انسحابات جمهورية متوقعة... وترمب قد يفوز بترشيح الحزب حتى قبل صدور الأحكام ضده

رون ديسانتيس (آ ب)
رون ديسانتيس (آ ب)
TT

انسحابات جمهورية متوقعة... وترمب قد يفوز بترشيح الحزب حتى قبل صدور الأحكام ضده

رون ديسانتيس (آ ب)
رون ديسانتيس (آ ب)

مع انسحاب المرشح الجمهوري فرنسيس سواريز، عمدة مدينة ميامي بولاية فلوريدا، من السباق الرئاسي، يتوقع أن تكرّ سبحة الانسحابات. وهذه الانسحابات ستشمل إما مرشحين شاركوا في المناظرة الأولى أو تغيبوا عنها، وذلك في حال لم يتمكنوا من جمع تبرعات مالية كافية، أو يحققوا أرقام استطلاعات كافية للتأهل على الأقل، لدخول المناظرة الثانية.

حتى الآن، لا يزال التنافس شديداً بين فيفيك راماسوامي ورون ديسانتيس على المركز الثاني، في حين حقق نائب الرئيس السابق مايك بنس تقدّماً مهماً، بعدما تمكّنت حملته من جمع أكثر من 250 ألف دولار في يوم واحد، وارتفاع أرقامه بنسبة 6 في المائة. بيد أن دونالد ترمب، الذي يواصل تعزيز أرقامه في استطلاعات التفضيل (52 في المائة)، قد يكون في طريقه للحصول على عددٍ كافٍ من المندوبين لحسم السباق التمهيدي لمصلحته قبل أن يعرف الحزب نتائج المحاكمة الفيدرالية التي ستجري في 4 مارس (آذار) 2024. والمعنى، أنه قد يفوز بترشيح الحزب الجمهوري رغم إدانته (إذا أدين) بتهمة التآمر لإلغاء انتخابات 2020.

للعلم، من المتوقع بحلول ذلك الوقت أن تكون خمس ولايات قد أجرت سباقات الترشيح التمهيدية، على أن تُجرىَ في اليوم التالي، مجموعة انتخابات ما يُعرف بـ«الثلاثاء الكبير»، حين تخطط 15 ولاية، بما فيها كاليفورنيا وتكساس - أغنى ولايتين بالمندوبين - لإجراء تصويت، سيحدد ما إذا كان أي منافس لترمب لديه ما يكفي من «الأوكسجين السياسي» ليظل بديلاً مؤهلاً للبقاء في السباق.

فرانسيس سواريز (أ.ب)

الانتخابات التمهيدية في ولايات فلوريدا وأوهايو وإيلينوي الكبيرة ستُجرىَ بعد أسبوعين، وستكون انتخاباتها الأولى التي يحصل فيها الفائز على كل أصوات المندوبين، بدلاً من تقسيمها بشكل متناسب على المرشحين. وتاريخياً، ساهمت الانتخابات التمهيدية التي يحصل فيها الفائز على كل الأصوات في تحفيز مسار المتسابق الأوفر حظا نحو الترشيح الرئاسي.

وإذا ما سارت المحاكمة الفيدرالية لترمب، وفقاً لجدولها الزمني الحالي، فلن تنتهي بحلول ذلك الوقت. وهذا الوضع قد يضع الحزب الجمهوري في حالة من التصادم والارتباك من أجل تحديد موقفه من الرئيس السابق - في حالة إدانته - في واحدة من أكثر مسابقات الترشيح غرابة في التاريخ الأميركي. فالصراع مع ترمب لن يحدد مسار الانتخابات التمهيدية الرئاسية لعام 2024، فحسب، بل من المحتمل أيضاً أن يحدد الاتجاه المستقبلي للحزب في «حقبة ما بعد ترمب» في نهاية المطاف.

هذا، وفي حين اشتكى ترمب من أن تاريخ بدء المحاكمة، يرقى إلى مستوى «التدخل في الانتخابات» مستشهداً بيوم «الثلاثاء الكبير»، من المرجح أن يكون لهذا اليوم تأثير أكبر لتعزيز قدرته على مواصلة حملته الانتخابية التمهيدية في الأسابيع اللاحقة؛ إذ سيحدد نحو 60 في المائة من المندوبين من سباقات بعد «الثلاثاء الكبير». ومع مثول المتهمين عادة في قاعة المحكمة، والإجراءات الأولية للمحاكمة كاختيار هيئة المحلفين، يقدّر المدّعون العامون أنهم سيحتاجون إلى ما بين 4 و6 أسابيع لعرض اتهاماتهم ضد ترمب، وبعده ستتاح لمحامي الدفاع فرصة استدعاء شهود إضافيين. هذا سيعني أنه من المحتمل حسم أمر غالبية المندوبين قبل أن تحدد هيئة المحلفين مصير ترمب.

مايكل بنس (إيبا - إي في - شاتربوكس)

حتى اللحظة، يحافظ الرئيس السابق بهيمنته على السباقات والانتخابات التمهيدية للجمهوريين. ولكن إذا حوّلته هيئة المحلفين إلى «مجرم مُدان»، ربما يكون الوقت قد فات أمام أي قوة داخل الحزب الجمهوري تحاول استخدام هذا التطور لمنع ترشحه، في تكرار لما جرى خلال مؤتمر الحزب عام 2016.

من ناحية ثانية، مع أن بعض المتخوفين من أن يؤدي هذا الاحتمال إلى انقسام الحزب بين الموالين لترمب والقيادة السياسية التقليدية، ويطالبون فروع الحزب في الولايات بالمرونة في تحديد خياراتهم، دافعت رونا ماكدانيال، رئيسة اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، عن ترمب، وواصلت جمع الأموال من خلال التأكيد لكبار المانحين عبر الإنترنت، أن الرئيس السابق «ضحية محاكمة سياسية».


مقالات ذات صلة

ضغوط تعوق «التنسيقي» عن تشكيل الحكومة العراقية

المشرق العربي من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)

ضغوط تعوق «التنسيقي» عن تشكيل الحكومة العراقية

تواجه القوى الشيعية الرئيسية في العراق صعوبات متزايدة في التوصل إلى توافق على مرشح لتشكيل الحكومة قبل انتهاء المهلة الدستورية.

حمزة مصطفى (بغداد)
الولايات المتحدة​ من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

بعد خسارتهم في فيرجينيا، سعى الجمهوريون إلى نقل معركة ترسيم الخرائط الانتخابية إلى فلوريدا، آملين إعادة التوازن مع خصومهم قبل الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي من أحد اجتماعات تحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

التحالف الحاكم في بغداد على حافة مهلة دستورية حاسمة

تتجه الأنظار إلى اجتماع «الإطار التنسيقي» المرتقب، الجمعة، والذي يصادف اليوم الأخير من المهلة الدستورية لتسمية مرشح رئاسة الوزراء في العراق.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي مبنى مجلس الشعب في دمشق ينتظر عقد جلسته الأولى (أ.ف.ب)

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

من المتوقع أن يعلن مكتب الرئاسة أسماء ثلث مقاعد المجلس بعد المصادقة على نتائج انتخابات الحسكة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الولايات المتحدة​ شاشة هاتف أحد السكان المحليين وفيها تحديثات حول التصويت على إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في فيرجينيا (أ.ف.ب)

فيرجينيا تمنح الديمقراطيين أفضلية في حرب الدوائر الانتخابية

انتصر الديمقراطيون في استفتاء فيرجينيا على إعادة تقسيم دوائرها الانتخابية، مما يؤجج حرب ترسيم الدوائر مع الجمهوريين عبر الولايات قبل الانتخابات النصفية للكونغرس

علي بردى (واشنطن)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.


بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

كيريكو (آ ف ب)
كيريكو (آ ف ب)
TT

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

كيريكو (آ ف ب)
كيريكو (آ ف ب)

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين الرسمية هي مدينة بورتو نوفو، إلا أن «جارتها» كوتونو هي العاصمة الحكومية والاقتصادية وكبرى مدن البلاد.

تطل بنين على المحيط الأطلسي، وكان ساحلها – متصلاً وساحلي توغو ونيجيريا – يُعرف في الماضي باسم «ساحل العبيد»؛ كونه منطقة انطلاق لنقل العبيد من أفريقيا عبر المحيط.

ثم إن داهومي كانت إحدى الممالك البارزة في غرب القارة الأفريقية، خلال القرن الخامس عشر الميلادي، قبل الاحتلال الفرنسي عام 1872. وللعلم، نشأت مملكة داهومي عام 1600 على هضبة أبومي، وغدت قوة إقليمية في القرن الثامن عشر بعد توسعها جنوباً والسيطرة على مدن ساحلية مهمة مثل ويدا.

وفي منتصف القرن التاسع عشر، صارت دولة محورية بعد تخلصها من سيطرة إمبراطورية «أويو». وخلال الفترة ما بين 1890 و1894 اندلعت حروب بين فرنسا وداهومي انتهت باحتلال الأخيرة وضمها إلى المستعمرات الفرنسية في غرب أفريقيا. وظل الوضع كذلك حتى الاستقلال عام 1960.

سوغلو (آ ف ب - غيتي)

ولكن بعد عام 1960 إثر الاستقلال، دخلت البلاد حقبة من الحكومات العسكرية انتهت بانقلاب الجنرال ماثيو كيريكو في أكتوبر (تشرين الأول) 1972.

لقد سعى كيريكو إلى تأسيس حكومة نيابية عام 1989، أدت بعد سنتين إلى إجراء انتخابات رئاسية أوصلت رئيس الوزراء السابق نيسيفور سوغلو للسلطة، إلا أن الأوضاع في تلك الحقبة كانت عرضة لقلة الاستقرار.

عند الاستقلال، فاز حزب الوحدة الداهومية بالانتخابات، ليغدو زعيمه هوبير ماغا أول رئيس للبلاد. ولكن عام 1963 شهد الإطاحة بالرئيس ماغا في انقلاب قاده رئيس أركان الجيش العقيد كريستوف سوغلو. ثم في عام 1964 أجريت انتخابات رئاسية فاز بها سورُو-ميغان أبيثي، قبل أن يعود الحكم العسكري مرة أخرى عام 1965 بعدما أجبر الجنرال سوغلو الرئيس أبيثي على التنحي.

وعام 1967 قاد الرائد موريس كوانديتي انقلاباً جديداً وتولى الرئاسة، وتوالت الانقلابات إلى أن استولى كيريكو على الحكم عام 1972. ثم عام 1975 تقرر تغيير اسم داهومي إلى «جمهورية بنين الشعبية»، وأصبح الحزب الثوري الشعبي الماركسي الحزب الوحيد في البلاد. وحقاً، حكم كيريكو داهومي لمدة 19 سنة لم تسلم من محاولات انقلاب فاشلة واضطرابات سياسية واقتصادية، دفعت لتغييرات سياسية عام 1990، شملت جعل اسم البلاد «جمهورية بنين».

عام 1991 أجريت أول انتخابات تعددية وفاز نيسيفور سوغلو. ولكن، اقتصادياً كان عام 2009 محطة بارزة في تاريخ بنين، لا سيما بعد اكتشاف احتياطيات نفطية بحرية قرب مدينة سيمي على الحدود مع نيجيريا. واليوم، بينما تبرز بنين نموذجاً «ديمقراطياً» هشاً في أفريقيا، فإن وضعها الاقتصادي لا يختلف كثيراً عن باقي دول القارة، من حيث ضعف التنمية وانتشار الفقر، إضافة إلى التحديات الأمنية الناجمة إما عن هجمات «إرهابية» أو نزاعات على الأراضي بين مجتمعات متنافسة على الحدود مع «جارتها» الشمالية بوركينا فاسو.