إضاءة على حصيلتي الانتخابات الأخيرة في إندونيسيا وباكستان

بين استمرار تأثير «النخب» في الأولى... ونفوذ الجيش في الثانية

شعارات وإعلام من حملة الانتخابات الباكستانية (آ ف ب)
شعارات وإعلام من حملة الانتخابات الباكستانية (آ ف ب)
TT

إضاءة على حصيلتي الانتخابات الأخيرة في إندونيسيا وباكستان

شعارات وإعلام من حملة الانتخابات الباكستانية (آ ف ب)
شعارات وإعلام من حملة الانتخابات الباكستانية (آ ف ب)

شهدت كل من إندونيسيا وباكستان، وهما أكبر دولتين إسلاميتين من حيث عدد السكان، إذ تضمان 33.8 في المائة من سكان العالم المسلمين، انتخابات عامة خلال فبراير (شباط) المنصرم، شارك فيها ما يقرب من 320 مليون ناخب مؤهلين للتصويت. إندونيسيا أكبر أرخبيل في العالم، والدولة التي تضم أكثر من 270 مليون نسمة، تعد ليس فقط أكبر دولة إسلامية وصاحبة أكبر اقتصاد في جنوب شرقي آسيا، وإنما باتت أيضاً ثالث أكبر دولة ديمقراطية في العالم - بعد الهند والولايات المتحدة - إثر العملية الإصلاحية عام 1998 التي أنهت حكم الرئيس سوهارتو. وكان الأخير قد ظل على رأس السلطة لأكثر من ثلاثة عقود. وفي المقابل، يعيش في باكستان ثاني أكبر عدد من المسلمين في العالم، وهي أيضاً تتمتع بموقع استراتيجي في جنوب آسيا. بيد أنه بالإضافة إلى اقتصادها المتدهور، خضعت البلاد منذ تأسيسها عام 1947 لفترات طويلة من الحكم العسكري.

في إندونيسيا حقق المرشح برابوو سوبيانتو انتصاراً ساحقاً بأكثر من 60 في المائة من إجمالي الأصوات، ما رجّح أن يكون الرئيس المقبل. أما في باكستان فتأخر الحسم واستمر الغموض لبعض الوقت مع تنازع ثلاث قوى رئيسية السواد الأعظم من المقاعد. وهذا قبل اتجاه الحزبين الموصوفين بـ«العائليين»، أي «الرابطة الإسلامية الباكستانية - نواز» وحزب الشعب الباكستاني، للتحالف في تشكيل سلطة اتحادية جديدة ضد القوة الثالثة التي يشكلها مناصرو الرئيس السابق عمران خان. والمفهوم أن هذا يعني تولي شهباز شريف من «الرابطة» رئاسة الحكومة وانتخاب آصف زرداري من حزب الشعب رئيساً للجمهورية.

للعلم، هذه ليست المرة الأولى التي يتفاهم فيها الحزبان الغريمان تقليدياً، ذلك أنهما توافقا ضمن تحالف في أعقاب الإطاحة بحكم عمران خان في أبريل (نيسان) 2022 وتوليا الحكم لنحو 16 شهراً. ويومذاك تنحى جانباً نواز شريف الزعيم البارز لـ«الرابطة» ورئيس الحكومة ثلاث مرات، تاركاً المنصب لأخيه الأصغر شهباز.

عمران خان (آ ف ب)

إرث الحكم العسكري

لكل من إندونيسيا وباكستان تاريخ مشترك من الديكتاتوريات العسكرية لعقود من الزمن. إذ بقيت إندونيسيا تحت ديكتاتورية الجنرال سوهارتو لمدة 32 سنة، كما ظلت ديمقراطية ناشئة لأكثر من 25 سنة حتى الآن، وإن كانت من الناحية الدستورية دولة علمانية تقوم على فصل بين الدين والدولة. ثم إنه في حين يضطلع البرلمان (الهيئة التشريعية) الإندونيسي بدور ثانوي نسبياً في صنع القرار، تقع سلطة صنع السياسات على عاتق الرئاسة.

غورجيت سينغ، وهو سفير سابق للهند في إندونيسيا يرى أنه «رغم العملية الانتخابية الحيوية، ما زال القادة السياسيون والتجاريون والعسكريون يهيمنون على الديمقراطية في إندونيسيا، وجل هؤلاء ممن جمعوا ثرواتهم خلال 32 سنة من حكم سوهارتو. وفقط تحت ضغط شعبي هائل، اتفق هؤلاء على إضفاء الطابع الديمقراطي، لكنهم وضعوا القواعد الانتخابية لتحقيق هدفين: خلق حواجز مجحفة أمام دخول لاعبين جدد مع ضمان المنافسة العادلة فيما بينهم».

في المقابل، تاريخ باكستان السياسي مليء بالاضطرابات. إذ عاشت في ظل ثلاثة دساتير ومرّت بثلاثة انقلابات عسكرية، ومن بين رؤساء وزرائها الثلاثين، لم يُكمل أي منهم فترة ولاية كاملة مدتها 5 سنوات. كذلك، يحكم الجيش الباكستاني البلاد منذ عام 1947، ويشارك منذ فترة طويلة في السياسة، حتى عندما لا يكون في السلطة بصفة مباشرة. وكان الجنرال برويز مشرف آخر حاكم عسكري باكستاني، حكم من 1999 إلى 2008.

راهناً، تمر باكستان بأزمة سياسية جديدة، وسط استمرار الاضطرابات السياسية والتدهور الاقتصادي والهجمات الإرهابية المكثفة في المناطق الشمالية الغربية من البلاد. ويذكر أنه في عام 2024، شاب الانتخابات العامة جدل ولغط ومزاعم بأن الجيش زوّر الانتخابات لصالح ائتلاف سياسي بقيادة نواز شريف. وفي هذا السياق، غالباً ما تعلق الصحافية الباكستانية آروز كاظمي على قناتها في «يوتيوب» قائلة: «منذ الاستقلال، شابت الانتخابات في باكستان الخلافات، بما في ذلك تدخل الجيش القوي، ومزاعم واسعة النطاق بالفساد، وسوء الإدارة الاقتصادية وتزوير الناخبين. لم يزدهر الأساس الديمقراطي الحقيقي في باكستان أبداً، بل دائماً ما غمرته الانقلابات العسكرية، ولا يزال الجيش يحكم البلاد بشكل غير مباشر».

كيف ستتأثر السياسة الإندونيسية؟

خاض 3 مرشحين الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إندونيسيا، هم: برابوو سوبيانتو (72 سنة) الجنرال السابق للقوات الخاصة ووزير الدفاع الحالي - الذي فاز في السباق -، وأنيس باسويدان (54 سنة) الحاكم السابق للعاصمة جاكارتا ووزير التعليم والثقافة السابق والمثقف الإسلامي التقدمي العربي الأصل، وغنجار برانوو حاكم جاوة الوسطى السابق.

التحوّل الديمقراطي في إندونيسيا بدأ عام 1998، عندما فجّر التأثير المدمّر للأزمة المالية الآسيوية معارضة جماهيرية واسعة ضد حكم سوهارتو، الذي تولّى السلطة على خلفية عمليات تطهير واسعة ضد الشيوعيين واليساريين عام 1965. وفي مواجهة الاحتجاجات العامة المتزايدة ضد ديكتاتورية سوهارتو، أجبره حلفاؤه العسكريون والسياسيون على الاستقالة. ثم أجريت انتخابات حرة في غضون سنة.

ولقد تنافس 48 حزباً في انتخابات عام 1999، تمكن 21 منها من الفوز بمقاعد في البرلمان. ومع هذا، كان أصحاب الأداء الأعلى هي الأحزاب الثلاثة «المطيعة» الممثلة في برلمان سوهارتو ذي الموافقات الروتينية. أما الفائز الأكبر فكان «حزب النضال الديمقراطي الإندونيسي» (PDIP) بقيادة ميغاواتي ابنة أحمد سوكارنو، أول رئيس استقلالي للبلاد (الذي عزله سوهارتو). وحل ثانياً حزب «غولكار» الذي تزعمه سوهارتو وقاده مناصروه. وجاء ثالثاً «حزب التنمية المتحد»، المؤلف من نخب إسلامية تمثل فئات اجتماعية وآيديولوجية مختلفة. والملاحظ هنا تحدر رؤساء إندونيسيا الثلاثة المنتخبين ديمقراطياً منذ عام 1999 من عائلات سياسية أو دينية أو عسكرية قوية، ولقد احتفظوا بنفوذهم في السياسة رؤساء لأحزابهم السياسية.

سنا جفري، الباحثة في برنامج آسيا بـ«مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي» تعلق على الواقع بالقول: «على مدى العقدين الماضيين، تنقّلت السلطة في الغالب ضمن هذه النخب، التي تقرّر أحزابها السياسية من يظهر في الاقتراع وما يفعله الفائزون ما بين الانتخابات. وكان جوكو ويدودو، الرئيس صاحب الشعبية الكبيرة في البلاد، أول شخص خارجي يخترق هذه الزمرة. لكنه سرعان ما أدرك أن الدعم الشعبي ربما ساعده على بلوغ قمة السلطة، إلا أن ممارستها في ظل سيطرة نخب عهد سوهارتو تتطلب منه اللعب وفق قواعدها».

ماذا تعني الانتخابات بالنسبة لإندونيسيا؟

أما الأكاديمي أديتيا بيردانا فيعد أن انتخابات 2024 «ستضع إندونيسيا على أعتاب تغيير أجيال وشيك. إذ لا تزال النخب القديمة مسؤولة عن اختيار المرشحين، وباتباع التقاليد العريقة لسياسة النخبة المهيمنة، اتخذ العديد منهم تدابير لتوريث قيادة أحزابهم لأبنائهم». وأردف أن لدى إندونيسيا «جميع المكوّنات الصحيحة لجعلها واحدة من أكثر الدول نفوذاً في آسيا، وأيضاً تتمتع بالموارد الطبيعية الضخمة التي لا تحتاج إلا إلى استثمارات أجنبية لربطها والاستفادة منها». ثم أضاف: «(الرئيس الحالي جوكو) برابوو تعهد بمواصلة خطط ويدودو للتنمية الاقتصادية التي استفادت من احتياطات إندونيسيا الوفيرة من النيكل والفحم والنفط والغاز... وقادت أكبر اقتصاد في جنوب شرقي آسيا خلال عقد من النمو السريع والتحديث الذي وسع بشكل كبير شبكات الطرق والسكك الحديدية في البلاد. ويشمل ذلك مشروع بقيمة 30 مليار دولار لبناء عاصمة جديدة تسمى نوسانتارا. وهي تعتمد بشكل متزايد على الصين للقيام بذلك».

وهنا استدرك بيردانا ليشير إلى أن إندونيسيا «لا تريد أن تضطر إلى الانحياز لأي طرف في التنافس بين الولايات المتحدة والصين، مع أن ويدود اقترب أكثر من الصين، وأشار برابوو أيضاً إلى أنه قد يحذو حذوه، برغم أن الموازنة بين المصلحة والاستثمار من الغرب والصين في مشروع العاصمة الجديدة ستشكل تحدياً جدياً».

التحوّل الديمقراطي في إندونيسيا بدأ عندما فجّرت الأزمة المالية الآسيوية معارضة جماهيرية ضد حكم سوهارتو

التاريخ الانتخابي لباكستان

تشكل المشهد الانتخابي الباكستاني عبر فترات متقطعة من الحكم الديمقراطي المتداخل مع الأنظمة العسكرية. ويضطلع الجيش بدور حاسم في السياسة الباكستانية، ويعد القوة الدافعة الرئيسية وراء الانتخابات. وحول هذا الأمر يقول البروفسور سوميت غانغولي، من جامعة إنديانا الأميركية، في كتاب بعنوان «مستقبل داعش»، شارحاً: «لا يمكن لأي مرشح أن ينجح من دون دعم قادة الجيش. وأي شخص يعارض المؤسسة العسكرية يخاطر بالاعتقال أو النفي أو ما هو أسوأ. وطوال ماضي باكستان المضطرب، سيطر الجنرالات العسكريون على الانتخابات وقادوا البلاد في بعض الأحيان بأنفسهم».

وبالفعل، كانت انتخابات الشهر المنصرم مثيرة للجدل، وشابتها مزاعم بتزوير الأصوات، وأسفرت عن تفويض منقسم مع ظهور المرشحين المستقلين من حزب «حركة الإنصاف الباكستانية» بزعامة رئيس الوزراء السابق المسجون عمران خان كأكبر كتلة انتخابية. فوفقاً لتقرير نشرته صحيفة «الفجر» الباكستانية اليومية، فاز المستقلون بعدد 93 مقعداً في الجمعية الوطنية، مقابل 75 لـ«الرابطة الإسلامية الباكستانية - نواز» و54 لـ«حزب الشعب الباكستاني». وللعلم، يستلزم تشكيل الحكومة أن يخرج الحزب بغالبية 33 مقعداً من أصل 265 مقعداً في البرلمان (الجمعية الوطنية).

 

صورة من ختام يوم الاقتراع في إندونيسيا (رويترز)

تحديات متعددة الأوجه

في الحقيقة تواجه باكستان تحديات متعددة الأوجه، بما في ذلك التنشيط الاقتصادي والمخاوف الأمنية والتفاعلات الإقليمية وإصلاحات الحوكمة... وسط توقعات عالية عند الناخبين الآملين بقيادة سريعة الاستجابة، بجانب الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، والحكم الفعال.

وهنا ترى الكاتبة الصحافية الهدية ميرا باتيل: «على الصعيد الدولي، فقدت باكستان دعم الحلفاء الرئيسيين، بما في ذلك الولايات المتحدة، منذ سحبها قواتها من أفغانستان عام 2021، وتضاؤل مساعداتها العسكرية والاقتصادية لإسلام آباد. كذلك ربطت الحكومة الهندية التعامل مع إسلام آباد باعتراف الأخيرة بدورها في دعم الإرهاب (وفق باتيل)، كما تواجه باكستان باستمرار مناوشات عسكرية مع جيرانها إيران وأفغانستان. أما على الصعيد الداخلي، فتواجه البلاد الإرهاب، مع تزايد جرأة (حركة طالبان الباكستانية) في محاولة استهداف مرافق مدنية وعسكرية».

واقتصادياً، تواجه الحكومة المقبلة في إسلام آباد واقعاً قاسياً يتمثل باقتصاد مأزوم، حيث من بين 241 مليون باكستاني يعيش حوالي 40 في المائة منهم تحت خط الفقر، كما ارتفع معدل التضخم لأكثر من 30 في المائة، وفقاً للبيانات التي نشرها صندوق النقد الدولي. ويضاف إلى ما سبق أن البلاد تواجه أزمة سداد ديون محتملة، حين أبلغ البنك المركزي عن 24 مليار دولار من التزامات الديون الخارجية المستحقة بحلول يونيو (حزيران) 2024.

 

برابوو سوبيانتو... مسيرة عسكرية وسياسية

برابوو سوبيانتو، الذي سيحل محل الرئيس الإندونيسي الحالي جوكو ويدودو، هو صهر الديكتاتور السابق سوهارتو. ومن المثير للاهتمام أن برابوو خاض 3 مرات انتخابات الرئاسة بعد فشله مرتين ضد ويدودو.ولكن، هذه المرة، أصبح المنافسون السابقون حلفاء ضمنيين احتضنوه ليرث ويدودز، بل اختاروا نجل ويدودو، جبران راكابومينج راكا (36 سنة)، عمدة مدينة سوراكارتا، مرشحاً لمنصب نائب الرئيس، ما منحه الغالبية.عموماً لا يميل الرؤساء الإندونيسيون إلى تبني مرشحين، لكن ويدودو الذي استوفى الحد الدستوري للرئاسة المحدد بفترتين، فضّل دعم سوبيانتو على مرشح حزبه السابق لانتخابات 2024.ومع أن برابوو كان خصماً ومنافساً لويدودو في الانتخابات السابقة، عينّه الأخير بعد فوزه وزيراً للدفاع. وبالتالي، منح هذا الشكل من «الائتلاف» الرئيس ويدودو سيطرة شبه كاملة على البرلمان خلال الفترة السابقة. ومن ثم، بناءً على هذا النجاح، باشر ويدودو عملية البحث عن طرق للحصول على فترة ولاية ثالثة من خلال تعديل الدستور. غير أن كثيرين من نخب حزبه «حزب النضال الديمقراطي الإندونيسي» (PDI - P) أعربوا عن قلقهم، وكانت الرئيسة السابقة ميغاواتي، أول امرأة تتولى رئاسة إندونيسيا، هي التي منعت بشكل حاسم الجهود المبذولة لتعديل الدستور، وأجبرت الحكومة على تحديد موعد الانتخابات في عام 2024.ولد سوبيانتو عام 1951 لواحدة من أقوى العائلات نفوذاً في إندونيسيا، وهو الثالث بين أربعة أولاد. وكان أبوه سوميترو دجوجوهاديكوسومو سياسياً نافذاً ووزيراً في عهدي الرئيسين سوكارنو وسوهارتو. ولقد عمل الأب لأول مرة لدى سوكارنو، بطل استقلال البلاد وتحررها من الاستعمار الهولندي، وأول رؤساء إندونيسيا المستقلة. إلا أن الابن سوبيانتو أمضى معظم سنوات طفولته في الخارج، وهو بالمناسبة يجيد اللغات الفرنسية والألمانية والإنجليزية والهولندية.عادت أسرة سوبيانتو إلى إندونيسيا بعد وصول الجنرال سوهارتو إلى الحكم عام 1967. والتحق بالأكاديمية العسكرية الإندونيسية عام 1970، وتخرّج فيها عام 1974. وعلى الأثر خدم في الجيش لما يقرب من 3 عقود. في عام 1076 انضم سوبيانتو إلى «القوات الخاصة» بالجيش الوطني الإندونيسي، المسماة «كوباسوس»، وكان قائداً لمجموعة تعمل فيما يُعرف الآن بتيمور الشرقية. ويُقال إن أوامره، عام 1998، تضمّنت خطف وتعذيب النشطاء المؤيدين للديمقراطية المعارضين لسوهارتو - والد زوجته آنذاك - وأنه كان مسؤولاً عن عدد من انتهاكات الحقوق المدنية في بابوا وتيمور الشرقية. ولكن، رغم محاكمة العديد من رجاله وإدانتهم، فإنه نفى جميع المزاعم، ولم يتعرّض للإدانة.كذلك، مع أن سوبيانتو سُرّح من الخدمة بشكل غير مُشرف عام 1998، لكنه لم يواجه المحاكمة أبداً، بل ذهب إلى المنفى الاختياري في الأردن عام 1998، ثم عاد من الأردن عام 2008، وساعد في تأسيس حزب «غيريندا» (حركة إندونيسيا العظيمة).من جهة لأخرى، كانت لسوبيانتو علاقات وثيقة مع الإسلاميين المتشددين الذين استخدمهم لتقويض خصومه. لكن بالنسبة لانتخابات 2024، طرح سوبيانتو صورة لنفسه أكثر ليونة لاقت صدى لدى عدد كبير من الشباب في إندونيسيا، بما في ذلك مقاطع فيديو له وهو يرقص على خشبة المسرح وإعلانات تظهر عروضاً رقمية تشبه الرسوم المتحركة له وهو يمارس رياضة التزحلق في شوارع جاكارتا.ثم قال في أول خطاب له بعد الفوز: «سنكون... الرئيس ونائب الرئيس والحكومة لجميع الشعب الإندونيسي. سأحكم، مع جبران (لحماية) الشعب الإندونيسي والدفاع عنه بأسره، بصرف النظر عن القبيلة، والجماعة الإثنية، والعرق أو الدين، ومهما كانت الخلفية الاجتماعية. وستكون مسؤوليتنا تجاه جميع الشعب الإندونيسي هي حماية مصالحه».

 

 

شهباز شريف... وتجربة حكم جديدة

ولد شهباز شريف، الأخ الأصغر للزعيم الباكستاني نواز شريف، يوم 23 سبتمبر (أيلول) 1951 في مدينة لاهور عاصمة البنجاب، أكبر أقاليم باكستان وأغناها. وهو سليل أسرة مرموقة لعبت دوراً سياسياً نشطاً في باكستان لعقود، كما أنه متزوج مرتين، وأب لولدين وبنتين من زواجه الأول.تلقى شهباز تعليمه في «الكلية الحكومية» بلاهور، ولاحقاً درس الحقوق في جامعة البنجاب. وخلال عقد الثمانينات دخل حلبة السياسة، وترقى بسرعة في صفوف حزب أخيه «الرابطة الإسلامية الباكستانية - نواز»، ومن ثم شغل لعدة فترات منصب رئيس حكومة إقليم البنجاب. غير أنه قبل أن يتولى منصب رئيس الحكومة الباكستانية عُرف بوصفه إدارياً قديراً أكثر مما هو سياسي لامع. وبالفعل يصفه العاملون معه والمقربون منه بأنه نشيط ومحب للعمل.وعلى مسرح السياسة العليا يذكر عن شهباز لعبه دوراً بارزاً في الحفاظ لمدة 16 شهراً على الائتلاف غير المتجانس الذي حكم باكستان بعد إطاحة البرلمان حكم عمران خان.

 

 


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟