حين قابلت سجّاني... الطفل «الداعشي» الصغير

«أشبال الخلافة» وقد باتوا رجالاً... والتنظيم يهدد سوريا الجديدة

TT

حين قابلت سجّاني... الطفل «الداعشي» الصغير

أطفال من مخيم «الهول» في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا 12 نوفمبر 2020 (غيتي)
أطفال من مخيم «الهول» في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا 12 نوفمبر 2020 (غيتي)

لم يكن خالد يعلم أن مقابلته هذه ستعيد فتح باب من الماضي.

عندما بدأ يتحدث، كانت نبرة صوته مألوفة بطريقة غريبة، لكنني لم أستطع أن أحدد السبب على الفور. بدا خالد (اسم مستعار) متردداً في البداية، وكأنه يخشى أن يقول أكثر مما ينبغي، ثم انساب الحديث بحرية أكبر، حتى وصلت المقابلة إلى نقطة جعلت قلبي يخفق بقوة.

«كنت في الثالثة عشرة عندما أصبحت سجاناً. لم يكن لدينا خيار. كانوا يعطوننا أوامر، وإذا رفضنا، نتعرض للعقاب. كنت أفتح الأبواب، أقدم الطعام، وأراقب السجناء. بعضهم كان يبكي، بعضهم كان يصرخ، وبعضهم كان صامتاً طوال الوقت. كنا نعاملهم كأعداء، حتى لو لم نفهم لماذا كانوا هناك».

عند هذه الجملة، شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. سجن الميادين. عام 2015. طفل في الثالثة عشرة مكلف بمراقبتي أنا وبقية السجناء. بدأت أتذكر تلك الفترة القاتمة من حياتي، عندما تم اعتقالي في سوريا لأنني رفضت العمل صيدلانياً مع تنظيم «داعش» الذي كان مسيطراً على المنطقة. شهدت تلك الفترة محاولات التنظيم الحثيثة لضمان الولاء الكامل، خاصة من أصحاب الاختصاصات الطبية. من لم يعلن ولاءه، كان مصيره الاضطهاد، الملاحقة، وأحياناً الاعتقال.

كنت واحداً ممن وقعوا في هذا المصير. لم يأتِ اعتقالي من العدم. في إحدى الليالي، طرقوا باب منزلي بعنف. لم يكن السبب معلناً في البداية، لكنني علمت لاحقاً أن جاري، وهو أحد عناصر التنظيم، وشى بي. ادّعى أنني أخالف الشريعة لأنني كنت أستمع إلى الأغاني. كانت تلك التهمة كافية ليقتادوني إلى السجن، وهناك التقيت بسجاني الصغير.

السجّان الصغير

اليوم وفيما أجري هذه المقابلة من ضمن 17 شهادة جمعتها حول «أشبال الخلافة» توالت الأسئلة في ذهني، فكبحت اندفاعها. لم أكن أريد أن أسأل مباشرة، لكن الفضول بدأ ينهشني.

طرحت أسئلة ملتوية، حاولت من خلالها أن أتأكد من شكوكي دون أن أثير انتباه خالد وقد بلغ منتصف العشرينات. ولكن عندما بدأ يصف السجن، وممراته، ووجبات الطعام القليلة التي كانت تُقدم للسجناء، والطريقة التي كان يُؤمر بها بفتح الأبواب وإغلاقها، قطعت الشك باليقين. لقد كان هذا الصبي سجاني. صراع داخلي انتابني، ولم أعرف كيف أتصرف. جزء مني أراد أن يواجه خالد بالحقيقة، أن يخبره أنني كنت هناك، وأنه كان أحد أولئك السجانين الذين وقف أمامهم صامتاً وهو يحمل المفاتيح. لكن جزءاً آخر مني رفض الفكرة.

كيف سأخبره بذلك؟ ماذا سيفيده أن يعرف؟ اليوم أدرك أن خالد لم يكن سوى طفل، مجرد أداة في يد قوة أكبر منه بكثير. أي غضب قد أشعر به، أي كراهية أو استياء، لا يمكن توجيهها إليه. لكن رغم كل هذه التبريرات، لم أستطع تجاهل الشعور المتناقض الذي اجتاحني. أنظر إلى خالد، وأحاول منطقياً أن أراه بمعزل عن ماضيه، لكنني عاطفياً لم أستطع الفصل بين الاثنين.

«هل كنتَ قاسياً على السجناء؟» سألته. تنهد وأطرق رأسه، كأنه يحمل ثقلاً لا يمكن احتماله: «أحياناً كنت أحاول أن أكون لطيفاً فأعطي بعضهم طعاماً أكثر، أو أترك الباب مفتوحاً لبضع ثوانٍ إضافية. لكن في أحيان أخرى... كنت قاسياً. كنت خائفاً أيضاً. فإذا تهاونت، كانوا سيضعونني في السجن معهم». كلماته ضربتني بقوة.

لم أعرف إذا كان خالد يتذكرني، أو أنني مجرد سجين من عشرات مروا عليه، لكنني أعرف الآن أنه كان هو أيضاً يعيش صراعاً داخلياً ربما لم يحسمه بعد.

شاب يعانق مسنًا بعد حصوله على موافقة لمغادرة «الهول» السوري (إ.ف.ب)

فوضى ومساومات

على رغم المصادفة الغريبة إلا أن قصة خالد ليست فريدة من نوعها. هي واحدة من 17 شهادة حية تم جمعها على مدار الأشهر الستة الماضية تقاطعت فيها تجارب الماضي المؤلمة بتحديات الحاضر والمستقبل، نركز فيها على مسار شخصيتين نرصد عبرهما مآلات التنظيم في سوريا اليوم؛ خالد، السجان الذي يحاول التعايش مع ماضيه وسامي (اسم مستعار) الفتى الذي عاش تجربة مواجهة الضحية في أضعف لحظاتها. تتقاطع هاتان الشهادتان مع شهادات أخرى تكشف عن أثر العنف الممنهج والتجنيد القسري على مستقبل هؤلاء الأطفال وتوثق تجربة جيل كامل سُرقت طفولته، لكنها أيضاً تطرح أسئلة ملحة حول هزيمة التنظيم فعلياً أو احتمالات نهوضه من جديد.

فبعد التغيرات الكبيرة التي شهدتها سوريا، على أثر سقوط نظام بشار الأسد واستلام «هيئة تحرير الشام» عبر الإدارة الجديدة زمام المرحلة، يواجه هؤلاء الشباب تحديات جديدة في ظل بيئة مضطربة تزداد تعقيداً، إذ تثير الفوضى الأمنية والفراغ الناجمين عن إعادة توزيع السيطرة بين الفصائل المختلفة مخاوف من عودة نشاط التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم «داعش»، في وقت لا تزال «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تسيطر على شمال شرقي سوريا، تمسك بملف بالغ الحساسية، هو معتقلي التنظيم من رجال ونساء وأطفال لديها.

ويعد هذا الملف ورقة مساومة سياسية تستخدمها «قسد» للضغط على القوى الدولية والإقليمية لضمان استمرار الدعم العسكري والسياسي لها. ومع غياب حلول واضحة أو خطط فعالة للتعامل مع هذه الفئة، يظل الخطر قائماً من استغلالهم مستقبلاً لتحقيق مكاسب سياسية أو لتعزيز نفوذ عسكري في المنطقة، خصوصاً مع احتمالات تفكيك معتقل «الهول» وخروج أعداد إضافية منهم إلى المجهول.

«داعش» يهدد سوريا الجديدة

مع إصدار التنظيم بياناً حديثاً يهاجم فيه الحكومة السورية الجديدة ويتوعدها إذا «حادت عن طريق الصواب»، تتزايد المخاوف من أن هذه التهديدات ليست مجرد تصريحات دعائية، بل جزء من استراتيجية أوسع لإعادة فرض نفسه على المشهد السوري.

ولا تزال جيوب تنظيم «داعش» نشطة في البادية السورية والعراقية، حيث تنفذ خلاياه عمليات اغتيال وتفجيرات متفرقة، إلا أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في هذه العمليات المحدودة، بل في قدرة التنظيم على الاستفادة من الثغرات المتزايدة لإعادة ترتيب صفوفه.

ولعل الأكثر إثارة للقلق هو أن بعض القوى المحلية، سواء من فلول النظام السوري السابق أو حتى قوات سوريا الديمقراطية، قد تجد في استمرار التهديد الداعشي أداة يمكن استخدامها لزعزعة الاستقرار الهش وللحصول على دعم إضافي، سواء من التحالف الدولي أو من الجهات الفاعلة في المشهد السياسي السوري حيث قد يُسمح للتنظيم بتنفيذ عمليات معينة، أو يتم التغاضي عن تحركاته، أو يتم تكليف أفراد منه بمهام في سياق صراعات النفوذ والضغوط السياسية المتبادلة.

سيارة شرطة تابعة للحكومة السورية الجديدة تعبر شارع بجوار مسجد الساحة في تدمر بوسط سوريا في 7 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

ويمتلك التنظيم من جهته دافعًا قويًا للانتقام من هزائمه السابقة، خصوصاً أن قياداته تدرك أن خسارة الأرض لا تعني بالضرورة نهاية الآيديولوجيا. ولذلك، يسعى التنظيم إلى إعادة بناء نفسه عبر استغلال عدة عوامل، من بينها المظالم المحلية، والانقسامات العشائرية، والتدهور الاقتصادي، وحالة الإحباط واليأس التي يعيشها الكثير من مقاتليه السابقين، بمن فيهم أولئك الذين تم تجنيدهم أطفالاً تحت راية «أشبال الخلافة».

هؤلاء، الذين نشأوا في بيئة الحرب والعنف، يواجهون اليوم واقعاً قاسياً: مجتمعاتهم الأصلية ترفضهم، والفرص الاقتصادية تكاد تكون منعدمة، بينما تلاحقهم وصمة الماضي أينما ذهبوا. ومع غياب برامج إعادة تأهيل فعالة، يظل خطر عودتهم إلى التنظيم قائماً، خاصة في ظل استمرار محاولات «داعش» استقطابهم، إما عبر الإغراءات المالية، أو عبر استغلال شعورهم بالعزلة وانعدام المستقبل.

فهل يشكل هؤلاء الشباب، الذين كبروا بين فوهات البنادق، قنابل موقوتة تهدد استقرار سوريا؟

أو أنهم ضحايا ظروف قاسية، تعلّموا منها وينتظرون إعادة دمجهم في المجتمع ليكونوا جزءاً من الحل بدلاً من المشكلة؟

كابوس الماضي الثقيل

«أستيقظ كل ليلة على صراخي. أرى وجوههم في أحلامي. أطفال مثلي، اختفوا واحداً تلو الآخر. بعضهم قتل في المعارك، وبعضهم حاول الهرب فأُعدم. كنت أتظاهر بالنوم حتى لا أسمع بكاءهم في الليل». يقول سامي الذي يبلغ اليوم 24 عاماً عن رحلته المؤلمة ضمن «أشبال الخلافة» في سوريا، وهو بعمر لم يتجاوز الخامسة عشرة، رحلة لم تنتهِ بسقوط التنظيم، بل تحولت إلى كابوس مستمر يطارده في نومه ويقظته على حد سواء ويعيش معركة يومية مع نفسه دون أن يدري إن كان سينجو أم لا.

وعلى رغم أن كلا من خالد وسامي خرجا من كنف التنظيم، لكن حياتهما لا تزال تحمل آثار الماضي.

يعيش خالد في إحدى قرى إدلب، يعمل في محطة وقود، بالكاد يستطيع تأمين قوت يومه. وبعدما اضطر للعيش مع خاله والزواج من ابنته، وجد نفسه في دوامة فقر لا مخرج منها. فهو لم يكمل تعليمه ولم يكتسب صنعة تعينه.

أما سامي، فيعيش في ريف دير الزور الشرقي الخاضع لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، حيث يحاول إعادة بناء حياته في ظل تحديات اقتصادية وملاحقات أمنية مستمرة.

سوق «الهول» في الحسكة شمال شرقي سوريا 30 يناير 2025 (أ.ب)

كثيرون ممن خرجوا من تجربة «أشبال الخلافة» توزعوا في أماكن مختلفة، تتفاوت فيها ظروفهم المعيشية بين الصعوبة والاستقرار. سامي القادم من حماة اضطر لتغيير اسمه والسكن في ريف دير الزور الشرقي خوفاً من الانتقام والوصمة الاجتماعية. بعضهم يعيش في شمال شرقي وشمال غربي سوريا، يواجهون البطالة وانعدام الاستقرار، بينما اضطر آخرون إلى تغيير أماكن سكنهم بسبب الخوف من محيطهم الاجتماعي.

في تركيا وإقليم كردستان، يعمل الناجون في مهن شاقة، مثل البناء ومعامل النسيج أو التنظيف، لساعات طويلة وفي ظروف قاسية.

وبدأ بعض هؤلاء الشباب بتلقي الدعم النفسي، والبعض القليل وجد طريقه في العمل أو الدراسة، محاولين ترك الماضي وراءهم خصوصاً إذا ما حظوا بدعم أسرهم.

لكن التحدي الأكبر يبقى في نظرة المجتمع لهم كقنبلة موقوتة، لا كأطفال سرقت طفولتهم، ويستحقون فرصة حياة.

يقول سامي: «عندما يعرف الناس قصتي، أرى الخوف في أعينهم. لا يريدون الاقتراب مني، رغم أنني لم أختر تلك الحياة».

أما خالد، فيجد صعوبة حتى في الحديث عن ماضيه: «كيف يمكنني أن أشرح؟ كيف أقول إنني لم أكن أملك خياراً؟».

ورغم اختلاف مصائرهم، فإن القاسم المشترك بينهم جميعاً هو صعوبة التخلص من الظلال الثقيلة للماضي وهم يتأرجحون بين كونهم ضحايا أو جلادين أو تهديدات أمنية محتملة.

أن تأخذ سبية أو تشهد إعداماً

يتذكر سامي حين جُنّد وهو طفل، يوماً محدداً غيّر مجرى حياته بالكامل. يوم لم تفارقه تفاصيله حتى بعد سنوات من هروبه، ويقول:

«كنت في الخامسة عشرة عندما طلبوا مني الذهاب إلى غرفة وأخذ سبية. لم أفهم تماماً ما يريدون مني فعله. كنت أشعر بالخوف والارتباك، ولكن لم يكن مسموحاً لي بأن أسأل. عندما دخلت، رأيت فتاة صغيرة تبكي. كانت طفلة، أصغر مني بسنة أو سنتين. نظرنا إلى بعضنا، وبدأنا بالبكاء معاً. لم أستطع تحمل الموقف وشعرت بأنني أختنق. تلك الليلة لم أنم، كنت أرى وجهها في كل مكان. كنت أتساءل: هل ما زالت هناك؟ هل أنقذها أحد؟».

ما زال سامي يعيش في تلك الليلة، وكأن الزمن توقف عندها. كلما تذكرها، تتجدد مشاعره كما لو أنه ما زال ذلك الصبي الخائف الذي لم يفهم العالم.

أما خالد، فكان أصغر من سامي عندما جُند، ويتذكر أول عملية إعدام شهدها، ولا تزال تفاصيلها محفورة في ذاكرته كأنها حدثت أمس:

«كنت في الخامس الابتدائي. كان أمامنا رجل مقيد على ركبتيه، وعيناه معصوبتان. القائد أمر أحد الفتيان بالتقدم. لم يرفض، لم يتردد. وكأنه آلة مبرمجة. رفع السكين وقطع رأس الرجل. لم أتحرك. لم أستطع حتى أن أرمش».

بعد سنوات، ما زال خالد يعاني من آثار بعد الصدمة التي أحدثتها تلك اللحظة، مشاهد الدماء، الصوت الخافت الأخير للضحية، النظرات المذعورة، كلها مطبوعة في ذاكرته. لم يكن وحده في ذلك، فقد أظهرت الشهادات التي جمعناها أن معظم «الأشبال» الذين شهدوا عمليات الإعدام الأولى كانوا يعانون من حالة من الصدمة العاطفية الصامتة، حيث كان يُطلب منهم عدم إظهار أي تأثر، بل وتشجيعهم على الإعجاب بالمشهد بعدّه «تنفيذاً لحكم الله».

يقول ناصر، أحد الناجين من هذه التجربة: «كنا مجموعة من الأطفال، لا نعرف ماذا يحدث حقاً. في البداية، كنت أظن أن كل شيء مجرد تمثيل، حتى أدركت أن الدماء حقيقية. كنت أحاول ألا أنظر، لكن القادة كانوا يجبروننا على المشاهدة. يقولون: هذا مصير المرتدين، وهذا سيكون مصيركم إذا خالفتم الأوامر».

كان الهدف واضحاً: تحويل الأطفال إلى آلات قتل، ونزع إنسانيتهم تدريجياً عنهم وتحويلهم إلى أدوات في ماكينة الموت الجماعي.

بعد سنوات من الفرار من التنظيم، لا يزال سامي يستيقظ كل ليلة على صراخه. يقول إنه يرى الفتاة الصغيرة في أحلامه باستمرار: «أحياناً أراها تصرخ، أحياناً تكون صامتة، لكن نظرتها تطاردني. لا أستطيع الهروب منها، كما لم تستطع هي الهروب مني حينها».

أما خالد، فمشكلته مختلفة، لكنها متجذرة في صدمته ذاتها. يقول بصوت منخفض وكأنه يخشى أن يسمعه أحد: «كلما رأيت سكيناً، أشعر برعشة. لا أستطيع حتى تقطيع الخبز دون أن تعود لي الصور. حتى حين أشاهد فيلماً عادياً فيه مشهد عنف، أشعر أنني أختنق».

تظهر شهادات أخرى أن العديد من «الأشبال السابقين» يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة بدرجات متفاوتة. يقول ياسر، أحد الناجين: «أحلم دائماً بأنني أركض في ممر طويل لا نهاية له، وفي نهايته أرى وجوه القتلى تنظر إليّ. لا أستطيع الهروب، لا أستطيع حتى الصراخ».

جيل من الأطفال يولد في مخيم غالبية سكانه من أسر «داعش» (الشرق الأوسط)

رسالة تجنيد من مجهول

على الرغم من انهيار دولة «الخلافة»، لم يتوقف تنظيم «داعش» عن محاولاته لاستعادة نفوذه عبر حواضنه السابقة نفسها. لكن الأساليب تغيّرت، وأصبحت أكثر تعقيداً ولا مركزية، ما يجعل من الصعب تتبعها أو القضاء عليها تماماً. فمع ظاهرة التكليف بمهام محددة خارج الإطار التنظيمي أو قيادة مركزية، أصبح هناك عمل مستقل، ودون تنسيق مباشر أحياناً، لدرجة أن بعض الأفراد المستهدفين قد يتلقون أكثر من عرض للتجنيد من جهات مختلفة تابعة للتنظيم، دون أن يعرفوا أيها أكثر ارتباطاً بهيكل القيادة السابق.

يقول خالد: «وقعت في الأسر وبعد فترة من خروجي، جاءني شخص لا أعرفه، بدا ودوداً جداً. لم يقل لي مباشرة إنه من التنظيم، لكنه كان يلمّح دائماً إلى أن الماضي لم ينتهِ، وأن هناك فرصة للعودة إلى العائلة. وبدا أنه يعرف تفاصيل عن حياتي، وعن سجني، وحتى عن الأشياء التي لم أخبر بها أحداً. فمن أين حصل على هذه المعلومات؟».

مثل خالد، تلقى سامي أيضاً عروضاً غير مباشرة، لكنها كانت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يستخدم التنظيم حسابات مزيفة على «تلغرام» و«واتساب» لاستدراج الشباب. ويقول: «ذات يوم، وصلتني رسالة من مجهول عبر تلغرام. قال لي إنه يعرف ما مررت به، وإن هناك طريقة لأجد مكاني في الحياة من جديد. بدأ بالحديث عن الظلم، وكيف أننا مجرد أدوات تم استغلالها ثم رُميت جانباً. كان بارعاً جداً في اختيار كلماته، كأنه طبيب نفسي يعرف كيف يصل إلى نقاط ضعفي».

وبالإضافة إلى الأساليب التقليدية للتجنيد، يستغل التنظيم التكنولوجيا الحديثة، وألعاب الفيديو التي تروج للأفكار الجهادية والمنتديات المغلقة. في بعض الأحيان، يتم إرسال روابط مشفرة تحتوي على رسائل دعائية، أو فرص تعليمية ومنح دراسية تبدو عادية، لكنها في الواقع وسيلة استدراج إلى مناطق النفوذ.

وبدأ التنظيم في فترة من الفترات الاعتماد على أشخاص لم يكونوا مقاتلين بالضرورة، بل عملوا في مجالات مدنية ولهم قبول بين الناس مثل عمال الإغاثة أو الخدمات اللوجيستية أو غيرها من القطاعات المدنية التي كانت تابعة للتنظيم في فترة سيطرته. ويقول خالد: «أخبرني صديق قديم بأنه يعمل مع شخص ميسور يقوم بتوزيع الأموال والسلال الغذائية والبطانيات للقرى الفقيرة، وقال لي إنه بإمكاني الانضمام والعمل معه. لاحقاً، عرفت أن هذا العمل ليس سوى غطاء، وأن بعض العاملين فيه هم في الحقيقة من أفراد التنظيم السابقين».

سجن الصناعة الذي يضم عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا الخاضع لحراسة «قسد» (رويترز)

المجتمع يرفضنا والحكومة لا تثق بنا

تشكل الظروف الاقتصادية، كما الوصمة الاجتماعية، عاملاً رئيساً في استمرار نجاح التنظيم في تجنيد الشباب. يعيش كثير من هؤلاء الفتية في مناطق تفتقر إلى فرص العمل، ويعانون من التهميش الاجتماعي، ما يجعلهم عرضة للإغراءات المالية التي يقدمها التنظيم.

يقول سامي: «عندما خرجت، لم أجد أي عمل. حاولت أن أبدأ من جديد، لكن الجميع كان ينظر إليّ كتهديد. لم أكن أملك شيئاً، ولا مستقبلاً. في لحظات اليأس، فكرت: ماذا لو عدت؟ على الأقل سأحصل على شيء مقابل المخاطرة. لا أحد يقبل توظيفي هنا، الجميع يراني تهديداً».

أما خالد، فيتحدث عن شعور آخر يلازم معظم الناجين من تجربة «أشبال الخلافة»: العزلة. «المجتمع لا يريدنا، والحكومة لا تثق بنا. نحن عالقون في مكانٍ لا نعرف إلى أين نذهب منه. عندما يأتي شخص ويقول لك: نحن لم ننسَك، نشعر أنك ما زلت واحداً منا، فإنك قد تفكر في الأمر».

أحد الشهود الآخرين قال: «عندما لا تجد طعاماً، وعندما يرفض الجميع توظيفك لأنك كنت يوماً جزءاً من التنظيم، تبدأ في التفكير في الخيارات المتاحة أمامك. بعضنا قوي بما يكفي لرفض العودة، لكن البعض الآخر قد لا يملك القدرة نفسها».

حرب طويلة

من الأمور التي زادت من ارتباك الناجين أن التنظيم يبدو وكأنه يعرف كل تحركاتهم. لم يكن الأمر يقتصر على مجرد رسائل أو محاولات لقاء، بل في بعض الأحيان كانوا يجدون أنفسهم محاطين بأشخاص يعرفون عنهم تفاصيل لم يشاركوها مع أحد.

يقول خالد: «بعد خروجي بفترة، كنت أعيش في مكان بعيد عن أي شيء له علاقة بالتنظيم. لكن فجأة، ظهر شخص في المسجد الذي كنت أصلي فيه. كان يتحدث عن كيف أن بعضنا قد ضلّ الطريق، لكنه يستطيع العودة. عندما اقتربت منه وسألته عن قصده، قال لي شيئاً جعل الدم يتجمد في عروقي: أنت كنت هناك، أنت تعرف ما أعنيه».

قد تكون دولة «الخلافة» قد سقطت، لكن أفكارها لم تختفِ، وأساليبها تتطور دائماً لتتلاءم مع أي واقع جديد. بالنسبة لخالد وسامي وغيرهما من «الناجين»، فإن الصراع لم يكن يوماً مجرد معركة سلاح، بل هو حرب نفسية مستمرة، حيث يحاولون الحفاظ على هويتهم الجديدة، بينما يواجهون أشباح الماضي ومحاولات التنظيم لاستعادتهم، بينما سوريا اليوم مفتوحة على خيارات لا تحصى.


مقالات ذات صلة

غياب التنسيق على الحدود السورية العراقية قد يدعم خلايا «داعش»

تحليل إخباري من العملية الأمنية في مدينة دمر وسط سوريا عقب هجوم «داعش» في ديسمبر الماضي (أرشيفية - وزارة الداخلية)

غياب التنسيق على الحدود السورية العراقية قد يدعم خلايا «داعش»

مخاوف من تحول الحدود السورية العراقية إلى مناطق هشة تتسرب منها خلايا تنظيم «داعش»

«الشرق الأوسط» (لندن)
أفريقيا سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (أرشيف - رويترز)

القوات النيجيرية تتصدى لأول هجوم كبير على مايدوغوري منذ سنوات

هاجم مسلّحون اليوم (الاثنين) مركزاً عسكرياً في ضاحية مايدوغوري مركز ولاية بورنو بشمال شرق نيجيريا، في أول هجوم من نوعه منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (مايدوغوري (نيجيريا))
أوروبا لقطة من فيديو التُقط في 10 مارس 2015 ونشره «داعش» تظهر المتطرف الفرنسي صبري الصيد وهو يخاطب الكاميرا باللغة الفرنسية في موقع غير مُعلن (أ.ف.ب)

فرنسا: أول محاكمة غيابية لـ«داعشي» متهم بالمشاركة في إبادة الإيزيديين

بدأت الاثنين في فرنسا محاكمة غيابية للمتطرف صبري الصيد المشتبه في مشاركته في الإبادة الجماعية بحق الأقلية الإيزيدية في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا عناصر من الشرطة الفرنسية في باريس (رويترز)

توقيف شقيقين مغربيين في فرنسا للاشتباه بضلوعهما في «مخطط إرهابي»

أعلنت النيابة العامة الفرنسية لمكافحة الإرهاب توقيف شقيقين مغربيين يحملان الجنسية الإيطالية، بشبهة الضلوع في مخطط «دام ومعاد للسامية».

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي اعتقال عنصر من «داعش» من قبل قوى الأمن في شرق دير الزور (الداخلية السورية)

ضبط مستودع ضخم للسلاح على الحدود السورية مع العراق... واستهداف خلايا «داعش»

ضبطت مديرية الأمن الداخلي في مدينة البوكمال الحدودية مع العراق مستودع أسلحة ضخماً يحوي أسلحة ثقيلة وخفيفة وذخائر متنوعة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني