لا أمان تحت الأسقف الحجرية... سوريون يعيشون في خيم خشية من الزلزال

TT

لا أمان تحت الأسقف الحجرية... سوريون يعيشون في خيم خشية من الزلزال

مخيم للناجين من الزلزال في جنديرس بشمال سوريا (رويترز)
مخيم للناجين من الزلزال في جنديرس بشمال سوريا (رويترز)

يسير أحمد الخطيب وسط الشوارع المزدحمة في بلدة جنديرس، ويشاهد على جنباتها دماراً واضحاً، رغم مرور نحو عام على زلزال مدمر ضرب جنوب تركيا وأجزاء من سوريا ولبنان منذ عام. «حين أرى هذه الأبنية أتذكر الزلزال وكأنه حصل للتو»، يقول الشاب البالغ من العمر 32 عاماً لـ«الشرق الأوسط».

أزالت فرق الدفاع المدني ومنظمات إنسانية معظم الركام الذي خلفه الزلزال من دمار طاول نحو 10 آلاف و600 مبنى في شمال غربي سوريا، لكن القليل الذي تبقى لا يزال يحفظ المشهد الذي رآه الناس فجر السادس من فبراير (شباط) 2023.

«أتذكر الناس الذين فقدتهم ومشاهد الجثث المعلقة على المباني»، يقول أحمد متحدثاً عن أصدقائه وبعض أقاربه الذين قضوا بين أكثر من 4500 آخرين بسبب الزلزال وتحت الأنقاض.

خوف مقيم

لم يشعر أحمد بالاهتزازات العنيفة إلا بعد فوات الأوان. فقد كان نائماً مع عائلته في الساعة 4:17 فجراً، عندما امتد الزلزال البالغة شدته 7.8 على مقياس ريختر من مركزه في محافظة كهرمان مرعش التركية إلى بلدة جنديرس في ريف حلب الشمالي حيث يقيم.

انهار مبنى مجاور على سقف بيته، حيث عَلِق مع زوجته وأطفاله الثلاثة مدة نصف ساعة قبل أن تصل فرق الدفاع المدني لإنقاذهم، فيما الأطفال يرتجفون من البرد الشديد. ويقول «كان موقفاً مرعباً للغاية».

أقام أحمد في خيمة ضمن مخيم أقيم على عجل لإيواء المتضررين من الزلزال، وعندما التقيناه لم تكن مضت أسابيع قليلة فقط على انتهائه من بناء جدران لحمايته وعائلته من أمطار الشتاء، فيما أبقى على السقف المصنوع من النايلون، بوصفه إجراء للسلامة. ويقول: «حصلت هزة ارتدادية قبل عدة أيام فسارعت بالخروج مع أطفالي، الناس سخرت مني، ولكني قلت لهم حتى وإن كان جداراً بسيطاً لكن في حال انهار قد يقتل أحد الأطفال».

مرت مئات الهزات الارتدادية على المنطقة منذ الزلزال، بلغ أشدها 6 درجات، بينما كانت غالبيتها اهتزازات بسيطة، ورغم أنها لم تحدث أضراراً تذكر فإن سكان المنطقة ما زالوا يتأهبون ويشعرون بالخوف والقلق عند شعورهم بأي منها.

يعتمد أحمد على إحساسه في تتبع الهزات الارتدادية، رافضاً متابعة تطبيقات التحذير من الزلازل، والتي انتشر استخدامها بين السكان، لاعتقاده بأنها غير مجدية، بينما يبقى في حالة للتأهب المستمر، «الخوف ما زال قائماً، وحتى الآن أعرف الكثيرين ممن رفضوا البقاء في منازلهم واختاروا الخيمة لأمانها».

لا أعمدة كافية

أمام منزل بسيط، أقامت فاطمة عمر (68 عاماً) مع زوجها في خيمة خلال الأشهر الماضية، «نحن مقيمون هنا، ولكنني أعود إلى المنزل لقضاء حوائجي فأطبخ وأعود إلى هنا».

قالت فاطمة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تشعر بالأمان في منزلها الذي تعرض لبعض الأضرار خلال الزلزال، على الرغم من عمليات الترميم التي قاموا بها، «لا نجرؤ على الإقامة فيه. فهو يحتاج لأعمدة دعم».

وأدى ضيق الحال وعدم إتمام عمليات الترميم ونقص المساعدات التي حصل عليها المتضررون من الزلزال عموماً، إلى منع كثيرين من العودة لمنازلهم، وهم لا يعلمون إن كانوا سيشعرون بالأمان فيها أصلاً.

النوم ضمن الخيمة التي لا تحمي من برد أو قيظ يمثل عذاباً متجدداً لمئات آلاف من السوريين، وبالنسبة لفاطمة وزوجها البالغ من العمر 75 عاماً يزداد الأمر سوءاً يوماً بعد يوم، لكن الخوف من الزلزال عذابه أشد بالنسبة إليهم.

تخشى فاطمة من تكرار اللحظات العصيبة التي عاشتها العام المنصرم، عندما تشققت الجدران وسدت الخزانة الباب، وبعد تمكنها من الهرب اكتشفت أن جارتها توفيت بفعل جدار وقع عليها وتقول: «لسنا مرتاحين بالخيمة، ولكننا ننام بها بسبب الخوف، ولا نملك سوى أن نحمد الله على أننا لسنا في العراء».

هزات لا تتوقف

ويقول الجيولوجي علي الشاعر إن الهزات الارتدادية لن تتوقف؛ لأن سوريا تقع في منطقة غير مستقرة من الصفيحة العربية، «هي منطقة حركة دائمة وكانت الهزات موجودة قبل الزلزال وبعده». ولكن بعض الهزات بدرجات ضئيلة جداً بحيث لا يشعر بها. وبعد الدقائق الأولى لانقضاء الهزات القوية قام الشاعر بتفحص منزله بحثاً عن أي تصدعات، ويقول: «لم أر أي أثر جديد فعدت للنوم».

إن لم تحمل المنازل آثاراً للتصدعات بعد الزلزال فإنها قادرة على تحمل الهزات الارتدادية، بحسب رأي الشاعر، ولكنه نصح بدوام مراقبة الأساسات، وبتحديد مكان آمن ضمن المنزل للجوء إليه في حال حدوث هزات قوية.


مقالات ذات صلة

لم تحدث منذ 40 عاماً... هزات أرضية تثير الذعر جنوب إيطاليا

أوروبا مواطنون يتجمعون في منطقة آمنة بالشارع على الواجهة البحرية بين نابولي وبوزولي بعد وقوع زلزال (د.ب.أ)

لم تحدث منذ 40 عاماً... هزات أرضية تثير الذعر جنوب إيطاليا

سجّلت عشرات الهزات الأرضية بدرجات غير مسبوقة منذ 40 عاماً في كامبي فليغري قرب نابولي بجنوب إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (روما)
تكنولوجيا يطور العلماء الأدوات الأساسية لإجراء تقييمات مخاطر الفيضانات الناجمة عن الأعاصير في المدن الساحلية للعقود الحالية والمستقبلية (شاترستوك)

استخدام الفيزياء للتنبؤ بالفيضانات الساحلية الناجمة عن العواصف

طور علماء أميركيون طريقة رائدة تعتمد على الفيزياء للتنبؤ بالفيضانات في المناطق الساحلية الناجمة عن الأعاصير المتطورة.

نسيم رمضان (لندن)
آسيا فندق مائل بفعل الزلازل في هولين بتايوان 23 أبريل (نيسان) 2024 (أ.ف.ب)

10 زلازل متتالية تضرب تايوان أقواها بدرجة 6.1

ضربت 10 هزّات على الأقلّ تايوان في الساعات الأولى من صباح السبت، بالتوقيت المحلي، بلغ أقواها 6.1 درجة على مقياس ريختر.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
شؤون إقليمية شخص ينظر إلى الأنقاض والحطام بعد زلزال في كهرمان مرعش، تركيا 8 فبراير 2023 (رويترز)

زلزال بقوة 5.6 درجة يهز إقليم توكات التركي

قالت إدارة الكوارث والطوارئ التركية (أفاد) إن زلزالاً بقوة 5.6 درجة هزَّ إقليم توكات بشمال تركيا، اليوم (الخميس).

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
آسيا صورة من مدينة نوتو بمحافظة إيشيكاوا اليابانية  بعد 3 أشهر من وقوع زلزال بلغت شدته 7,5 درجات (أرشيفية - أ.ف.ب)

ثمانية جرحى في زلزال بقوة 6.3 درجات ضرب غرب اليابان

أصيب ثمانية أشخاص بجروح طفيفة من جراء زلزال بقوة 6,3 درجات ضرب ليل الأربعاء جنوب غرب اليابان من دون أن يتسبب بصدور تحذير من خطر حدوث تسونامي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

تجميد واشنطن شحنة سلاح لإسرائيل... نقطة في بحر المساعدات

لافتة كُتب عليها «1500 طفل قُتلوا بقذائف أميركية» رُفعت خلال مظاهرة لإحياء يوم النكبة في ولاية تكساس الأميركية (إ.ب.أ)
لافتة كُتب عليها «1500 طفل قُتلوا بقذائف أميركية» رُفعت خلال مظاهرة لإحياء يوم النكبة في ولاية تكساس الأميركية (إ.ب.أ)
TT

تجميد واشنطن شحنة سلاح لإسرائيل... نقطة في بحر المساعدات

لافتة كُتب عليها «1500 طفل قُتلوا بقذائف أميركية» رُفعت خلال مظاهرة لإحياء يوم النكبة في ولاية تكساس الأميركية (إ.ب.أ)
لافتة كُتب عليها «1500 طفل قُتلوا بقذائف أميركية» رُفعت خلال مظاهرة لإحياء يوم النكبة في ولاية تكساس الأميركية (إ.ب.أ)

استُقبل قرار إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تجميد شحنة قنابل ثقيلة لإسرائيل مطلع الشهر الحالي بموجة ترحيب وتهليل من الداعين إلى تغيير سياسة الدعم الأميركية لإسرائيل. لكن هذه الشحنة ليست إلا قطرة في بحر المساعدات الأميركية لتل أبيب التي تتصدر لائحة البلدان المتلقية هذه المساعدات، كما أنها لا تشمل إلا جزءاً بسيطاً من أسلحة هجومية تخشى الإدارة أن تستعملها إسرائيل في عملية رفح، مقابل الإبقاء التام على الأسلحة الدفاعية التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل ولا يشملها قرار التجميد. وهذا تحديداً ما تحدث عنه بايدن قائلاً: «لقد أوضحت أنهم إذا دخلوا رفح، فلن أزوّدهم بالأسلحة التي استخدمت تاريخياً للتعامل مع رفح». لكنّه سرعان ما استدرك موضحاً في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» بأن بلاده ستستمر في تقديم أسلحة دفاعية لإسرائيل، وأن التجميد يتعلق بجزئية رفح فقال: «سنواصل التأكد من أن إسرائيل آمنة في ما يتعلق بالقبة الحديدية، وقدرتها على الرد على الهجمات التي انطلقت من الشرق الأوسط».

والولايات المتحدة هي أكبر مصدّر للأسلحة في العالم. نفوذ تعتمد عليه للحفاظ على مكانتها كقوة عظمى توفّر سلاحاً قيّماً من خلال صفقات أسلحة دورية وباهظة الثمن من جهة، وتقديم مساعدات عسكرية لبلدان تحتاج إلى دعمها من جهة أخرى.

لكن هذه القوة مثيرة للجدل. فلطالما ارتبط النفوذ الأميركي بترويج الولايات المتحدة للديمقراطية، لتفرض الإدارات المتعاقبة على بعض البلدان شروطاً كثيرة مقابل تقديم هذه المساعدات والأسلحة والتساهل في تطبيقها مع بلدان أخرى؛ ما طرح تساؤلات حول ازدواجية المعايير الأميركية فيما يتعلق بإسرائيل.

وجاءت حرب غزة، التي تزامنت مع سباق انتخابي محتدم بين الرئيس الحالي جو بايدن وسلفه دونالد ترمب، لتدفع بقاطن البيت الأبيض إلى اتخاذ خطوة نادرة زعزعت العلاقة مع حليف الولايات المتحدة التاريخي: تجميد شحنة قنابل لتل أبيب تخوفاً من اجتياح رفح، في قرار واجه ردود فعل متفاوتة في الأوساط السياسية، من مرحّب بتطبيق الشروط الأميركية للضغط على إسرائيل للحد من سقوط الضحايا المدنيين، إلى مندّد بالتسبب بإيذاء العلاقات التاريخية بين البلدين.

 

رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون متحدثاً في مؤتمر صحافي لحث مجلس الشيوخ على الموافقة على قانون دعم المساعدة الأمنية لإسرائيل (إ.ب.أ)

سياسة «الشيك على بياض»

معلوم أن إسرائيل تتمتع بمكانة بارزة في سلم المساعدات الأميركية؛ إذ تتصدر لائحة المساعدات الخارجية منذ الحرب العالمية الثانية. فبحسب أرقام لمجلس العلاقات الخارجية، حصلت تل أبيب على أكثر من 300 مليار دولار من الولايات المتحدة منذ العام 1946، منها أكثر من 220 مليار دولار من المساعدات العسكرية.

ولا يقتصر الدعم الأميركي الواسع النطاق لإسرائيل على حزب دون الآخر، بل يتساوى فيه الديمقراطيون والجمهوريون. وكان الكونغرس خصص مبلغاً يتراوح بين 3 مليارات و4 مليارات سنوياً لإسرائيل منذ العام 1970 ضمن المخصصات المالية العسكرية التي يقرّها المجلس التشريعي، ليصل المبلغ إلى ذروته الشهر الماضي مع إقرار مبلغ 15 مليار في إطار الدعم الأميركي لإسرائيل في حرب غزة، وهو مبلغ، بحسب مجلس العلاقات الخارجية، يتخطى أي تمويل فردي لتل أبيب منذ 50 عاماً.

لكن الطريق لم تكن سهلة أمام إقرار المبلغ المطلوب من قِبل الإدارة، فقد اصطدم بحائط التجاذبات الحزبية في موسم انتخابي حامٍ، فسعى عدد صغير من الجمهوريين والديمقراطيين إلى عرقلته لأسباب مختلفة. من جهة، طالبت الأقلية الجمهورية بالتركيز على الأزمات الداخلية الأميركية، كالهجرة على سبيل المثال، بينما عارض بعض الديمقراطيين التقدميين المبلغ بسبب انتهاكات إسرائيل حقوق الإنسان من جهة أخرى.

وسرعان ما هبّ صقور الجمهوريين للتصدي لهذه المساعي المعرقلة لإقرار التمويل، فأحبطوها وتم إقرار القانون بأغلبية أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب في أبريل (نيسان) 2024، ليوقّع عليها بايدن وتصبح قانوناً ساري المفعول.

سوابق تاريخية

صحيح أنه بمجرد أن أعلنت إدارة بايدن عن تجميد شحنة الأسلحة، انهال الجمهوريون بوابل الانتقادات متهمين الإدارة الديمقراطية بالانحياز ضد تل أبيب، وإلى أن مسيرة الديمقراطيين أدت إلى تأزم العلاقات مع حليف الولايات المتحدة التاريخي في المنطقة، لكن الأدلة تقول غير ذلك. فإدارة الرئيس السابق باراك أوباما الديمقراطية هي التي وقّعت مذكرة التفاهم التاريخية مع إسرائيل في العام 2016 التي تعهدت بتخصيص 38 مليار دولار لتل أبيب على مدى 10 أعوام بدءاً من العام 2018.

كما أن الإدارات الجمهورية، وليست الديمقراطية هي التي سبق وأن فرضت قيوداً على إسرائيل بسبب انتهاكها الأعراف الدولية، بدءاً من إدارة رونالد ريغان في العام 1981 والتي جمّدت تسليم مقاتلات «F-16» أميركية لإسرائيل لمدة شهرين بعد أن قصفت مفاعلاً نووياً في العراق. وبعد ذلك بعام، في يوليو (تموز) 1982 جمّد ريغان شحنة من القذائف العنقودية لتل أبيب بعد أن استعملتها إسرائيل خلال اجتياح لبنان.

ولم يكن ريغان الرئيس الجمهوري الوحيد الذي اتخذ خطوات من هذا النوع، ففي مارس (آذار) 1992 أجّل جورج بوش الأب تسليم ديون بقيمة 10 مليارات دولار لإسرائيل بسبب مخاوف من مضي إسرائيل قدماً في خطط بناء مستوطنات في الضفة الغربية.

وحول ذلك، يقول كبير المستشارين العسكريين السابق في وزارة الخارجية الأميركية العقيد المتقاعد عباس دهوك: «قانون المساعدات الخارجية وقانون تصدير السلاح يوفران شروطاً واضحة، لكن التطبيق يعتمد على سياسات الإدارة داخلياً وخارجياً. واستعمال المساعدات العسكرية أداةً سياسية هي تقليد قديم في السياسة الخارجية الأميركية تتخطى التعامل مع إسرائيل».

لكن هذه المرة، جاء قرار التجميد كمفاجأة للداعمين والرافضين له على حد سواء.

فلم تمر أيام قليلة على التوقيع حتى أعلنت إدارة الرئيس الأميركي، رداً على تسريبات صحافية، بأنها قررت تجميد إرسال شحنة من الأسلحة لإسرائيل. ويتحدث جون ألترمان، المسؤول السابق في وزارة الخارجية ومدير برنامج الشرق الأوسط في معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية، عن هذا القرار، فيقول في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن «تجميد شحنة الأسلحة المؤلفة من قنابل قوية هي امتداد منطقي للجهود الأميركية التي بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) لتغيير طريقة تفكير إسرائيل بهذه الحرب». ويضيف ألترمان: «منذ البداية حاول المسؤولون الأميركيون التشديد لإسرائيل بأنه ليس هناك حل عسكري بحت للصراع مع (حماس)، وعليها أن تفكر في حماية المدنيين الفلسطينيين لأنهم سيكونون أساس حكومة ما بعد الحرب. إن القلق بشأن تسليم القنابل هو أنها ستتسبب على الأرجح بضرر واسع النطاق لجهود إسرائيل في ضرب قادة (حماس)؛ وهو ما تعتقد الولايات المتحدة أنه سيضر بمصلحة كل من إسرائيل وأميركا». واعتبر ألترمان أن خطوة بايدن «هي بداية التغيير في السياسة الأميركية وقد تؤدي إلى بداية تغيير في السياسة الإسرائيلية».

في المقابل، لفت دهوك إلى أن القرار «نابع من دوافع سياسية بحتة»، وقال دهوك لـ«الشرق الأوسط»: «إدارة بايدن تتعرض لضغوط شديدة من الجمهوريين والديمقراطيين والناخبين الأميركيين وطلاب الجامعات لتمارس نفوذها على حكومة نتنياهو. وهذه الخطوة تعكس تقليداً قديماً في السياسة الخارجية الأميركية، حيث يتم استعمال المساعدات العسكرية كأداة سياسية».

وبالفعل، هذا ما تعول عليه الإدارة التي أكدت أنها ملتزمة بالقوانين الأميركية، وأن الأسلحة المجمدة لا تشمل أي أسلحة دفاعية، التزاماً بما يعرف بـ«قانون لايهي» الذي أقرّه الكونغرس في العام 1997، وتحسباً لتقرير مرتقب للكونغرس بناء على مذكرة تفاهم رئاسية أقرها بايدن في فبراير (شباط) 2024 عُرفت باسم «NSM-20».

موظفون في الكابيتول يرفعون لافتة للمطالبة بـ«إنقاذ رفح» قُبيل التصويت على قانون تجميد صفقة السلاح لإسرائيل (أ.ف.ب)

مذكرة الأمن القومي رقم 20

لم يأتِ قرار الإدارة بالتجميد، رغم ندرته، من فراغ، بل تزامن مع موعد تسليم الإدارة لتقريرها الملزم قانونياً إلى الكونغرس، بحكم المذكرة الرئاسية التي أقرّها بايدن في 8 فبراير 2024، وتعطي هذه المذكرة الرئاسية، التي تتمتع بصلاحيات قانونية، وزير الخارجية الأميركي فترة 45 يوماً لتوفير «ضمانات مكتوبة موثوقة وذات مصداقية» من حكومات الدول الأجنبية التي تحصل على مساعدات عسكرية أميركية والتي تواجه صراعات حالية كإسرائيل وأوكرانيا. وعلى هذه الضمانات أن تشمل تعهدات بأنها تستعمل المساعدات العسكرية بالتوافق مع القوانين الدولية الإنسانية وقوانين حقوق الإنسان.

وفي حال فشلت هذه الحكومات في تقديم التعهدات المذكورة في الوقت المطلوب، يتم تجميد هذه المساعدات العسكرية باستثناء أنظمة الدفاع الجوي وأسلحة دفاعية أخرى، وهو ما فعلته إدارة بايدن جزئياً مع إسرائيل، بعد أن خلصت في تقريرها إلى أن الأدلة غير كافية بشأن انتهاك إسرائيل لقواعد استعمال الأسلحة الأميركي.

ويوافق كبير الموظفين السابق في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب جايسون ستاينبوم على مقاربة بايدن في هذه الإطار، فيقول لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل لديها «حق الدفاع عن نفسها لتدمير (حماس)، لكن لديها أيضاً واجب الحد من وقوع الضحايا المدنيين على قدر المستطاع والسماح بمرور المساعدات الإنسانية، وهي لم تقم بهذا بالشكل الكافي، والرئيس بايدن محق في وضع شروط على المساعدات العسكرية الهجومية لإسرائيل على ضوء تصرفاتها في رفح ومع المدنيين في غزة».

يرى بعض المنتقدين أن هذه المذكرة التي أقرّها بايدن لم تكن سوى أداة سياسية وظفها الرئيس الأميركي لاسترضاء الشق التقديم من حزبه والذي يعارض سياسته في حرب غزة، ويشير هؤلاء إلى وجود قوانين أميركية كقانون المساعدات الخارجية وقانون لايهي الذي يحتوي فعلياً على الشروط نفسها.

قانون لايهي

في العام 2017 كتب السيناتور الديمقراطي حينها باتريك لايهي مشروع قانون يحُول دون تقديم مساعدات عسكرية للوحدات الأمنية في دول أجنبية تنتهك حقوق الإنسان، ليقرّه الكونغرس في إطار قانون المساعدات الخارجية. فبالنسبة للسيناتور عن ولاية فيرمونت، الذي خدم في الكونغرس منذ العام 1975 وتقاعد في 2023 عن عمر يناهز 81 عاماً، يحرص قانونه على «وقف المساعدات الأميركية عندما تكون هناك أدلة واضحة وموثوق بها عن انتهاكات لحقوق الانسان»، لكن القانون يعطي الصلاحية للإدارة الأميركية بتخطيه «للسماح بتقديم أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة في هذه البلدان».ويقول ستاينبوم إن القانون لا ينطبق على مبيعات الأسلحة، ويشرح قائلاً: «إن تطبيق قانون لايهي معقد؛ فالقانون يشمل الأسلحة ضمن المساعدات الأميركية، لكن الأسلحة الاخرى التي باعتها أميركا لإسرائيل لا تقع ضمن القانون المذكور. إذن، سيتطلب نظر الحكومة الأميركية في الانتهاكات المتعلقة بالقانون وقتاً طويلاً». مضيفاً: «إن فرض شروط على تسليم الأسلحة هي إشارة تدل على خلاف جدي بين البلدين اللذين عادة ما يسعيان جاهدين إلى عدم إظهار خلافاتهما إلى العلن».

وساهم السيناتور لايهي المخضرم في رسم صورة جديدة للمساعدات الأميركية وتاريخها الطويل الذي مرّ بمراحل كثيرة منذ سعيها إلى تغيير مسار الأنظمة الشيوعية خلال الحرب الباردة، مروراً بالتصدي للاتجار بالمخدرات في التسعينات ووصولاً إلى مواجهة الأفكار المعادية للغرب في الأعوام اللاحقة. فالولايات المتحدة هي من البلدان الأبرز التي تقدم مساعدات عسكرية خارجية وتوفر تدريبات عسكرية للجيوش وقوى الأمن الاجنبية، ففي العام 2012 على سبيل المثال، وصلت النفقات الأميركية على برامج من هذا النوع إلى أكثر من 25 مليار دولار قدمتها لنحو 100 بلد حول العالم.

ويقول ألترمان رداً على الاتهامات لأميركا بازدواجية المعايير في تطبيق الشروط على تسليم الأسلحة: «هناك قيود قانونية على المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة وبعض الاستثناءات التي تسمح للرئيس بالتصرف في بعض القضايا لتقديم مصلحة الأمن القومي، حتى إن لم يتم احترام الشروط المذكورة. بشكل عام، إن حافز الولايات المتحدة هو تقديم المصالح القومية».

 

هل تتأثر عملية رفح؟

أطفال فلسطينيون يتفقدون مكان قذيفة إسرائيلية في رفح (أ.ف.ب)

وفي خضم الجدل الدائر حول السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، وتجميد شحنة القنابل في مساعي للضغط على تل أبيب للتراجع عن اجتياح رفح، يقول ألترمان: «لعقود تصرفت الولايات المتحدة على افتراض أن إسرائيل تعيش في بيئة تهديد خطيرة، وأن لديها فهماً جيداً للتهديدات التي تواجهها وقدرة مستقلة قوية للتصدي لهذه التهديدات. كما كان هناك تصور بأنه إذا شعرت إسرائيل بالأمان فستكون قادرة على تقديم تنازلات للسلام، لكن عندما تشعر بالتهديد فمن المستبعد ان تقوم بذلك».

واعتبر ألترمان أنه فيما يتعلق برفح، فإن الطرفين الأميركي والإسرائيلي لا يتوقعان أن خطوة الادارة هذه سوف تؤدي إلى تغيير فوري في خطط إسرائيل.ويوافق دهوك مع هذا التقييم مشيراً إلى أنه ورغم أن قرار بايدن بتجميد شحنة الذخيرة خلق انتقادات سياسية بسبب الضغوط الداخلية فان التأثير المباشر على العمليات في رفح هو بسيط جداً، مضيفاً: «الجيش الإسرائيلي يملك طرقاً بديلة لشن مهامه العسكرية ويستفيد من توجيهات الجيش الأميركي للحد من الخسائر في الارواح والممتلكات من الطرفين».

أما ستاينبوم فيعتبر أن «إسرائيل بلد مستقل وستقوم بما تعتقد أنه ضروري لحماية أمنها القومي»، مشيراً إلى أنها تجاوبت مع بعض المطالب الأميركية عبر السماح بدخول بعض المساعدات الانسانية لغزة «لكن لا يبدو أن هذه القيود المحدودة على الأسلحة الأميركية أدت بشكل جدي إلى تغيير مقاربة إسرائيل فيما يتعلق برفح»، على حد تعبيره.