حرب لبنان اقتربت... وتوقيتها رهن نتائج غزّة

على وقع التهديدات الإسرائيلية... ورغم تردّد إيران

جولة من القصف على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية (رويترز)
جولة من القصف على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية (رويترز)
TT

حرب لبنان اقتربت... وتوقيتها رهن نتائج غزّة

جولة من القصف على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية (رويترز)
جولة من القصف على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية (رويترز)

دخلت إسرائيل و«حزب الله» اللبناني في وضع اشتباك يومي مستمر، هو الأول من نوعه منذ انتهاء حرب يوليو (تموز) 2006. وعلى الرغم من هذا الوضع، لم تؤدِ الاختراقات التي تحصل - حتى الساعة - إلى مواجهة شاملة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. ويرى المتابعون والمحللون أن اشتعال الجبهة يبقى رهن تطوّرات معركة غزّة والنتائج التي ستخلص إليها. وحالياً، تتقاطع تقديرات على أن «سيناريو الحرب مع لبنان ما زال قائماً، بل ارتفعت حظوظه بعدما أعادت إسرائيل النظر في سياستها الدفاعية إثر عملية (طوفان الأقصى)، ورفضها العودة لإدارة الصراع وفق المعادلة التي كانت معتمدة قبل 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي».

تخطّت إسرائيل خلال الأيام الماضية «الخطوط الحمراء» التي رسمها الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله، وحذّر من أن تجاوزها سيشعل الجبهة على نطاق واسع، وأهمها تنفيذ عمليات خارج «قواعد الاشتباك» واستهداف مدنيين لبنانيين، والتقدّم العسكري في غزّة.

غير أن نصر الله لم ينفّذ تهديداته رغم الأثمان الباهظة وخسارته 75 من مقاتليه في الجنوب. وفي هذا الإطار، ثمة مَن يرى وجود عوامل تضغط على «حزب الله» كي لا يذهب بعيداً، منها أن إيران – كما يبدو – لا تريد فتح جبهة جديدة، قبل أن تتوضّح صورة الحرب في غزّة.

وهنا يرى النائب السابق علي درويش، المقرّب من رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، أن «اللقاءات والاتصالات التي أجراها رئيس الحكومة ميقاتي قبل القمّة العربية وخلالها حصّنت لبنان نسبياً من الانزلاق إلى الحرب، لكن لا ضمانات ثابتة لتحاشي الوقوع في المحظور».

ويؤكد درويش لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، أن رئيس الحكومة «ناقش خلال اللقاءات التي عقدها أخيراً مع قادة عرب ومسؤولين دوليين موقف لبنان الرسمي والشعبي، وأبلغ الجميع أنه لا مصلحة لأحد بتوسيع رقعة الصراع، لأن نتائجه ستكون كارثية على المنطقة، لكن ذلك لن يمنع لبنان من الدفاع عن نفسه بوجه الاعتداءات الإسرائيلية». وأشار، من ثم، إلى أن «الدول المعنية بما يحصل بدت متفهمة للموقف اللبناني، ولمطالبة الرئيس ميقاتي بلجم التهور الإسرائيلي... لكنها لم تقدم ضمانات دائمة».

ضربة استباقية

من ناحية ثانية، صحيح أن الخطابين، اللذين ألقاهما الأمين العام لـ«حزب الله» خلال الأسبوعين الماضيين، اتسما بنبرة هادئة، غير أنّهما لم يبددا القلق من إمكانية استمرار التصعيد في الجنوب، بما ينذر بتدحرج الأمور. ولا يستبعد الدكتور سامي نادر، مدير «مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية» في بيروت، احتمال نشوب الحرب مع لبنان نتيجة الغليان العربي بسبب الكارثة الإنسانية التي تشهدها غزّة وارتفاع عدد الضحايا. ويوضح نادر لـ«الشرق الأوسط» أن «المقلق بالنسبة لنا يكمن في إعادة تقويم إسرائيل للموضوع الأمني والهلع الذي يعيشه سكان المستوطنات الشمالية والتأثيرات النفسية لعملية (طوفان الأقصى) عليهم، وكيف يتخيّل هؤلاء أن (حزب الله) سيدخل مناطقهم كما حصل في مستوطنات غلاف غزّة». وأردف نادر أن إسرائيل «دخلت مرحلة إعادة النظر بكل سياستها الدفاعية وعقيدتها الأمنية»، متوقفاً عند ما سرّب عن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت من «احتمال توجيه ضربة استباقية للبنان، غير أن التدخل الأميركي ما زال يلجم هذا الاحتمال حتى الآن».

المواجهة الكبرى

في هذه الأثناء، لا يكتفي المسؤولون الإسرائيليون بالتهديدات العسكرية، بل إنهم يمارسون حرباً نفسيّة ضدّ الشعب اللبناني. وبالفعل، تكاد لا تخلو تصريحات بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه ورئيس الأركان من التلويح بضرب البنى التحتية اللبنانية وقصف العاصمة بيروت، إذا ما نفّذ «حزب الله» وعده بضرب تلّ أبيب ومواقع استراتيجية في العمق الإسرائيلي. وحول هذا الأمر، قال الدكتور رياض قهوجي، مدير «مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري» في حوار مع «الشرق الأوسط» شارحاً أن «فرضية اندلاع الحرب بين لبنان وإسرائيل ما زالت قوية جداً وقابلة للاشتعال بأي لحظة».

ويتابع قهوجي مشدداً على أنه «طالما هناك قصف يومي على الحدود بين لبنان وإسرائيل، فإن احتمال وقوع الخطأ الذي يؤدي إلى الانزلاق نحو الحرب ومواجهة كبرى يبقى قائماً». ثم يستطرد: «لا يمكن أن تكون هناك عمليات قصف يومية ونتوقع أن تبقى الأمور تحت السيطرة».

وفق رأي قهوجي، فإن «(حزب الله)، ومثله إسرائيل، خرقا قواعد الاشتباك التي كانت سائدة منذ انتهاء حرب يوليو (تموز) 2006... وهذا يحصل عندما يجد أحدهما نفسه متألماً من ضربات العدو». كذلك لفت إلى أن «(حزب الله) وجّه ضربات قاسية لإسرائيل باستهدافه مواقعها المكشوفة، من واقع قدرته على مراقبة تحركات الجنود الإسرائيليين، وقتل عدد منهم، وهذا أمر موجع للإسرائيلي».

تثبت موازين القوى

في أي حال، «لن تكون مرحلة ما بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 كما قبلها»، على حدّ تعبير بعض المتابعين لتطورات الحرب على جبهتي عزّة ولبنان. إذ إن الجيش الإسرائيلي، الذي تلقى الضربة الأقوى منذ تأسيسه، سيسعى إلى استعادة صورته التي تهشّمت أمام مجتمعه. وضمن هذا الإطار يشدد الدكتور سامي نادر على أن «ثمّة قناعة لدى القيادتين السياسية والعسكرية في تلّ أبيب، بأنه لا يمكن العودة لإدارة الصراع كما كان في السابق، وهذا يضع على الطاولة إعادة حسم الملفات الأمنية بالقوة... من هنا يأتي تحذير الداخلي والخارجي لـ(حزب الله) بعدم الوقوع في الفخّ الإسرائيلي».

ثم يلفت نادر إلى أن إيران «ليست لها مصلحة بالانخراط في الحرب، لأنها تجد نفسها الآن رابحة بالنقاط، وهي تسعى الآن لوقف إطلاق النار وتثبيت موازين القوى التي كانت سائدة قبل 7 أكتوبر الماضي».

وفي حين تكثر الأسئلة عمّا ستقدم عليه إيران في حال نجحت إسرائيل في القضاء على حركة «حماس» في غزّة، وما إذا كانت ستستخدم جبهة لبنان عبر تدخّل واسع من قبل «حزب الله»، يعتقد الدكتور نادر أن إيران «غير مستعدّة للتضحية بـ(حزب الله) حتى لو خسرت (حماس) الحرب». إلا أنه استدرك قائلاً: «قد تضحّي إيران بالحزب في حالة واحدة، هي إذا أضحت طهران نفسها تحت النيران، وذهب (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو بعيداً باتجاه توجيه ضربات عسكرية قوية داخل إيران... ولكن حتى الآن لا يزال الرئيس الأميركي جو بايدن يلجم هذه الاندفاعة الإسرائيلية».

القوّة المُفرطة

على صعيد موازٍ، تدرك إسرائيل أن الحرب على الجبهة الشمالية ليست نزهة، وكلفتها ستكون مضاعفة مقارنة مع معركتها في غزّة، إلّا أن الإسرائيليين ربما يتقبّلون دفع الأثمان بدل البقاء في قلقٍ دائم. وهذا بالذات ما تطرقت إليه تقارير ودراسات أعدّها صنّاع القرار في تلّ أبيب.

وفي هذا الصدد، يلاحظ الدكتور رياض قهوجي أن «الجيش الإسرائيلي يسعى لاستعادة هيبته بعد عملية (طوفان الأقصى)، ويلجأ إلى الإفراط باستخدام العنف والمبالغة بالردّ وارتكاب المجازر بحق المدنيين في غزّة، لكن مشكلته الكبرى تبقى على الحدود الشمالية، إذ إنه لم يستطع حتى الآن التعامل معها... وهذه المخاوف تتزايد لدى سكان المستوطنات الشمالية، الذين يرفضون العودة إليها طالما أن خطر (حزب الله) ما زال موجوداً». وهنا يشدّد قهوجي على أن «هذه المخاوف بدأت تدفع بالإسرائيليين إلى المطالبة بإنهاء وجود الحزب كشرط أساسي لعودتهم إلى هذه المستوطنات».

السيناريو الأسوأ

وما يستحق الإشارة هنا، أنه منذ بدء عملية «طوفان الأقصى»، أخلى الجيش الإسرائيلي أكثر من 10 آلاف إسرائيلي من المستوطنات الواقعة بالقرب من غلاف غزّة إلى مدينة إيلات المطلة على البحر الأحمر جنوب إسرائيل، وأيضاً أخلى 60 ألف مستوطن من المجمعات القريبة من الحدود مع لبنان إلى الداخل الإسرائيلي.

وحسب رأي قهوجي، فإن «قلق المستوطنين من العودة إلى مناطقهم في الشمال قد يدفع إسرائيل للقيام بعمل عسكري كبير مع (حزب الله)، فور انتهاء المعركة في غزة»، محذراً من أنه «قد نجد أنفسنا أمام هذا السيناريو عندما تشعر إسرائيل أنها باتت تسيطر على الوضع في غزة».

الحرب المدمّرة

أيضاً حول الوضع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، خلال جولته الأخيرة على الجبهة الشمالية مع لبنان، من أن «(حزب الله) يقترب من ارتكاب خطأ كبير، سيؤدي إلى تحويل بيروت إلى غزة ثانية». وتابع غالانت: «أقول لمواطني لبنان إن (حزب الله) يجرّ لبنان إلى حرب قد تندلع، وهو يرتكب الأخطاء... وإذا ارتكب هذه الأخطاء هنا فمن سيدفع الثمن، أولاً هم مواطنو لبنان، وما نقوم به في غزة نعرف كيف نكرره في بيروت». ثم تابع مهدّداً أن الطيارين الإسرائيليين «يجلسون داخل قمرات الطائرات المتأهبة للتوجه شمالاً، ولدينا كل ما يلزم لنفعل نفس ما نقوم به في الجنوب».

صحيح أن تهديدات غالانت هذه تأتي في سياق الحرب النفسية على الشعب اللبناني، بيد أنها قد تتحوّل إلى أمرٍ واقع، من هنا يجمع الخبراء العسكريون على أن الحرب المحتملة ستكون حرباً مدمّرة، بالنظر للسلاح المتطور الذي سيستخدمه الجانبان، أي إسرائيل و«حزب الله». ولذا ينبّه قهوجي إلى أن «(حزب الله) سيستخدم كل الأسلحة الاستراتيجية المتوافرة لديه من صواريخ دقيقة ومسيرات ومدافع، وربما سلاح دفاع جوّي». ويلفت إلى أن «إسرائيل ستلجأ إلى كثافة القصف الجوي والأحزمة النارية كالتي تستخدمها في غزة، بالإضافة إلى تدمير المجمعات السكنية والمباني وضرب البنى التحتية اللبنانية وارتكاب المجازر، واستخدام سياسة الأرض المحروقة».

عنصر المفاجأة

هذه الصورة السوداوية ترتسم في أذهان اللبنانيين الذين يشاهدون على مدار الساعة مجازر غزّة ومعاناة أبنائها وتدمير المستشفيات والمدارس ودور العبادة، ولذلك تعلو الأصوات التي تحذر «حزب الله» من الاستدراج إلى حرب كارثية.

ومجدداً، ينبّه قهوجي إلى أن إسرائيل «ستستفيد من الانقسامات اللبنانية حول الحرب، لتعزّز الانشقاق الداخلي وتزيد الضغط على الحزب، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الشعب اللبناني سيحمّله مسؤولية الانخراط في الحرب، وبالطبع، إسرائيل ستستغلّ ذلك، وتفاقم معاناة الشعب اللبناني».

تدرك إسرائيل أن الحرب على الجبهة الشمالية ليست نزهة وكلفتها ستكون مضاعفة مقارنة مع معركتها في غزّة

من جهة أخرى، يفترض مراقبو التطورات العمليات العسكرية على الجانبين اللبناني والإسرائيلي أن الدولة العبرية باتت أكثر جاهزية من أي وقت مضى لاحتمالات الحرب. ذلك أنها ما عادت تخشى عنصر المفاجأة الذي أنهكها في عملية «طوفان الأقصى»، بل تراقب أي تحرّك، ليس عند الخطّ الفاصل بينها وبين لبنان فقط، بل في القرى والبلدات اللبنانية القريبة من فلسطين المحتلّة. ولذا يذكّر قهوجي بأن «الجيش الإسرائيلي حشد أكثر من 200 ألف جندي على الجبهة مع لبنان، بالإضافة إلى إعلان تأهب كبير في سلاح الجوّ والقوة الصاروخية، أما السيناريو الأسوأ وفق التقديرات، فهو التوغّل الإسرائيلي في اجتياح برّي للبنان».

... والهجرة

أخيراً، تواجه الدولة العبرية راهناً معضلة هجرة الآلاف من أرضها إلى دولٍ أخرى. وتشير معلومات إلى أن أكثر من 230 ألف يهودي غادروا إسرائيل منذ عملية «طوفان الأقصى»، ويتوقع ارتفاع أعداد المغادرين مع استمرار الحرب على قطاع غزة، وتصاعد التوتر على الجبهة الشمالية مع لبنان، والمواجهات المتواصلة في الضفة الغربية المحتلة.

وهنا يقول قهوجي: «إذا وقعت الحرب، لا سمح الله، فإن إسرائيل أعلنت استعدادها للدخول براً». ويتوقع أن «تلجأ إلى خلق واقع جديد في منطقة جنوب نهر الليطاني، لتكون هذه الحرب أكثر شراسة ودموية من حرب 2006، ولا سيما أن الإسرائيلي سيعمل على إعادة المستوطنين إلى مناطقهم في الشمال، ويثبت لهم أنه قادر على حمايتهم، كما أنه سيحاول استعادة الثقة بقدرة الجيش على الردع وحماية المجتمع الإسرائيلي وتشجيع الذين هاجروا من إسرائيل للعودة إليها مجدداً».

 

الرئيس نجيب ميقاتي (رويترز)

خطّة الدولة للمواجهة... «حبرٌ على ورق»

> في موازاة الجهود التي يبذلها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لتجنيب لبنان خطر حرب إسرائيلية وتداعياتها المدمّرة، وضعت الوزارات والإدارات المتخصصّة موظفيها بجاهزية كاملة تحسباً لأي طارئ. إلا أن هذه الاستعدادات لا ترقى إلى مستوى الخطر الداهم، وتبقى من دون جدوى بغياب التجهيزات اللازمة.

وفي هذا الشأن، رأى رئيس الهيئات الاقتصادية في لبنان الوزير السابق محمد شقير خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن هذه التحضيرات «ما زالت حبراً على ورق... وإذا وقعت الحرب فليست لدينا ركيزة أساسية للوقوف عليها».

وأردف شقير أن «الناس ليست لديها الأموال لتكون قادرة على الصمود، كما أن التجار لا يملكون رأس المال الكافي لاستيراد البضائع والتخزين لفترة طويلة، ثم إن المواد المخزّنة في المستودعات لا تكفي لأكثر من شهر أو شهرين بأفضل الأحول، لكن الطامة الكبرى تكمن في شح المحروقات التي لا تكفي لأكثر من أسبوعين. وأعتقد أنه إذا فرض حصار بحري على لبنان فسنقع في الكارثة الكبرى، وعندها كلّ المصانع التي تحتاج إلى الفيول ستتوقف عن العمل».

وحقاً، الأضرار المتأتية عن انقطاع الفيول والمحروقات لا تقتصر على توقف المعامل والمصانع، بل ستعيق أيضاً حركة انتقال المواطنين بين المناطق، وستؤدي حتماً إلى انقطاع التيار الكهربائي. ويرى شقير - الذي شغل منصب وزير الاتصالات بين عامي 2018 و2019 - أن «الطامة الكبرى ستكون في انقطاع الاتصالات والعجز عن تشغيل مولدات الكهرباء في السنترالات الرئيسية ولدى شبكتي الهاتف الخلوي، ما قد يؤدي إلى عزل لبنان عن العالم».

الوزير السابق محمد شقير (الشرق الاوسط)

هذا، وتعقد الهيئات الاقتصادية راهناً اجتماعات أسبوعية بشكل منتظم لمواكبة التطورات والبحث في الخيارات المطروحة في ظلّ استقالة الدولة من مهمتها، أو إعلان عجزها عن التعاطي مع المستجدات لنقص الإمكانات المادية واللوجستية. ووفق شقير، فإن «الخطة التي وضعتها الدولة غير كافية للتعاطي مع الكارثة إذا وقعت، ويصعب تطبيقها في غياب التمويل. ثم إن أكثر من نصف سيارات الإسعاف التابعة للدفاع المدني وسيارات إطفاء الحرائق معطلة، والحكومة تقول إنها سترصد مبلغ 700 ألف دولار للدفاع المدني إذا وقعت الحرب، لكن المؤسف أن هذه الآليات تحتاج إلى ما بين شهر وشهرين لإصلاحها... فهل يعقل أن يرصد المبلغ عند وقوع الحرب؟».

ومن ثم يلفت الوزير السابق إلى أن «كل الآليات والمعدات العائدة للبلديات موضوعة خارج الخدمة، بينها بلدية بيروت التي تعدّ الكبرى والأكثر مسؤولية بين كل بلديات لبنان».

وإذا كان لبنان عاجزاً عن مواكبة الحرب، فكيف له أن يتعاطى مع نتائجها؟

هنا يذكر شقير أن «وضع لبنان في عام 2023 يختلف كلياً عما كان عليه في عام 2006، وبالتالي سيكون في أزمة كبيرة وغير محسوبة بعد الحرب». ويضيف أنه «خلال الحرب، قد تغلّب الدول الشقيقة والصديقة العامل الإنساني وتحاول مساعدة المدنيين عبر مؤسسات صحية ميدانية وأدوية وعلاجات للمرضى والمصابين، لكن السؤال الصعب، من سيعيد إعمار لبنان بعد الحرب؟... نحن الآن في وضع وظروف مختلفة عما كنّا عليه سابقاً».

 


مقالات ذات صلة

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

حصاد الأسبوع مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري،

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه»

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع مقر "الاتحاد" (رويترز)

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي

«الشرق الأوسط» ( تونس)
حصاد الأسبوع النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)

الأرجنتين: بين معطيات التاريخ... ومصالح الحاضر والمستقبل

في صباح اليوم التاسع من الشهر الماضي، وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد أخطر الأعمال الحربية التي عرفتها منذ عقود، وقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أمام

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على

محمد خير الرواشدة (عمّان)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.