ألمانيا تنشط أوروبياً للتعامل مع ملف اللجوء والهجرة

في ضوء التزايد الكبير لأعداد المهاجرين الوافدين على القارة

ألمانيا تنشط أوروبياً للتعامل مع ملف اللجوء والهجرة
TT

ألمانيا تنشط أوروبياً للتعامل مع ملف اللجوء والهجرة

ألمانيا تنشط أوروبياً للتعامل مع ملف اللجوء والهجرة

أمام مركز الاستقبال الأول للاجئين في برلين، يتجمع عدد من الشبان في حلقة صغيرة، حاملين أوراقاً ومغلفات، يتبادلون قصصهم والتعب بادٍ عليهم. يقول أحدهم إنه قد تسجل للتو مع السلطات كلاجئ وحصل على موعد بعد 10 أيام للعودة والحصول على تفاصيل مكان إقامته المؤقتة. بات محمد الآتي من سوريا، ليلته في غرفة داخل المركز، تَشارَكها مع قرابة 20 شاباً آخر. وفي الخامسة فجراً أيقظوهم وطلبوا منهم المغادرة والعودة ليلاً للمبيت. يقول محمد إنه منذ وصوله قبل أسبوعين، لم يتمكن من الاستحمام بعد؛ لأن الحمامات خارج الغرف، غير مجهزة لذلك. والغرف غير متوافرة ومليئة بطالبي لجوء آخرين. ورغم ذلك، يبدو هذا الشاب أكبر حظاً من غيره. آخرون أبلغونا أنهم باتوا ليلتهم في خيّم مؤقتة وُضعت في الغابة خارج المركز لنقص الأسرة لإيواء جميع الواصلين. وغيرهم لم يتمكنوا أصلاً من المبيت في الداخل، ففضّلوا المغادرة والبقاء مع معارف لهم إلى حين «فرزهم» إلى أماكن سكن أخرى، وهي عملية قد تستغرق أسابيع.

على المدخل الأساسي لمركز استقبال اللاجئين في منطقة راينيكندورف شمال غرب العاصمة برلين، يقف حارسان يمنعان دخول من لا عمل له في الداخل.

الصحافيون لا يسمح لهم بالتصوير أو الاطلاع على الأوضاع أبعد من البوابات الرئيسية. ويزيد من الأمر سوءاً حجز أكثر من 600 طالب لجوء في أحد المباني داخل المركز لانتشار مرض الحصبة بينهم. ولكن أمام البوابة الرئيسية، العشرات من طالبي اللجوء يدخلون ويخرجون في كل الأوقات.

كثيرون جاءوا من تركيا وجورجيا وأفغانستان، لكن الغالبية منهم من دول عربية، خاصة سوريا، إلى جانب العراق وفلسطين وحتى لبنان. ومعظم هؤلاء، وصلوا بطرق غير شرعية: عبر البحر، ثم في الغابات وصولاً إلى هنا.

مشاهد تذكّر بـ2015

في الحقيقة، تبدو برلين هذه الأيام مُثقلة باللاجئين من جديد، في مشاهد ذكّرت الكثيرين بموجة اللجوء عام 2015 عندما أعلنت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل فتح الأبواب أمام عشرات آلاف السوريين الفارين من القتال. لكنها، في المقابل، لا تعيش هذه الأيام أزمة مع اللاجئين الأوكرانيين الذين يجري التعامل معهم عبر قنوات مختلفة ولا يدخلون في الإحصاءات الأخيرة لأعداد طالبي اللجوء الواصلين إلى ألمانيا.

للعلم، منذ بداية عام 2023 زاد أعداد طالبي اللجوء إلى ألمانيا بشكل كبير. وخلال الأشهر الـ6 الأولى منه سجلت ألمانيا أكثر من 160 ألف طالب لجوء، مع توقع أن تصل الأعداد بنهاية 2023 إلى قرابة الـ300 ألف، جزء كبير منهم من سوريا.

أيضاً، شهدت برلين وحدها زيادة في أعداد طالبي اللجوء بنسبة 40 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي مقارنة بسابقه. وسجلت ما يزيد على الـ20 ألف لاجئ، نصفهم من أوكرانيا والباقي من سوريا بشكل أساسي. ثم أنه خلال شهر أغسطس (آب) وحده، وصل إلى مركز التسجيل الأول في برلين ما يقارب الألفي طالب لجوء من غير الأوكرانيين. وتتوقع حكومة ولاية برلين وصول 10 آلاف طالب لجوء إضافي قبل نهاية العام الحالي.

كل هذه الأعداد فتحت نقاشاً طارئاً حول أماكن إيواء اللاجئين، ودفعت بالحكومة للبدء ببناء وتوسيع مساكن مؤقتة عاجلة داخل مساحات مطارات دولية سابقة في العاصمة، مثل مطار تمبلهوف الذي أُخرج عن الخدمة عام 2008، ومطار تيغيل الذي أغلق العام الماضي.

عودة خطاب اليمين المتطرف

من جهة أخرى، تسبّبت أعداد اللاجئين المرتفعة بعودة الخطاب اليميني المتطرف وارتفاع الأصوات المطالبة بوقف قبول المزيد من اللاجئين، وحتى تقليص المساعدات المالية ومنحهم مساعدات عينية عوضاً عنها بعدما عدّ البعض أن المساعدات المالية «حافزاً» يدفع كثيرين للمجيء إلى ألمانيا. ومع أن المستشار الألماني أولاف شولتز لم يبدِ اعتراضاً على الاستعاضة عن المساعدات المالية بالعينية أو قسائم من متاجر تجزئة، فإنه شدد على أن تطبيق الأمر يعود إلى الولايات، ويبدو أنه معقّد ويتطلب الكثير من البيروقراطية. وبالفعل، لا يبدو الخيار عملياً بالنسبة للولايات الألمانية التي تعاني نقصاً دائماً في الموظفين مقابل طلبات أصلاً تفوق قدرتها.

ولكن، أمام تزايد الضغوط من الأحزاب اليمينية، بينهم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (الحاكم سابقاً بقيادة أنجيلا ميركل)، لوقف استقدام المزيد من اللاجئين وتشديد القوانين، اضطرت الحكومة الألمانية اليسارية إلى الاعتراف بأن ألمانيا ما عادت قادرة على استيعاب أعداد إضافية من اللاجئين. وأعلن المستشار الاشتراكي شولتز أنه من الضروري مكافحة الهجرة غير الشرعية والتصدّي للمهربين.

كذلك، في ضوء تزايد الشكاوى من عدد من الولايات التي لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من طالبي اللجوء، وجدت وزيرة الداخلية نانسي فايزر نفسها مضطرة إلى الإعلان بأن الحكومة الألمانية ستوقف مؤقتاً العمل بمبدأ القبول الطوعي للاجئين يصلون إلى دول أوروبية أخرى، بموجب اتفاق كان قد أُبرم بين دول الاتحاد الأوروبي لإزاحة العبء عن الدول الأولى التي يبلغها المهاجرون، مثل إيطاليا واليونان.

اتفاق مع تونسكل هذا الجدل في ألمانيا كان قائماً، بينما كانت جزيرة لامبيدوزا الإيطالية الصغيرة قبالة صقلية تشهد وصول أعداد قياسية من طالبي اللجوء آتين بقوارب من سواحل تونس. ولقد تسبّبت الأعداد الكبيرة للواصلين إلى لامبيدوزا، في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، بموجة من الذعر في أوروبا؛ الأمر الذي دفع برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين للتوجه إلى الجزيرة مع رئيسة الحكومة الايطالية جورجيا ميلوني والتعهّد علناً بمواجهة الهجرة غير الشرعية.

وحقاً، يوم 12 سبتمبر الماضي، وصل خلال 24 ساعة فقط ما يزيد على 6 آلاف طالب لجوء وهجرة إلى لامبيدوزا بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال. وهذا، في حين ليس لدى الجزيرة الصغيرة البالغ عدد سكانها الاعتيادي 6 آلاف، قدرة على استيعاب أكثر من 400 لاجئ ومهاجر فقط. وبالتالي، أدى وصول الأعداد الضخمة من اللاجئين والمهاجرين إليها في الأسابيع الماضية - 90 في المائة منهم على متن بواخر وقوارب من تونس - إلى ارتفاع عدد سكانها إلى 18 ألف نسمة قبل أن يصار على عجل إلى نقل الواصلين إليها لمناطق أخرى في إيطاليا.

يومها، وجدت الحكومة الإيطالية اليمينية المتطرفة - التي كانت تعهّدت في حملتها الانتخابية وقف الهجرة غير الشرعية - نفسها عاجزة عن التصدّي للبواخر والقوارب التي كانت تنطلق بمعظمها من شواطئ تونس، على الرغم من الاتفاق الذي كانت أبرمته مع السلطات التونسية قبل أسابيع فقط.

ما يجدر ذكره أيضاً، أن ميلوني نفسها كانت قد توجّهت إلى تونس، برفقة رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين ورئيس الحكومة الهولندي مارك روته، في بداية شهر يونيو (حزيران) الماضي، حيث التقوا الرئيس التونسي قيس سعيّد ورئيسة الحكومة نجلا بودن.

وفي حينه، عرض المسؤولون الأوروبيون الزائرون استثمارات تزيد على مليار يورو في تونس تشمل قطاعات الاقتصاد ومشروعات بقيمة 100 مليون يورو لمواجهة المهربين ووقف قوارب المهاجرين من الوصول إلى أوروبا. ثم عاد الزعماء الأوروبيون الثلاث في يوليو (تموز) إلى تونس للتوقيع على مذكرة تفاهم بالمساعدات المالية التي حملوها. ونشير هنا إلى أنه ارتبط الكثير من هذه المساعدات المالية بـ«إصلاحات» يطلبها صندوق النقد الدولي من تونس، مثل رفع الدعم عن البترول والطحين، وتقليص الإنفاق في القطاع العام، إلا أن هذه من الشروط التي ترفض الحكومة التونسية تطبيقها خوفاً من زيادة النقمة الشعبية.

انقسام أوروبي

أيضاً، تسبّب العرض الأوروبي على تونس بانقسامات داخل أوروبا، كما ووجه المسؤولون الثلاثة بانتقادات من منظمات إنسانية أعربت عن قلقها من وضع طالبي اللجوء والهجرة في تونس. وسرّبت صحيفة «الغارديان» البريطانية رسالة كتبها جوزيف بوريل، مفوض الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، إلى فون دير لاين عبّر فيها عن «استغراب وعدم فهم» الدول الأوروبية لمذكرة التفاهم التي تم توقيعها مع تونس من دون استشارة دول الاتحاد.

ومما كتبه بوريل: إن عدداً من الدول الأوروبية كانت في يوليو في الماضي قد قالت إنها «لا تفهم التحرك الأحادي للمفوضية في توقيعها مذكرة التفاهم، وهي قلقة مما تتضمنه هذه المذكرة». وتابع بوريل فقال أن المذكرة التي جرى توقيعها بين تونس من جهة وفون دير لاين وميلوني وروته من جهة أخرى، لم تضع في الحسبان الإجراءات القانونية داخل الاتحاد الأوروبي، ولا يمكن بالتالي، عدّها سنداً قانونياً يمكن البناء عليه في اتفاقات مستقبلية.

في اي حال، منذ توقيع مذكرة التفاهم تلك، ارتفع عدد البواخر والقوارب التي انطلقت من شواطئ تونس إلى إيطاليا بنسبة 70 في المائة. وأيضاً، ازداد التوتر بين تونس والاتحاد الأوروبي، ودفع السلطات التونسية إلى رفض استقبال مجموعة من النواب الأوروبيين الذين طلبوا زيارة البلاد بهدف الاطلاع على أوضع طالبي اللجوء والهجرة.

وقبل أيام فقط، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد رسمياً رفض المساعدات المالية التي سبق أن أعلنت عنها فون دير لاين لمكافحة الهجرة غير الشرعية، والتي تبلغ قيمتها قرابة الـ100 مليون يورو. وقال سعيّد: إن سبب الرفض ليس ضآلة المبلغ، بل لمناقضته مذكرة التفاهم التي كانت قد وُقّعت في يوليو الماضي، والتي تضمنت استثمارات أوسع بكثير لم يُطبّق شيء منها حتى الآن.

تسبّبت أعداد اللاجئين المرتفعة بعودة خطاب اليمين الألماني المتطرف وارتفاع الأصوات المطالبة بوقف قبول المزيد من اللاجئين

رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (رويترز)

خطط محلية في ألمانيا

في سياق موازٍ، بينما يستمر الجدل بين دول الاتحاد الأوروبي حول الطريقة الأفضل لمواجهة الهجرة غير الشرعية، بدأت ألمانيا - التي تُعد الوجهة المفضلة للكثير من المهاجرين غير الشرعيين - تنفيذ خطط محلية للحد من تدفقهم إلى أراضيها بعدما كانت سجلت زيادة بنسبة 80 في المائة في أعداد طالبي اللجوء منذ مطلع 2023 مقارنة بعام 2022. وضمن هذه الخطوات، بوشر بتشديد المراقبة على حدودها مع بولندا وتشيكيا لوقف المهرّبين، مع أن الحدود بين «دول شينغن» مفتوحة عادةً من دون أي حواجز. وبرّرت وزيرة الداخلية الألمانية، هذه الإجراءات لدى إعلانها، بأن «هذه الخطوة ضرورية... لأن ربع المهاجرين الآتين إلى ألمانيا ينقلهم مهرّبون من هذه الطرق».

كذلك، باشرت ألمانيا بمناقشة اتفاقيات ثنائية مع مجموعة من الدول لإعادة طالبي لجوء مرفوضة طلباتهم إليها. وعيّنت الحكومة الألمانية قبل أشهر مفوضاً خاصاً لإبرام اتفاقات باتت تعرف بـ«شراكات الهجرة» الغاية منها التفاوض مع الدول بغرض ترحيل مواطنيها إليها. وأعلنت الحكومة أن هذه الدول هي جورجيا، ومولدوفا، وكينيا، وكولومبيا، وأوزبكستان وقيرغيزستان، علماً بأن طالبي اللجوء من هذه الدول يشكّلون أقليّة صغيرة جداً. وكانت وقّعت ألمانيا اتفاقات شبيهة مع أوزبكستان وقيرغيزستان. وتمنع القوانين الألمانية إعادة طالبي لجوء مرفوضة طلباتهم إلى دول غير آمنة أو تعاني من الحروب. وتُصنّف سوريا وأفغانستان حالياً من بين هذه الدول، وفق مراجعة سنوية تجريها الخارجية الألمانية للائحة هذه الدول.

دعوات لمقاربة مختلفةولكن خبراء يشكّكون بأن تحدث هذه الخطط المحلية الكثير من الفرق، ويتحدثون عن ضرورة التوصل لمقاربة أوروبية موحّدة حول مواجهة الهجرة غير الشرعية. وفي المقابل، رغم تسبب الهجرة غير الشرعية بتزايد الخطاب الشعبوي في أوروبا، فإن الحاجة إلى المهاجرين في «القارة العجوز» لم تعُد خافية مع انخفاض نسبة الولادات لدى الأوروبيين مقابل ازدياد عدد المسنّين ونقص العمالة الماهرة. واليوم، تدفع هذه الأسباب بالمنظمات الإنسانية ومنظمة الهجرة العالمية إلى إعلاء أصوات مطالبين الحكومات الأوروبية بتسهيل دخول المهاجرين ما سيؤدي بدوره إلى تقليص أعداد الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا بطرق غير مشروعة في حال وجدوا بدائل.

في هذا الإطار، أصدرت «منظمة الهجرة الدولية» يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي - وهو ذكرى مرور 10 سنوات على كارثة غرق باخرة محملة بـ500 مهاجر قبالة شواطئ لامبيدوزا - بياناً دعت فيه إلى «تأسيس مسارات منتظمة وفعالة تلبي الاحتياجات وتدعم حقوق الإنسان».

وذكرت «المنظمة» بأن العام الحالي 2023 هو الأكثر دموية منذ عام 2017 بالنسبة لغرق طالبي اللجوء والهجرة في البحر المتوسط. وأفادت المنظمة بأن أكثر من 2500 طالب لجوء أو هجرة دخلوا في عداد القتلى والمفقودين في البحر المتوسط فقط منذ مطلع العام. ومنذ كارثة لامبيدوزا قبل 10 سنوات، ورغم الدعوات والتعهدات الدوليات بألا يسمح بتكرار كارثة من هذا النوع، قالت المنظمة: إنه «لم يتغير شيء... ولا يمر أسبوع من دون أن نسمع بكارثة في البحر أو البر على طرق العبور إلى أوروبا».

 

 

اتفاق أوربي «تاريخي»...رغم التباين الألماني-الإيطالي

> أمام غموض مصير الاتفاق الأوروبي مع تونس بشأن طالب اللجوء والهجرة، وتزايد ضغوط إيطاليا، خاصةً، على دول الاتحاد الأوروبي من أجل إيجاد حل موحد لأزمة اللجوء والهجرة، توصلت دول الاتحاد الأوروبي أخيراً إلى اتفاق وُصف بـ«التاريخي» على تقاسم أعباء اللجوء الهجرة في حالات الأزمات.

وحقاً، بعد 3 سنوات من الخلافات بين دول الاتحاد، أمكن قبل أيام التوصل إلى الاتفاق على اقتراح كانت طرحته المفوضية عام 2020 على الدول الأعضاء بهدف تقاسم إجباري لا تطوعي - كما هو الحال الآن - للمهاجرين، في أوقات الأزمات. ويهدف هذا الاتفاق لمنع تكرار ما حصل خلال أزمة اللاجئين عام 2015 عندما كان تقاسم اللاجئين بين الدول مجحفاً.

ولكن، حتى القبول به قبل أيام، كانت الدول التي رفضت قبول لاجئين هي المعترضة، مثل: المجر وبولندا وتشيكيا، بالإضافة إلى دول أخرى مثل النمسا وهولندا وسوفاكيا وحتى ألمانيا التي تحمل العبء الأكبر من اللاجئين عام 2015.

كذلك، مع أن الدول التي ترفض استقبال لاجئين اعترضت على المشروع لمعارضتها فكرة استقبال لاجئين بالأساس، كانت معارضة ألمانيا تتعلق بالشروط التي عدّتها قاسية بالنسبة لبعض فئات المهاجرين، وبخاصة الأسر. إلا أن ألمانيا نجحت بالدفع لإدخال تعديلات على الاقتراح الأساسي، يضمن - بحسب ما أعلنت وزيرة الداخلية الألمانية - إعطاء أولوية للعائلات والأطفال عند وصولهم بشكل غير قانوني إلى دولة من دول الاتحاد الأوروبي والامتناع عن تشديد معايير قبول اللاجئين كما كان الاقتراح سابقاً.

أما إيطاليا التي كانت المحرّك الأساسي للاتفاق الذي تأمل أن يخفّف عنها حمل اللاجئين – لكونها كانت غالباً الدولة الأولى التي يصلون إليها - فإنها رحّبت أيضاً بالاتفاق رغم تسجيل تحفظها عن نقاط تتعلق بحقوق الإنسان دفعت ألمانيا لإدخالها، وتحذيرها من ضرورة إعادة مناقشتها قبل إقرار القانون. وكانت ألمانيا قد طلبت في اللحظات الأخيرة حذف بند يسمح بانتهاك الحد الأدنى من المعايير في مراكز الاحتجاز في حال تزايدت أعداد الوافدين.

كذلك، ما زالت هناك نقاط أخرى تتعلق بدعم ألمانيا لمنظمات الإنقاذ غير الحكومية العاملة في البحر، تثير جدلاً بين حكومتي الدولتين. إذ في حين ترى ألمانيا أن عمليات الإنقاذ ضرورية وجزءاً من العمل الإنساني، تراها إيطاليا «عاملاً مساعداً» للمهاجرين و«مسهلاً لوصولهم إليها»؛ ولذا تريد وقف عمليات الإنقاذ بشكل كامل.


مقالات ذات صلة

الجزائر وبروكسل تطويان عقدين من التعثر باتفاقية «تاريخية»

شمال افريقيا توقيع اتفاقين بين الجزائر وبلجيكا أحدهما يخص ترحيل المهاجرين السريين (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر وبروكسل تطويان عقدين من التعثر باتفاقية «تاريخية»

شهدت العلاقات الجزائرية-البلجيكية تحولاً استراتيجياً بارزاً بتوقيع اتفاقيتين جديدتين في بروكسل، يتصدرهما اتفاق مهم لإعادة قبول المهاجرين في وضعية غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
آسيا عنصر من خفر السواحل التركي يراقب بحر إيجه 15 مارس 2024 (أرشيفية-أ.ف.ب)

مصرع 19 مهاجراً أفغانياً في غرق قارب ببحر إيجه قبالة السواحل التركية

لقيَ 19 مهاجراً أفغانياً كانوا على متن قارب مطاطي حتفهم غرقاً، اليوم الأربعاء، في بحر إيجه قبالة سواحل بودروم بجنوب غربي تركيا، وفق ما أعلن خفر السواحل الأتراك.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شمال افريقيا عدد من المهاجرين غير النظاميين داخل منشأة لـ«جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة» (الجهاز)

سلطات بنغازي تطلب تعاوناً أوروبياً لمواجهة الهجرة غير النظامية

قال اللواء صلاح الخفيفي رئيس «جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة» في شرق ليبيا، إن «مخاطر الظاهرة على الأمن الإقليمي والعالمي تستوجب من الجميع التعاون مع بلاده».

علاء حموده (القاهرة)
تحليل إخباري مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

تحليل إخباري لماذا تفشل الجهود الليبية والأوروبية في كبح الهجرة غير النظامية؟

فجَّر حادث مصرع 22 مهاجراً غير نظامي قبالة سواحل اليونان، بعدما ضلوا الطريق إلى أوروبا تساؤلات عدة، بشأن الجهود التي تتخذها السلطات الليبية لمنع عمليات التهريب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر خلال استقبال وزير الخارجية اليوناني في بنغازي السبت (إعلام القيادة العامة)

ليبيا: «الهجرة غير النظامية» تتصدر محادثات حفتر ووزير خارجية اليونان

تصدر ملف الهجرة غير النظامية محادثات قائد «الجيش الوطني» في شرق ليبيا المشير خليفة حفتر مع وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس، السبت.

خالد محمود (القاهرة)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».