السعودية... نموذج فريد بين توارث العرش وولاية العهد

«الشرق الأوسط» ترصد تحولات اليوم الوطني... بين «عيد الجلوس» و«العيد الوطني»

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن
الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن
TT

السعودية... نموذج فريد بين توارث العرش وولاية العهد

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن
الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن

إن المتأمل في رؤية الملك عبد العزيز لبناء الدولة وإرثه السياسي والدستوري ومدرسته في مناهج الحكم وإدارة الدولة، يدرك أن كل ذلك كان كفيلاً بجعل الملك عبد العزيز يغمض عينيه مطمئناً على دولة سيحافظ عليها من بعده أبناؤه، خريجو مدرسته، وأمناء إرثه، وورثة حكمه، فكيف به لو أدرك طلائع منجزات أحفاده التي أدركنا؟

لكن تأريخ ذلك الإرث ودراسته لم ينل كامل حقه من البحث والتدوين والرصد والتوثيق والتحليل! كما أسهمت فوضى وسائل التواصل ومنصات الاتصال في تأصل مفاهيم غير دقيقة تتصل بجوانب عدة من التاريخ السعودي الحديث، علاوة على وجود نظريات ومقولات يجانب معظمها الصواب، خاصة ما يتعلق بتاريخ الدولة السعودية عموماً وأسسها الدستورية وطبيعة أنظمتها وخلفياتها وأعرافها وتقاليدها وقواعد عملها النظامية والقانونية خصوصاً.

المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن

كما أن نُدرة الدراسات والبحوث التي تتناول، وبعمق جوانب مهمة مثل الجوانب «الدستورية» من التاريخ السعودي وشح المعلومات المتصلة بها تُصعّب من مهمة الباحثين، وقد يكون مفهوماً حساسية بعض المعلومات المرتبطة بانتقال السلطة والبيعة، أو ما يعرف بـ«توارث العرش» في دساتير بعض الدول مع إيضاح الفرق بين المصطلحين، والمتعلقة بأهم منصبين في المملكة العربية السعودية (الملك وولي العهد)، والتي يصف الحديث عنها الفقيه الدستوري السعودي الدكتور إبراهيم الحديثي: «أنه يقترب من الخطوط الحمراء التي تعودنا ألا نقترب منها في السعودية؛ نظراً لحساسيتها، ولأنها قد تفسر تفسيرات غير التي يقصدها الباحث»، لكن غير المفهوم هو ندرة الدراسات التي تتناول جوانب تاريخية أخرى كتاريخ اليوم الوطني، أو تاريخ العَلم السعودي، أو توثيق بعض الحوادث والقرارات التاريخية المهمة.

من هذا المنطلق أتى هذا البحث ليسهم في إلقاء الضوء على جوانب من تاريخ المملكة العربية السعودية، وليوثق مراحل التطورات الدستورية التي مرّت بأحد أهم عوامل الاستقرار السعودية (انتقال الحكم)، وارتباط ذلك باليوم الوطني، كما رصد وبالتفصيل تاريخ الأيام الوطنية السعودية وصور طرق الاحتفال بها، وتناول بعض التفصيلات المتعلقة بتاريخ البيعة في السعودية، وشهودها وأماكن انعقادها وأولياتها؛ كونها «الخطوة الأولى لممارسة الحكم في المملكة العربية السعودية»، وفقاً لوصف الحديثي.

وجاء هذا الموضوع ليُسهم في تعريف الأجيال السعودية بصفحات لم تنل حقها من البحث والتدوين في تاريخهم الوطني، وليساعد في الإجابة عن تساؤلات كثير من المراقبين والمحللين حول العالم عن السر وراء سلاسة انتقال السلطة في المملكة العربية السعودية؟

لأن موضوع انتقال السلطة يعدّ تطبيقياً من المراحل الحرجة حتى في أبرز الديموقراطيات، بينما أثبتت التجربة السعودية صلابتها وأكدت على استقرار الحكم وسلاسة انتقال السلطة، وجرى انتقال السلطة منذ وفاة الملك المؤسس وحتى اليوم بكل سلاسة ودون حدوث ما يوصف في الدساتير بـ«فراغ السلطة»، رغم أن عملية انتقال الحكم لم تأتِ كلها في ظروف طبيعة؛ بل أتى بعضها في ظروف بالغة الدقة، كما كان الحال عند تولي الملك فيصل (1384هـ - 1964م)، وكذلك الملك خالد (1395هـ - 1975م)، مقاليد الحكم.

الإمام عبد الرحمن الفيصل

الإمام يبايع ابنه عبد العزيز

بعد استرداد الملك عبد العزيز الرياض في شوال 1319هـ الموافق يناير (كانون الثاني) 1902م وبدء تحركاته لضم أقاليم نجد، عاد والده الإمام عبد الرحمن إلى عاصمة حُكمه التي غادرها قبل إحدى عشرة سنة، معلناً تنازله عن الإمارة لابنه عبد العزيز، يقول المؤرخ والدبلوماسي خير الدين الزركلي: «وفي اجتماع عام حضره علماء الرياض وكبراؤها في باحة المسجد الكبير بالرياض (جامع الإمام تركي بن عبد الله الآن)، بعد صلاة الجمعة أعلن الإمام عبد الرحمن نزوله عما له من حقوق في الإمارة، لكبير أبنائه عبد العزيز، وأهدى إليه سيف سعود الكبير.....، وبذلك تمت البيعة الأولى لعبد العزيز في سنة 1320هـ الموافق 1902م».

لكن الزركلي وأكثر المصادر الأخرى التي أشارت إلى تلك البيعة لم تحدد تاريخ ذلك اليوم والشهر، وإن كانت بعض المصادر، خاصة الأجنبية كالباحث والمؤرخ الروسي أليكسي فاسيليف وغيره، قد أشارت إلى أنه في منتصف ذلك العام (بين شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران).

صورة قديمة للرياض وتبدو مئذنة الجامع الذي تمت فيه مبايعة الملك عبد العزيز عام 1902

ولأهمية ذلك اليوم في تاريخنا الوطني؛ رصد هذا البحث أهم المصادر التي تطرقت إلى خروج الإمام عبد الرحمن من الكويت، ووجد إشارة مهمة أوردها حسين خلف الشيخ خزعل في الجزء الثاني من كتابه «تاريخ الكويت السياسي»، كما جاءت في بحث بعنوان «الدور السياسي للإمام عبد الرحمن الفيصل» للدكتور سطام بن غانم الحربي، وهذه المعلومة ومن خلال الوثائق تذكر، أن الإمام عبد الرحمن غادر الكويت يوم 19 مايو 1902م في طريقه إلى الرياض. وإذا عرفنا أن الرحلة بين الرياض والكويت تستغرق بين 12 و14 يوماً على ظهور الإبل فيكون وصول الإمام للرياض في أوائل شهر يونيو، وبهذا ينحصر بحثنا في ذلك الشهر، وأول جمعة تلي تاريخ وصول الإمام عبد الرحمن للرياض يكون تاريخها 6 يونيو 1902م الموافق 30 صفر 1320هـ وهذا هو التاريخ الذي أرجحه، مع احتمال أن يكون أحد الجمع التالية خلال شهر يونيو 1902م ــــــ ربيع الأول 1320هـ.

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن

عبد العزيز ملكاً

بعد ذلك التاريخ بنحو 22 عاماً، استطاع الملك المؤسس أن يوحّد تحت رايته أقاليم متعددة من الجزيرة العربية، دخل الملك عبد العزيز مكة المكرمة يوم 7 جمادى الأولى 1343هـ الموافق 4 ديسمبر (كانون الأول) 1924م، وكان لقبه الرسمي وقتذاك «سلطان نجد وملحقاتها»، وعندما أتم ضم الحجاز، نُشر بلاغ عام مؤرخ في يوم 22 جمادى الآخرة 1344هـ الموافق 7 يناير 1926م، ومذيلٌ باسم عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل (السعود) مجرد من أي لقب، وملخصه أن أهل الحجاز طلبوا منه أن يمنحهم حريتهم في تقرير مصير بلادهم كما وعدهم، فلم يسعه أمام طلباتهم المتكررة إلا أن يمنحهم ذلك، وبعد نشر ذلك البلاغ رفع أهل الحل والعقد في مملكة الحجاز كتاب البيعة لـ«عظمة السلطان عبد العزيز».

وبعد صلاة الجمعة من يوم 23 جمادى الآخرة 1344هـ الموافق 8 يناير 1926م، بايع أعيان الحجاز وعلماء البلد الحرام وجموع الأهلين الملك عبد العزيز ملكاً على الحجاز، مع الإشارة إلى أن الملك عبد العزيز لم يتَسَمّ ملكاً إلا حينما بويع ملكاً على الحجاز، وحمل قبل ذلك ألقاباً عدة، منها: أمير نجد ورئيس عشائرها في بداية التكوين السياسي للدولة، ثم سلطان نجد وملحقاتها بعد ضم الأحساء وعسير، ثم ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها بعد ضم الحجاز، ثم ملك الحجاز ونجد وملحقاتها بعد تحول نجد مملكة، لكن الأهم أن تلك البيعة التي تمت قبل أكثر من مائة عام كانت لحظة تاريخية فارقة.

وأقيمت مراسمها داخل المسجد الحرام، وتحديداً عند باب الصفا، أحد أكبر الأبواب وقتئذ وتعتليه قبة تحفها النقوش والزخارف الإسلامية، ويحتوي على خمسة منافذ للدخول والخروج، ويعدّ البوابة الرئيسية في الجهة الجنوبية من الحرم ويؤدي إلى شارع الصفا، ثم إلى جبل الصفا حيث بداية السعي. أقيمت مراسم البيعة نحو الساعة الواحدة والربع ظهراً وتلا الشيخ عبد الملك مرداد، إمام وخطيب المسجد الحرام، نص البيعة وأطلقت المدافع «مائة مدفع ومدفع»، ثم توافد الناس أفواجاً أفواجاً لمبايعة الملك، وتزامن معها بيعة أهالي مدن الحجاز في المدينة المنورة، والطائف، وجدة، وينبع، والوجه، وظبا والعلا، وغيرها من البلدات، حيث تلقى أمراء المدن والبلدات البيعة نيابةً عن الملك.

باب الصفا

كانت تلك المناسبة التاريخية هي المرة الأولى التي يحمل فيها أحد حكام الدولة السعودية في أيٍ من مراحلها الثلاثة لقب «ملك»، وأول بيعة ملكية سعودية تستخدم فيها البرقية وسيلةَ مبايعة وتنشر الصحف وتتناقل وسائل الإعلام الخارجية أخبارها.

عيد الجلوس الملكي

وبعد مرور عام على تلك المبايعة، أصدر مجلس الشورى قراراً بتاريخ 16 جمادى الآخرة 1345هـ الموافق 22 ديسمبر 1926م «برفع استعطاف للملك عبد العزيز يطلب موافقته على جعل يوم مبايعته ملكاً على الحجاز يوماً وطنياً تحيي الأمة ذكراه سنة بعد سنة»، لكن الملك عبد العزيز لم يوافق على ذلك الاستعطاف.

ولإيمان أعضاء المجلس بالفكرة وقناعتهم بها لم ييأسوا؛ فحشدوا التماسات من الأهالي والهيئات الرسمية ورفعوا معها استعطافاً آخر في 9 رمضان 1347هـ الموافق 18 فبراير (شباط) 1929م، راجين من الملك ألا يخيّب رجاءهم في إقرار يوم مبايعته في السابع عشر من برج الجدي الموافق للثامن من يناير من كل عام «عيداً وطنياً» وصدرت موافقة الملك عبد العزيز على ذلك يوم 7 ربيع الثاني 1348هـ الموافق 10 سبتمبر (أيلول) 1929م، وأصدر نائب جلالة الملك في الحجاز الأمر بشأن مراسم عيد الجلوس الملكي في الأول من جمادى الآخرة من عام 1348هـ الموافق 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1929م، بالنص الآتي:

«النائب العام لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم:

بعد الاطلاع على قرار مجلس الشورى الموقّر رقم 64 تاريخ 16 جمادى الثانية سنة 1345 ورقم 257 تاريخ 9 رمضان سنة 1347.

وبما أن حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم قد تفضل بإصدار موافقته الكريمة على إجازة الاستعطاف المرفوع إلى مقامه الملوكي، بتاريخ 7 ربيع الثاني برفق القرارين المذكورين بشأن مراسم عيد الجلوس الملكي، يأمر بما يلي:

المادة الأولى: يعتبر اليوم الذي يوافق اليوم السابع عشر من برج الجدي من كل سنة عيداً وطنياً تعيده البلاد لإحياء (ذكرى) الجلوس الملكي.

المادة الثانية: تعطّل دوائر الحكومة الرسمية في ذلك اليوم، وتجري فيه مراسيم المعايدة وتطلق المدافع 21 طلقة.

المادة الثالثة: يصادف العيد الأول لعامنا الحالي في اليوم الثامن من شعبان سنة 1348».

الطوابع البريدية احتفالاً بعيد الجلوس

ويلاحظ هنا استخدام كلمة «العيد الوطني» بهذا اللفظ وتكراره في البيانات والأخبار الرسمية؛ بل وحتى في القصائد التي نُظمت في تلك المناسبة. وقد شُكلت «لجنة تنظيم الاحتفال بعيد جلوس جلالة الملك»، انبثق عنها لجان فرعية، وقد نُشرت أخبارٌ وتغطيات عن الترتيبات والفعاليات التي واكبت الاحتفال بعيد الجلوس أو العيد الوطني الأول، حيث اشتملت مظاهر الاحتفال على: منح عطلة للدوائر الحكومية، وإصدار الإدارة العامة للبريد والبرق والتلفون طوابع بريدية خاصة بمسمى «طوابع ذكرى الجلوس الملكي» بفئات عدة تراوحت قيمتها بين نصف قرش وخمسة قروش.

كما أصدرت الجريدة الرسمية (أم القرى) يوم الثلاثاء 7 شعبان 1348هـ - 7 يناير 1930م عدداً تضمن أخباراً ومعلومات عن المناسبة، عدا العدد الأسبوعي للجريدة والذي يصدر كل جمعة. كما أصدر نائب الملك في الحجاز أمراً بالعفو عن المساجين المحكومين بمدد صغيرة، وتخفيض ثلث المدة عن المحكومين بمدد كبيرة.

كما وجهت الدعوات لمجموعة من محبي البلاد وأصدقائها ومراسلي الصحف في البلدان العربية لحضور الاحتفالات. وقد وضعت اللجنة برنامجاً للاحتفال بعيد الجلوس في مكة المكرمة يبدأ في الساعة الثانية والنصف صباحاً (بالتوقيت الغروبي أي الثامنة والنصف) من صباح يوم الأربعاء 8 شعبان 1348هـ - 8 يناير 1930م برعاية النائب العام لجلالة الملك في الحجاز.

الملك فيصل حينما كان نائباً للملك عبد العزيز في الحجاز

وقد وصل الأمير فيصل إلى الملتزم أمام الكعبة الشريفة وكان بابها مفتوحاً فتقدم الشيخ حسن يماني، وكيل رئيس هيئة مراقبة القضاء، بترتيل الدعوات لجلالة الملك المعظم، وتبعه سادن بيت الله الحرام الشيخ عبد القادر الشيبي وهو واقف بباب الكعبة المعظمة بالدعاء للملك عبد العزيز وأطلقت المدفعية من قلعة أجياد 101 طلقة.

كما أقيمت الاحتفالات الرسمية في باقي مدن وبلدات الحجاز كالمدينة والطائف وجدة وينبع والوجه ووادي فاطمة، وقد رعى نائب جلالة الملك الحفلة التي أقامتها لجنة الاحتفال في قصر الكندرة بجدة، ثم شرَّف استعراض الجيش وحضر مأدبة العشاء التي أقيمت بهذه المناسبة بحضور كبار رجالات الدولة والأعيان والقناصل وممثلي الدول والوفود القادمة من الخارج.

«وألقى سعادة فؤاد بك حمزة، وكيل الشؤون الخارجية خطاباً أشبه بالبيان، شرح فيه سبب الاحتفال بذكرى الجلوس والمظهر الذي ظهرت به البلاد والأمة تجاه هذا (العيد القومي) وسبب التقدير والإعجاب بجلالة الملك وما قدمه للبلاد والعباد، ثم تحدث عن سياسة جلالته الخارجية». كما احتفلت بهذا اليوم الوكالات الحجازية النجدية (المفوضيات أو السفارات السعودية حينذاك)، كما تلقى الديوان الملوكي الخاص المئات من برقيات التهاني من مختلف الأقطار، من ضمنها برقيات من رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في القدس ومن اللجنة التنفيذية العربية في القدس ومن الجمعية الإسلامية في حيفا ومن هيئة الأمر بالمعروف في المدينة المنورة، كما أقامت لجنة الاحتفال بهذه المناسبة حفلة في وادي فاطمة، ألقيت فيها الخطب والقصائد، ومنها قصيدة الشيخ أحمد بن إبراهيم الغزاوي، التي قال فيها:

ألا إن هذا اليوم عيد مخلد

يظل على كر الدهور له ذكر

وقصيدة للأستاذ خير الدين الزركلي، جاء فيها:

هنيئاً لأهل العيد عيد (مُملّكِ)

شفى المجد من سُقمٍ عراهُ وإدناف

كان ذلك الاحتفال هو أول احتفال باليوم الوطني وحدث في عام 1348هـ - 1930م، تلاه احتفال مماثل في عام 1349هـ - 1931م، «ويذكر فؤاد حمزة أن حفلات عيد الجلوس لم تتكرر إلا تلكما المرتين، ثم تم الاقتصار على الاحتفال بتلك الذكرى في جدة فقط، حيث تتقبل الحكومة تهاني ممثلي الحكومات الصديقة وفق مراسيم مقننة، كما يتلقى جلالة الملك برقيات الملوك ورؤساء الجمهوريات»، فما الذي حدث؟

تحول في احتفالات عيد الجلوس

ورصد البحث أكثر من أمر طرأ أدى إلى التحول في احتفالات عيد الجلوس، وهي كالتالي:

الأول: اعتراض علماء الدين؛ إذ أرسل علماء أهل نجد كافة (مع ملاحظة أن نجد في ذلك التاريخ كانت مملكة كما الحجاز تماماً) كتاباً إلى الملك عبد العزيز بتاريخ 7 ذي القعدة 1349هـ - الموافق 26 مارس (آذار) 1931م، أي بعد الاحتفال الثاني بعيد الجلوس الملكي بنحو شهرين ونصف الشهر، ينتقدون فيه الاحتفال بعيد الجلوس، ويناصحون الملك، مبينين أن هذا الأمر لا يجوز إقراره ولا السكوت عليه لأنه من أعياد الجاهلية.

ورد الملك على العلماء متفهماً وجهة نظرهم، لكن اللافت هو صيغة المناصحة والرد الملكي، ونرى كيف ناصح العلماء الملك وأبدوا رأيهم بلا أي تحفظ، وكيف احترم الملك رأي العلماء وقدّر نصيحتهم؛ لندرك الأسس التي أقام عليها الملك عبد العزيز دولته.

كان طلب العلماء من الملك إلغاء الاحتفال بعيد الجلوس، وكان ذلك الطلب أو الاعتراض قبيل موسم حج العام 1349هـ - شهر أبريل (نيسان) 1931م، كما صادفت ذكرى عيد الجلوس في عام 1932م وعام 1933م شهر رمضان 1350هـ و1351هـ، فلم يكن هناك أي مظاهر احتفالية خلال ذلكما العامين، وتغير المسمى من عيد الجلوس إلى ذكرى الجلوس أو يوم الجلوس رسمياً. لكن مسمى «عيد الجلوس» استمر يُتداوَل شعبياً وفي بعض وسائل الإعلام، كما استمر الاحتفال به كيوم وطني بشكل رسمي خلال الأعوام التالية وطوال حياة الملك عبد العزيز (أي لمدة 23 عاماً) مع تفاوت المراسم البروتوكولية والتغطيات الإعلامية لها، وكان آخر احتفال بذلك اليوم في عهد الملك عبد العزيز يوم 22 ربيع الثاني 1372هـ - الموافق 8 يناير 1953م، حيث توفي رحمه الله بعد نحو 11 شهراً من ذلك التاريخ.

أما الأمر الثاني: هناك موضوع أهم كان يجول في ذهن الملك عبد العزيز، ألا وهو الإعلان عن توحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية؛ لذا فإن الملك لم يشأ أن يكون هناك جدل حول عيد الجلوس مع الوضع في الحسبان أن الاعتراض رسمياً كان من علماء نجد، ولم يكن هناك اعتراض رسمي من علماء الحجاز؛ بل إن علماء الحجاز كانت لهم مشاركة في المراسم الاحتفالية بعيد الجلوس.

كما أن تلك الاحتفالات كانت تقام في الحجاز، حيث مقر الحكومة ووزارة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي الأجنبي، والمناسبة في مجملها تتعلق بالاحتفال بجلوس الملك عبد العزيز على عرش الحجاز.

ونَجْد في ذلك التاريخ كانت مملكة مستقلة تماماً كما الحجاز، والجامع بينهما هو جلالة الملك، إضافة إلى أنه قد يكون نُظر إلى الاحتفالات التي صاحبت إعلان توحيد البلاد خلال شهر جمادى الأولى 1351هـ - سبتمبر 1932م في أنحاء المملكة كافة بما في ذلك نجد والحجاز، كاحتفالات بديلة عن احتفالات عيد الجلوس.

ورغم ذلك لم يتم اعتبار ذكرى الإعلان عن توحيد البلاد يوماً وطنياً في تلك الأيام أو حتى الاحتفال بها في السنوات اللاحقة، كما يؤكد على ذلك الباحث والمؤرخ السعودي قاسم بن خلف الرويس: «ويلاحظ أن الصحيفة الرسمية نشرت ــ ربما لأول مرة ــ تنويهاً مقتضباً بمناسبة وطنية مهمة هي الذكرى السابعة لإعلان توحيد المملكة العربية السعودية عام 1357هـ - 1939م، وتكرر التنويه بهذه المناسبة في ذكراها الثامنة عام 1358هـ - 1940م، وكما يظهر فإنه لم يكن هناك أي بوادر للاهتمام بهذه المناسبة الوطنية أو إبرازها أو الاحتفال بها في تلك الفترة».

ومن ذلك يتضح أن اليوم الوطني الأول للمملكة العربية السعودية والذي كان يحتفل به رسمياً لمدة 23 عاماً في عهد الملك عبد العزيز منذ عام 1348هـ وحتى 1372هـ - 1930م وحتى عام 1953م هو يوم 17 الجدي الموافق 8 يناير، وهو يوم مبايعة الملك المؤسس ملكاً على الحجاز، وخلال تلك الثلاثة والعشرين عاماً كانت المظاهر الاحتفالية باليوم الوطني تتأرجح بين مد وجزر حسب الظروف المحيطة.

أول بيعة لولي العهد

تعدّ أول بيعة لولي عهد المملكة العربية السعودية؛ وجاءت بناءً على المقترح المرفوع للملك عبد العزيز والذي أورده وزير الدولة والمستشار فؤاد حمزة بالنص الآتي:

في اليوم الثاني عشر من شهر جمادى الأولى عام 1351هـ (13 سبتمبر 1932م) اجتمع لفيف من الوطنيين في الطائف وحرّروا الصك التاريخي الآتي:

«الحمد لله وحده، إنه لما كان في هذا اليوم الثاني عشر من شهر جمادى الأولى من عام الواحد والخمسين والثلاثمائة والألف من هجرة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، اجتمع الموقّعون أدناه للبحث والمذاكرة في أمر فيه عزّ ومنعة وشرف وألفة ووضع قرار فيه يرفعونه إلى سدة حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، نصره الله وأيّد ملكه، ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد خصّ هذه البلاد بين شقيقاتها الأقطار العربية، فكانت أشرف صنعاً، وأوسع رقعة وأعزّ نفراً وأوفر خلقاً وعداً، وأظهر استقلالاً وسؤدداً، وأقدر على مواجهة الملمات والكوارث، وأسبق إلى الغايات والمصالح، ووهب أهلها مزايا لم تكن لسواهم فجاءوا عنصراً عربياً واحداً في أصله، واحداً في عاداته وتقاليده، واحداً في دينه وإسلامه، واحداً في تاريخه وعنعناته، ففي البلاد بأجمعها ما يوحّدها ويجعلها وحدة عنصرية كاملة، ويجعل أهلها أمة واحدة لا فرق بين من أتهم منهم ومن أنجد، ومن أغور، ومن أحجز، ومن أيمن. فلما كانت حال البلاد وأهلها كما مرّ وكان لها هذا المقام الممتاز بين سائر الأصقاع والأمصار التي يقطنها العرب، وكانت أوضاعها الحكومية الراهنة لا تتلاءم مع طبيعة الوحدة التي هي وأهلوها عليها، وكان اسمها الحاضر وهو (المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها) لا يعبر عن الوحدة العنصرية والحكومية والشعبية الواجب إظهارها فيها ولا يدل إلا على مسميات لأصقاع جغرافية لبعض أقطار العرب، تقصر عن الإشادة بالحقيقة الواقعة المشار إليها آنفاً، ولا يرمز إلى الأماني التي تختلج في صدور أبناء هذه الأمة للاتحاد والائتلاف بين جميع الناطقين بالضاد على اختلاف أقطارهم وتباعد أمصارهم. ولما كانت الأوضاع الشكلية المشار إليها لا تدل على الروابط العميمة الكائنة بين أفراد السكان ولا على التضامن الموجود بينهم على ما فيه عز البلاد وتعاليها (كما ظهر ذلك جلياً في التضامن في حوادث ابن رفادة الأخيرة) ولا على الارتباط الحقيقي بين شقي المملكة المهيبين تحت ظل جلالة الجالس على العرش، فإن المجتمعين يرفعون بكمال الخضوع إلى سدة حضرة صاحب الجلالة أمنيتهم الأكيدة في أن يتكرم بإصدار الإرادة السنية بالموافقة على تبديل اسم المملكة الحالي إلى اسم يكون أكثر انطباقاً على الحقيقة وأوضح إشارة إلى الأماني المقبلة وأبين في الإشادة بذكر من كان السبب في هذا الاتحاد، والأصل في جمع الكلمة وحصول الوحدة وهو شخص جلالة الملك المفدى، وذلك بتحويل اسم (المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها) إلى اسم (المملكة العربية السعودية) الذي يدل على البلاد التي يقطنها العرب ممن وفّق الله جلالة الملك عبد العزيز السعود إلى توحيد شملهم وضم شعثهم هذا، ولما كان الاستقرار والديمومة والثبات من الشروط الأساسية التي تستهدفها الأمم في حياتها السياسية والاجتماعية، والتي لا أمل بمواجهة صروف الحدثان وكوارث الدهر إلا بها، والتي لا تقوم لبلاد ولا لأمة بدونها قائمة كما هو مشاهد في تاريخ الأمم والحكومات والدول التي أهملت مثل هذا الأمر الخطير وما آلت إليه من سوء المنقلب والمصير. فإن المجتمعين يتقدمون إلى سدة صاحب الجلالة الجالس على العرش أطال الله بقاءه وأمد حياته باستعطاف آخر مؤداه أن يتفضل جلالته بإصدار الأمر الكريم بالموافقة على سن نظام خاص بالحكم وتوارث العرش لكي يعلم الجميع من صديق وعدو، وقريب وبعيد، أن هذا المُلك موطد الأركان ثابت الدعائم لا تزعزعه العواصف، ولا تثني عوده الأيام، وجلالته أطال الله عمره أول من يقدّر أهمية هذا الأمر الخطير وفوائده العميمة في داخل البلاد وخارجها وتقوية مركزها الأدبي والمادي. والله تعالى نسأله أن يوفق جلالة الملك المفدى إلى ما فيه الخير والصلاح.

التــواقيـــع

فؤاد حمزة، صالح شطا، عبد الله الشيبي، محمد شرف رضا، السيد عبد الوهاب نائب الحرم، إبراهيم الفضل، محمد عبد القادر مغيربي، رشيد الناصر، أحمد باناجه، عبد الله الفضل، خالد أبو الوليد القرقني، محمد شرف عدنان، حامد رويحي، حسين باسلامة، محمد صالح نصيف، عبد الوهاب عطار، مهدي القلعلي.

مرسوم التوحيد الذي أصدره الملك عبد العزيز

توحيد البلاد

لكن ما يهمنا هنا هو هذا النص النفيس الذي كتبه سبعة عشر من رجال الدولة الكبار لخّصوا فيه الحال واستشرفوا المستقبل واقترحوا الفكرة، استكمالاً لرؤية قائدهم عبد العزيز، رحم الله الجميع. ومثل هذه النصوص تستحق أن تُقرأ وتُحلل في سياقها التاريخي، ويستنبط منها ويكتب عنها الكثير عن ظروف الزمان والمكان والإنسان.

لقد كان تحدي بناء الدولة وإدارتها هو أحد أكبر التحديات التي واجهت الملك المؤسس، ناهيك عن استمراريتها وتطورها وضبط أهم عناصر استقرارها. يقول مؤرخ القومية العربية الكاتب والدبلوماسي اللبناني جورج أنطونيوس: «ولم يكن ما حققه ابن سعود في إدارة إمبراطوريته أقل روعة من نجاحه في ميادين القتال ومجالات السياسة. وكانت مهمة إنشاء نظام وعدالة وأسس للتقدم من الأمور الشاقة العسيرة في بلاد مفتوحة مترامية الأطراف.....».

وفي 17 جمادى الأولى 1351هـ - 18 سبتمبر 1932م، صدر الأمر الملكي رقم 2716، ونصّت المادة السادسة منه: «على مجلس وكلائنا الحالي الشروع حالاً في وضع نظام أساسي للمملكة ونظام لتوارث العرش ونظام لتشكيلات الحكومة وعرضها علينا لاستصدار أوامرنا فيها». ويلاحظ في منطوق الأمر الملكي النص على مصطلح «توارث العرش»؛ وذلك تأسيساً على ما ورد في النظام المقترح والالتماسات المرفوعة من المواطنين، وسنتطرق فيما يلي لما حصل بعد ذلك، ونحاول الإجابة عن أسباب استبدال ذلك المصطلح.

ونزولاً عند رغبة الملك عبد العزيز عقد اجتماع مساء يوم الأربعاء 15 محرم 1352هـ - 10 مايو 1933م في قاعة مجلس الشورى بدار الحكومة (مبنى الحميدية) في مكة المكرمة، والحقيقة أن ذلك الاجتماع لم يقتصر على أعضاء مجلسي الوكلاء والشورى (السلطتين التنفيذية والتشريعية)، كما أوردت ذلك أكثر المصادر التي تطرقت للاجتماع؛ بل إن الاجتماع كان اجتماعاً للسلطات الثلاث، حيث كانت السلطة القضائية ممثلة أيضاً. رأس الاجتماع (الأمير) فيصل، رئيس مجلس الوكلاء ورئيس مجلس الشورى، وبحضور الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، رئيس القضاة والشيخ عبد الله المحمد الفضل نائب رئيس مجلس الوكلاء ونائب رئيس مجلس الشورى، والشيخ أحمد القاري قاضي مكة المكرمة والسيد محمد المرزوقي أبو حسين عضو هيئة التدقيقات (مجلس القضاء الأعلى)، وأعضاء مجلس الوكلاء: يوسف ياسين، وفؤاد حمزة، وعبد الله السليمان والسيد صالح شطا، وأعضاء مجلس الشورى: الشريف محمد شرف رضا، والسيد عبد الوهاب نائب الحرم، وعبد الله الشيبي، ومحمد مغيربي، وعبد الوهاب عطار، وأحمد الغزاوي، وعبد الله الجفالي وحسين باسلامة.

الملك سعود بن عبد العزيز

مبايعة سعود بن عبد العزيز ولياً للعهد

وفي صباح يوم الخميس 16 محرم - 11 مايو، عقد المجتمعون جلسة ثانية وقّعوا فيها على قرار مبايعة (الأمير) سعود بن عبد العزيز ولياً لعهد المملكة العربية السعودية. تم توقيع ذلك القرار التاريخي على ورق من «رق الغزال الفاخر»، ثم توجه المجتمعون إلى القصر الملكي في المعابدة وقدموا القرار إلى الملك عبد العزيز الذي أصدر أمره السامي بالموافقة على ذلك. وتم تعميم منطوق الأمر الملكي إلى أنحاء المملكة كافة وتحديد موعد الاحتفال بالبيعة، وجرت مراسلات برقية بين الملك عبد العزيز وابنه سعود تضمنت وصايا وتوجيهات الملك المؤسس لولي عهده، وبلّغه فيها أن أخاه فيصل سيتلقى البيعة نيابةً عنه في مكة المكرمة ومن ثم سيسافر مع أفراد الأسرة إلى الرياض لمبايعته، ورد (الأمير) سعود، مؤكداً التزامه بوصية والده وأنها ستظل في قلبه راسخة مرحباً بمجيء إخوته.

وتلقى (الأمير) فيصل البيعة نيابةً عن ولي العهد عند باب الصفا في المسجد الحرام صباح يوم الاثنين 20 محرم 1352هـ - 15 مايو 1933م، كما تم الاحتفال بالبيعة في الملحقات (المناطق)، ووجّه (الأمير) سعود في بيان نشرته الجريدة الرسمية، شكره للشعب السعودي على إجماع كلمته على مبايعته بولاية العهد.

ومساء يوم الخميس 23 محرم - 18 مايو غادر وفد برئاسة (الأمير) فيصل نائب الملك في الحجاز ورئيس مجلس الوكلاء ورئيس مجلس الشورى يرافقه عماه الأميران أحمد ومساعد ابنا عبد الرحمن، وأخواه محمد وخالد، وأبناء عمومته خالد وعبد الله ابنا محمد بن عبد الرحمن، وفيصل وفهد وسعود أبناء سعد بن عبد الرحمن، وتركي وسعود بنا عبد الله بن سعود بن فيصل، وابنه عبد الله، كما رافقه أعضاء مجلس الشورى عبد الله الشيبي وعبد الوهاب نائب الحرم وأحمد الغزاوي، وحمل الوفد صك البيعة بولاية العهد للأمير سعود.

مأدبة كبرى في عتيقة

وفي قصر الحكم بالرياض تلقى الأمير سعود صباح يوم الاثنين 27 محرم - 22 مايو البيعة من كبار الأمراء يتقدمهم عمّه الأمير محمد بن عبد الرحمن والأمير سعود الكبير، وأفراد الأسرة والعلماء وأعيان البلاد وشيوخ القبائل، وتُليت برقية الملك عبد العزيز والكتاب الملكي الذي أرسله مع وفد البيعة، وألقى كل من الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ عبد الله الشيبي كلمتين، وألقى الشاعر أحمد الغزاوي قصيدة بهذه المناسبة، ثم ألقى الأمير محمد بن عبد الرحمن كلمة ضافية، وفي عصر اليوم نفسه أقام الأمير محمد بن عبد الرحمن بقصره في عتيقة مأدبة كبرى احتفاءً بإعلان البيعة لولي العهد.

وتزامن مع بيعة ولي العهد إجراء أول مكالمة هاتفية بين مكة والرياض، وذلك يوم الخميس 30 محرم - 25 مايو، حيث تحدث فيها الملك عبد العزيز مع ولي عهده (الأمير) سعود لمدة 20 دقيقة، كما طرحت إدارة البريد أوائل عام 1353هـ - 1934م طوابع تذكارية بمناسبة مبايعة (الأمير) سعود بولاية العهد، وحملت تلك الطوابع ولأول مرة اسم المملكة العربية السعودية. لقد أرسى الملك المؤسس بثاقب رؤيته نهجاً دستورياً فيما يتعلق بانتقال السلطة وولاية العهد، أثبت صلابته في «تثبيت دعائم الملك وتشييد أركانه وإدامة تسلسله».

توارث العرش وولاية العهد

ونلاحظ هنا استبدال عبارة «توارث العرش» بـ«ولاية العهد». والسبب كما يراه بعض الدارسين للنظام الدستوري السعودي، أن توارث العرش قد يُفهم منه انتقال الحكم دون شورى أو بيعة، حيث ينتقل الحكم وفقاً لخط الوراثة الذي تحدده أحكام دستورية مدونة أو عرفية، دون اشتراط الشورى والبيعة؛ بينما ينتقل الحكم في المملكة العربية السعودية بانعقاد البيعة.

وكل ما يتعلق بتفاصيل البيعة والاستخلاف وولاية العهد يجده الباحث في كتب السياسة الشرعية. لذا؛ ورد في ذلك القرار التاريخي (صك مبايعة الأمير سعود بولاية العهد) النص الآتي: «رأى (الملك عبد العزيز) بعين حكمته الساهرة على راحة رعاياه والعاملة على تثبيت دعائم هذا الملك العربي الوطيد وتشييد أركانه وإدامة تسلسله أن يجيب طلب رعاياه، ويوافق على تعيين شكل واضح ثابت لولاية العهد كما ورد في أمره الملكي الكريم الصادر في 17 جمادى الأولى 1351 (الموافق 18 سبتمبر سنة 1932)، وأن يسير في ذلك على المنهاج الشرعي الذي سار عليه خلفاء المسلمين وملوكهم، وأن يعقد البيعة بولاية العهد على ما كان مستجمعاً للشروط الشرعية المرعية».

أما بشأن وضع نظام أساسي للمملكة، ففي شهر جمادى الأولى 1355هـ – أغسطس (آب) 1936م انتهى مجلس الشورى من إعداد مشروع (النظام الأساسي للمملكة العربية السعودية) بهذا المسمى، والذي تكون من 140 مادة ورفعه للمراجع العليا للمصادقة عليه، لكن ذلك النظام لم يصدر، ولم تتوفر نسخة من مسودته لاطلاع العموم.

ويرى بعض الباحثين أن عدم صدور ذلك النظام لأنه تضمن خطوات وبرامج إصلاحية يتطلب تنفيذها مبالغ كبيرة ولم تكن موارد الدولة ولا الظروف الاقتصادية تمكن الحكومة من تنفيذها. وأذهب إلى أن الظروف السياسية والاقتصادية بعد ذلك أعاقت صدور النظام الأساسي الذي تكرر ذكره في أكثر من بيان حكومي في عهود الملوك سعود وفيصل وخالد، ورغم عدم صدور تلك الوثيقة الدستورية المكتوبة، إلا أن القواعد والأعراف الدستورية استقر واستمر عليها العمل وحتى صدور الأنظمة الأساسية في عهد الملك فهد.

التطورات الدستورية والتنظيمية

ولعله من المهم أن نوضح هنا أن تأخر صدور تلك الأنظمة لم يكن – بأي حال من الأحوال – معيقاً للبناء والتطور الدستوري للدولة، ذلك البناء الذي بدأ في عهد الملك المؤسس من خلال توحيد البلاد ونيل الاعتراف الدولي بإقليمها «إعلان الدولة»، والشروع في إصدار أنظمة للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية «تنظيم سلطات الدولة»، وسنّ وأخذ البيعة لولي العهد «تنظيم انتقال الحكم في الدولة».

مع الإشارة إلى التطورات التنظيمية التي سبقت وتلت ذلك، فقد أصدر الملك عبد العزيز في شهر صفر 1373هـ - أكتوبر 1953م مرسوماً بإنشاء مجلس الوزراء، وتضمن ذلك المرسوم أول نظام لمجلس الوزراء تكون من 10 مواد، ثم أصدر الملك سعود نظاماً أشمل لمجلس الوزراء في شهر رجب 1373هـ – مارس 1954م، وتكوّن النظام من 21 مادة، ثم صدر في شهر شوال 1377هـ – أكتوبر 1958م النظام الشهير للمجلس من 50 مادة، ومنح ذلك النظام مجلس الوزراء – مع مؤسسة المُلك – الولاية الدستورية على السلطتين التنظيمية (التشريعية) والتنفيذية، إلى أن صدر نظام مجلس الشورى مع صدور الأنظمة الأساسية عام 1412هـ - 1992م، والذي أشرك مجلس الشورى في دراسة الأنظمة، والمعاهدات، والاتفاقيات الدولية، ويرى الفقيه الدستوري السعودي الدكتور محمد بن عبد الله المرزوقي: أنه «من الأمور الجديدة التي جاء بها النظام الأساسي للحكم إسناده السلطة التنظيمية (التشريعية) إلى جهتين، هما مجلس الوزراء ومجلس الشورى».

استقلال السلطة القضائية

وبالنسبة للسلطة القضائية، كانت منذ عهد الملك عبد العزيز ولا تزال مستقلة وتستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، وأكدت أنظمة القضاء التي صدرت في مراحل مختلفة على أن: «القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية، وليس لأحد التدخل في القضاء». وقد أصدر الملك المؤسس جملة من الأنظمة والتعليمات المتعلقة بالمحاكم ورئاسة القضاء (صاحبة الولاية الدستورية على السلطة القضائية)، كان آخرها تنظيم الأعمال الإدارية في الدوائر الشرعية، ونظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي الذي تكوّن من 258 مادة لتنظيم رئاسة القضاء، والتفتيش القضائي، واختصاصات وصلاحيات وأعمال المحاكم الشرعية وقضاتها. صدر ذلك النظام عام 1352هـ – 1953م وظل نافذاً لأكثر من ستين عاماً وحتى صدور نظام المرافعات الشرعية عام 1435هـ - 2013م في عهد الملك عبد الله.

ولفظة «تركيز المسؤوليات» التي ظهرت في عنوان ذلك النظام القضائي، جاءت كذلك في ديباجة مرسوم إصدار نظام مجلس الوزراء لعام 1377هـ - 1958م، وهي تشير بوضوح إلى تنظيم مسؤوليات واختصاصات كانت قائمة وممارسة فعلاً وبعضها ذو صفة أو صبغة دستورية، كاختصاص إصدار الأنظمة وكذلك إبرام المعاهدات والتي برع الملك عبد العزيز في الاضطلاع بها مرفوداً – في الجانب الفني القانوني – بخبرات عدد من مستشاريه وكانت حجر أساس في البناء الدستوري للدولة.

كما كان نظام مجلس الوزراء ولخمسة وثلاثين عاماً، بكل ما اشتمل عليه من تنظيم لاختصاصات الدولة التشريعية والتنفيذية والإدارية والمالية، وثيقة دستورية، وفي رأي بعض شراح القانون الدستوري السعودي بمثابة نظام أساسي، شكلت مع أنظمة القضاء ومن بينها نظام القضاء الذي صدر عام 1395هـ - 1975م في عهد الملك خالد، قاعدةً للأحكام الدستورية الخاصة بسلطات الدولة التي تضمنها النظام الأساسي للحكم.

«الفراغ الدستوري»

وقد أشار الملك فهد، في بيانه الشهير عند إصدار الأنظمة الأساسية، إلى ذلك بالقول: «وقد استدعى تطور الحياة الحديثة أن ينبثق عن هذا المنهج أنظمة سياسية في عهد الملك عبد العزيز. ونظراً لتطور أمور الدولة وتكاثر واجباتها فقد أصدر الملك عبد العزيز - رحمه الله – أمره بتأسيس مجلس الوزراء والذي يعمل الآن وفقاً لنظامه الصادر في عام 1377هـ، وما طرأ عليه من تعديلات. لقد استمر العمل بهذا المنهج حتى يومنا هذا بحمد الله وتوفيقه.

ولذلك لم تعرف المملكة العربية السعودية ما يسمى (بالفراغ الدستوري)، فمفهوم (الفراغ الدستوري) – من حيث النص – هو ألا تكون لدى الدولة مبادئ موجهة وقواعد ملزمة ولا أصول مرجعية في مجال التشريع وتنظيم العلاقات، إن المملكة العربية السعودية لم تشهد هذه الظاهرة في تاريخها كله لأنه طوال مسيرتها تحكم بموجب مبادئ موجهة وقواعد ملزمة وأصول واضحة يرجع إليها الحكام والقضاة والعلماء وسائر العاملين في الدولة».

شركة «أرامكو» تهنئ الملك سعود بذكرى الجلوس الملكي

الاحتفال باليوم الوطني

وعودة إلى الاحتفال باليوم الوطني، فقد تغير تاريخ اليوم الوطني عندما تولى الملك سعود مقاليد الحكم بعد وفاة الملك عبد العزيز يوم الاثنين 2 ربيع الأول 1373 هـ الموافق 9 نوفمبر 1953م، وبايعته الأسرة المالكة وأهل الحل والعقد في القصر الملكي بالطائف كما بايعت (الأمير) فيصل بولاية العهد، ولكن تم اختيار اليوم الثاني عشر من شهر نوفمبر وليس اليوم التاسع من الشهر نفسه يوماً للاحتفال بذكرى جلوس الملك سعود على العرش (اليوم الوطني)؛ وقد يكون ذلك تيمناً كما يرى بعض الباحثين، إذ إنه اليوم الذي توجه فيه الملك سعود إلى مكة المكرمة (مقر الحكومة آنذاك) وأمّ المصلين في صلاة المغرب في المسجد الحرام وتلقى بيعة رؤساء الدوائر الحكومية وكبار الموظفين والعلماء والتجار والوجهاء وأعضاء المجالس والهيئات وعموم الشعب، أو أن الملك سعود لم يستحسن أن يكون يوم الاحتفاء يوم 9 نوفمبر لأنه يوم وفاة الملك عبد العزيز، وهذا هو المرجح.

وجاء الاحتفاء بالذكرى الأولى لجلوس الملك سعود يوم الجمعة 12 نوفمبر 1954م الموافق 17 ربيع الأول 1374هـ «يوماً وطنياً سعيداً» مثلت فيه الوفود بين يدي الملك للتهنئة وتلقى فيه برقيات التهاني من الداخل والخارج وأقيمت فيه الاحتفالات في عدد من المناطق وأصدرت فيه الجرائد والمجلات أعداداً ممتازة خاصة بهذه المناسبة، ومن أبرزها جرائد «أم القرى، والبلاد، والمدينة» ومجلتا «الرياض، والمنهل».

كما انبرى عدد من الشعراء العرب للتعبير عن فرحتهم بهذه المناسبة، لكن التطور اللافت هو الخطاب الملكي السنوي الذي كان يوجهه الملك إلى الشعب في هذه المناسبة كل عام، ويتناول فيه ما يتعلق بقضايا الوطن وحياة المواطنين.

الملك سعود بن عبد العزيز أثناء إلقائه الخطاب

ووفقاً للباحث الرويس، «كان هناك تطور سنوي على برامج الاحتفال بتلك الذكرى، فبدءاً من الذكرى الأولى، أصبحت الجريدة الرسمية (أم القرى) تنشر كلمات للأمراء والوزراء بهذه المناسبة، واختارت الإذاعة السعودية يوم الذكرى لإصدار مجلة (الإذاعة)، كما أقامت كلية الملك عبد العزيز الحربية مهرجاناً خاصاً بتلك المناسبة».

استمرت الاحتفالات سنوياً مع تصاعد الاهتمام الإعلامي كإصدار الجريدة الرسمية عدداً خاصاً، وتخصيص الإذاعة برامج خاصة بالذكرى ونشر إعلانات التهاني في الصحف، وظل الاحتفال بذكرى الجلوس يوم 12 نوفمبر كيوم وطني (ثانٍ) للمملكة العربية السعودية لمدة عشر سنوات، وكان آخرها الذكرى العاشرة في عام1383هـ - 1963.

صور الأمر الملكي لليوم الوطني بتحديد 23 سبتمبر يوماً وطنياً

الملك فيصل يحدد 23 سبتمبر

وحينما ارتقى الملك فيصل العرش في 27 جمادى الأخرة 1384هـ - 2 نوفمبر 1964م وقبل حلول الذكرى الحادية عشرة بأيام، ولم يكن هناك أي احتفال باليوم الوطني ذلك العام، رأى الملك فيصل أن تحديد اليوم الوطني بذكرى جلوس الملك يجعله يوماً غير ثابت، حيث يتغير مع تولي كل ملك للعرش فعُرض على مجلس الوزراء بضرورة جعل يوم وطني محدد وثابت التوقيت في كل عام.

فتقرر اختيار يوم إعلان توحيد المملكة العربية السعودية الموافق لليوم الأول من الميزان (مطلع السنة الهجرية الشمسية) وهو يوم 23 سبتمبر من السنة الميلادية وصدر قرار من مجلس الوزراء بذلك، وتوج بالمرسوم الملكي رقم م/9 بتاريخ 24 ربيع الآخر 1385هـ الموافق 21 أغسطس 1965م، بأن يكون يوم 23 سبتمبر هو اليوم الوطني (الثالث) للمملكة العربية السعودية.

وقد بدأ الاحتفال بهذا اليوم لأول مرة في 28 جمادى الأولى 1385هـ - 23 سبتمبر 1965م، أي بعد مرور 33 عاماً على إعلان توحيد المملكة العربية السعودية. ومنذ ذلك الحين اختفى مصطلح ومناسبة (ذكرى الجلوس الملكي) واستبدل بذكرى البيعة، غير أنها ظلت مناسبة ليس لها أي مظاهر أو مراسم. كما أن الاحتفاء باليوم الوطني كان في إطار رسمي تمثل في تلقي الملك التهاني وإقامة السفارات السعودية في الخارج حفلات استقبال مع تغطيات إعلامية، دون احتفالات شعبية ودون أن يكون عطلة رسمية.

استمر الوضع على هذا المنوال طوال عهد الملك فيصل والملك خالد وأكثر سنوات عهد الملك فهد. لكن الاهتمام باليوم الوطني شعبياً والمواكبة الإعلامية زادت في أواخر عهد الملك فهد، حيث صدر الأمر السامي رقم (7/1600/م ب) وتاريخ 2 ذو القعدة 1425هـ الموافق 14 ديسمبر 2004م القاضي بالموافقة على ما رأه مجلس الوزراء بأن يكون يوم (23 سبتمبر) من كل عام إجازة رسمية بمسمى إجازة اليوم الوطني، وذلك بعد نحو 40 عاماً من إقرار ذلك التاريخ يوماً وطنياً، وبدءاً من عام 1426هـ - 2005م أخذ الاحتفاء باليوم الوطني بُعداً رسمياً وشعبياً وأصبحت الاحتفالات تقام في أنحاء المملكة كافة مع تغطيات إعلامية مكثفة ازدادت مع انتشار وسائل التواصل وتطور تلك الاحتفالات وتنوعها.

3 مراحل لليوم الوطني

مما سبق يتضح أن اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية تنقّل تاريخه ثلاث مرات بين 8 يناير و12 نوفمبر واستقر في 23 سبتمبر، وكان أول احتفال به في عام 1930م، وذلك قبل إعلان توحيد البلاد. وبذلك يكون مرّ 93 عاماً على أول يوم وطني في عهد الملك عبد العزيز كما مرّ معنا. وهذا قد يوضح اللبس الذي يتداول كل عام حول صحة عدد أعوام اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية.

هذا فيما يتعلق بتاريخ اليوم الوطني وعيد الجلوس، أما عن البيعة فهي في الأصل مبدأ إسلامي تميزت به الحضارة الإسلامية وتُعدّ عهداً وعقداً بين الراعي والراعية، كما أنها أحد الأسس الدستورية للدولة السعودية منذ تأسيسها الأول قبل 300 عام، كما أكدت عليها نصوص النظام الأساسي للحكم ثم نظام هيئة البيعة. وكما تقدم: تمت مبايعة الملك عبد العزيز في المسجد الحرام، وتطرقنا كذلك إلى تفاصيل مبايعة ولي عهده (الأمير) سعود، لكن ماذا عن أماكن وتفاصيل مبايعة الملوك وأولياء العهد بعد ذلك؟

الملك سعود يتوسط أخوته بعد مبايعته ملكاً للمملكة العربية السعودية

البيعة وانتقال الحكم

هنا لا بد من التفصيل، حيث إنه عند وفاة الملك عبد العزيز (يوم 2 ربيع الأول 1373هـ - 9 نوفمبر 1953م) بايع كبار الأمراء الملك سعود في القصر الملكي بالطائف (قصر العقيق حالياً)، وهو المكان نفسه الذي توفي فيه الملك المؤسس كما بايعوا (الأمير) فيصل بولاية العهد.

وتم ذلك قبل إعلان بيان الوفاة وأصبح هذا تقليداً متبعاً (مبايعة كبار أفراد الأسرة الحاكمة أو «البيعة الخاصة» أولاً ثم تتم «البيعة العامة»)، وجاء نص البلاغ رقم (2) الذي صدر عن الديوان الملكي العالي كالآتي: «على إثر وفاة حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية تغمده الله برحمته والتفاف أفراد الأسرة المالكة الكريمة حول جثمانه الطاهر خرجوا من عنده وبايعوا حضرة صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عبد العزيز المعظم ملكاً على البلاد العربية السعودية على طاعة الله ورسوله والسمع والطاعة، فنُودي بحضرة صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل الفيصل آل سعود ملكاً للمملكة العربية السعودية. وعلى أثر ذلك أعلن حضرة صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز ولاية عهده لأخيه حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز ولياً للعهد، كما بايع سموه على أثر ذلك أفراد الأسرة المالكة».

ويلاحظ في نص هذا البيان، أن الملك سعود أعلن ولاية العهد لأخيه فيصل، ويفهم من كلمة «أعلن» أن الأمر كان محسوماً قبل ذلك، وفي اليوم التالي تلقى الملك سعود في القصر نفسه بيعة قادة الجيش وأعضاء مجلس الشورى وكبار رجالات الدولة وشيوخ القبائل وجموع غفيرة من المواطنين، وهذا يصحح ما ذكرته بعض المصادر، وهو ما يتداول في مواقع رسمية بأن بيعة الملك سعود تمت في جدة، مع إيضاح أن الملك سعود بقي في الطائف ولم يرافق جثمان الملك عبد العزيز للرياض، ثم توجه من الطائف بالطائرة إلى جدة يوم الأربعاء 4 ربيع الأول 1373هـ - 11 نوفمبر 1953م، ثم إلى مكة وتلقى البيعة من وفود وجموع من طبقات الشعب كافة، بينما تلقى ولي العهد (الأمير) فيصل البيعة في قصر الحكم بعد دفن الملك عبد العزيز في الرياض.

عاد الأمير فيصل إلى الطائف ورافق الملك سعود إلى جدة ومكة. وكانت بيعة الملك سعود أول بيعة تبث أخبارها الإذاعة السعودية، وزاد استعمال البرقيات فيها كوسيلة مبايعة، كما زادت التغطيات الصحفية، حيث نشرت الصحف وأذاعت الإذاعة بياناً باسم الملك سعود يمكن أن يعدّ بمثابة «خطاب العرش».

الملك سعود يتلقى البيعة من المواطنين

وأصدر الملك سعود عدداً من الأوامر تضمنت استمرار الوزراء وكبار المسؤولين في مناصبهم والعفو عن السجناء والمبعدين السياسيين وسجناء الحق العام، واستقبل الملك وفوداً خارجية وممثلي البعثات الدبلوماسية والجاليات الأجنبية الذين قدموا التهاني لجلالته بتوليه الحكم، وتلقى أمراء المناطق البيعة نيابة عن الملك كما تلقت الممثليات السعودية في الخارج البيعة من المواطنين السعوديين الموجودين في تلك الدول، وأصبحت هذه وغيرها من التدابير والمراسم والإجراءات من التقاليد المصاحبة للبيعة.

وفي يوم الاثنين 27 جمادى الآخرة 1384هـ - 2 نوفمبر 1964م عُقدت جلسة مشتركة لأعضاء مجلسي الوزراء والشورى في قصر الحمراء (وهذا هو الاسم الأساس للقصر وليس «الأحمر») بالرياض برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء (الأمير) خالد بن عبد العزيز، وقرروا فيها: «مبايعة ولي العهد فيصل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملكاً شرعياً على المملكة العربية السعودية وإماماً للمسلمين»، وطلبوا من الملك فيصل: «قبول البيعة وإعلانها»، بايع كبار الأمراء والعلماء (أعضاء السلطة القضائية) وأعضاء مجلس الوزراء وأعضاء مجلس الشورى المجتمعون في قصر الحمراء الملك فيصل هناك، أذيع «بيان البيعة» نحو الساعة الثانية ظهراً وتلاه وزير الإعلام السعودي آنذاك الشيخ جميل الحجيلان، الذي ذكر أنه نحو الساعة 11 من صباح ذلك اليوم أقلته طائرة بوينغ 707 وكانت من أوائل الطائرات الحديثة في أسطول الخطوط السعودية من مطار الرياض إلى جدة لبث البيان، حيث لم يكن هناك استوديوهات إذاعية في الرياض.

بيان البيعة

وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتلو فيها وزير الإعلام بيان البيعة وأصبحت تقليداً مصاحباً، أما خطاب العرش فقد تلاه الملك فيصل بنفسه وبثّته الإذاعة مساء ذلك اليوم، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يبث فيها خطاب اعتلاء العرش بصوت الملك عبر الإذاعة، وذكر الإعلامي والمؤرخ السعودي الدكتور عبد الرحمن الشبيلي تفاصيل عن كواليس تسجيل الخطاب الملكي في قصر المعذر عصر ذلك اليوم بحضور الأمير سلطان بن عبد العزيز (وزير الدفاع والطيران وأحد كبار مستشاري الملك فيصل) والدكتور رشاد فرعون (المستشار الخاص للملك) والشيخ محمد النويصر (رئيس المكتب الخاص) والكاتب والشاعر كنعان الخطيب (يُرجح أنه هو من صاغ الخطاب الملكي)، وكيف أن طائرة خاصة أقلت الشبيلي إلى جدة بتوجيه من الأمير سلطان، حاملاً معه شريط تسجيل خطاب العرش.

وفي قصر الحكم بوسط العاصمة الرياض تلقى الملك فيصل يوم الثلاثاء 28 جمادى الآخرة - 3 نوفمبر البيعة من الأمراء وكبار رجال الدولة وأعيان البلاد وممثلي فئات الشعب، وكان يقف إلى جانبه أخوه أمير الرياض وقتذاك سلمان بن عبد العزيز.

الملك فيصل بن عبد العزيز وبجانبه الملك سلمان بن عبد العزيز حين كان أميراً للرياض

ويتكرر الأمير (الملك سلمان) والمكان والمراسم في كل بيعة تالية ولما يزيد على نصف قرن؛ مما يبين عراقة مراسم وتقاليد البيعة في المملكة العربية السعودية. ولعله من المهم الإشارة هنا إلى أن بيعة الملك فيصل في قصر الحكم عام 1384هـ - 1964م كانت أول بيعة ملكية في ذلك القصر كما كانت أول بيعة بعد إعادة بناء القصر على الطراز الحديث.

الملك فيصل بن عبد العزيز حين تلقيه البيعة ملكاً للبلاد وبجانبه الأمير محمد بن عبد العزيز

كما تلقى الملك بيعة قادة القطاعات العسكرية، واستقبل وفوداً ومبعوثين ودبلوماسيين وإعلاميين من مختلف الدول، مهنئين باعتلائه عرش البلاد، كما بدأت إعلانات التهاني في الصحف تنتشر. وصدرت أوامر ملكية باستمرار تشكيلات الوزارة (مجلس الوزراء)، وتعديلات لنظام المجلس وتعيينات، والعفو عن سجناء الحق العام، وتلقى أمراء المناطق البيعة نيابةً عن الملك، كما فتحت السفارات السعودية في الخارج أبوابها لاستقبال المواطنين المبايعين. غير أنه فور تولي الملك فيصل مقاليد الحكم لم يتم اختيار ولي للعهد، وجرت مشاورات داخل الأسرة؛ إذ بعث الملك فيصل كتاباً إلى أخيه الأمير محمد يوم 22 رمضان 1384هـ - 24 يناير 1965م - أي بعد أكثر من شهرين ونصف الشهر من مبايعته ملكاً - ومضمون الكتاب استطلاع رأي الأمير محمد حول موضوع ولاية العهد؛ كونه الذي يلي الملك فيصل في السن من أبناء عبد العزيز، وجاء في نص الكتاب:

«من فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية

إلى جناب الأخ الكريم محمد بن عبد العزيز حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد:

فإنني أرى من المصلحة اختيار ولي للعهد؛ لأن ذلك عنصر أساسي من عناصر استمرار الحكم ورسوخه في هذه البلاد التي باتت تنعم بالطمأنينة والاستقرار، وتتطلع لحياة أفضل بعد أن عصفت بها تيارات مختلفة داخلية وخارجية، وإنني إذ أطلب من سموكم إخباري بوجهة نظركم في هذا الموضوع، أنتهز هذه الفرصة لأشيد بالجهود العظيمة التي بذلها سموكم ومساهمتكم الفعالة في سبيل استقرار الوضع وتجنيب البلاد الفتن والكوارث، وبانتظار مرئياتكم».

لحظة مبايعة الملك فيصل بن عبد العزيز ملكاً وبجانبه الأمير محمد بن عبد العزيز والملك سلمان بن عبد العزيز واقفاً بجانبه حينما كان أميراً للرياض

وقبل التطرق إلى التفاصيل، لا بد من الإشادة بدور الأمير محمد وبقية إخوته من أبناء الملك عبد العزيز في تأمين وسلاسة انتقال مقاليد الحكم في جميع العهود الماضية رغم حساسيات المراحل وتحدياتها؛ وذلك لأنهم آمنوا بتقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية لأي منهم. ويعزو المؤرخ السعودي عبد الرحمن الرويشد ذلك السلوك الرشيد إلى: «تقاليد الأسرة العتيدة وثوابتها، وقناعة أفرادها بأنهم أصحاب رسالة يسيرون على نهج والدهم الملك عبد العزيز، الذي قال: (نحن آل سعود لسنا ملوكاً ولكننا أصحاب رسالة)، وهذه الرسالة هي التي تعمق مفهومها في نفوس قادة البيت السعودي ومنحتهم دوراً خاصاً وملأت صدورهم قناعة» بأن مهمتهم المحافظة على كيان دولتهم وحفظ مصالحها وتوفير احتياجات مجتمعهم وخدمة أمتهم. يقول الكاتب والصحافي المصري محمد جلال كشك: «ولا أظن في تاريخ العرب الحديث رجلاً عرف أعباء الملك ومتطلباته ووفى بهذه الالتزامات أكثر من عبد العزيز...».

إيمان وعبقرية الملك عبد العزيز

يروي المؤرخ والسياسي الفرنسي جاك بنوا ميشان، أن «الملك عبد العزيز في شهر نوفمبر عام 1950م (1370ه) استقبل في الرياض بعثة من الأمم المتحدة وتحدث أحد أعضائها عن الإنجازات التي تحققت والتطور الذي شهدته الجزيرة العربية، فرد الملك المؤسس وهو يشير إلى بعض الفتية في المجلس: (إن أغلى ما أملك هم أبنائي... لقد عشت حياة حافلة، وها إنني اليوم في مرحلة الشيخوخة، وسوف لن يتأخر كثيراً زمن الراحة، وسأغمض عيني مطمئناً. إن أبنائي سيعكفون من بعدي على إكمال رسالتي وإذا منحهم الله العون الذي منحني فإنهم سيرسمون يوماً الطريق لأكثر من مائة مليون من المؤمنين).

واعترض مندوب الأمم المتحدة فقال: ألا تعتقدون جلالتكم أنكم في هذا تغالون في التفاؤل؟ إن العالم يعيش على فوهة البركان، ولا يعلم أحد أي مصير يترقب الجزيرة العربية إذا نشبت حرب جديدة! ففكر ابن سعود لحظة ثم أجاب ببساطة: (لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا أدعي أنني أعلم الغيب، ولكن الله جل جلاله قد غمر هذه الجزيرة بفيض من خيراته وسيمُنُّ عليها بالمزيد إذا قدَّر أنها تستحق فضله وإحسانه)».

لا أعلم بماذا أصف ما قاله الملك المؤسس، أهو رؤية أم إيمان أم ثقة أم توكل؟ لكنه بلا شك (إيمانُ عبد العزيز) وشيء من عبقريته. ويكفي أن نقرأ جواب الأمير محمد المؤرخ في 23 رمضان 1383هـ - 25 يناير 1964م على كتاب الملك فيصل لنجد التطبيق العملي لما قاله الملك المؤسس، حيث جاء في رد الأمير محمد:

«إن ميادين العمل لخدمة الشعب ليست وقفاً على المناصب والألقاب، وهناك مجالات واسعة ومتعددة تمكن كل فرد من أفراد شعبنا العزيز من تأدية واجبه في خدمة بلاده.

وإنني وإن كنت المرشح الأول لمنصب ولاية العهد إلا أنني أفضّل أن أكون بعيداً عن مظاهر الرتب والألقاب ممن يشد أزركم ويوجد في الصفوف لمواصلة العمل في ظل قيادتكم الرشيدة التي لمس الجميع آثارها في الداخل والخارج.

وإذا جاز لي أن أرشح أحداً لشغل منصب ولاية العهد فإنني أرى في أخي الأمير خالد بن عبد العزيز من الصفات ما يجعله أهلاً لذلك، راجياً من الله أن يلهمكم التوفيق والسداد ويحفظ جلالتكم من كل سوء مولاي».

وفي يوم الاثنين 16 ذو القعدة 1383هـ - 29 مارس 1964م وجّه الملك فيصل رسالة سامية إلى الشعب السعودي هذا نصها: «بسم الله الرحمن الرحيم

من فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية إلى إخواني أبناء الشعب العربي السعودي الكريم:

تحية وبعد:

فإني أحمد الله على نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه. هذا، ونظراً لأن ولاية العهد هي عنصر أساسي من عناصر استمرار الحكم ورسوخه، وبعد أن تمتعت البلاد بنعمة الاستقرار، وسارت في طريق التقدم والازدهار بفضل تمسكها بدينها الحنيف وشريعتها السمحاء.

فإنه ليسرني أن أعلن لإخواني أبناء الشعب السعودي الكريم، بأنني قد اخترت أخي الأمير خالد بن عبد العزيز ولياً للعهد، يحكم من بعدي بكتاب الله وسنة رسوله، وكلي ثقة بأن الشعب سيكون له خير ناصر ومعين.

والله ولي التوفيق».

ونلاحظ في هذا البيان استخدام مفردة (اخترت)، ويفهم منها أن القرار كان للملك.

ومساء اليوم نفسه، وفي قصر الأمير محمد بحي عليشة في الرياض، بايع أفراد الأسرة وعلى رأسهم الأمراء عبد الله بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد العزيز، (الأمير) خالد ولياً للعهد.

تجدر الإشارة إلى أن (الأمير) خالد كان قد عُيّن نائباً لرئيس مجلس الوزراء في عام 1382هـ - 1962م، واستمر في المنصب بعد اختياره ولياً للعهد، وأصبح ذلك تقليداً متبعاً، بأن يكون ولي العهد هو نائب رئيس مجلس الوزراء.

منصب النائب الثاني

كما حصل تطور لافت في عهد الملك فيصل، وهو استحداث منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، حيث صدر يوم الأحد 27 جمادى الآخرة 1387 هـ - 1 أكتوبر 1967م الأمر الملكي رقم أ/36 بتعيين (الأمير) فهد بن عبد العزيز نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء مع احتفاظه بحقيبة الداخلية.

وعلى الرغم من عدم وجود نص دستوري، فإن هذا المنصب أصبح من يتولاه يكون الثالث عُرفاً في تراتبية الحكم بعد الملك وولي العهد، كما أن كل من تولاه منذ ذلك التاريخ اُختير ولياً للعهد.

وهكذا، مع كل بيعة هناك أسس راسخة وتقاليد مرعية ومراسم واضحة، وأشياءٌ أُخر يمكن أن تتطور أو تتغير، بيد أنه لا بد من التأكيد أن بيعة الملك فيصل بالذات أسست نهجاً محدداً لكل البيعات التي تلتها، أو كما يرى الكاتب والباحث الأمريكي جوزيف كيشيشيان: «وضع الأسس لخلافة أفقية متينة».

الملك خالد بن عبد العزيز

مبايعة في المستشفى

في ضحى يوم 13 ربيع الأول 1395 هـ - 25 مارس 1975م نُقِل الملك فيصل إلى مستشفى الرياض المركزي (الشميسي) إثر تعرضه لإطلاق النار، وانتقل ولي العهد وكبار الأمراء إلى هناك. وبعد الظهر عندما أعلن الأطباء وفاة الملك فيصل، بايع الأمراء ــ وهم في المستشفى ــ ولي العهد خالد بن عبد العزيز ملكاً، وصدر بيان الديوان الملكي الذي نعى الملك فيصل: «قام أفراد الأسرة وفي مقدمتهم الأمراء عبد الله بن عبد الرحمن، ومحمد وناصر وسعد وفهد أبناء عبد العزيز بمبايعة ولي العهد الأمير خالد بن عبد العزيز ملكاً على البلاد. وبعد إتمام البيعة أعلن صاحب الجلالة الملك خالد بن عبد العزيز ترشيح صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولياً للعهد، وقد أجمع أفراد الأسرة على ذلك وقاموا بمبايعة سموه...».

ومما يلفت الانتباه هنا استخدام كلمة «ترشيح» الملك لولي العهد بدلاً من كلمة «اختيار» كما سبق، وقد يكون السبب وجود الأمير محمد وهو أكبر سناً من الملك خالد، وكذلك الأميران ناصر وسعد وهما أكبر سناً من (الأمير) فهد، فكان من الأنسب استخدام كلمة ترشيح.

ألقى وزير الإعلام إبراهيم العنقري كلمة الملك خالد إلى الشعب في أول «خطاب عرش» متلفز. وتلقى الملك خالد وولي عهده (الأمير) فهد البيعة من طبقات الشعب كافة في قصر الحكم صباح الأربعاء، وكانت هذه أول بيعة مشتركة للملك وولي عهده في قصر الحكم بالرياض. كما تطورت التغطيات الإعلامية هذه المرة، فإلى جانب الإذاعة والصحف والمجلات التي كثفت من تغطياتها وإعلاناتها، غُطيت مراسم البيعة تلفزيونياً وبثت وكالة الأنباء السعودية أخبار البيعة لأول مرة.

استقبل الملك وفوداً خارجية على المستويات كافة، وصدرت الأوامر الملكية بتعديل نظام مجلس الوزراء واستمرار أعضائه في مناصبهم وتعيين ولي العهد (الأمير) فهد نائباً أول و(الأمير) عبد الله نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء وغيرها من التعيينات، كما صدر الأمر بالعفو عن سجناء الحق العام، وتلقى أمراء المناطق البيعة من المواطنين نيابةً عن الملك، وكذلك السفارات في الخارج.

الملك فهد بن عبد العزيز

النظام الأساسي للحكم

توفي الملك خالد في قصره بالخالدية بالطائف صباح يوم الأحد 21 شعبان 1402 هـ - 13 يونيو 1982م، وصدر عن الديوان الملكي بيانٌ عن وفاة الملك وبيانٌ آخر عن مبايعة ولي العهد ملكاً، وجاء فيه: «لقد قام أفراد الأسرة وعلى رأسهم الأمير محمد بن عبد العزيز بمبايعة ولي العهد الأمير فهد بن عبد العزيز ملكاً على البلاد. وبعد إتمام البيعة أعلن صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز ترشيح صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولياً للعهد، وقد أجمع أفراد الأسرة على ذلك وقاموا بمبايعة سموه...»، ونرى هنا استمرار استخدام كلمة «ترشيح» الملك لولي العهد وذلك للسبب نفسه.

وتضمن أول أمر ملكي يصدره الملك فهد استمرار جميع أعضاء مجلس الوزراء في مناصبهم وتعيين ولي العهد (الأمير) عبد الله نائباً، ووزير الدفاع والطيران الأمير سلطان نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء.

وفي مساء اليوم نفسه ألقى الملك فهد كلمة مؤثرة بثها التلفزيون السعودي، وتعدّ أول خطاب عرش يلقيه الملك بنفسه تلفزيونياً. تلقى الملك فهد وولي عهده (الأمير) عبد الله البيعة من الأمراء والعلماء والقادة العسكريين وكبار رجالات الدولة والمواطنين في قصر الحكم يوم الاثنين، كما استقبل وفوداً من مختلف دول العالم مهنئة بارتقائه عرش البلاد.

وفي تطور دستوري لما يتعلق بمبايعة الملك، تحولت معه القواعد الدستورية العرفية التي استقر عليها العمل إلى مواد مكتوبة، أصدر الملك فهد يوم 27 شعبان 1412 هـ - 1 مارس 1992م أمراً ملكياً معلناً صدور النظام الأساسي للحكم من 9 أبواب و83 مادة، ونصت الفقرة (ب) من المادة الخامسة منه على: «يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء، ويبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم». مع ملاحظة التعديل الذي طرأ على هذه الفقرة فيما بعد. ويمكن أن يفهم من عدم النص في النظام الأساسي على أن الحكم «وراثي»، وتخصيص الحكم في ذرية المؤسس أنه ليس تأسيساً لمبدأ «توارث العرش» بمفهومه الدقيق، الذي يلزمه خط أو تسلسل معلوم، ونص وتطبيق النظام الأساسي للحكم لم يأت بذلك، حيث لم يجعل استنفاذ الحكم في أبناء المؤسس لازماً لانتقاله لأبناء الأبناء. والواقع الدستوري المعمول به يؤيد هذا التفسير.

الملك عبد الله بن عبد العزيز

هيئة البيعة

توفي الملك فهد في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض فجر يوم الاثنين 26 جمادى الآخرة 1426هـ - 1 أغسطس 2005م، وهناك تقدم الأمير سلطان بن عبد العزيز وتبعه كبار الأمراء مبايعين أخاهم عبد الله ملكاً، وجاء في بيان الديوان الملكي الذي تلاه وزير الإعلام إياد مدني: «لقد قام أفراد الأسرة بمبايعة صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز ملكاً على البلاد وفق المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم، وبعد إتمام البيعة أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية اختيار صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز ولياً للعهد حسب المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم، وقد بايع أفراد الأسرة سموه على ذلك...»، وجاءت هنا كلمة «اختيار» الملك لولي العهد، وذلك وفقاً لنص النظام الأساسي للحكم.

تلقى الملك وولي عهده البيعة يوم الأربعاء في قصر الحكم من الأمراء والعلماء والقادة العسكريين وكبار رجالات الدولة والمواطنين وفق التقاليد العريقة والمراسم المتبعة، ووجّه الملك خطابه إلى الأمة، وأصدر الأوامر وعفا عن السجناء، واستقبل المهنئين بتوليه مقاليد الحكم من رؤساء الدول وممثليهم.

وجاءت هذه البيعة بأوليات، فهي أول بيعة تتم بعد وفاة الأمير محمد بن عبد العزيز الذي كان دوره مؤثراً في البيعات السابقة، كما أنها أول بيعة تتم في قصر الحكم بعد إعادة بنائه على طراز العمارة النجدية الحديثة والذي أصبح يعرف بـ«العمارة السلمانية» نسبة إلى دور الملك سلمان في تبني هذا التوجه العمراني.

وأول بيعة بعد صدور النظام الأساسي للحكم مع النص عليه في بيان الديوان الملكي. كما كانت البيعة الأولى في عصر الإنترنت والقنوات الفضائية والصحف والمواقع الإلكترونية والتغطيات المباشرة التي بثت مباشرة مراسم البيعة، كما بثت خطاب العرش الملكي.

وفي يوم 26 رمضان 1427هـ الموافق 19 أكتوبر 2006م، أصدر الملك عبد الله أمراً ملكياً يتضمن صدور نظام هيئة البيعة من 25 مادة، وتعديل الفقرة (ج) من المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم ليصبح نصها: «تتم الدعوة لمبايعة الملك واختيار ولي العهد وفقاً لنظام هيئة البيعة». ونص الأمر على أن أحكام نظام هيئة البيعة تسري على الحالات المستقبلية ولا تسري على الملك وولي العهد الحاليين. كان صدور ذلك النظام وقبله النظام الأساسي للحكم مراحل مهمة من التطور السياسي والبناء الدستوري للدولة. ويشير أستاذ القانون الإداري والدستوري الدكتور إبراهيم الحديثي إلى أن «نظام هيئة البيعة جاء تأكيداً لاستقرار الحكم وسلاسة انتقال السلطة...»، ويعزو ذلك لارتباط البيعة بأهم منصبين في المملكة العربية السعودية (الملك وولي العهد).

وفي 1 ربيع الثاني 1430هـ - 27 مارس 2009م صدر الأمر الملكي بتعيين وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء. وإثر وفاة ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز، أصدر الملك عبد الله أمراً ملكياً يوم الخميس 30 من ذي القعدة 1432هـ - 27 أكتوبر 2011م، وذلك بعد إشعار رئيس وأعضاء هيئة البيعة باختيار الأمير نايف ولياً للعهد وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء إضافة إلى احتفاظه بحقيبة الداخلية. وفي قصر الملك عبد الله بالرياض بايع رئيس وأعضاء هيئة البيعة الأمير نايف، وكانت هذه أول بيعة تتم بعد إنشاء الهيئة، وعصر يوم السبت التالي وفي قصر الحكم بايع الأمراء والعلماء وكبار رجالات الدولة والمواطنون الأمير نايف ولياً للعهد.

وبعد وفاة الأمير نايف أصدر الملك عبد الله أمراً ملكياً يوم الاثنين 29 رجب 1433هـ - 18 يونيو 2012م باختيار (الأمير) سلمان ولياً للعهد وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء مع احتفاظه بحقيبة الدفاع.

بايع كبار الأمراء في قصر الملك عبد الله بالطائف (الأمير) سلمان بولاية العهد، ويوم الأربعاء تلقى البيعة في قصر السلام بجدة من الأمراء، وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، والمواطنين.

الملك سلمان بن عبد العزيز يتلقى البيعة ملكاً على البلاد والأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد في قصر الحكم (واس)

المبايعة وقصر الحكم

وفي قصر الحكم بالرياض بايعه الأمراء والعلماء والوزراء وأعضاء مجلس الشورى والقادة العسكريون والمواطنون. ويوم 21 ربيع الأول 1434هـ - 1 فبراير 2013م صدر أمر ملكي بتعيين المستشار والمبعوث الخاص لخادم الحرمين الشريفين الأمير مقرن بن عبد العزيز نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، لكن التطور اللافت الآخر الذي تم في عهد الملك عبد الله كان استحداث منصب ولي ولي العهد بموجب الأمر الملكي الصادر يوم الخميس 26 جمادي الأول 1435هـ - 27 مارس 2014م وتعيين الأمير مقرن في المنصب بعد تأييد أغلبية أعضاء هيئة البيعة، مع استمراره نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء.

وظهر يوم الأحد 29 جمادي الأول 1435هـ - 30 مارس 2014م تلقى الأمير مقرن في قصر الحكم بيعة الأمراء والعلماء والوزراء ورئيس وأعضاء مجلس الشورى وكبار المسؤولين من مدنيين وعسكريين والمواطنين.

توفي الملك عبد الله في مستشفى مدينة الملك عبد العزيز الطبية للحرس الوطني في الرياض، وأعلن الديوان الملكي فجر يوم الجمعة 3 ربيع الثاني 1436هـ - 23 يناير 2015م نبأ الوفاة، كما صدر بيان من الديوان الملكي، جاء فيه: «تلقى صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود البيعة ملكاً على البلاد وفق النظام الأساسي للحكم. وبعد إتمام البيعة، وبناءً على البند (ثانياً) من الأمر الملكي رقم أ / 86 وتاريخ 26 / 5 / 1435هـ، الذي نص على أن يبايع صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز آل سعود ولياً للعهد في حال خلو ولاية العهد، دعا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية - يحفظه الله - لمبايعة صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد، وقد تلقى سموه البيعة على ذلك».

أصدر الملك سلمان عدداً من الأوامر باستمرار جميع أعضاء مجلس الوزراء في مناصبهم وتعيين ولي العهد الأمير مقرن نائباً لرئيس مجلس الوزراء واختيار الأمير محمد بن نايف ولياً لولي العهد وتعيينه نائباً ثانياً، ووجّه الملك خطابه إلى الأمة.

جاءت هذه البيعة في عصر الثورة المعلوماتية ومنصات ووسائل التواصل، وشهدت أول بيعة إلكترونية عبر منصات التواصل، كما كانت أول بيعة ثلاثية مشتركة، لكن التقاليد الثابتة باقية، ففي مساء اليوم نفسه تلقى الملك سلمان وولي عهده وولي ولي العهد البيعة من الأمة في قصر الحكم، هذا القصر الذي شهد مبايعة الملوك السابقين وكان سلمان أحد شهود تلك البيعات.

وفي يوم الأربعاء 11 رجب 1436هـ - 29 إبريل 2015م رفع الأمير مقرن كتاباً إلى خادم الحرمين الشريفين يتضمن رغبته في الإعفاء من ولاية العهد، فصدر الأمر الملكي بالاستجابة لرغبة سموه، واختيار الأمير محمد بن نايف ولياً للعهد وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء واستمراره وزيراً للداخلية ورئيساً لمجلس الشؤون السياسية والأمنية، كما صدر في اليوم نفسه أمر ملكي آخر باختيار الأمير محمد بن سلمان - وبتأييد أغلبية أعضاء هيئة البيعة - ولياً لولي العهد وتعيينه نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء واستمراره وزيراً للدفاع ورئيساً لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. وفي مساء ذلك اليوم تقدم الأمير مقرن المبايعين في قصر الحكم بوسط الرياض، كما تلقى ولي العهد وولي ولي العهد البيعة من الأمراء والعلماء وكبار المسؤولين والقادة العسكريين والمواطنين. وقام الملك سلمان بزيارة الأمير مقرن في منزله بالرياض، كما وجّه له برقية الشكر الآتي نصها:

«صاحب السمو الملكي الأخ الأمير مقرن بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

تلقينا طلب سموكم إعفاءكم من منصبكم بما تضمنه من مشاعر الولاء والأخوة الصادقة، وهذا ليس بمستغرب على أخي العزيز، وقد قضيتم ما يزيد على نصف قرن في خدمة وطنكم متنقلاً بين أرجائه وتحملتم المسؤوليات المختلفة فيه بكل أمانة وصدق وإخلاص. سمو الأخ العزيز:

إننا والوطن جميعاً نحفظ لكم بكل اعتزاز ما قدمتموه من خدمات وما بذلتم في سبيله من جهود، وستظلون كما كنتم دائماً قريبين منا ومن وطنكم وإخوانكم، متمنين لسموكم الكريم حياة حافلة بالصحة والسعادة والتوفيق. والله يحفظكم ويرعاكم».

وفي يوم الأربعاء 26 رمضان 1438هـ الموافق 21 يونيو 2017م صدر أمر ملكي بناءً على تأييد أعضاء هيئة البيعة بأغلبية 31 من 34 عضواً، بإعفاء الأمير محمد بن نايف واختيار الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء واستمراره وزيراً للدفاع وما كُلّف به من مهام أخرى. وتلقى الأمير محمد بن سلمان البيعة من الأمراء والعلماء وكبار المسؤولين والقادة العسكريين والمواطنين في قصر الصفا بمكة المكرمة، وعلى بعد أمتار من المكان الذي تلقى فيه الملك عبد العزيز البيعة الملكية الأولى.

جاء هذا الاختيار ضمن رؤية الملك سلمان التجديدية الشاملة لمستقبل المملكة العربية السعودية، وستسطر صفحات التاريخ أن سلمان بن عبد العزيز هو من قاد البلاد في هذه المرحلة السياسية بالغة الدقة ونقل الحكم إلى جيل أحفاد عبد العزيز وأعاد هيكلة الدولة وتجديد شبابها، مع المحافظة على النهج الذي قامت عليه البلاد. وكما أشرنا إلى دور الأمراء الكبار من أبناء عبد العزيز في سلاسة انتقال السلطة فيما مضى من العهود، كان الأمير مقرن بن عبد العزيز مع كبار الأمراء أوائل المبايعين للأمير محمد بن سلمان في قصر الصفا.

الأمير محمد بن سلمان خلال تلقيه البيعة لولاية العهد من الأمراء والعلماء والمواطنين في قصر الصفا بمكة المكرمة في 26 رمضان 1438 للهجرة (واس)

أبناء عبد العزيز على العهد

حافظ أبناء و أحفاد عبد العزيز على هذا النموذج الفريد للدولة وقدّموا النسخة المعاصرة للتراث السياسي العربي والإسلامي، وظلّت سلاسة انتقال الحكم في المملكة على مدى المائة عام الماضية، دون حدوث أي «فراغ للسلطة» (فراغ دستوري) أو حتى «إعلان لحالة الطوارئ»؛ بل بتفاعل شعبي قلّ نظيره؛ حالة لافتة ومفاجئة لكثير من المراقبين والمحللين السياسيين.

قد عرفوا كيف يتعاملون مع أعباء ومتطلبات والتزامات ومسؤوليات الملك، كيف لا وهم أصحاب رسالة لا طلاب ملك. تحفهم عناية الله في مواصلة البناء على المنجز العظيم للملك عبد العزيز الذي أعيا كل محاولات التدوين والتأريخ.

ولو تأملنا في إرث الملك المؤسس السياسي والدستوري: توحيد البلاد وقلوب وعقول أبنائها ونيل الاعتراف الدولي بها وبإقليمها، وأخذ البيعة الشرعية لولي العهد وسنّها عرفاً، وإيداع أبنائه – أمناء إرثه – وصاياه المحفوظة بالتعاضد وإعلاء مصالح الشعب التي تجسدت فيهم جميعاً قيد حياته وبعد مماته، والشروع في تنظيم سلطات الدولة الثلاث بإصدار أنظمة خاصة بها، لأدركنا أن ذلك الإرث كان كفيلاً بجعل الملك عبد العزيز يغمض عينيه مطمئناً على دولة سيحافظ عليها من بعده أبناؤه «أغلى ما يملك»، كما قال لبعثة الأمم المتحدة تلك. وكيف به لو اطلع على منجزات أحفاده التي أدركنا.

لا يزال هناك الكثير من الزوايا والجوانب المتعلقة بتاريخ الدولة والبيعة لملوكها والتي تستلزم أن يُنقب في وثائقها ويُبحث في تاريخها ويُلقى الضوء على كثير من أخبارها، كما تستحق أن توثق وتبرز؛ بل وتُدرّس، وهنا يجب التنبيه إلى عبارة تتردد في الإعلام وعلى ألسنة البعض وهي «تجديد البيعة» وهذه عبارة لا تصح؛ فالبيعة من ركائز الحكم في الإسلام وهي عقد تأبيد لا ينتهي حتى يتجدد، كما أن بيعة ولي الأمر لا يجوز نقضها ولها قواعد وأركان وشروط وأحكام وكل ذلك مؤصل ومبسوط في كتب السياسة الشرعية، أما تكرار الحديث عن تجديد البيعة حتى وإن كان تعبيراً عن الولاء وبدافع الحب ففي نظري أنه مصطلح خاطئ، وأمر يجب أن يُعالج. أما الأمر الآخر فهو عدم وجود اعتماد رسمي لذكرى البيعة سواءً بالتاريخ الهجري القمري أو الشمسي وحيث أن الأيام الوطنية حدد الاحتفال بها بالتاريخ الشمسي فآمل أن يصدر اعتماد رسمي بذلك.


مقالات ذات صلة

سعوديون يحتفلون بـ«اليوم الوطني» في شوارع مصر

يوميات الشرق العلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة (الشرق الأوسط)

سعوديون يحتفلون بـ«اليوم الوطني» في شوارع مصر

جاب مواطنون سعوديون كورنيش النيل رافعين العلم السعودي، وشاركهم مواطنون مصريون الاحتفال.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
عالم الاعمال «دايسون» تطرح جهاز «إيرراب آي دي» بلون أخضر حصري في السعودية

«دايسون» تطرح جهاز «إيرراب آي دي» بلون أخضر حصري في السعودية

أعلنت «دايسون» طرح إصدار محدود من جهاز «إيرراب آي دي» الأخضر في السعودية، تزامناً مع اليوم الوطني.

رياضة سعودية الأمير فهد بن جلوي خلال استقباله المهنئين باليوم الوطني السعودي (الشرق الأوسط)

البعثة السعودية في دورة الألعاب الآسيوية: «عزنا بطبعنا»

احتفى الوفد السعودي المشارك في دورة الألعاب الآسيوية العشرين بذكرى اليوم الوطني للمملكة، تحت شعار «عزّنا بطبعنا».

علي القطان (ناغويا)
يوميات الشرق ارتسمت معالم العاصمة في عمق الأفق وسط فضاء حضري تتسع تفاصيله للفرح (واس)

السعودية تكتسي بالأخضر في احتفالها باليوم الوطني

توشحت مدن ومناطق السعودية باللون الأخضر احتفاء باليوم الوطني الذي يوافق 23 سبتمبر من كل عام، واحتفت مختلف مناطق البلاد ببرنامج واسع من الفعاليات.

إبراهيم القرشي (جدة) «الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج يأتي إطلاق اسم الملك عبد العزيز على الجامع ترسيخاً لإرثه الوطني (الهيئة الملكية للرياض)

جامع الملك عبد العزيز شمال الرياض... يخلّد إرث المؤسس بالذاكرة الوطنية

وجّه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بإطلاق اسم الملك عبد العزيز على جامع سيتم تنفيذه شمال مدينة الرياض، وتخصيص مساحة أرض تبلغ 88 ألف متر مربع.

عمر البدوي (الرياض)

الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

TT

الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

قبل الوصول إلى مدينة الخليل، التي تبعد عن القدس نحو 35 كم جنوب الضفة الغربية، على الطريق الالتفافي السريع المعروف بالطريق «60» يواجهك كثير من الشاخصات واللافتات التي توجّه العابرين على اختلاف جنسياتهم وأديانهم ومللهم، باللغات الثلاث، العبرية والإنجليزية والعربية، إلى وجهتهم، أياً كانت تلك الوجهة؛ فلسطينية أو إسرائيلية، أو ربما أبعد... «كرمي تسور - حلحول - بيت أمر - كريات جات - مخيم العروب - كريات أربع»، و«الحرم الإبراهيمي»... وغيرها.

نقطة مراقبة عند مجمّع غوش عتصبون الاستيطاني قبل الوصول إلى الخليل (الشرق الأوسط)

«ممنوع الدخول»

وقبل قليل من المدخل الرئيسي للمدينة، تعترضك لافتة ضخمة تحذر الإسرائيليين من الدخول إلى المنطقة «أ» الممنوعة عليهم، و«الخطرة»، متجاهلة أن 500 مستوطن يقيمون داخلها، ويحتلون قلب المدينة الأكبر في الضفة الغربية، أي البلدة القديمة، ويتقاسمون مع أهلها الشوارع والمنازل والمحلات والساحات وإطلالات الشرفات والحرم الإبراهيمي. ويحاولون كل يوم طرد جيرانهم، في معركة طويلة ومرهقة، وأصبحت شرسة إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر 2023.

في مطلع شارع «الشهداء»، المعروف في منطقة باب الزاوية المكتظة بالناس والمحال التجارية في الخليل، ينتظرك جنود إسرائيليون متأهبون. مهمتهم منع كل فلسطيني من الدخول إلى المنطقة، إلا أولئك القلائل الذين ما زالوا يسكنون هناك في أحد المنازل القديمة المتهالكة والمحاصرة، ولم يرحلوا على الرغم من أنهم يخضعون يومياً، في ذهابهم وإيابهم لتفتيش دقيق، كمشتبه بهم طوال الوقت.

قبل 7 أكتوبر وبعده

قبل السابع من أكتوبر، كنا دخلنا الشارع بعدما سمح لنا الجنود بذلك. ولكن، بعد نحو 100 متر فقط، أوقفنا جندي وقال إننا ممنوعون من مواصلة الطريق، بسبب «سحنتنا العربية»، متذرعاً بأنه لا يستطيع تأمين سلامتنا.

أما اليوم فلم يعد مسموحاً بالدخول ولا لمتر واحد.

جندي إسرائيلي يمنع العبور بأحد شوارع المدينة القديمة في الخليل (د.ب.أ)

دخلنا إلى البلدة القديمة عبر طرق أخرى مفتوحة، لكننا وجدنا الكثير من شوارع البلدة القديمة وقد أغلقت، ولم نستطع الوصول إلى مناطق كثيرة، ومن بينها شارع السهلة خلف الحرم الإبراهيمي، الذي أُغلق كذلك مثل شارع الشهداء وأصبح ممنوعاً على أي فلسطيني ما لم يكن أحد هؤلاء «المزعجين» سكان المنطقة.

خرج إلينا إسلام الفاخوري إلى حارات ليست مغلقة أمام أحد، مثل سوق «اللبن» الذي كان خاوياً؛ محال مقفلة بلا تجار ولا سكان ولا متسوقين، وهو جزء من شوارع أخرى متداخلة في البلدة القديمة.

قال الفاخوري لـ«الشرق الأوسط»، إنه يفضل الخروج لمرة واحدة في اليوم قبل أن يعود مرة أخيرة، لتجنّب الكثير من الإجراءات المذلّة والصعبة. موضحاً: «يعاملوننا كمشتبه بهم دائماً. يجب أن يكون اسمك مدرجاً على قائمة خاصة وتخضع للتفيش لدى خروجك وعودتك، ويدققون في الهويات ثم يسمحون لك بالعبور».

والفاخوري من بين قلائل بقي في منزله بشارع السهلة، قرب الحرم الإبراهيمي الذي يقع بالنسبة للطرفين الفلسطينيين والإسرائيليين في مركز الصراع.

تقاطع طرق رئيسي في مدخل الخليل (الشرق الأوسط)

يقول الفاخوري إنه بقي هنا لأنه لم يستطع تقبل فكرة مغادرة منزله كما أنه «لا يريد تركه لهم».

وأضاف: «إذا تركت البيت. فوراً يسيطرون عليه. هذا ما يريدونه أصلاً. كل ما يحدث يهدف إلى دفعنا لهجرة منازلنا. لماذا يضيق علينا الجيش؟ لماذا كل هذه الإجراءات؟ لماذا يهاجمنا المستوطنون؟ لأنهم يريدون المكان كله».

يشرح الفاخوري كيف تعرض وآخرون في المنطقة لهجمات واعتداءات متكررة، لكنه لم يستسلم، مؤكداً: «مش طالع ومش مستغني عن بيتي».

لم يغير الفاخوري موقفه حتى بعد السابع من أكتوبر عندما أصبحت معركة البقاء أصعب وأكثر تكلفة.

فمنذ السابع من أكتوبر صعّد المستوطنون في الضفة من سلوكهم العدائي وراحوا يشنون هجمات دموية في مناطق واسعة؛ يقتلون الفلسطينيين ويحرقون منازلهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم ويخربون مزروعاتهم، ويستولون على الأراضي والمنازل وتلال الجبال وحتى على المواشي.

وقال الفاخوري: «بعد 7 أكتوبر، أصبح كل مستوطن حكومة بحالها».

وأضاف: «كنا نتحرك بحرية أكبر، وكان الاحتكاك أقل. لكن بعد 7 أكتوبر كل شيء تغير. أغلقوا البوابات وزادوا الحواجز. وأصبحت كل حركة هنا محسوبة. وفوق كل ذلك نتعرض لهجمات واعتداءات متواصلة بلا حسيب أو رقيب. يهاجمون المنازل ويعتدون علينا في الشوارع. كل يوم مشكل. كل يوم».

ما قاله الفاخوري يعطي فكرة لماذا لم يعد هناك سكان في مناطق واسعة في البلدة القديمة والمحلات مغلقة.

جنود إسرائيليون يحرسون أحد مداخل البلدة القديمة في الخليل خلال زيارة 10 مستوطنين أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

معركة بدأت في 1978

بالطبع لم يكن إغلاقاً بدأ بعد السابع من أكتوبر، بل قبل ذلك بكثير؛ فمعركة المستوطنين قديمة لكنها استفحلت بعد ذلك التاريخ.

وبحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني أقيمت أولى البؤر الاستيطانية داخل البلدة القديمة عام 1978، باحتلال مجموعة من المستوطنين مبنى الدبويا وسط المدينة. وأطلق عليه المستوطنون فيما بعد اسم «بيت هداسا»، وبعد «عملية الدبويا» الشهيرة عام 1980، ورداً عليها قامت سلطات الاحتلال بهدم عشرات المنازل من أجل توسيع البؤرة الاستيطانية ذات الموقع الاستراتيجي. وفي عام 1983 أقيمت بؤرة قرب مبنى الدبويا عرفت باسم «بيت رومانو» بعد السيطرة على «مدرسة أسامة بن المنقذ» بزعم أنها أملاك يهودية.

وفي عام 1984 أنشئت بؤرة استيطانية جديدة (أبراهام أفينو) على موقع أثري في تل الرميدة، وأغلقت سلطات الاحتلال سوق الخضار المركزي في البلدة القديمة، وتم تسليمه فيما بعد للمستوطنين لإقامة بؤرة استيطانية جديدة؛ بالإضافة إلى بؤر أخرى مثل «بيت حسون» و«بيت شنرسون».

وقال المركز إن إسرائيل تسعى للسيطرة على المكان وتوسيع حجم البؤر الاستيطانية، وقد قامت من أجل ذلك باتباع سياسات عنصرية ضد السكان العرب، من خلال نشر عشرات الحواجز ونقاط التفتيش وإغلاق تام لبعض الشوارع والأسواق؛ في محاولة لطرد السكان العرب والتضييق عليهم؛ بغية تهجيرهم من المكان؛ حيث قدر عدد المحلات التجارية المغلقة بنحو 1829 محلاً تجارياً، منها 520 مغلقاً بأوامر عسكرية خاصة؛ والباقي مغلق من قبل أصحابها بسبب إغلاق الطرق ووضع الحواجز ونقاط التفتيش داخل الأزقة.

المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل بالضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه تُرفع أعلام إسرائيلية يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

يؤكد سكان البلدة الذين التقيناهم هناك على عجل إن «المعركة معهم قديمة، لكنها اشتدت في مرحلتين، وكانت مفصلية بعد الانتفاضة الثانية عام 2000، ثم بعد السابع من أكتوبر 2023».

وإلى اليوم، غادر معظم سكان البلدة البالغ عددهم 40 ألفاً.

«الحرم الإبراهيمي»... على مرمى حجر

كان الحرم الإبراهيمي الذي يصفه الفلسطينيون بأنه أقدم مكان مقدس في العالم، على مرمى حجر. وقبل الوصول إليه، دبّ في المكان بعض الحياة؛ محلات قليلة مفتوحة يعرض فيها حرفيون وصناعيون بعض الحلي والخزف والمنحوتات الخشبية، والكثير من خرائط فلسطين والمطرزات، والأكواب المزينة والبخور وحلوى الحلقوم في مصنع قديم للغاية، أقدم من الاحتلال نفسه.

تزينت إحدى واجهات العرض بصورة للشاعر الراحل محمود درويش مرسومة على قطعة من الصدف وكتب إلى جانبها ما قاله يوماً: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». وإلى جانبه كانت هناك رسمة لفيروز وكتب إلى جانبها «أنا لحبيبي وحبيبي إلي»، وغير ذلك من خزفيات لا تشبه اللحظة.

جندي إسرائيلي يصلي خارج الحرم الإبراهيمي (مغارة المكفيلا) في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

ولكن على هذه الأرض مقابل الحرم الإبراهيمي، وقف جندي إسرائيلي خلف بوابات أمنية متأهباً ومتسلحاً، يراقب الراغبين بالصلاة، ثم يمنحهم إذناً بالمرور، عبر ضوء أخضر فقط.

مررنا ببوابات دوارة أو ما يسميه الفلسطينيون ساخرين «المعاطات» ثم ببوابات إلكترونية، قبل أن يفحص الجندي هوية كل شخص، ثم عبرنا إلى أكشاك أمنية تحت كاميرات مراقبة، وجنود حراسة، قبل أن تفحص جندية هناك الهويات مرة أخرى، ثم تسمح لنا بالمرور إلى الحرم الإبراهيمي.

خطوات قليلة تشبه عبور حدود بلد أو مقر وزارة دفاع ما، وليس مسجداً للصلاة.

كان للمكان الذي يحمل الكثير من القدسية للمسلمين هيبته، لكن قليلين كانوا هناك يصلون.

البعض جاء لأول مرة في حياته، فراح يتفقد بكثير من الدهشة مقامات الأنبياء ويكتشف زوايا كثيرة عتيقة تحت أعين الكاميرات الإسرائيلية.

كانت الكاميرات في كل مكان. وأينما وليت وجهك كان ثمة كاميرا ترصد كل حركة وكل كلمة.

فلسطينيون ينتظرون عند حاجز إسرائيلي من أجل أداء الصلاة بالمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

مدير الحرم: يبثون الخوف فينا

لم يكن الشيخ معتز أبو سنينة، مدير الحرم، متحمساً لفكرة القيام بجولة في المسجد، حتى وإن بدون كاميرات أو تصوير، كي لا يستغل الإسرائيليون ذلك ويقتحموا المكان.

وطبعاً لم نصل المكان بكاميرات تصوير وميكروفونات، لأن ذلك كان سيكلفنا ساعات من الأسئلة والأجوبة وانتظار موافقات قد لا تأتي أبداً.

كانت السلطات الإسرائيلية عززت كاميرات الحرم لتطال كل زاوية بالصوت والصورة، وأجبرت إدارة الحرم على وضع مسارات خاصة فوق السجاد بحيث يتمكن الجنود من اقتحام المسجد في كل وقت وبسرعة.

وقال أبو سنينة لـ«الشرق الأوسط»: «أنت ترى. كل من يدخل إلى هنا كأنه يدخل إلى ثكنة عسكرية، وهو قيد المراقبة. حواجز بوابات وفحص دقيق وتفتيش وتدقيق بالهويات. هذه إجراءات يومية تطال كل الوافدين والقادمين إلى الحرم الإبراهيمي الشريف والذين يتعرضون أحياناً إلى إهانة ومذلة. طبعاً بما في ذلك سدنة الحرم وموظفو الحرم وإدارة الحرم، كل من يدخل إلى هذا المكان تحت مراقبة شديدة بالصوت والصورة».

بالنسبة لمدير الحرم كل هذا جزء من سياسة أوسع لمحاولة فرض واقع جديد لتفريغ الحرم وجعله مكاناً لليهود.

مصلّون داخل المسجد الإبراهيمي (الشرق الأوسط)

كان الحرم بالفعل بدون مصلين كثر، وأكد أبو سنينة أن الوضع تغير إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر، ووصل إلى حد منع كل فلسطيني تحت سن 25 عاماً من دخول الحرم نهائياً.

وأضاف: «إنهم يبثون الخوف والرعب في نفوس القادمين».

تقسيم زمني ومكاني

بقي جزء آخر من الحرم ممنوع علينا بشكل تام كما هو عليه الوضع في البلدة القديمة.

فبعد مجزرة الحرم الشهيرة عام 1994 التي قتل فيها المستوطن الطبيب في الجيش الإسرائيلي باروخ غولدشتاين 29 مصلياً، سيطرت إسرائيل على 63 في المائة من الحرم وحولته إلى مكان خاص باليهود.

كان غولدشتاين ناشطاً في حركة «كاخ» الإرهابية، التي أسسها المتطرف مائير كهانا.

وقال أبو سنينة: «63 في المائة ممنوعة على المسلمين منذ ذلك الوقت».

كان هناك باب فاصل وخلفه تقام صلوات تلمودية وحفلات صاخبة ونفخ في البوق. لا أحد يستطيع من المسلمين الدخول إلى هناك إلا 10 أيام في السنة، وهي أيام الجمعة في رمضان وليلة القدر وعيدا الفطر والأضحى وذكرى المولد النبوي، وذكرى الهجرة النبوية وذكرى الإسراء والمعراج». ومقابل ذلك هناك 10 أيام يمنع المسلمون من دخول الحرم نهائياً، وهي أيام خاصة بالأعياد اليهودية.

هذا ما يعرف بالتقسيم الزماني والمكاني الذي يخشى الفلسطينيون أن يحصل في المسجد الأقصى في القدس، كذلك.

قام المؤذن فأقام الصلاة وسط الناس القلائل، بعدما كان ممنوعا من الوصول إلى غرفته التي تقع في القسم الذي يسيطر عليه الإسرائيليون.

كان ممنوعاً عليه رفع الأذان عبر مكبرات الصوت والسماعات الخارجية.

قبل ذلك كان على المؤذن أن ينتظر وصول الجنود الإسرائيليين من أجل أن يصحبوه إلى غرفته، فيؤذن بالناس ثم يغادر بصحبتهم كذلك في رحلة قصيرة محفوفة بالمخاطر.

ولكن لا يسري هذا في كل أوقات الصلاة، إذ يمنع عليه الوصول في أوقات محددة من أيام السبت والجمعة وساعات من الليل.

طفل فلسطيني أمام أحد الأضرحة داخل الحرم الإبراهيمي خلال رحلة مدرسية (الشرق الأوسط)

أضرحة مشتركة وصراع على الرواية

كانت أضرحة إبراهيم ويعقوب وإسحق ويوسف أكثر الأمكنة زيارة وفرصة لأخذ الصور التذكارية.

وهي الأضرحة التي يقول اليهود إنها دليل على أن المكان يخصهم كذلك. فالصراع هنا ليس صراعاً متعلقاً بالاحتلال فحسب، بل أيضاً صراع على الرواية والمكانة الدينية بما تحمله من هوية.

وقال أبو سنينة: «إنهم يحاولون طمس الرواية والهوية. هم يقولون هذا المكان لنا. ونحن نقول مكان إسلامي خالص. هم يعتقدون بالانتساب لإبراهيم؛ ويقولون إنهم نسل ابنه، ولهم الحق في هذا المكان لكن نحن أحق بالأنبياء. ما كان إبراهيم يهودياً».

رواية مدير الحرم هي رواية الفلسطينيين والمسلمين، لكنها غير مقبولة في إسرائيل. ويقدس الإسرائيليون الحرم الإبراهيمي الذي يُطلقون عليه اسم «مغارة المكفيلا»، لأنه يحوي قبر النبي إبراهيم وزوجته سارة، في مغارة أسفل البناء المقام حالياً.

مستوطنون إسرائيليون برفقة الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش يرفعون علماً إسرائيلياً فوق مستوطنة جديدة في جبل الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

سموتريتش يعلن الحرم «ملكية سيادية»

بعد وقت قصير من زيارتنا، ذهب وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش إلى الحرم الإبراهيمي، وأعلن من هناك أن الحرم الإبراهيمي في الخليل هو «أول ملكية سيادية للشعب اليهودي»، مؤكداً من المكان الذي وصل إليه لافتتاح المساحات المسقوفة التي كان أشار إليها أبو سنينة أن الحرم سيبقى للأبد رمزاً لسيادة إسرائيل في الضفة الغربية.

وقالت «القناة 14» الإسرائيلية إن سموتريتش الذي قاد فعالية إنهاء أعمال سقف وترميم شاملة في الحرم الإبراهيمي، يستكمل خطوة تاريخية في الحرم، وذلك عقب القرار السابق له بإنهاء العمل باتفاقيات الخليل وسحب الصلاحيات المتعلقة بهذا الشأن من البلدية الفلسطينية في البلدة القديمة في الخليل.

وكان سموتريتش أعلن في يونيو (حزيران) الماضي إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، التي يسميها أرض الآباء. وقال آنذاك في حفل افتتاح مستوطنة «دورون» الجديدة في جبل الخليل في الخليل: «لقد ألغينا اتفاقيات الخليل. لسنوات عديدة، ظل أحد أكثر بنود أوسلو عبثية ساري المفعول، عندما مُنحت السلطات المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الخليل والأماكن المقدسة لبلدية الخليل».

ونص القرار الذي أعلنه سموتريتش بعد أن صادق عليه «مجلس التخطيط الأعلى» في «الإدارة المدنية» التابعة للجيش الإسرائيلي على سحب صلاحيات التخطيط والبناء في المنطقة «H2» من بلدية الخليل وهي البلدة القديمة.

جنود إسرائيليون منتشرون في شوارع المدينة القديمة بالخليل خلال زيارة سياحية لوفد من 10 مستوطنين للمنطقة أكتوبر 2026 (رويترز)

الخليل... تطوي صفحة أوسلو

الخليل هي المدينة الفلسطينية الوحيدة في الضفة التي حصلت على اتفاق خاص عام 1997 قسمها إلى منطقتين H1 وH2 فيما عرف بالبروتوكول المتعلق بإعادة الانتشار في الخليل، وكان ذلك استمراراً لاتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995 وعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي بدأت بموجب اتفاقيات أوسلو في عام 1993.

وبموجب اتفاقية الخليل، سحبت إسرائيل قواتها من المنطقة المصنفة H1 في الخليل، التي تمثل نحو 80 في المائة من المدينة، وتولت السلطة مسؤولية القضايا الأمنية هناك، والمدنية، ومقابل ذلك احتفظت إسرائيل بالسيطرة الأمنية على المنطقة المصنفة H2، البالغة 20 في المائة من المدينة، التي تشمل منطقة البلدة القديمة، وتضم الحرم الإبراهيمي والمستوطنة اليهودية في الخليل، فيما نقلت السلطات المدنية إلى السلطة.

وقال سموتريتش: «هذا أكثر بكثير من مجرد خطوة تخطيطية، إنه تعديل تاريخي. نحن نواصل ثورة الاستيطان، وتعزيز الحكم، وتعميق السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)». وبحسبه هذه الخطوة تنطبق على جميع «المواقع الدينية والتاريخية» في الخليل. كانت الخطوة تعني نهاية حقبة أوسلو في البلدة القديمة في قلب الخليل.

صبي إسرائيلي يحمل لعبة على شكل بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة مارس 2024 (أ.ف.ب)

لم يوافق الفلسطينيون. وحذرت الرئاسة من خطورة الخطوة معتبرة أنها تمس الوضع السياسي والقانوني لمدينة الخليل، والاتفاقيات الثنائية الموقعة بخصوصها. رفضت بلدية الخليل كذلك الخطوة وقالت إنها لا تقبل بها.

لكن على الأرض ثمة واقع مختلف، أصبحت إسرائيل أكثر سيطرة على كل شيء في قلب الخليل، بما في ذلك الحرم الإبراهيمي.

وبعد يوم واحد فقط من إعلان سموتريتش «إلغاء اتفاقيات الخليل» تمت الموافقة على بناء كبير لصالح مدرسة دينية يهودية، قرب الحرم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الموافقة على بناء المدرسة الدينية تم دون الحاجة إلى موافقة البلدية الفلسطينية، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.

في كلمته التي ألقاها في الحرم الإبراهيمي محتفلاً بأعمال سقفه، قال سموتريتش: «مغارة المكفيلا (الحرم الإبراهيمي) هي أول ملكية سيادية لشعب إسرائيل. المكان الذي اشتراه سيدنا إبراهيم أصبح رمزاً لسيادتنا على هذه الأرض».

زيارات لتثبيت الذاكرة

لكن ليس كل شيء يمكن فرضه بالقوة. خارج المصلى الرئيسي كان ثمة رحلة مدرسية، تحاول المعلمات خلالها الشرح للتلامذة تاريخ الحرم ومكانته والمجزرة.

بائع حلوى فلسطيني داخل البلدة القديمة في الخليل (الشرق الأوسط)

وقالت المدرّسة شريفه دويك لـ«الشرق الأوسط»، إنها قررت أن تغامر وتأتي بهم إلى الحرم بعدما تنبهت لأنهم لا يعرفون أي شيء عنه. كان الأطفال متحمسين كأنهم في مغامرة، وراحوا يشرحون كيف دخلوا من أمام الجنود بدون تفتيش، وأنهم سيعودون مرة أخرى. قالت دويك إنه كان ضرورياً أن يزوروا المكان الذي يريد اليهود أن ينساه كل فلسطيني.

وقال الحاج عبد العزيز أبو حلتم إنه جاء من ترقوميا البعيدة من أجل زيارة الحرم والبلدة القديمة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا آتي كثيراً بسبب المخاطر وساعات الانتظار الطويلة. لكني قلت سأغامر وفعلاً تعبت من الانتظار قبل أن أصل إلى الحرم».

لا يعاني اليهود من ذلك، بل يصلون معززين بالحراسات الكثيرة في محاولة لإظهار يهودية المكان.

ويحرس نحو 1500 جندي إسرائيلي المستوطنين الـ500 في قلب الخليل.

كانت الأعلام الإسرائيلية أيضاً تحيط بأسوار الحرم الإبراهيمي في محاولة أخرى لتثبيت الرواية بصرياً بكل الطرق الممكنة.

كذلك كان يمكن مشاهدة الكثير من هذه الأعلام في مناطق واسعة في قلب الأحياء العربية.

منازل في مستوطنة أفرات كما بدت من خلف السياج الشائك بالطريق إلى الخليل (الشرق الأوسط)

جيران أعداء

ومن مكان ليس بعيداً عن الحرم ومطلاً، كان التداخل السكاني في مناطق واسعة في البلدة القديمة مذهلاً للغاية. يعتلي اليهود محلات كانت للعرب، ويفصل بين بيوتهم وبيوت الفلسطينيين جدران فقط.

قبل السابع من أكتوبر حين كان يمكن للفلسطينيين فتح محلاتهم، اضطر أصحاب المحلات إلى حماية الشارع بشبكة من الأسلاك الشائكة، حتى تقيهم مما يلقيه المستوطنون من فوقهم، أما اليوم فأغلقت هذه المحلات عن بكرة أبيها.

وفيما يتمتع المستوطنون في «بيت إبراهيم»، و«بيت هداسا»، و«بيت رومانو»، و«تل رميدا» بالحماية الكاملة، قتل فلسطينيون كثر في المنطقة في سنوات سابقة بحجة طعن أو نية طعن جنود ومستوطنين.

رغم ذلك لم يغادر محمود محامرة بيته الذي وضعت خلفه بوابة خشبية محكمة الإغلاق لتفصله عن شارع الشهداء.

لم يكن يريد الإسرائيليون أي تواصل محتمل.

والبوابة الأخيرة هناك كانت جزءاً من نظام واسع من البوابات التي تغلق شوارع البلدة القديمة، والحواجز والكاميرات الأمنية.

جنود إسرائيليون خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 مايو 2026 (رويترز)

قال محامرة الذي يعتبر في منطقته أقرب جار للمستوطنين إنه يعيش في قلق، تحول إلى كابوس بعد السابع من أكتوبر.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «كانوا يزعجوننا دائماً لكن بعد السابع من أكتوبر الحياة أصبحت غير محتملة». يتذكر محامرة قبل الانتفاضة الثانية أوقاتاً من الرخاء، لم تدم كثيراً. وقال: «كنا عايشين مع بعض. كان في حياة لكن الآن لا».

ومن على سطح منزله، راح محامرة ينظر إلى حارات كانت كلها للعرب وصارت كلها لليهود. يأخذون البيوت ويرفعون عليها علماً إسرائيلياً. رغم ذلك لا يفكر محامرة بالخروج. وقال: «مش راح أطلع من هون».

و«مش طالعين» بات شعار يرفعه كل الفلسطينيين في الضفة الغربية، لكن ليس جميعهم يستطيعون الوفاء به، إذ يواجهون اليوم أكثر حكومة إسرائيلية متطرفة، وأكثر مستوطنين عنيفين على مر الصراع.

وتعمل الحكومة الإسرائيلية اليوم لتنفيذ خطة الحسم التي تنطلق من أن الحيز بين نهر الأردن والبحر لا يتسع إلا لمطالبة قومية شرعية واحدة، المطالبة الصهيونية بالسيادة اليهودية الكاملة.

واتهمت منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، الدولة العبرية بانتهاج مجموعة من السياسات المتزامنة في الضفة، في سياق مشروع أوسع يهدف إلى محو الفلسطينيين كشعب. كل هذا يحدث في البلدة القديمة في الخليل اليوم وربما تشكل الخليل بالنسبة لاسرائيل «بروفة» لما يجب ان يحدث في باقي الضفة.

غادرنا الحرم والبلدة القديمة وعبرنا بواجهة أحد أقدم المحلات، حيث رفعت خريطة كبيرة لفلسطين، نقشت عليها كلمات درويش المعروفة «كانت تسمى فلسطين... صارت تسمى فلسطين».


مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
TT

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

كانت القنبلة مخبأة داخل جهاز تسجيل في مسجد «أبو ذر» بطهران، بينما علي خامنئي يلقي محاضرة على مصلين في يونيو (حزيران) 1981. انفجر الجهاز، وأصيب عدد من الأشخاص، كان هو أشدهم تأثراً بجروح بليغة.

«ذَهبتُ إلى حافة الموت لكن الله أعادني (...) شعرت أنه ينتظر مني أداء تكليف عظيم». كانت هذه كلمات خامنئي مستعيداً لحظاته وقت الانفجار؛ نجا بيد يمنى مشلولة، وربط نجاته بانتظار ذلك «التكليف».

أمضى خامنئي نحو 37 عاماً مرشداً لإيران، خلفاً للمرشد الأول الخميني. ومع بلوغه ذروة النفوذ، متمركزاً في شبكات معقدة وأدوات متفرعة لضبط «الثورة الإسلامية»، تطلب الأمر - كما تفيد تقديرات - نحو 15 دقيقة من غارة إسرائيلية، أواخر فبراير (شباط) الماضي، لينتهي فصل طويل من إيران التي كنا نعرفها، ويبدو أنها تغيرت على نحو ملتبس.

المرشد السابق علي خامنئي خلال تلقيه العلاج داخل مستشفى «بهارلو» بطهران بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في يونيو 1981 (موقع المرشد)

حتى مع مجيء المرشد الثالث مجتبى خامنئي، فإن التركة التي أورثها الأب من صلاحيات مطلقة ورمزيات دينية مكثفة، ومصالح متشابكة، ومركزية سياسية وعسكرية ومالية، لم يحصل عليها الابن بوصفه مرشداً تقليدياً، بل تقاسمها «أبناء» عديدون، كما تفعل التنظيمات الأصولية حين تنتقل بحكم الصدمة والاضطرار إلى العمل الشبكي، الخيطي.

ثمة جدل بشأن ما إذا كان خامنئي قد جهز «الثورة الإسلامية» للعمل بلا رأس، عبر رؤوس متعددة تعمل بشكل شبه مستقل، أو أنه لم يكن يتخيل المصير الذي انتهى إليه، لاعتقاده بأن «يد الله» تحميه، كما كان يكرر في مناسبات عامة، غير أن ابنه مجتبى سيبدو جواباً على لغز الدولة العميقة في إيران، التي استعدت لولادة جمهورية تعمل مثل شبكات خيطية.

في الحالتين، إيران اليوم جمهورية من خلايا متفرقة، تشبه سلوك في طريقة عملها أذرعها «المقاومة».

«لا نتحدث عن معركة الآن»

بنت «الثورة الإسلامية» مجدها على الردع البعيد. خامنئي نفسه، في هذا الردع، لم يكن يتخيل، على الأرجح، أن تقترب منه نيران المواجهات. كان هو أكثر من عبر عن هذه المقاربة، دون غيره.

في مارس (آذار) 2011، لم يخف خامنئي ارتياحه لاندلاع ما سمي آنذاك «الربيع العربي»، وقال: «في هذه الأحداث، يمكن الشعور بيد قدرة الله». وفي مايو (أيار) 2019، كان أنصاره يهتفون أمامه بشعار يدعو بحماس إلى «معركة ضد أميركا». أوقفهم خامنئي، قائلاً: «الآن لا نتحدث عن معركة. القضية هي المقاومة».

بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت إيران تتعرض إلى ضغوط متواترة للرد على إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك ابتكرت طهران «الصبر الاستراتيجي»، الذي وصل إلى إخضاع قوى إقليمية، من وكلاء وأذرع، لفترات من الهدنة، ليست قصيرة.

من الواضح أن استراتيجية خامنئي مزيج من تصوره الديني عن التاريخ، وتكتيك إيران الذي يستند إلى إبقاء المعركة بعيدة عن طهران. حتى بعد وقائع 7 أكتوبر 2023؛ إذ يصفها رجل دين عراقي من النجف بقوله: «كأس سم سقاه يحيى السنوار للمرشد».

أشخاص يسيرون بجوار جدارية تصور المرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران 13 أغسطس 2026 (رويترز)

طوال 4 عقود من وجوده على هرم السلطة، وبينما تجنب المواجهة المباشرة، كان المرشد ينسج خيوط النظام الشبكي من خلال تعيين أشخاص موالين لإدارة ملفات حيوية في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام.

يشاع في طهران وبغداد وبيروت، بين دوائر مطلعة، أن مكتب المرشد ليس «مؤسسة في مبنى تقليدي لديها حارس وبوابة»، بل شبكة واسعة غير مرئية تضم عدداً غير متوقع من المسؤولين والممثلين والمندوبين والأذرع، تصل حتى إلى مؤسسات تقع تحت إشراف رئيس إيران، وظيفتهم جميعاً التأكد من أن «المرشد يرى ويسمع، ويقرر في كل شيء».

في بغداد، ظهر انعكاس لهذا التمدد، يكشف عنه مسؤول سابق، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «رجل دين إيرانياً كان يواظب على تدقيق السياسة النفطية العراقية بشكل يومي، بأوامر شخصية من المرشد». وأضاف: «خامنئي أو مكتبه حريص على أن يحصل على تحديثات يومية بشأن الملفات الاستراتيجية».

الخطوط الحمراء... حمراء

يتجاوز موقع خامنئي حدود الدستور لـ«المرشد». يقول الباحث العراقي علي المدن، إنه «ومن خلال عقود طويلة تمتد إلى ما قبل (الثورة الإسلامية) عام 1979، راكم خامنئي عوامل وموارد تجاوزت الحدود التقليدية للصلاحيات الدستورية للمنصب. جمع، إلى جانب تجربته السياسية، رئاسة الجمهورية، وموقعه الديني، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل المؤسسات».

يميل المدن، وهو باحث في «الفلسفة الإسلامية»، راكم خبرته عبر أكثر من 3 عقود من الدراسة والعيش في قم، إلى الاعتقاد بأن «موقع خامنئي الأب ليس نتاجاً لاختصاصاته الدستورية فحسب، إنما أيضاً للخبرة المتراكمة وقدرته على إدارة التوازن بين المؤسسات ومراكز القوة المختلفة».

لكن الطريقة التي بنى فيها خامنئي سلطاته غير التقليدية كانت محمية على الأرجح بفكرة الردع؛ إذ يضخ فيها «بعداً إلهياً»، في كل مرة يظهر فيها إلى العلن، مهما كان السياق.

عام 2018، كان ضيق العيش يطبق على الإيرانيين مع تفاقم العقوبات الأميركية. في أغسطس من ذلك العام، احتشد الآلاف حول منبر خامنئي ليسمعوه يقول: «أشعر بيد الله القوية تتجلى وتتبلور في قوة الشعب». هكذا تسرب إلى جمهور المرشد في إيران، وبلدان ما يسمى بـ«محور المقاومة»، كيف أن الخطوط الحمراء، حمراء لا يمكن كسرها.

مشيعون يتجمعون خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران (رويترز)

يقول سياسي عراقي احتك لسنوات مع سياسيين على صلة وثيقة بمكتب المرشد الأب، إنهم ليسوا أقل ثقة من خامنئي بأن «يد الله» تحميه، وتحمي «الثورة الإسلامية» وتحميهم، بل إن أقصى ما كان يعده من سيناريوهات عن المواجهات، حين تصبح مباشرة، أنها «قد تصيب الرجل الذي يجلس جوار المرشد، وليس المرشد»، على حد تعبير أحدهم.

هل كان خامنئي متيقناً من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يأمرا باغتياله؟ من الصعب الحصول على إجابة حاسمة، لكن المرشد نفسه حتى حين كان يتوقع انقلاب الأمور رأساً على عقب، كان يشير إلى الآخرين. في 10 يونيو (حزيران) 2005، وبمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول، قال خامنئي إن «هذه اليد القوية (يد الله) قد تتحول أحياناً إلى قبضة وتضرب الإنسان على رأسه».

يميل السياسي العراقي إلى أن «خامنئي لم يكن يريد الذهاب إلى المواجهة، بل إطالة الصراع على الأقل إلى نهاية حياته بالطريقة الطبيعية، وليس كما فرضها الإسرائيليون والأميركيون».

ومن وجهة نظره، فإن «بلوغ الصراع حافة قتل المرشد يعني أن مرحلة طويلة من تاريخ إيران وصلت إلى لحظة أفول».

خامنئي الابن... مرشد «الحرس»؟

مع أن كثيرين يرجحون فرضية أن خامنئي عارض توريث مجتبى مرشداً لإيران، إلا أن الأب ترك ابنه في وقت مبكر متوارياً، يتوغل في المجتمع والمؤسسات، من باب «الحرس الثوري». يقول أشخاص عراقيون ولبنانيون عاصروا تحولات إيران خلال التسعينات، طلبوا عدم الإشارة إلى أسمائهم، إن مجتبى استغل «مرونة هاشمي رفسنجاني (كان رئيساً لإيران حين لعب دوراً محورياً في انتخاب الأب مرشداً عام 1989) وانغمس في نسج علاقات مع الجميع، داخل الحرس، الحوزة، السوق، الجيش، الباسيج، والقضاء».

قال أحدهم إن خامنئي الابن هو من زج بـ«مير حسين موسوي» إلى السجن، وقضى على حركات سياسية في مهدها، أو في طور نشوئها، هندس وصول إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة، وأسس فلسفة جديدة تتحول الدولة فيها، كمؤسسات، إلى ما يشبه (حزب الله) في قلب الدولة». لقد تعلم الرجل مبكراً مبادئ «الدولة العميقة».

هل كان الأب خامنئي يعارض التوريث، بوصفه مشروعاً يناقض «الثورة الإسلامية» التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، لكنه في المقابل سمح للابن بأن يرث الدولة العميقة التي عينته مرشداً، أو «واجهة لها»، كما يصف رجل الدين العراقي من النجف؟

امرأة تمر بجوار ملصق يحمل صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

بالنسبة للباحث علي المدن، «مجتبى خامنئي ابن النظام؛ نشأ وكبر داخله (...) إنه منتَج لمؤسساته وليس واحداً من مؤسسيه، ولم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً عاماً مماثلاً للمناصب التي شغلها والده قبل توليه القيادة، كما أن حضوره داخل المؤسسة الدينية لا يمتلك، حتى الآن، الامتداد نفسه الذي اكتسبه والده عبر عقود من التكوين العلمي وممارسة السلطة. ومن ثم فإن انتقال المنصب له لا يعني بالضرورة انتقال جميع الموارد الشخصية والسياسية التي كانت متجمعة في شخص والده».

الهوة التي يراها مختصون شاسعة بين الأب والابن تدفع رجل الدين من النجف إلى الجزم بأن «خامنئي الأب هو آخر مرشد يحمل الحد الأدنى من شروط الفقاهة، كما أنه الأخير الذي يمتلك هيمنة حقيقية على (الحرس الثوري)، على عكس خامنئي الابن الذي يهمين عليه الحرس ويدير أموره».

لا يعني ذلك، أيضاً، أن موقع المرشد أصبح رمزياً أو أن صلاحياته انتقلت إلى مؤسسة أخرى؛ إذ يميز علي المدن، بين «السلطة الدستورية للمرشد، وقدرته العملية على تركيز عملية صنع القرار في شخصه».

جمهورية انشطار الخلايا

إذا لم تنتقل السلطة من يد خامنئي الأب إلى ابنه المستتر حتى الآن، فأين استقرت؟ الجواب الجاهز أن «الحرس الثوري» يتحكم بكل شيء. على الأقل فإن هذه المؤسسة التي يمتد نفوذها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية إلى عواصم في الشرق الأوسط ومناطق في غرب آسيا وأخرى بعيدة، هي التي أشرفت وأدارت جلسة انتخابه من قبل مجلس الخبراء في 8 مارس 2026. كان «الخبراء» يتوافدون معية أفراد من «الحرس الثوري» إلى مقر الانتخاب في مشهد دراماتيكي يعيد أجواء الحرب العالمية الثانية، يوم كانت الحكومة البريطانية تجتمع في ملاجئ «وستمنستر»، بينما يُمطر الطيران الألماني لندن بالقنابل».

يقول السياسي العراقي إن «الحرب الأخيرة على إيران أكبر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة، وتكاد تتجاوز حرب السنوات الثماني مع العراق».

لكن، وبالمقدار الذي يتحفظ به على تصوير الأمور في إيران بأنها سلسة، وتختزل باستبدال قائد بقائد آخر، فإن علي المدن يتحفظ أيضاً على وصف الوضع الجديد بأنه انتقال من «حكم المرشد» إلى «حكم الحرس الثوري»؛ لأنه يفترض انتقالاً مباشراً لا تسمح به بعدُ طبيعة النظام الداخلية ولا التحديات التي خلقتها أجواء الحرب.

أجواء الحرب نفسها قد تكون الكلمة المفتاحية لفهم ما تغير في إيران. على الأغلب، فإن نظام «الثورة الإسلامية» بالشكل الذي كانت عليه أيام الخميني وخامنئي، تَفَرّقَ دون أن ينفرط إلى جمهورية تنظيمات خيطية. يقول السياسي العراقي إن «إيران اليوم لا تحتاج إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

إيرانية تمر أمام جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع آزادي بطهران 29 يوليو 2026 (أ.ب)

كان وزير الخارجية عباس عراقجي وصف استراتيجية إيران خلال الحرب الأخيرة بـ«الدفاع اللامركزي»، في محاولة للقول إنها انتقلت من التركيز على حماية القيادات العليا إلى ضمان البقاء خلال الحرب. يبدو أن ذلك يجري عبر تعددية قتالية يصعب السيطرة عليها أو رصدها بسهولة.

ليس هناك دليل على أن خامنئي الأب كان قد وضع خطة لهذا الانشطار التنظيمي، لكن النتيجة واحدة، إيران اليوم «الدولة والثورة».

يظهر دوماً انعكاس إيراني في بغداد، هذه المرة انعكاس لحالة الانشطار. في مارس 2016، كانت الحكومة العراقية تفاوض فصيلاً من أجل هدنة قصيرة تستغرق يومين. كان الأميركيون قد حصلوا على وعد بوقف الهجمات على سفارتهم في بغداد، لكن المسيرات الملغمة واصلت ضرب منشأتهم.

تقول المصادر إن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والعراقيين لم تكن ودية حينها، «بسبب إخفاق الحكومة في إبرام اتفاق مع فصيل». ونقلت مصادر موثوقة أن «ضابطاً في (الحرس الثوري) يعمل في العراق لم يرد على استفسارات مسؤول عراقي كبير بشأن: لماذا تواصل الهجوم رغم الاتفاق».

«مركز واحد وخيوط»

من هذه الزاوية الحادة يمكن ملاحظة ما تغير فعلاً. في عهد خامنئي كانت إيران تضم مؤسسات ومراكز قوة متعددة، وكان «الحرس الثوري» أحد أبرزها، لكن وجود مرشد ذي خبرة بمواصفات الأب أتاح له درجة عالية من المركزية في إدارة هذه المؤسسات وفي حسم الخلافات بينها.

بعد غيابه، يقول المدن: «يبدو أن عملية صنع القرار أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التفاعل بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية والأمنية، و(الحرس الثوري)، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى».

يميل علي المدن إلى أن «الانتقال في إيران نسبي من مركزية شخصية عالية الحضور إلى مركزية مؤسسية أكثر تركيباً، ازدادت داخلها أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية بحكم الحرب والظروف التي جرت فيها عملية الخلافة».

إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران (أ.ب)

بالفعل، تحول «الحرس الثوري» مثلاً إلى أسلوب «القطع» المنفصلة، بقيادات محلية وإقليمية تتمتع بقدر من الاستقلال العملياتي، كما لو أن «القائد الأعلى» مقتول على الدوام.

بات السؤال في إيران اليوم، وفق علي المدن، ليس من يحكم إيران؟ بل كيف يتوزع صنع القرار بعد اختفاء الشخصية التي كانت تمسك جمع الخيوط في مركز واحد؟ إنها «مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين مؤسسة القيادة ومراكز القوة، في طور تشكل لم تكتمل فصولها بعد».

لا يخفي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القلق من «إيران الخلايا». قال أخيراً إنه «لن يُسمح لمجموعة أن تأخذ إيران إلى شيء ما»، وصحيح أن طيفاً واسعاً من المحللين يصنفون مثل هذه التصريحات على أنها تكتيك إيراني لخلق سردية «الشرطي الجيد والشرطي الشرير»، لكن الوقائع الميدانية مرتبطة بأن إيران تتحرك كأجزاء منفصلة.

هل تستمر إيران على هذا النحو الشبكي، حيث تستطيع أن تعمل بالغموض، بلا رأس مركزي واضح قد يؤدي فقدانه في نصف ساعة إلى شل النظام بالكامل؟ ثمة إجابات مختلفة رائجة في الأوساط المهتمة، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم يتعلق بقدرة النظام في طهران على التحكم بإيقاع «القطع» المنفصلة، وما إذا أصبح استقلالها داخل المنظومة مفرطاً ومخيفاً أكثر من الاستهداف الخارجي، أكثر مما كان خامنئي الأب ليحتمل ويتحمل.


نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
TT

نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

«تخيلي لو أنه لم يمت»، يقول محدِّثي عبر الهاتف من بيروت وهو على معرفة وثيقة بـ«حزب الله» وعلى تماسٍّ يومي بمجتمعه الأوسع.

يطرح سؤالاً افتراضياً: ماذا لو نجا حسن نصر الله، وكان عليه أن يقود المواجهة؟

لا يقصد مواجهة عسكرية مع إسرائيل. «فذلك ما يفعله الحزب وهي ملعبه»، بل «مواجهة نفسه وجمهوره وبيئته بهذه النكبة التي استجلبها لهم».

هل كان سيوقّع اتفاق وقف إطلاق النار؟ هل كان سيوافق على المفاوضات أم سيعارضها كما يفعل اليوم خليفته؟ هل كان يستطيع العودة إلى «لو كنت أعلم»، التي استخدمها بعد «حرب تموز 2006»؟

سيل من الأسئلة التي لن تجد إجابة لها و«فراغ هائل بحجم الحفرة التي ابتلعته ورفاقه في الضاحية الجنوبية» يقول مصدر آخر جنوبي واكب كل الحروب الإسرائيلية على لبنان وخسر أهلاً ورفاقاً ومنازل ويقف على نقيض سياسي من «حزب الله». ويتابع: «مرت سنتان ولا تزال البيئة والمحيط في حالة صدمة ونكران تام... حالة هذيان جماعي. كأن الناس لم يفقدوا قائداً عسكرياً أو زعيماً دينياً، بل خسروا من يمنحهم رواية عن أحوالهم».

ثمة إجماع حول قدرة نصر الله على «مسرحة» الحرب وخسائرها وتحويل أثمانها للمنكوبين والمكلومين والثكلى إلى لحظة ملحمية من النشوة والانتصار، ويبدو أن ذلك أكثر ما يفتقده محازبوه وجمهوره اليوم. فكأن انخراطهم في حرب الإسناد ودفعهم أثمانها، يبقى تفصيلاً مقابل غياب من يملي عليهم سيرتها الحسنة.

مصاب في تفجيرات «بيجر» يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

وذلك الفراغ الخطابي ليس مردّه فقط كون أمين عام «حزب الله» الحالي نعيم قاسم، يفتقر لملكته، بل لأن نصر الله نفسه بدأ يخسر حيّزه العام وصورته ومشهديته قبل اغتياله بوقت غير قليل، وبهذا «جاءت لحظة الاغتيال إنقاذاً له من خسائر كثيرة واستحقاقات هائلة».

ويقول المصدر: «مات نصر الله فعلياً قبل لحظة اغتياله... مات مع عملية البيجر وسلسلة الاغتيالات التي توالت. مات حين فقد قدرته على التعبئة والتبرير وحين عجز عن تقديم رواية للناس، وحين لم يعد أحد يكترث بخطاباته وينتظرها كما في السابق».

هنا يضع المصدر يده على وظيفة هي برأيه أهم من الموقع التنظيمي الحزبي الذي شغله نصر الله؛ فهو «لم يكن رجل تكتيك عسكري، ولا رجل دين بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما كان (رجل تعبئة) منح الحزب قوة تتمتع بها الدول وليس الأحزاب أو التنظيمات المسلحة».

ومعلوم أن هذا الحضور الطاغي لا يولد في لحظة.

«كأنه لم يكن»

سوسيولوجي وكاتب يرصد تحولات الحزب وبيئته الاجتماعية يتذكر نصر الله بين عامي 2000 و2006، ويصفه بأنه كان أقرب إلى «الناشط الحزبي»، قبل أن يبني تدريجياً حضوراً تكرس، في رأيه، مع اغتيال رفيق الحريري، حين أصبح لكلامه وزن إقليمي.

فمنذ التحرير عام 2000، ونصر الله يرعى هذه الهالة و«اشتغل عليها شغلاً حثيثاً»، مستنداً إلى آلة إعلامية كاملة للحزب لتكريس صورة «أقرب إلى الأسطورة وأنصاف الآلهة، مبرراً بذلك استمرارية حمل السلاح».

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

وحتى أمس قريب كانت إطلالاته التلفزيونية أشبه بـ«سهرات أم كلثوم. تفرغ الشوارع ويتسمر الناس أمام الشاشات ويطربون لما يسمعون».

وللمفارقة لم يكن المستمعون أعضاء في «حزب الله»، ولا حتى جميعهم جزءاً من بيئته المباشرة. كان نصر الله، في مراحل مختلفة، حدثاً عاماً: «يستمع إليه المؤيد، والخصم، ودول الجوار، وكل من ينتظر معرفة ما سيحدث في اليوم التالي».

أما اليوم، بعد سنتين، «فكأنه لم يكن».

سيدة جنوبية تنتمي إلى إحدى العائلات ذات الثقل الاجتماعي والديني توجهت إلى صور والنبطية قبل يوم واحد من إحياء ذكرى السنتين، تقول: «لم أرَ صوره في الشوارع أو على الأبنية كما جرت العادة. ولولا أن لمحت صورة صغيرة وجانبية له في دكان صغير لما تنبّهت أصلاً إلى غيابه التام عن المشهد العام».

وتضيف: «حتى في الجلسات الضيقة، ما عاد أحد يتحدث عنه، وبدا لي ذلك أكثر غرابةً أنه تزامن مع توقيت الذكرى... قد يبدو لوهلة أن ثمة عدم اكتراث به، لكنني أعتقد أنه أصبح ذلك الغائب (المسكوت عنه). إنه اليوم (التابو) الشيعي بامتياز».

وحسب السيدة، وهي القريبة من بيئة الحزب وتحظى بثقة داخل مجتمعه الضيق، من دون أن تكون جزءاً منه يبدو أنه «لم يعد من محبين لـ(السيد) من خارج نواة المحازبين الصلبة ومن هم على لائحة الرواتب الحزبية».

فحتى جمهوره العريض السابق لم يذهب إلى دور العزاء وهي «طقس محوري بالنسبة للشيعة».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام الحزب وصور أمينه العام السابق حسن نصر الله في الذكرى الثانية لاغتياله (د.ب.أ)

لم يبق إلا «الحرس»

يعيدني محدّثي الجنوبي إلى إرث نصر الله ليقول إنه «لم يبقَ من يرثه... حتى (حزب الله) كما نعرفه مات بموته».

ولشرح وجهة النظر تلك، يفنّدها صاحبها بالقول «في السياسة، تسبب نصر الله بإحراجٍ سياسيٍّ غير مسبوق لأقرب حلفائه، لجهة إعلانه حرب الإسناد بعدما تعهد شخصياً لرئيس مجل النواب نبيه برّي بعكس ذلك. ثم بعد إطلاق الصواريخ الستة، أجرى بري اتصالاته وحاول إقناع الحزب بعدم إصدار بيان يتبنى فيه الصواريخ، وأخذ تعهداً صريحاً آخر لم يعش سويعات حتى تم نقضه أيضاً».

وحتى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لعب نصر الله دوراً إقليمياً مع هامش مناورة مريح نسبياً فكان «الوسيط الأمين بين إيران ولبنان؛ حكومةً وطوائف وشعباً ومؤسسات، وأدى أدواراً في العلاقة مع المحيط والخارج، مُعفياً طهران من كثير من المواجهات المباشرة مع دول الجوار؛ فيمرر القرارات ويتلقى الصدمات عوضاً عنها».

لكن ذلك، يقول المصدر، بدأ يتغير تدريجياً بعد «7 أكتوبر»، ثم جذرياً بعد مقتل نصر الله، بحيث «لم يبقَ اليوم إلا (الحرس الثوري). فقط لا غير. (الحرس) يتحكم مباشرةً بكل مفاصل الحزب؛ قيادةً ومقاتلين واستراتيجياً. ونعيم قاسم غير قادر على لعب دور الوسيط أو المرسال».

مشهد من الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

أما بالنسبة إلى الهيكلية الحزبية، يتابع المصدر: «فإن حسن نصر الله هو آخر العمامات السوداء في الأمانة العامة. نعيم قاسم صاحب عمامة بيضاء وفي ذلك تراتبية دينية مختلفة، أما نائبه (المتداول) فهو محمد رعد. نائب في البرلمان وليس حتى رجل دين».

وإذا لم نحتسب مَن كان مرشحاً للأمانة العامة قبل قاسم وتم استبعاده (أو هو أبعد نفسه على ما يقول البعض)، أي إبراهيم السيد أمين، وكان الأقرب للمنصب بعد هاشم صفي الدين، فقد يذهب التفكير إلى ابن نصر الله محمد مهدي. رجل دين شاب ومعمم، وكادر حزبي فاعل.

«لكنه لم يؤهَّل لذلك الدور ولم ينضج بعد» على ما يتفق أكثر من مصدر.

أبناء نصر الله... محنة التركة

يشرح أحد المصادر: «بعد مقتله ومن حوله، نتبين أهمية الروابط العائلية في دائرة الثقة التي أحاط نفسه بها والتي تبين أن قيادة الحزب تقوم عليها». وحسب المصدر، فإن «ما نسفه نصر الله في اختياره البقاء في موقعه محاطاً بهؤلاء القادة المقربين منه، وانتظاره الموت الذي كان قادماً إليه لا محالة، هو نسيج العائلة والعشيرة والحزب معاً، وهو ما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، ترميمه».

واللافت أنه في ذلك كله، لم يشمل أبناءه ولم يعمل على تحضير أحدهم لوراثته.

وحسب الكاتب السوسيولوجي، فإن «قادة تاريخيين بهذا الحجم لا يفكرون في التوريث، ربما لنرجسيةٍ ما فيهم، مما يترك الأبناء متخبطين في هويتهم وفي إدارة ثقل التركة على كاهلهم».

والأبناء، وتحديداً جواد ومحمد مهدي اللذان كثّفا من حضورهما في الفترة الأخيرة «ظاهرة تستحق التوقف لا سيما مع محاولة كل منهما أنسنة الأب ومحاكاة صورته... لكن حقيقةً دون كثير جدوى».

وبمتابعة دقيقة لمواقع التواصل الاجتماعي التي يتوسّلها الشابان مؤخراً، ثمة جهد حثيث لديهما باقتباس سلوكيات الأب من تقليد حركة يده، أو طريقة كلامه، إلى شيء من توزيع أدوار، كأن يحاكي الأول قاعدة دينية بعمامته، ويستعين الآخر بغيفارا وتحرر الشعوب حيناً ثم الشهداء والأبرار ويقينه بعودة والده معهم حيناً آخر.

الطفل علي عبّاس (14 عاماً) الذي خسر عينه وأصيب بتشوهات في تفجيرات «بيجر» التي نفذتها إسرائيل في سبتمبر 2024 وهو لا يزال يحاول التعافي (رويترز)

«سحر العيون»... مجرد فقاعة

اليوم، وعوضاً عن البناء على تلك «الأسطورة»، «هزلت رواية نصر الله... وباتت في مهب الريح» يقول أحد المصادر. ويتابع: «بعد سنتين على موته، يكفي أن ننظر إلى الاستسهال في التصرف بسيرته من دائرته المباشرة لندرك أنه ليس هناك مِن قيِّم على هذا الإرث... كل تلك السرديات عن الكاريزما القيادية والشخصية الحاضرة وسحر العيون (التشبيه الشائع عن نصر الله والمستمد من وصف عبد الناصر)، كلها تلاشت فجأة. كأنها كانت مجرد فقاعة. فيكفي أن يزعم سياسي هامشي على شاشات التلفزة أنه كان يجالسه نحو 7 ساعات! أيُّ مبالغة تلك؟ أو مثلاً ابنه (مهدي) الذي راح يتحدث كيف يحضّر له الفطور، أو الفيديو الذي ظهر له وهو يتجول في السيارة في الضاحية ولا نعرف له سياقاً أو تاريخاً أو مصدراً. هل هو الإعلام الحزبي؟ تلفزيون المنار؟ مَن قرَّر أن هذه القصص يجب أن تخرج اليوم إلى العلن؟».

فقدان الصوت والصورة

مزيد من الأسئلة التي تصب كلها في إطار استباحة الرواية التي كان نصر الله يحتكرها. روايته عن نفسه وعن حزبه، ويضبط إيقاعها عبر آلة إعلامية ملتزمة لا تخرج عن سياق ما يمليه عليها.

فهل لهذا كان شعار الذكرى «على العهد باقون»؟ وهل لهذا أطلق قاسم مؤسسة لحفظ ونشر تراث نصر الله؟

فتاة من كشافة المهدي تحمل صورة أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

لعل هدف هؤلاء كان «أنسنة» الرجل وجعله شخصاً في المتناول لإيصال رسالة للحاضنة الشعبية الثكلى، أنه مثلهم وبينهم رغم الغياب.

لكن عملياً، النتيجة جاءت عكسية تماماً.

«الفراغ الذي بحجم الحفرة» وأزمة القيادة يقرأها السوسيولوجي من زاوية الكتلة البشرية التي كانت حاضرة بقوة، وأصبحت «غامضة ومغلقة أكثر من أي وقت مضى»، و«مجهولة تماماً لغير أبنائها المقربين».

ويقول: «كأن الشيعة كلهم انكفأوا وتركوا فراغاً في مفاصل الحياة اليومية، في علاقتهم بالأحزاب الأخرى والطوائف والمجال اللبناني الأوسع». وباستثناء القلة التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وتستبسل في الدفاع عن حرب الإسناد، تبدو له الكتلة الاجتماعية التي كان نصر الله صوتها، أقل ظهوراً وحضوراً.

ويقول: «كأنهم بفقدان نصر الله فقدوا الصوت والصورة».

لكن ما يبدو من الخارج ضمور يتكشف في دوائر الثقة الضيقة عن محنة أخرى.

صاحب دكان في بيروت يجلس خارجاً بينما يبث التلفزيون إحدى خطب أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله (أ.ب)

هل «الإيواء» قادم لا محالة؟

تقول السيدة الجنوبية إن «فراغ القيادة الحزبية يبدو اليوم ترفاً مقابل فراغ محركات الحياة اليومية للجنوبيين». وتتابع: «كأن (أمل) ورثت الشارع والمشهد في صور تحديداً عوضاً عن الحزب، وما كان يشكله الحزبيون من رادع للحركيين، ما عاد اليوم موجوداً، فأصبح هؤلاء سلطة أمر واقع يتحكمون بكل شيء... وفي ذلك مرار كثير».

واليوم يريد كثير من الجنوبين تصديق كلام أمينهم العام الجديد بأن «الإيواء» قادم لا محالة، وأن إيران لن تتخلى عنهم وعن دعمعهم بالمال والسلاح والنفوذ، لكنهم يصمتون عن أن المال لن يأتي وأن مجرد استخدام كلمة إيواء بدل «سكن لائق وفرش لائق» التي وعدهم بها نصر الله بعد «حرب تموز 2006»، يقول الكثير عن أحوالهم.

مواطن لبناني من سكان الضاحية يجلس على أنقاض منزله الذي دمّر بالقصف الإسرائيلي الذي استهدف مقرّ الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في حارة حريك في بيروت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبين المكابرة والحداد العميق الذي يقاسيه مجتمع الحزب، يبقى أن أكبر صدمة «هي فقدان السلطة و(فائض القوة) الذي تمتعوا به لأكثر من عقدين وأشهروه سلاحاً يومياً في وجه بقية اللبنانيين... لذلك يبدو أن عقدهم الاجتماعي اليوم يقوم على مداواة ذلك الجرح النرجسي بأن يصبّوا جام غضبهم على العملاء».

كأن الحديث المفرط عن الخونة والعملاء يعوّضهم عن ذلك الصمت المطبق عن كل ما عداهم. وهؤلاء بحسبهم هم اللبنانيون، كل اللبنانيين من خارجهم، وكل من لم يساندهم في إسنادهم... فتراهم يستشيطون غضباً في ذكرهم ويستعينون على الشقاء بمزيد من الشتم والوعيد.