قرار أوجلان وحده لا يكفي لحل حزب العمال الكردستاني

دونه حقوق عالقة وآليات تطبيق... ونيات تركية غامضة

كردي يرفع صورة أوجلان في أثناء قراءة ندائه لحزب العمال الكردستاني لحل نفسه وإلقاء أسلحته خلال احتفالات يوم النوروز في 21 مارس في ديار بكر (أ.ف.ب)
كردي يرفع صورة أوجلان في أثناء قراءة ندائه لحزب العمال الكردستاني لحل نفسه وإلقاء أسلحته خلال احتفالات يوم النوروز في 21 مارس في ديار بكر (أ.ف.ب)
TT

قرار أوجلان وحده لا يكفي لحل حزب العمال الكردستاني

كردي يرفع صورة أوجلان في أثناء قراءة ندائه لحزب العمال الكردستاني لحل نفسه وإلقاء أسلحته خلال احتفالات يوم النوروز في 21 مارس في ديار بكر (أ.ف.ب)
كردي يرفع صورة أوجلان في أثناء قراءة ندائه لحزب العمال الكردستاني لحل نفسه وإلقاء أسلحته خلال احتفالات يوم النوروز في 21 مارس في ديار بكر (أ.ف.ب)

بات «الحذر والترقب» من أبرز العناوين بعدما أعلن حزب العمال الكردستاني قراره حل نفسه وإلقاء أسلحته في خطوة تاريخية أعقبت نداء وجهه مؤسسه وزعيمه السجين منذ 26 عاماً عبد الله أوجلان في ظل تباين بين أطراف العملية التي تهدف إلى «تركيا خالية من الإرهاب» وتحقيق تحول ديمقراطي يعزز التضامن بين الأكراد والأتراك.

من وجهة نظر الدولة لا ينبغي النظر إلى ما يجري على أنه عملية سلام أو حل للمشكلة الكردية، لأنه ليس هناك في تركيا ما يسمى «القضية أو المشكلة الكردية»، وعلى الجانب الآخر، يرى حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، الممثل للأكراد في البرلمان، ومعه أحزاب المعارضة، يتقدمها حزب الشعب الجمهوري أن المشكلة موجودة طالما يقول الأكراد، الذين يمثلون نحو 20 في المائة من سكان البلاد، إنها موجودة.

سجل 12 مايو (أيار) 2025 على أنه «يوم تاريخي» فاصل، وضع، أو يفترض أنه وضع، نهاية لنحو نصف قرن من الصراع المسلح بين حزب العمال الكردستاني، الذي أسسه أوجلان عام 1978، ثم انطلق في عمليات مسلحة منذ عام 1984، بهدف نيل حكم ذاتي للأكراد في شرق وجنوب شرقي تركيا، ليسفر الصراع عن 40 ألف قتيل، بحسب تقديرات الحكومة التركية، وفتح الباب أمام عملية يبدو أنها «أكثر جدية» من محاولتين سابقتين إحداهما في بدايات الألفية الثانية، والأخيرة جرت بين العامين 2012 - 2015 وباءت أيضاً بالفشل، وانتهت بإعلان الرئيس رجب طيب إردوغان عدم اعترافه بالمفاوضات التي جرت خلالها وتأكيده أنه لا يوجد مشكلة كردية في تركيا.

إصرار مشترك

يبدو أن هناك تصميماً في هذه المرة سواء من جانب الدولة أو من جانب حزب العمال الكردستاني ذاته، نتيجة الظروف الإقليمية التي أشار إليها أوجلان في النداء الذي وجهه للحزب، تحت عنوان: «دعوة للسلام ومجتمع ديمقراطي»،لعقد مؤتمره العام وإعلان حل نفسه وإلقاء أسلحته، حيث تطرق إلى التطورات في سوريا، والوضع في غزة، مذكراً بما تعرض له الإخوة من بين الأكراد والأتراك على مدى 200 عام.

مراد كارايلان الرئيس الحالي لحزب العمال الكردستاني متحدثاً خلال مؤتمر الحزب الذي اتخذ فيه القرار بحله استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

في المؤتمر الذي عقده الحزب في منطقتين مختلفتين، لم يعلن عنهما لاعتبارات أمنية، في الفترة من 5 إلى 7 مايو (أيار) الحالي، عبر القائد الحالي للعمال الكردستاني، مراد كارايلان، عن تصميم القائد (آبو)، وهو لقب عبد الله أوجلان لدى أعضاء حزبه وأنصاره، ويعني (العم)، قائلاً: «أرى أن القائد (آبو) يتصرف بعزيمة شديدة ومعنويات عالية، لذا أقول لا بأس، أعلم أنه إذا لم يكن متأكداً من أمر ما، فلن يُصرّ عليه بهذه الطريقة، لذا فهو متأكد».

وبحسب ما جاء في خطاب كارايلان خلال المؤتمر، الذي نشرت أجزاء منه بعد نحو أسبوعين من إعلان قرار حل الحزب، فإن أفضل ما في هذه العملية «الحاسمة» هو الوحدة، مضيفاً: «لقد تعلمنا من تجارب 2002 – 2004، صحيح أن هناك بعض النواقص، لكن هناك أيضاً جانب إيجابي، ما زلت أرغب في فهم العملية الجديدة، أشعر بالتأثر لأننا دفعنا ثمناً باهظاً، لهذا السبب، يثير السؤال عن كيفية تحقيق النجاح في هذه العملية الحاسمة قلقي البالغ، أعتقد أننا سنحقق النجاح».

تفكيك البنية المسلّحة

قرار حزب العمال الكردستاني، ليس إلا مجرد بداية لمرحلة طويلة قد تستغرق سنوات، تبرز فيها قضايا صعبة ومعقدة أهمها كيف سيتم تفكيك البنية المسلحة للحزب المصنف من جانب تركيا وحلفائها الغربيين «منظمة إرهابية» ونزع سلاحه بالكامل، وما الآليات التي ستتبع في هذه المرحلة.

وليس هذا فحسب، بل هناك تساؤلات عن مصير قيادات الصف الأول والقيادات الوسيطة للحزب في جبال قنديل، وإلى أين ستذهب بعد حله، وكيف سيتم التعامل مع باقي العناصر المسلحة وعددها بالآلاف،

وبموجب قرار الحل، سيفقد أعضاء حزب العمال الكردستاني، الذين كان لهم الحق في طلب اللجوء إلى الخارج قبل حله هذا الحق أيضاً، وأصبح وضع 50 ألف عضو في الخارج غير مؤكد، في ظل إدراج الاتحاد الأوربي الحزب ضمن المنظمات الإرهابية.

إردوغان أكد أن حل العمال الكردستاني يشمل جميع العناصر بما في ذلك في سوريا وأوروبا (الرئاسة التركية)

وأعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن تركيا تجري محادثات مع حكومتي العراق وإقليم كدرستان حول تفاصيل كيفية تسليم الأسلحة خارج حدود تركيا، عادّاً أن هذه الخطوة ستخدم أيضاً استقرار العراق وسوريا خلال المرحلة المقبلة.

ولفت إردوغان إلى أن جهاز المخابرات التركي وباقي المؤسسات المعنية ستتولى هذه العملية بالتنسيق مع بغداد وأربيل.

وتسود توقعات بأن تنتهي هذه العملية في سبتمبر (أيلول) لتبدأ لجنة بالبرلمان التركي، اقترح رئيس حزب الحركة القومية، الشريك الرئيسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم في «تحالف الشعب» تشكيلها للنظر في الإجراءات والتدابير القانونية اللازمة لإنجاح مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» التي أطلقها في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بدعم من إردوغان.

موقف حذر

وظهر من التصريحات المتعاقبة للمسؤولين الأتراك أنه لن تكون هناك أي خطوة ستتخذ على الصعيد السياسي، قبل الانتهاء من عملية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، وأن دعوة أوجلان تمتد إلى جميع أذرع وامتدادات الحزب في العراق وسوريا وإيران وصولاً إلى أعضائه في أوروبا.

وأكدت وزارة الدفاع التركية أن العمليات التي تقوم بها القوات المسلحة في شمال العراق والتي تشمل تطهير المخابئ والملاجئ ومخازن الأسلحة والذخيرة التابعة للعمال الكردستاني ستستمر كما هي حتى التأكد من التزامه بقرار حل نفسه، وزوال خطره.

ويرجع خبراء ومحللون حالة الحذر في التعامل مع قرار حل حزب العمال الكردستاني إلى أنه ربما تكون هناك معارضة للقرار من جانب بعض الفصائل، الرافضة للانخراط في العملية التي قد تلجأ إلى الجبال أو تعيد نشاط الحزب تحت أسماء جديدة.

جنود أتراك مشاركون في العمليات العسكرية ضد العمال الكردستاني في شمال العراق (الدفاع التركية)

ولا يختلف موقف حزب العمال الكردستاني عن موقف أنقرة، فقد أكد، مراد كارايلان، أنه في حال عادت تركيا إلى مهاجمتنا فإننا سنرد.

وعلى الرغم من أن عمليات حزب العمال الكردستاني ضد تركيا تراجعت إلى أدنى درجة تحت وطأة العمليات العسكرية التركية المتواصلة في شمال العراق، إضافة إلى العمليات في شمال سوريا، التي استمرت لفترة بعد تولي الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع، يبدو أن الحزب حقق تطوراً كبيراً في مجال الأسلحة في السنوات الأخيرة.

وعلى سبيل المثال، أعلنت وزارة الدفاع التركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 أنها ضبطت بعض الأسلحة الثقيلة، منها مدافع رشاشة مضادة للطائرات، وأخرى مضادة للدبابات، وقاذف صواريخ «دوشكا»، في منطقتي متينا وأفاشين - باسيان في شمال العراق.

ومع التقدم الذي أحرزته تركيا في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، برزت الصراعات الجوية كمجال مهم، وكشفت تقارير عن أن العمال الكردستاني بدأ في استخدام الطائرات دون طيار ذات الرؤية المباشرة (إف. في. بي) بشكل أكبر.

كما شن الحزب ما لا يقل عن 17 هجوماً بطائرات مسيّرة على تركيا في شهر يونيو (حزيران) 2024 وحده.

قضية أكراد سوريا

غيّرت التطورات الأخيرة بشكل كبير ديناميكيات الصراع بالنسبة لكلا الجانبين، كما أكد محلل شؤون تركيا في مجموعة الأزمات الدولية، بيركاي مانديراجي، الذي لفت إلى أن تركيا كثفت الضغوط على الحزب من خلال عملياتها العسكرية المكثفة على مدى العقد الماضي، وتعزيز موقعها في سوريا بعد سقوط بشار الأسد، مع تزايد احتمال انسحاب الولايات المتحدة من شمال شرقي سوريا.

وبالتوازي مع التنسيق بين أنقرة وبغداد وأربيل، تدفع تركيا باتجاه تنفيذ الاتفاقية الموقعة بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، بشأن اندماجها في الجيش ومؤسسات الدولة السورية.

الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي خلال توقيع اتفاق الاندماج في مؤسسات الدولة (إ.ب.أ)

وربط إردوغان، في تصريحات الخميس الماضي، بين حل حزب «العمال الكردستاني» وتنفيذ الاتفاق الموقع بين دمشق و«قسد» في مارس (آذار) الماضي، لافتاً إلى أن قرار الحزب حل نفسه يشمل أيضاً وحدات حماية الشعب الكردية، المدعومة أميركياً في إطار الحرب على تنظيم «داعش» الإرهابي، التي تعدّها أنقرة امتداداً لـلحرب ضد «العمال الكردستاني».

وفي إشارة إلى سحب مهمة «قسد» الأساسية منها، قال إردوغان إن بلاده وسوريا والعراق والولايات المتحدة، شكّلت لجنة لمناقشة مصير مقاتلي تنظيم «داعش» في مخيمات ومعسكرات الاعتقال بشمال شرقي سوريا، التي تديرها قوات «قسد» منذ سنوات، وإنه يتعين على العراق «التركيز على مسألة المخيمات؛ لأن معظم النساء والأطفال في (مخيم الهول) من السوريين والعراقيين، ويجب إعادتهم إلى بلادهم».

ولم تعلن «قسد» صراحة حتى الآن أن قرار حزب العمال الكردستاني سيشملها. وقال عبدي إن حزب العمال الكردستاني كان له دور تاريخي في الشرق الأوسط خلال المرحلة الماضية، وكلنا ثقة بأن هذه الخطوة ستمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من السياسة والسلام في المنطقة، ونأمل في أن تبادر جميع الأطراف المعنية باتخاذ خطوات مهمة وأن يقدّم الجميع الدعم المطلوب.

وأثار تبني أحزاب وجماعات كردية في شمال شرقي سوريا، خلال مؤتمر عقدته في القامشلي بمحافظة الحسكة الشهر الماضي، قلقاً من جانب تركيا بسبب الحديث عن الفيدرالية والحكم الذاتي هدفاً لها، على الرغم من الاتفاق مع دمشق، ووصف إردوغان الحديث عن الفيدرالية بأنه «مجرد حلم».

فتاة كردية تلوح بصورة أوجلان خلال تجمع للمطالبة بحقوق المرأة (أ.ف.ب)

لكن عضو هيئة الرئاسة المشتركة لحزب «الاتحاد الديمقراطي»، وهو الحزب المهيمن في شمال شرقي سوريا، وتشكل الوحدات الكردية ذراعه المسلحة، آلدار خليل، أعلن أن الأحزاب الكردية السورية سترسل وفداً إلى دمشق قريباً لإجراء محادثات حول المستقبل السياسي لمناطقهم، في إطار سعيها لتحقيق هدفها المتمثل في الحصول على «إدارة ذاتية»، على الرغم من معارضة إدارة دمشق وكذلك تركيا المجاورة.

وأكدت رئيس دائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، إلهام أحمد خلال، مؤتمر عقد في العاصمة اليونانية أثنيا الأحد تحت عنوان: «القضية الكردية والتطورات في الشرق الأوسط»، أن العملية التي بدأها أوجلان ستؤثر عليهم وعلى المنطقة، وأن آراءهم ضرورية ويجب حل المشكلة على الطاولة.

ولفتت إلى أنه بعد المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني، يجب اتخاذ خطوات قانونية وديمقراطية، ويجب أن تستمر العملية المقبلة وفقاً للأطر القانونية.

وأوضحت أنه بالنسبة لسوريا، فإن العودة إلى نظام البعث غير ممكنة، ويكمن الحل يكمن في الانتقال إلى نظام الإدارة الذاتية في الأمن والاقتصاد والتعليم، محذرة من اندلاع حرب أهلية إذا تم الإصرار على نظام حكم مركزي.

كسر عزلة أوجلان

ولا تعد قضية تسليم أسلحة العمال الكردستاني، وأذرعه، هي القضية الوحيدة المعقدة في مسار عملية ما بعد حل الحزب، إذ تبرز مسألة اتخاذ خطوات لتحسين ظروف سجن عبد الله أوجلان، الذي يمضي عقوبة السجن المشدد مدى الحياة في سجن انفرادي منعزل في جزيرة إيمرالي الواقعة في جنوب بحر مرمرة غرب تركيا، وتوسيع التواصل معه، ومنحه فرصة اللقاء مع المجموعات التي يرغب بها سواء من الصحافيين أو السياسيين، من خلال لوائح إدارية في المستقبل القريب، كإحدى القضايا التي يدور حولها النقاش.

ويتمسك حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، الذي تولى الاتصالات مع أوجلان والحكومة والأحزاب، إلى جانب الاتصالات الخارجية مع الحكومة والحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان العراق، باستفادة أوجلان بـ«الحق في الأمل»، الذي أقرته محكمة حقوق الإنسان الأوروبية عام 2014، للسماح للمحكومين بالسجن المشدد مدى الحياة بالعودة للانخراط في المجتمع بعد قضاء 25 عاماً من عقوبتهم.

وكان أول من طرح مسألة «الحق في الأمل» بالنسبة لأوجلان، هو رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهشلي، الذي دعا في أكتوبر الماضي أوجلان إلى توجيه النداء بحل حزب العمال الكردستاني وإلقاء أسلحته، مقابل النظر في إصلاحات قانونية تكفل له هذا الحق.

مصافحة بهشلي للنواب الأكراد بالبرلمان في أكتوبر الماضي كانت إشارة لإطلاق مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» (إعلام تركي)

وأثار بهشلي بسبب ذلك جدلاً حاداً على الساحة السياسية واعتراضات من حزب «الجيد» القومي، الذي وصف دعوته بالخيانة، كما تجنب الرئيس رجب طيب إردوغان التطرق إلى هذا الأمر بسبب حالة الغضب التي فجرها تصريح بهشلي، وأكد أنه لا يمكن العفو عن «قتلة الأطفال».

ومع ذلك، فمن المتصور أن يتم إدراج هذه المسألة على جدول الأعمال بعد أن تستقر العملية على المسار الصحيح ويتم تحقيق القبول الاجتماعي، بشكل تدريجي.

ويطرح حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» مطالب أخرى تتعلق بإعادة رؤساء البلديات المنتخبين الذين تم عزلهم وتعيين أوصياء من جانب الحكومة بدلاً عنهم (10 رؤساء بلديات من الحزب) إلى مناصبهم، والاستبدال بهذه الممارسة انتخاب أحد أعضاء مجلس البلدية ليحل محل رئيسها حال عزله.

ويطالب الحزب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين والنواب الأكراد، وفي مقدمتهم الرئيسان المشاركان السابقان لحزب «الشعوب الديمقراطية» صلاح الدين دميرطاش، وفيجن يوكسكداغ، وتنفيذ قرارات المحكمة الدستورية التركية، ومحكمة حقوق الإنسان الأوروبية بشأنهم.

كما يطالب بتعديلات في قانوني تنفيذ الحكام ومكافحة الإرهاب، تكفل الإفراج عن أعضاء العمال الكردستاني من كبار السن والمرضى، الذين يقدر عددهم بـ7 آلاف.

وفي حين تجري وحدات الأمن دراسة حول مصير قادة حزب العمال الكردستاني، تدور نقاشات حول الترتيبات القانونية المتعلقة بعودة الأعضاء الذين يحملون الجنسية التركية، والذين تقدر أعداهم بـ4 آلاف.

قيادات حزب العمال الكردستاني في شمال العراق (رويترز)

ويطالب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» بوضع لوائح جديدة للتعامل مع أوضاع الأعضاء المتورطين في الجرائم وغير المتورطين فيها رغم وجود قوانين صدرت في الماضي مثل «قانون التكامل الاجتماعي».

متى يتحرك البرلمان؟

يتوقع أن تدرج هذه القضية على جدول أعمال البرلمان في العام التشريعي الجديد بعد استكمال عملية نزع السلاح، وبالإضافة إلى ذلك هناك حاجة إلى تعديلات في قانوني العقوبات ومكافحة الإرهاب للسماح بعودة أعضاء العمال الكردستاني الذين غادروا إلى دول أوروبا بسبب تحقيقات الإرهاب ضدهم.

ومن المتوقع أن يتم تضمين هذه التعديلات في حزمة الإصلاحات القضائية العاشرة، التي يستعد حزب العدالة والتنمية الحاكم لطرحها على البرلمان عقب عودته من العطلة الصيفية في أكتوبر المقبل.

وبينما يتمسك حزب العمال الكردستاني بتمكين أوجلان من قيادة المفاوضات مع الدولة، يطالب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» بإجراء التعديلات التي يطالب بها على نحو عاجل قبل عطلة عيد الأضحى من أجل إنجاح العملية التي بدأت بحل الحزب.

وتقول الرئيس المشارك للحزب، تولاي حاتم أوغللاري، إن الوقت حان لبناء حياة متساوية في الوطن المشترك وتتويجها بجمهورية ديمقراطية تلبي تطلعات 86 مليون مواطن.

وأكدت أنه يجب أن تنفذ هذه الترتيبات بسرعة وقبل عطلة عيد الأضحى وأن يتحرك البرلمان من أجل اتخاذ خطوات ترسخ السلام والديمقراطية في البلاد.

وأجرى وفد من الحزب جولة على الأحزاب السياسية، خلال الأيام القلية الماضية، لمناقشة الخطوات التي يتعين اتخاذها من خلال البرلمان في أعقاب إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه وإلقاء أسلحته.

وبينما يتصاعد النقاش حول هذه المطالب وإمكانية تحقيقها أو رفض بعضها من جانب الحكومة، اقترح بهشلي تشكيل لجنة برلمانية باسم «لجنة الوحدة الوطنية والتضامن» من الأحزاب الـ16 الممثلة في البرلمان بحيث يمثل كل حزب بعضو واحد في اللجنة الرئيسية، التي يترأسها رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش، وتشكيل لجان فرعية، على أن يبلغ عدد الأعضاء بالكامل في اللجنة الرئيسية واللجان الفرعية 100 عضو.

مسلحون من العمال الكردستاني في شمال العراق (رويترز)

وبحسب الاقتراح، تناقش اللجنة الخطوات التي يجب اتخاذها فيما يتعلق بالتحول الديمقراطي، ودمج أعضاء حزب العمال الكردستاني، غير المتورطين في أعمال مسلحة في المجتمع، على أن تتخذ اللجنة قراراتها بالأغلبية البسيطة، على غرار «لجنة التوفيق» التي أنشئت في الماضي للتعديلات الدستورية، إلا أنها كانت تتخذ قراراتها بـ«الأغلبية المؤهلة».

ويمكن للجنة المقترحة، بحسب الاقتراح، تلقي جميع الاقتراحات ومناقشتها، لكن لن يكون مسموحاً بالتطرق إلى الخصائص الأساسية للجمهورية التركية التي تحددها المواد الأربع الأولى من الدستور، ولن تكون قابلة للنقاش بأي شكل من الأشكال.

مواقف متباينة

وإلى جانب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، أيد حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، اقتراح بهشلي، معلناً أنه يتمسك منذ البداية بأن يكون البرلمان هو المنصة التي تناقش فيها عملية حل المشكلة الكردية وأن تشكيل لجنة خاصة بذلك هو اقتراحه في الأساس، بحسب رئيس الحزب، أوزغور أوزيل.

ويعترض حزب الشعب الجمهوري على الشق المتعلق باتخاذ قرارات اللجنة بالأغلبية البسيطة، ويطالب بأن تعمل وفق قواعد لجنة التوفيق المتعلقة بالتعديلات الدستورية.

كما يعترض أعضاء في حزب العدالة والتنمية الحاكم على هيكل اللجنة الذي اقترحه بهشلي، ويرون أنه من المهم منع تأثر العملية، وضمان اتخاذ القرارات دون تأخير، وأنه لتجنب مثل هذه المشاكل، يجب إنشاء هيكل يضم من لا يعارضون العملية.

وتقف أحزاب ما يعرف بـ«الطريق الجديد»، التي تضم أحزاب «الديمقراطية والتقدم» برئاسة علي باباجان، و«المستقبل» برئاسة أحمد داود أوغلو، و«السعادة» برئاسة محمود يريكان، في جبهة التأييد المبدئي لاقتراح بهشلي، لافتة إلى أنها دعت منذ البداية إلى إشراك البرلمان في العملية.

ومع ذلك ترى هذه الأحزاب أن هيكل اللجنة المقترح من بهشلي يجب أن يناقش بسبب مخاوف تتعلق من إمكانية أن يعتمد حزبا العدالة والتنمية والحركة القومية على الأغلبية التي ستزداد بتأييد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» لهما، وأن تتحول باقي الأحزاب إلى مجرد ديكور، وتطالب أيضاً بأن تبدأ هذه العملية قبل عطلة عيد الأضحى.

أما حزب «الجيد»، القومي، الذي يعارض العملية برمتها فأعلن أنه يدعو إلى حل كل شيء في تركيا من خلال الحوار، وأكد رئيسه، مساوات درويش أوغلو، أن حزبه لن يسمح أبداً بأن تتحول القومية التركية إلى جهاز يستخدم تحت إشراف إرهابي (أوجلان) أمضى أكثر من 25 عاماً في السجن ومحكوم عليه بالسجن المشدد مدى الحياة.

ويعد حزب «الجيد» العملية التي تصفها الحكومة بـ«تركيا خالية من الإرهاب» فخاً منصوباً لتركيا، ويصفها بأنها «عملية خيانة».

أكراد في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يرفعون صورة لأوجلان تعبيراً عن ابتهاجهم بالنداء الذي وجهه في فبراير الماضي لحل العمال الكردستاني (أ.ف.ب)

وأرجع بهشلي اقتراحه بأن تسند رئاسة اللجنة إلى رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش، إلى ضمان إشراف دستوري مباشر على عملها.

ورغم مطالبة حزب «الديمقراطية المساواة للشعوب» بمناقشة التعديلات القانونية اللازمة على نحو عاجل قبل عطلة عيد الأضحى، قال كورتولموش إن عملية الانتقال نحو «تركيا خالية من الإرهاب» تسير وفق الجدول المقرر، وإن «الخطوة التالية هي تسليم السلاح، وبعد ذلك ستكون ساحة النقاش السياسي هي البرلمان، سواء من حيث التشريع أو وضع الأطر القانونية اللازمة».

وكذلك أكد مسؤولون في حزب العدالة والتنمية الحاكم أن مناقشات البرلمان لن تبدأ قبل أن يقدم جهاز المخابرات تقريراً رسمياً إلى الرئيس رجب طيب إردوغان يؤكد فيه انتهاء عملية نزع أسلحة العمال الكردستاني.

مآرب أخرى

ولم تبتعد المناقشات الدائرة حول مشروع السلام والأخوة والتضامن بين الأكراد والأتراك، عن المناقشات الدائرة حول وضع دستور جديد لتركيا، لا يخفى أن الهدف منه هو فتح الباب أمام إردوغان للحصول على حق الترشح لرئاسة تركيا من جديد.

مجموعة من أمهات ديار بكر يرفعن صور أبنائهن الذين تم تجنيدهم قسراً في «العمال الكردستاني» في مظاهرة أسبوعية تمت إقامتها أمام مبنى حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب في مدينتهن (أ.ف.ب)

ويتردد في أروقة السياسة في أنقرة أن «الاستدارة» التي حدثت من جانب إردوغان وبهشلي تجاه حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، الذي لطالما تعرض لهجومهما ودمغه بالإرهاب بشكل صريح، إنما هي محاولة لضمان تأييده لمشروع الدستور، الذي يرى من منظوره الخاص أن تركيا بحاجة إليه ولكن بمعايير تدعم مشروع التضامن الكردي التركي، والحصول على دعم كتلة نوابه بالبرلمان، واستبدال كتلة الشعب الجمهوري به، الرافض لمناقشة أي مشروع للدستور قبل الالتزام بالدستور الحالي، وبقرارات المحكمة الدستورية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

 

 


مقالات ذات صلة

تركيا تتحرك لإنهاء عزلة أوجلان في إيمرالي

أوروبا صورة كبيرة لأوجلان رفعها أكراد مشاركون في احتفالات عيد «نوروز» بإسطنبول في 22 مارس مطالبين بإطلاق سراحه (أ.ف.ب)

تركيا تتحرك لإنهاء عزلة أوجلان في إيمرالي

اتخذت تركيا خطوة لإنهاء عزلة زعيم «العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، في إطار عملية السلام التي تمر عبر حل الحزب، ونزع أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا آلاف الأكراد رفعوا صور زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد نوروز في ديار بكر جنوب شرقي تركيا مطالبين بإطلاق سراحه (حساب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في «إكس»)

تركيا: «وفد إيمرالي» يزور أوجلان في ظل غموض حول مسار «السلام»

قام وفد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المعروف بـ«وفد إيمرالي» بزيارة إلى زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان، وسط غموض حول عملية السلام.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية وزيرا الدفاع البريطاني والتركي خلال توقيع اتفاقية الدعم اللوجيستي وصيانة وتشغيل مقاتلات يوروفايتر تايفون في لندن الأربعاء (وزارة الدفاع التركية - إكس)

بريطانيا وتركيا توقعان اتفاقاً مليارياً في مجال الدفاع الجوي

وقعت تركيا وبريطانيا اتفاقية دعم فني ولوجيستي تتعلق بصيانة وتشغيل طائرات «يوروفايتر تايفون» تسعى تركيا لاقتنائها لتعزيز قدرات سلاحها الجوي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية اعتقلت السلطات التركية عشرات من بين آلاف المشاركين في الاحتفال بعيد نوروز في إسطنبول الأحد الماضي لرفعهم صوراً ولافتات تروج لحزب «العمال الكردستاني» (حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب - إكس)

تركيا: صدام بين القوميين حول «السلام» مع الأكراد

تصاعد جدل جديد بشأن إقرار اللوائح القانونية والإصلاحات الديمقراطية المطلوبة لإتمام «عملية السلام» في تركيا التي تمر عبر حل حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مسلحون من حزب «العمال الكردستاني» في جبل قنديل بشمال العراق (رويترز)

تركيا: حديث عن تصنيف عناصر «الكردستاني» لدمجهم في «عملية السلام»

كشفت مصادر تركية عن توجه إلى تصنيف عناصر حزب «العمال الكردستاني» إلى 4 فئات لتحقيق الاندماج في إطار «عملية السلام».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».