساحلي توغو ونيجيريا – يُعرف في الماضي باسم «ساحل العبيد»؛ كونه منطقة انطلاق لنقل العبيد من أفريقيا عبر المحيط.

ثم إن داهومي كانت إحدى الممالك البارزة في غرب القارة الأفريقية، خلال القرن الخامس عشر الميلادي، قبل الاحتلال الفرنسي عام 1872. وللعلم، نشأت مملكة داهومي عام 1600 على هضبة أبومي، وغدت قوة إقليمية في القرن الثامن عشر بعد توسعها جنوباً والسيطرة على مدن ساحلية مهمة مثل ويدا.

وفي منتصف القرن التاسع عشر، صارت دولة محورية بعد تخلصها من سيطرة إمبراطورية «أويو». وخلال الفترة ما بين 1890 و1894 اندلعت حروب بين فرنسا وداهومي انتهت باحتلال الأخيرة وضمها إلى المستعمرات الفرنسية في غرب أفريقيا. وظل الوضع كذلك حتى الاستقلال عام 1960.

سوغلو (آ ف ب - غيتي)

ولكن بعد عام 1960 إثر الاستقلال، دخلت البلاد حقبة من الحكومات العسكرية انتهت بانقلاب الجنرال ماثيو كيريكو في أكتوبر (تشرين الأول) 1972.

لقد سعى كيريكو إلى تأسيس حكومة نيابية عام 1989، أدت بعد سنتين إلى إجراء انتخابات رئاسية أوصلت رئيس الوزراء السابق نيسيفور سوغلو للسلطة، إلا أن الأوضاع في تلك الحقبة كانت عرضة لقلة الاستقرار.

عند الاستقلال، فاز حزب الوحدة الداهومية بالانتخابات، ليغدو زعيمه هوبير ماغا أول رئيس للبلاد. ولكن عام 1963 شهد الإطاحة بالرئيس ماغا في انقلاب قاده رئيس أركان الجيش العقيد كريستوف سوغلو. ثم في عام 1964 أجريت انتخابات رئاسية فاز بها سورُو-ميغان أبيثي، قبل أن يعود الحكم العسكري مرة أخرى عام 1965 بعدما أجبر الجنرال سوغلو الرئيس أبيثي على التنحي.

وعام 1967 قاد الرائد موريس كوانديتي انقلاباً جديداً وتولى الرئاسة، وتوالت الانقلابات إلى أن استولى كيريكو على الحكم عام 1972. ثم عام 1975 تقرر تغيير اسم داهومي إلى «جمهورية بنين الشعبية»، وأصبح الحزب الثوري الشعبي الماركسي الحزب الوحيد في البلاد. وحقاً، حكم كيريكو داهومي لمدة 19 سنة لم تسلم من محاولات انقلاب فاشلة واضطرابات سياسية واقتصادية، دفعت لتغييرات سياسية عام 1990، شملت جعل اسم البلاد «جمهورية بنين».

عام 1991 أجريت أول انتخابات تعددية وفاز نيسيفور سوغلو. ولكن، اقتصادياً كان عام 2009 محطة بارزة في تاريخ بنين، لا سيما بعد اكتشاف احتياطيات نفطية بحرية قرب مدينة سيمي على الحدود مع نيجيريا. واليوم، بينما تبرز بنين نموذجاً «ديمقراطياً» هشاً في أفريقيا، فإن وضعها الاقتصادي لا يختلف كثيراً عن باقي دول القارة، من حيث ضعف التنمية وانتشار الفقر، إضافة إلى التحديات الأمنية الناجمة إما عن هجمات «إرهابية» أو نزاعات على الأراضي بين مجتمعات متنافسة على الحدود مع «جارتها» الشمالية بوركينا فاسو.