ميشيل أونيل... أول شخصية «قومية» تقود آيرلندا الشمالية

تتوقّع تنظيم استفتاء على وحدة الجزيرة خلال 10 سنوات

تزامن دخول أونيل عالم السياسة عام 1998 مع توقيع «اتفاقية الجمعة العظيمة» التي ساهمت في إنهاء 30 سنة من العنف والخراب
تزامن دخول أونيل عالم السياسة عام 1998 مع توقيع «اتفاقية الجمعة العظيمة» التي ساهمت في إنهاء 30 سنة من العنف والخراب
TT

ميشيل أونيل... أول شخصية «قومية» تقود آيرلندا الشمالية

تزامن دخول أونيل عالم السياسة عام 1998 مع توقيع «اتفاقية الجمعة العظيمة» التي ساهمت في إنهاء 30 سنة من العنف والخراب
تزامن دخول أونيل عالم السياسة عام 1998 مع توقيع «اتفاقية الجمعة العظيمة» التي ساهمت في إنهاء 30 سنة من العنف والخراب

إن كان للمفارقات التاريخية تعريف، فإنه يتجسّد بلا شك في وزيرة آيرلندا الشمالية الأولى ميشيل أونيل. أونيل، التي باتت أول «قومية آيرلندية» وأول كاثوليكية تتولى هذا المنصب في تاريخ آيرلندا الشمالية، كرّست حياتها السياسية لإنهاء وجود هذا الكيان بشكله الحالي وإعادة توحيده مع جمهورية آيرلندا، وها هي اليوم تتبوّأ أعلى مناصبه التنفيذية. وللعلم، رغم انتخابها في مايو (أيار) 2022، لم تتسلم أونيل مهامها إلا مطلع الشهر الحالي بعد انجلاء أزمة سياسية عرقلت العمل التشريعي والتنفيذي في آيرلندا الشمالية قرابة سنتين. وعبر خطابها في قصر ستورمونت (مقر البرلمان الآيرلندي الشمالي) التاريخي، أكّدت أونيل أنها تسعى لخدمة جميع مواطني آيرلندا الشمالية؛ في مسعى لطمأنة «الاتحاديين» الداعمين للمملكة المتحدة. فهل ستنجح أونيل في تمثيل «المجتمع بأطيافه كافة»؟ وكيف ستسهم نشأتها وتاريخ أسرتها في بلورة سياساتها؟

منذ دخول ميشيل أونيل عالم السياسة، ارتبطت صورتها بتاريخ انخراط أسرتها في أحداث العنف الأهلي الدامية التي عرفت بـ«الاضطرابات»، التي أودت بحياة أكثر من 3600 شخص وامتدّت 30 سنة، قبل أن تلجمها «اتفاقية الجمعة العظيمة» المبرمة عام 1998 بين «الاتحاديين» (وجلهم من البروتستانت) و«القوميين» (وجلهم من الكاثوليك).

النشأة والعائلة

وُلدت ميشيل دوريس أونيل (دوريس اسم عائلتها) يوم 10 يناير (كانون الثاني) 1977 في بلدة فيرموي بأقصى جنوب جمهورية آيرلندا، لكنها تنحدر من كلونوي في محافظة تايرون، لعائلة من خلفية جمهورية آيرلندية.

سُجن والدها برندان دوريس، قبل ولادتها، بسبب انتمائه لميليشيا «الجيش الجمهوري الآيرلندي» المحظورة في بريطانيا والمتهمة بنحو نصف ضحايا الصراع وآلاف الانفجارات إبان فترة «الاضطرابات». وأصبح برندان بعد ذلك عضو مجلس محلي ممثلاً حزب «شين فين» في بلدة دونغانون خلال الثمانينات. أما عمها، بول دوريس، فكان رئيساً لمجموعة «نورايد»، وهي مجموعة جمهورية ناشطة في جمع التبرعات.

بل إن ابن عمّها توني دوريس، كان أحد ثلاثة مسلحين تابعين لـ«الجيش الجمهوري الآيرلندي» قُتلوا في كمين نصبته الخدمة الجوية الخاصة التابعة للجيش البريطاني عام 1991. وكان توني يقود فرقة اغتيالات في قرية بمحافظة تايرون، وتعرّض لإطلاق رصاص كثيف جعل من الصعب التعرف على جثّته. وفي حادثة أخرى عام 1997، أصيب قريب آخر لميشيل أونيل، هو المتطوّع في «الجيش الجمهوري الآيرلندي» غاريث ملاكي دوريس، بالرصاص.

تعليمها ومسيرتها المهنية

تلقت ميشيل تعليمها في مدرسة «أكاديمية سانت باتريك» للفتيات في دونغانون. وفي سن الخامسة عشرة، عندما كانت لا تزال تلميذة، حملت أونيل بطفلها الأول. وهي تستذكر تلك الفترة بألم ممزوج بالامتنان. إذ قالت في إحدى المقابلات الصحافية مع «ذي آيريش تايمز» إنها كانت تُعامل في المدرسة كما لو كانت «مصابة بالطاعون». وأضافت: «لن أنسى تلك التجربة أبداً. والتزمت بيني وبين نفسي أن أحداً لن يعاملني بهذه الطريقة مرة أخرى».

وفي مقابلة مع شبكة «سكاي نيوز»، تحدّثت أونيل عن الصعوبات التي واجهتها في تربية ابنتها «سيرسي» في مجتمع آيرلندا الشمالية الكاثوليكي المحافظ في التسعينات. وقالت: «تم وضعي في خانة: أم عازبة وغير متزوجة، تم شطبها (من المجتمع) تقريباً. لكنني كنت مصممة على ألّا أشطب اسمي، وأن أعمل بجد وأعيش حياة جيدة من أجل ابنتي». وفي وقت لاحق، رُزقت بابن، وأصبحت في عام 2023 جدة.

في المقابل، عبّرت ميشيل أونيل عن امتنانها الشديد لأسرتها، وخاصة لأمها التي استقالت من عملها كي تهتم بحفيدتها وتتيح لابنتها استكمال دراستها. وقالت أونيل في فيديو نشرته على حساباتها بمنصات التواصل الاجتماعي «لقد تخلت أمي عن العمل حتى أتمكن من العودة إلى المدرسة... لقد بقيت في المنزل، وتولت مجالسة طفلتي ورعايتها وبذا سمحت لي بالعودة وإكمال تعليمي...».. وبالفعل، عادت إلى «أكاديمية سانت باتريك» لإكمال اختبارات التخرج GCSE. وبعد ذلك، بدأت تدريبها لتصبح محاسبة.

دخول عالم السياسة

تزامن دخول ميشيل أونيل عالم السياسة عام 1998، مع توقيع «اتفاقية الجمعة العظيمة»، وهي اتفاق السلام الذي ساهم في إنهاء 30 سنة من العنف والخراب في آيرلندا الشمالية. وآنذاك انضمّت أونيل إلى حزب «شين فين»، الحزب السياسي القومي المنتشر في عموم الجزيرة الآيرلندية، أي في كل من آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا. وما يذكر أنه لطالما عدّت السلطات البريطانية هذا الحزب «الجناح السياسي» لميليشيا «الجيش الجمهوري الآيرلندي».

وبعد انضمامها، صارت أونيل مقرّبة من نائب زعيم الحزب مارتن ماكغينيس، الذي كان آنذاك مرشّحاً في دائرة ميد آلستر الانتخابية، وأصبح عرّاباً لها في مسيرتها السياسية. وأيضاً، بينما كانت أونيل تعمل مع ماكغينيس وزميله عضو مجلس ميد آلستر فرانسي مولوي، عملت كذلك مستشارة لحقوق الرعاية الاجتماعية.

وفي أعقاب تنحّي والدها برندان عن مقعده في المجلس المحلي (البلدي) لدونغانون وساوث تايرون قبل انتخابات 2005، عقب تشخيصه بمرض مزمن، فازت بمقعده. ولقد توفي الأب بعد أشهر من فوز ابنته بالانتخابات وشغلها مقعده.

على الأثر، انطلقت مسيرة ميشيل أونيل صعوداً وبسرعة، فغدت بعد ذلك أول امرأة تتولى منصب عمدة دونغانون وساوث تايرون. وهذا إنجاز أسعدها جداً، إذ قالت خلال حديث لها عن أبيها «أنا متأكدة أنه لو كان على قيد الحياة، لكان نظر إلي بالرضا والاعتزاز... وافتخر كثيراً بابنته الصغيرة».

وتسارعت المسيرة منذ 2007، عندما انضمت أونيل إلى ماكغينيس ومولوي بصفتها «نائباً» في برلمان آيرلندا الشمالية عن دائرة ميد آلستر. ومن ثم، عُيّنت ناطقة باسم حزبها لشؤون الصحة، كما شغلت مقعداً في لجنة التعليم البرلمانية.

وبعد أربع سنوات من نشاطها في مقر البرلمان بقصر ستورمونت، عيّنها حزب «شين فين» وزيرة للزراعة عام 2011. وفي عام 2016 أصبحت وزيرة للصحة، التي تعدّ واحدة من أكثر الحقائب الوزارية صعوبة وتحديات في آيرلندا الشمالية.

ترقية تاريخية

حصلت أونيل في 2017 على ترقية داخل «شين فين» حملتها خلال فترة قياسية إلى منصب نائب الوزير الأول لآيرلندا الشمالية.

ذلك أنه في يناير من ذلك العام، أعلن مارتن ماكغينيس استقالته من منصب نائب الوزير الأول إثر خلافه مع «الحزب الديمقراطي الاتحادي» (البروتستانتي) حول مخطّط للطاقة. وأدّت هذه الاستقالة إلى انهيار السلطة التنفيذية التي تتقاسم السلطة بين الحزبين الكبيرين في ستورمونت، ما نتج عنه فترة جمود سياسي استمرت ثلاث سنوات.

بل إن ماكغينيس توفي بعد استقالته بوقت قصير، وعندها اختار الحزب ميشيل أونيل لتحل محله نائباً لزعيم «شين فين»، في خطوة وصفتها بـ«أكبر شرف وامتياز» في حياتها.

وبعد ذلك، عندما تجاوز نواب ستورمونت أزمة الفراغ التنفيذي في يناير 2020، مُنهين ثلاث سنوات من الجمود، عُينت أونيل نائبتاً للوزيرة الأولى آرلين فوستر من الحزب الديمقراطي الاتحادي، وجاءت هذه الخطوة عندما كانت جائحة «كوفيد - 19» تعصف بمناطق المملكة المتحدة.

غير أن حدثاً لافتاً سجّل في مايو 2022، عندما أصبح «شين فين» أكبر حزب في برلمان ستورمونت لأول مرة في تاريخ آيرلندا الشمالية. ولقد كرّر هذه النتيجة في انتخابات المجالس المحلية في عام 2023. وحول هذا الأمر، وصفت أونيل الحدثين الانتخابيين بـ«التاريخيين».

ولكن على الرغم من هذا الإنجاز، لم تتمكّن أونيل من شغل منصب الوزيرة الأولى إلا يوم 3 فبراير (شباط) 2024؛ وذلك بسبب فترة جديدة من الجمود فرضها «الديمقراطيون الاتحاديون» على برلمان ستورمونت. ذلك أن الحزب الموالي للدولة البريطانية قرّر مقاطعة حكومة «تقاسم السلطة» لفترة استمرت سنتين، احتجاجاً على اتفاقات «بريكست» التي فرضت عبئاً جمركياً إضافياً على السلع المتبادلة بين آيرلندا الشمالية وبريطانيا.

معادلة دقيقة

اليوم تواجه ميشيل أونيل في منصبها الجديد، بصفتها وزيرة أولى، تحدّياً كبيراً يحتّم عليها المواءمة بين ولائها لأمل «الوحدة الآيرلندية» وتعهدها بخدمة أفراد المجتمع الآيرلندي الشمالي بكل أطيافه.

وحقاً، قالت أونيل في خطاب تنصيبها أمام برلمان ستورمونت متعهدة: «سأخدم الجميع بالتساوي، وسأكون الوزيرة الأولى للجميع... مهما كانت تطلعاتنا، بإمكاننا ويجب علينا أن نبني مستقبلنا معاً. علينا أن نجعل تقاسم السلطة ناجحاً لأننا بشكل جماعي مكلفون بالقيادة وتقديم الخدمات لجميع أفراد شعبنا».

أيضا، عدّت أونيل تعيين وزير أول «جمهوري» «فجراً جديداً» لم تكن تتصوّره الأجيال السابقة من الكاثوليك. وسعت لتأكيد موقفها التصالحي مع لندن عبر حضورها جنازة الملكة إليزابيث الثانية وحفل تتويج الملك تشارلز الثالث، وذلك على الرغم من مواقفها - ومواقف حزبها الجمهوري القومي الآيرلندي - الرافضة لشرعية التاج البريطاني في آيرلندا الشمالية.

هذا، وكانت أونيل قد أثارت حفيظة «الاتحاديين» في آيرلندا الشمالية وبعض السياسيين البريطانيين غير مرة خلال السنوات الماضية. فقد أثارت جدلاً كبيراً في عام 2017، عندما ألقت كلمة أمام تجمع حاشد بمناسبة الذكرى الثلاثين لمقتل ثمانية مسلحين من «الجيش الجمهوري الآيرلندي» على أيدي القوات البريطانية الجوية الخاصة. ويومذاك قُتل الرجال في هجوم شنوه على مركز شرطة يوم 8 مايو 1987. وبمواجهة الغضب العارم بين «الاتحاديين» دافعت أونيل عن حضورها، وقالت إنها «جمهورية آيرلندية»، وإنها حريصة على «إحياء ذكرى موتانا».

كذلك في عام 2022، أصرّت على موقف أزعج كثيرين من «الاتحاديين» بقولها في «بودكاست» لـ«البي بي سي» إنه لم يكن للجمهوريين الآيرلنديين «بديل» عن اللجوء إلى العنف، قبل عملية السلام في التسعينات.

إلى ذلك، تعمد أونيل – مثل معظم «القوميين» والجمهوريين – إلى استخدام عبارة «شمال آيرلندا» بدلاً من «آيرلندا الشمالية»، وإن كانت قد كسرت هذه العادة في بعض المرات منذ تسلمها منصب الوزيرة الأولى.

ثم إنه، بدا أن أونيل لا تزال متمسّكة بتنظيم استفتاء حول «الوحدة الآيرلندية». إذ توقّعت في حوار ببرنامج على قناة «آر. تي. إي» الآيرلندية، أن تشهد السنوات العشر المقبلة تطوّراً في اتّجاه «إصلاحات دستورية» تقود إلى تنظيم استفتاء حول الوحدة الآيرلندية.

وعن قدرتها على تحقيق توازن بين هويتها السياسية ومهامها بصفتها وزيرة أولى لجميع ناخبي آيرلندا الشمالية، قالت أونيل لشبكة «سكاي نيوز» البريطانية: «من الواضح أنني جمهورية بل وجمهورية فخورة. لكنني أعتقد أنه من المهم حقاً أن أتطلع إلى الجمهوريين الآيرلنديين، وإلى أصحاب هوية بريطانية اتحادية على حد السواء، وأن أخبرهم أنني أحترم قيمهم وثقافتهم».

تحدي المنصب

تقود أونيل في منصبها الجديد الذراع التنفيذية للسلطة في آيرلندا الشمالية، وإلى جانبها نائبتها «الاتحادية» إيما ليتل - بينغيلي.

ومثل أونيل، تُحسب ليتل - بينغيلي على «جيل الجمعة العظيمة»، الذي شهد على تداعيات عقود من الانقسام الطائفي والقتال المسلّح... إلا أنها تنتمي إلى الفريق «الاتحادي» البروتستانتي. ومثل أونيل، كان والد ليتل - بينغلي منخرطاً في النشاط العسكري للميليشيات البروتستانتية، ونُقل عنه في ذروة نشاط حركة «ألستر المقاومة»، معارضته الشديدة لأي تسوية مع الجمهوريين «حتى النهاية المريرة... حتى الموت».هذا موقف تجاوزته ابنته إيما ولكن من دون التخلي عن قيمها «الاتحادية» وانتمائها البريطاني. واليوم بينما تعمل «الزعيمتان» على تحييد خلافاتهما الآيديولوجية جانباً، والتركيز على تحسين الاقتصاد ومكافحة البطالة وإصلاح النظام الصحي، يخشى كثيرون من فشل هذه المغامرة السياسية... والعودة من جديد إلى فترات الجمود والتعطيل.


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.