السعودية... نموذج فريد بين توارث العرش وولاية العهد

«الشرق الأوسط» ترصد تحولات اليوم الوطني... بين «عيد الجلوس» و«العيد الوطني»

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن
الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن
TT

السعودية... نموذج فريد بين توارث العرش وولاية العهد

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن
الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن

إن المتأمل في رؤية الملك عبد العزيز لبناء الدولة وإرثه السياسي والدستوري ومدرسته في مناهج الحكم وإدارة الدولة، يدرك أن كل ذلك كان كفيلاً بجعل الملك عبد العزيز يغمض عينيه مطمئناً على دولة سيحافظ عليها من بعده أبناؤه، خريجو مدرسته، وأمناء إرثه، وورثة حكمه، فكيف به لو أدرك طلائع منجزات أحفاده التي أدركنا؟

لكن تأريخ ذلك الإرث ودراسته لم ينل كامل حقه من البحث والتدوين والرصد والتوثيق والتحليل! كما أسهمت فوضى وسائل التواصل ومنصات الاتصال في تأصل مفاهيم غير دقيقة تتصل بجوانب عدة من التاريخ السعودي الحديث، علاوة على وجود نظريات ومقولات يجانب معظمها الصواب، خاصة ما يتعلق بتاريخ الدولة السعودية عموماً وأسسها الدستورية وطبيعة أنظمتها وخلفياتها وأعرافها وتقاليدها وقواعد عملها النظامية والقانونية خصوصاً.

المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن

كما أن نُدرة الدراسات والبحوث التي تتناول، وبعمق جوانب مهمة مثل الجوانب «الدستورية» من التاريخ السعودي وشح المعلومات المتصلة بها تُصعّب من مهمة الباحثين، وقد يكون مفهوماً حساسية بعض المعلومات المرتبطة بانتقال السلطة والبيعة، أو ما يعرف بـ«توارث العرش» في دساتير بعض الدول مع إيضاح الفرق بين المصطلحين، والمتعلقة بأهم منصبين في المملكة العربية السعودية (الملك وولي العهد)، والتي يصف الحديث عنها الفقيه الدستوري السعودي الدكتور إبراهيم الحديثي: «أنه يقترب من الخطوط الحمراء التي تعودنا ألا نقترب منها في السعودية؛ نظراً لحساسيتها، ولأنها قد تفسر تفسيرات غير التي يقصدها الباحث»، لكن غير المفهوم هو ندرة الدراسات التي تتناول جوانب تاريخية أخرى كتاريخ اليوم الوطني، أو تاريخ العَلم السعودي، أو توثيق بعض الحوادث والقرارات التاريخية المهمة.

من هذا المنطلق أتى هذا البحث ليسهم في إلقاء الضوء على جوانب من تاريخ المملكة العربية السعودية، وليوثق مراحل التطورات الدستورية التي مرّت بأحد أهم عوامل الاستقرار السعودية (انتقال الحكم)، وارتباط ذلك باليوم الوطني، كما رصد وبالتفصيل تاريخ الأيام الوطنية السعودية وصور طرق الاحتفال بها، وتناول بعض التفصيلات المتعلقة بتاريخ البيعة في السعودية، وشهودها وأماكن انعقادها وأولياتها؛ كونها «الخطوة الأولى لممارسة الحكم في المملكة العربية السعودية»، وفقاً لوصف الحديثي.

وجاء هذا الموضوع ليُسهم في تعريف الأجيال السعودية بصفحات لم تنل حقها من البحث والتدوين في تاريخهم الوطني، وليساعد في الإجابة عن تساؤلات كثير من المراقبين والمحللين حول العالم عن السر وراء سلاسة انتقال السلطة في المملكة العربية السعودية؟

لأن موضوع انتقال السلطة يعدّ تطبيقياً من المراحل الحرجة حتى في أبرز الديموقراطيات، بينما أثبتت التجربة السعودية صلابتها وأكدت على استقرار الحكم وسلاسة انتقال السلطة، وجرى انتقال السلطة منذ وفاة الملك المؤسس وحتى اليوم بكل سلاسة ودون حدوث ما يوصف في الدساتير بـ«فراغ السلطة»، رغم أن عملية انتقال الحكم لم تأتِ كلها في ظروف طبيعة؛ بل أتى بعضها في ظروف بالغة الدقة، كما كان الحال عند تولي الملك فيصل (1384هـ - 1964م)، وكذلك الملك خالد (1395هـ - 1975م)، مقاليد الحكم.

الإمام عبد الرحمن الفيصل

الإمام يبايع ابنه عبد العزيز

بعد استرداد الملك عبد العزيز الرياض في شوال 1319هـ الموافق يناير (كانون الثاني) 1902م وبدء تحركاته لضم أقاليم نجد، عاد والده الإمام عبد الرحمن إلى عاصمة حُكمه التي غادرها قبل إحدى عشرة سنة، معلناً تنازله عن الإمارة لابنه عبد العزيز، يقول المؤرخ والدبلوماسي خير الدين الزركلي: «وفي اجتماع عام حضره علماء الرياض وكبراؤها في باحة المسجد الكبير بالرياض (جامع الإمام تركي بن عبد الله الآن)، بعد صلاة الجمعة أعلن الإمام عبد الرحمن نزوله عما له من حقوق في الإمارة، لكبير أبنائه عبد العزيز، وأهدى إليه سيف سعود الكبير.....، وبذلك تمت البيعة الأولى لعبد العزيز في سنة 1320هـ الموافق 1902م».

لكن الزركلي وأكثر المصادر الأخرى التي أشارت إلى تلك البيعة لم تحدد تاريخ ذلك اليوم والشهر، وإن كانت بعض المصادر، خاصة الأجنبية كالباحث والمؤرخ الروسي أليكسي فاسيليف وغيره، قد أشارت إلى أنه في منتصف ذلك العام (بين شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران).

صورة قديمة للرياض وتبدو مئذنة الجامع الذي تمت فيه مبايعة الملك عبد العزيز عام 1902

ولأهمية ذلك اليوم في تاريخنا الوطني؛ رصد هذا البحث أهم المصادر التي تطرقت إلى خروج الإمام عبد الرحمن من الكويت، ووجد إشارة مهمة أوردها حسين خلف الشيخ خزعل في الجزء الثاني من كتابه «تاريخ الكويت السياسي»، كما جاءت في بحث بعنوان «الدور السياسي للإمام عبد الرحمن الفيصل» للدكتور سطام بن غانم الحربي، وهذه المعلومة ومن خلال الوثائق تذكر، أن الإمام عبد الرحمن غادر الكويت يوم 19 مايو 1902م في طريقه إلى الرياض. وإذا عرفنا أن الرحلة بين الرياض والكويت تستغرق بين 12 و14 يوماً على ظهور الإبل فيكون وصول الإمام للرياض في أوائل شهر يونيو، وبهذا ينحصر بحثنا في ذلك الشهر، وأول جمعة تلي تاريخ وصول الإمام عبد الرحمن للرياض يكون تاريخها 6 يونيو 1902م الموافق 30 صفر 1320هـ وهذا هو التاريخ الذي أرجحه، مع احتمال أن يكون أحد الجمع التالية خلال شهر يونيو 1902م ــــــ ربيع الأول 1320هـ.

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن

عبد العزيز ملكاً

بعد ذلك التاريخ بنحو 22 عاماً، استطاع الملك المؤسس أن يوحّد تحت رايته أقاليم متعددة من الجزيرة العربية، دخل الملك عبد العزيز مكة المكرمة يوم 7 جمادى الأولى 1343هـ الموافق 4 ديسمبر (كانون الأول) 1924م، وكان لقبه الرسمي وقتذاك «سلطان نجد وملحقاتها»، وعندما أتم ضم الحجاز، نُشر بلاغ عام مؤرخ في يوم 22 جمادى الآخرة 1344هـ الموافق 7 يناير 1926م، ومذيلٌ باسم عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل (السعود) مجرد من أي لقب، وملخصه أن أهل الحجاز طلبوا منه أن يمنحهم حريتهم في تقرير مصير بلادهم كما وعدهم، فلم يسعه أمام طلباتهم المتكررة إلا أن يمنحهم ذلك، وبعد نشر ذلك البلاغ رفع أهل الحل والعقد في مملكة الحجاز كتاب البيعة لـ«عظمة السلطان عبد العزيز».

وبعد صلاة الجمعة من يوم 23 جمادى الآخرة 1344هـ الموافق 8 يناير 1926م، بايع أعيان الحجاز وعلماء البلد الحرام وجموع الأهلين الملك عبد العزيز ملكاً على الحجاز، مع الإشارة إلى أن الملك عبد العزيز لم يتَسَمّ ملكاً إلا حينما بويع ملكاً على الحجاز، وحمل قبل ذلك ألقاباً عدة، منها: أمير نجد ورئيس عشائرها في بداية التكوين السياسي للدولة، ثم سلطان نجد وملحقاتها بعد ضم الأحساء وعسير، ثم ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها بعد ضم الحجاز، ثم ملك الحجاز ونجد وملحقاتها بعد تحول نجد مملكة، لكن الأهم أن تلك البيعة التي تمت قبل أكثر من مائة عام كانت لحظة تاريخية فارقة.

وأقيمت مراسمها داخل المسجد الحرام، وتحديداً عند باب الصفا، أحد أكبر الأبواب وقتئذ وتعتليه قبة تحفها النقوش والزخارف الإسلامية، ويحتوي على خمسة منافذ للدخول والخروج، ويعدّ البوابة الرئيسية في الجهة الجنوبية من الحرم ويؤدي إلى شارع الصفا، ثم إلى جبل الصفا حيث بداية السعي. أقيمت مراسم البيعة نحو الساعة الواحدة والربع ظهراً وتلا الشيخ عبد الملك مرداد، إمام وخطيب المسجد الحرام، نص البيعة وأطلقت المدافع «مائة مدفع ومدفع»، ثم توافد الناس أفواجاً أفواجاً لمبايعة الملك، وتزامن معها بيعة أهالي مدن الحجاز في المدينة المنورة، والطائف، وجدة، وينبع، والوجه، وظبا والعلا، وغيرها من البلدات، حيث تلقى أمراء المدن والبلدات البيعة نيابةً عن الملك.

باب الصفا

كانت تلك المناسبة التاريخية هي المرة الأولى التي يحمل فيها أحد حكام الدولة السعودية في أيٍ من مراحلها الثلاثة لقب «ملك»، وأول بيعة ملكية سعودية تستخدم فيها البرقية وسيلةَ مبايعة وتنشر الصحف وتتناقل وسائل الإعلام الخارجية أخبارها.

عيد الجلوس الملكي

وبعد مرور عام على تلك المبايعة، أصدر مجلس الشورى قراراً بتاريخ 16 جمادى الآخرة 1345هـ الموافق 22 ديسمبر 1926م «برفع استعطاف للملك عبد العزيز يطلب موافقته على جعل يوم مبايعته ملكاً على الحجاز يوماً وطنياً تحيي الأمة ذكراه سنة بعد سنة»، لكن الملك عبد العزيز لم يوافق على ذلك الاستعطاف.

ولإيمان أعضاء المجلس بالفكرة وقناعتهم بها لم ييأسوا؛ فحشدوا التماسات من الأهالي والهيئات الرسمية ورفعوا معها استعطافاً آخر في 9 رمضان 1347هـ الموافق 18 فبراير (شباط) 1929م، راجين من الملك ألا يخيّب رجاءهم في إقرار يوم مبايعته في السابع عشر من برج الجدي الموافق للثامن من يناير من كل عام «عيداً وطنياً» وصدرت موافقة الملك عبد العزيز على ذلك يوم 7 ربيع الثاني 1348هـ الموافق 10 سبتمبر (أيلول) 1929م، وأصدر نائب جلالة الملك في الحجاز الأمر بشأن مراسم عيد الجلوس الملكي في الأول من جمادى الآخرة من عام 1348هـ الموافق 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1929م، بالنص الآتي:

«النائب العام لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم:

بعد الاطلاع على قرار مجلس الشورى الموقّر رقم 64 تاريخ 16 جمادى الثانية سنة 1345 ورقم 257 تاريخ 9 رمضان سنة 1347.

وبما أن حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم قد تفضل بإصدار موافقته الكريمة على إجازة الاستعطاف المرفوع إلى مقامه الملوكي، بتاريخ 7 ربيع الثاني برفق القرارين المذكورين بشأن مراسم عيد الجلوس الملكي، يأمر بما يلي:

المادة الأولى: يعتبر اليوم الذي يوافق اليوم السابع عشر من برج الجدي من كل سنة عيداً وطنياً تعيده البلاد لإحياء (ذكرى) الجلوس الملكي.

المادة الثانية: تعطّل دوائر الحكومة الرسمية في ذلك اليوم، وتجري فيه مراسيم المعايدة وتطلق المدافع 21 طلقة.

المادة الثالثة: يصادف العيد الأول لعامنا الحالي في اليوم الثامن من شعبان سنة 1348».

الطوابع البريدية احتفالاً بعيد الجلوس

ويلاحظ هنا استخدام كلمة «العيد الوطني» بهذا اللفظ وتكراره في البيانات والأخبار الرسمية؛ بل وحتى في القصائد التي نُظمت في تلك المناسبة. وقد شُكلت «لجنة تنظيم الاحتفال بعيد جلوس جلالة الملك»، انبثق عنها لجان فرعية، وقد نُشرت أخبارٌ وتغطيات عن الترتيبات والفعاليات التي واكبت الاحتفال بعيد الجلوس أو العيد الوطني الأول، حيث اشتملت مظاهر الاحتفال على: منح عطلة للدوائر الحكومية، وإصدار الإدارة العامة للبريد والبرق والتلفون طوابع بريدية خاصة بمسمى «طوابع ذكرى الجلوس الملكي» بفئات عدة تراوحت قيمتها بين نصف قرش وخمسة قروش.

كما أصدرت الجريدة الرسمية (أم القرى) يوم الثلاثاء 7 شعبان 1348هـ - 7 يناير 1930م عدداً تضمن أخباراً ومعلومات عن المناسبة، عدا العدد الأسبوعي للجريدة والذي يصدر كل جمعة. كما أصدر نائب الملك في الحجاز أمراً بالعفو عن المساجين المحكومين بمدد صغيرة، وتخفيض ثلث المدة عن المحكومين بمدد كبيرة.

كما وجهت الدعوات لمجموعة من محبي البلاد وأصدقائها ومراسلي الصحف في البلدان العربية لحضور الاحتفالات. وقد وضعت اللجنة برنامجاً للاحتفال بعيد الجلوس في مكة المكرمة يبدأ في الساعة الثانية والنصف صباحاً (بالتوقيت الغروبي أي الثامنة والنصف) من صباح يوم الأربعاء 8 شعبان 1348هـ - 8 يناير 1930م برعاية النائب العام لجلالة الملك في الحجاز.

الملك فيصل حينما كان نائباً للملك عبد العزيز في الحجاز

وقد وصل الأمير فيصل إلى الملتزم أمام الكعبة الشريفة وكان بابها مفتوحاً فتقدم الشيخ حسن يماني، وكيل رئيس هيئة مراقبة القضاء، بترتيل الدعوات لجلالة الملك المعظم، وتبعه سادن بيت الله الحرام الشيخ عبد القادر الشيبي وهو واقف بباب الكعبة المعظمة بالدعاء للملك عبد العزيز وأطلقت المدفعية من قلعة أجياد 101 طلقة.

كما أقيمت الاحتفالات الرسمية في باقي مدن وبلدات الحجاز كالمدينة والطائف وجدة وينبع والوجه ووادي فاطمة، وقد رعى نائب جلالة الملك الحفلة التي أقامتها لجنة الاحتفال في قصر الكندرة بجدة، ثم شرَّف استعراض الجيش وحضر مأدبة العشاء التي أقيمت بهذه المناسبة بحضور كبار رجالات الدولة والأعيان والقناصل وممثلي الدول والوفود القادمة من الخارج.

«وألقى سعادة فؤاد بك حمزة، وكيل الشؤون الخارجية خطاباً أشبه بالبيان، شرح فيه سبب الاحتفال بذكرى الجلوس والمظهر الذي ظهرت به البلاد والأمة تجاه هذا (العيد القومي) وسبب التقدير والإعجاب بجلالة الملك وما قدمه للبلاد والعباد، ثم تحدث عن سياسة جلالته الخارجية». كما احتفلت بهذا اليوم الوكالات الحجازية النجدية (المفوضيات أو السفارات السعودية حينذاك)، كما تلقى الديوان الملوكي الخاص المئات من برقيات التهاني من مختلف الأقطار، من ضمنها برقيات من رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في القدس ومن اللجنة التنفيذية العربية في القدس ومن الجمعية الإسلامية في حيفا ومن هيئة الأمر بالمعروف في المدينة المنورة، كما أقامت لجنة الاحتفال بهذه المناسبة حفلة في وادي فاطمة، ألقيت فيها الخطب والقصائد، ومنها قصيدة الشيخ أحمد بن إبراهيم الغزاوي، التي قال فيها:

ألا إن هذا اليوم عيد مخلد

يظل على كر الدهور له ذكر

وقصيدة للأستاذ خير الدين الزركلي، جاء فيها:

هنيئاً لأهل العيد عيد (مُملّكِ)

شفى المجد من سُقمٍ عراهُ وإدناف

كان ذلك الاحتفال هو أول احتفال باليوم الوطني وحدث في عام 1348هـ - 1930م، تلاه احتفال مماثل في عام 1349هـ - 1931م، «ويذكر فؤاد حمزة أن حفلات عيد الجلوس لم تتكرر إلا تلكما المرتين، ثم تم الاقتصار على الاحتفال بتلك الذكرى في جدة فقط، حيث تتقبل الحكومة تهاني ممثلي الحكومات الصديقة وفق مراسيم مقننة، كما يتلقى جلالة الملك برقيات الملوك ورؤساء الجمهوريات»، فما الذي حدث؟

تحول في احتفالات عيد الجلوس

ورصد البحث أكثر من أمر طرأ أدى إلى التحول في احتفالات عيد الجلوس، وهي كالتالي:

الأول: اعتراض علماء الدين؛ إذ أرسل علماء أهل نجد كافة (مع ملاحظة أن نجد في ذلك التاريخ كانت مملكة كما الحجاز تماماً) كتاباً إلى الملك عبد العزيز بتاريخ 7 ذي القعدة 1349هـ - الموافق 26 مارس (آذار) 1931م، أي بعد الاحتفال الثاني بعيد الجلوس الملكي بنحو شهرين ونصف الشهر، ينتقدون فيه الاحتفال بعيد الجلوس، ويناصحون الملك، مبينين أن هذا الأمر لا يجوز إقراره ولا السكوت عليه لأنه من أعياد الجاهلية.

ورد الملك على العلماء متفهماً وجهة نظرهم، لكن اللافت هو صيغة المناصحة والرد الملكي، ونرى كيف ناصح العلماء الملك وأبدوا رأيهم بلا أي تحفظ، وكيف احترم الملك رأي العلماء وقدّر نصيحتهم؛ لندرك الأسس التي أقام عليها الملك عبد العزيز دولته.

كان طلب العلماء من الملك إلغاء الاحتفال بعيد الجلوس، وكان ذلك الطلب أو الاعتراض قبيل موسم حج العام 1349هـ - شهر أبريل (نيسان) 1931م، كما صادفت ذكرى عيد الجلوس في عام 1932م وعام 1933م شهر رمضان 1350هـ و1351هـ، فلم يكن هناك أي مظاهر احتفالية خلال ذلكما العامين، وتغير المسمى من عيد الجلوس إلى ذكرى الجلوس أو يوم الجلوس رسمياً. لكن مسمى «عيد الجلوس» استمر يُتداوَل شعبياً وفي بعض وسائل الإعلام، كما استمر الاحتفال به كيوم وطني بشكل رسمي خلال الأعوام التالية وطوال حياة الملك عبد العزيز (أي لمدة 23 عاماً) مع تفاوت المراسم البروتوكولية والتغطيات الإعلامية لها، وكان آخر احتفال بذلك اليوم في عهد الملك عبد العزيز يوم 22 ربيع الثاني 1372هـ - الموافق 8 يناير 1953م، حيث توفي رحمه الله بعد نحو 11 شهراً من ذلك التاريخ.

أما الأمر الثاني: هناك موضوع أهم كان يجول في ذهن الملك عبد العزيز، ألا وهو الإعلان عن توحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية؛ لذا فإن الملك لم يشأ أن يكون هناك جدل حول عيد الجلوس مع الوضع في الحسبان أن الاعتراض رسمياً كان من علماء نجد، ولم يكن هناك اعتراض رسمي من علماء الحجاز؛ بل إن علماء الحجاز كانت لهم مشاركة في المراسم الاحتفالية بعيد الجلوس.

كما أن تلك الاحتفالات كانت تقام في الحجاز، حيث مقر الحكومة ووزارة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي الأجنبي، والمناسبة في مجملها تتعلق بالاحتفال بجلوس الملك عبد العزيز على عرش الحجاز.

ونَجْد في ذلك التاريخ كانت مملكة مستقلة تماماً كما الحجاز، والجامع بينهما هو جلالة الملك، إضافة إلى أنه قد يكون نُظر إلى الاحتفالات التي صاحبت إعلان توحيد البلاد خلال شهر جمادى الأولى 1351هـ - سبتمبر 1932م في أنحاء المملكة كافة بما في ذلك نجد والحجاز، كاحتفالات بديلة عن احتفالات عيد الجلوس.

ورغم ذلك لم يتم اعتبار ذكرى الإعلان عن توحيد البلاد يوماً وطنياً في تلك الأيام أو حتى الاحتفال بها في السنوات اللاحقة، كما يؤكد على ذلك الباحث والمؤرخ السعودي قاسم بن خلف الرويس: «ويلاحظ أن الصحيفة الرسمية نشرت ــ ربما لأول مرة ــ تنويهاً مقتضباً بمناسبة وطنية مهمة هي الذكرى السابعة لإعلان توحيد المملكة العربية السعودية عام 1357هـ - 1939م، وتكرر التنويه بهذه المناسبة في ذكراها الثامنة عام 1358هـ - 1940م، وكما يظهر فإنه لم يكن هناك أي بوادر للاهتمام بهذه المناسبة الوطنية أو إبرازها أو الاحتفال بها في تلك الفترة».

ومن ذلك يتضح أن اليوم الوطني الأول للمملكة العربية السعودية والذي كان يحتفل به رسمياً لمدة 23 عاماً في عهد الملك عبد العزيز منذ عام 1348هـ وحتى 1372هـ - 1930م وحتى عام 1953م هو يوم 17 الجدي الموافق 8 يناير، وهو يوم مبايعة الملك المؤسس ملكاً على الحجاز، وخلال تلك الثلاثة والعشرين عاماً كانت المظاهر الاحتفالية باليوم الوطني تتأرجح بين مد وجزر حسب الظروف المحيطة.

أول بيعة لولي العهد

تعدّ أول بيعة لولي عهد المملكة العربية السعودية؛ وجاءت بناءً على المقترح المرفوع للملك عبد العزيز والذي أورده وزير الدولة والمستشار فؤاد حمزة بالنص الآتي:

في اليوم الثاني عشر من شهر جمادى الأولى عام 1351هـ (13 سبتمبر 1932م) اجتمع لفيف من الوطنيين في الطائف وحرّروا الصك التاريخي الآتي:

«الحمد لله وحده، إنه لما كان في هذا اليوم الثاني عشر من شهر جمادى الأولى من عام الواحد والخمسين والثلاثمائة والألف من هجرة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، اجتمع الموقّعون أدناه للبحث والمذاكرة في أمر فيه عزّ ومنعة وشرف وألفة ووضع قرار فيه يرفعونه إلى سدة حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، نصره الله وأيّد ملكه، ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد خصّ هذه البلاد بين شقيقاتها الأقطار العربية، فكانت أشرف صنعاً، وأوسع رقعة وأعزّ نفراً وأوفر خلقاً وعداً، وأظهر استقلالاً وسؤدداً، وأقدر على مواجهة الملمات والكوارث، وأسبق إلى الغايات والمصالح، ووهب أهلها مزايا لم تكن لسواهم فجاءوا عنصراً عربياً واحداً في أصله، واحداً في عاداته وتقاليده، واحداً في دينه وإسلامه، واحداً في تاريخه وعنعناته، ففي البلاد بأجمعها ما يوحّدها ويجعلها وحدة عنصرية كاملة، ويجعل أهلها أمة واحدة لا فرق بين من أتهم منهم ومن أنجد، ومن أغور، ومن أحجز، ومن أيمن. فلما كانت حال البلاد وأهلها كما مرّ وكان لها هذا المقام الممتاز بين سائر الأصقاع والأمصار التي يقطنها العرب، وكانت أوضاعها الحكومية الراهنة لا تتلاءم مع طبيعة الوحدة التي هي وأهلوها عليها، وكان اسمها الحاضر وهو (المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها) لا يعبر عن الوحدة العنصرية والحكومية والشعبية الواجب إظهارها فيها ولا يدل إلا على مسميات لأصقاع جغرافية لبعض أقطار العرب، تقصر عن الإشادة بالحقيقة الواقعة المشار إليها آنفاً، ولا يرمز إلى الأماني التي تختلج في صدور أبناء هذه الأمة للاتحاد والائتلاف بين جميع الناطقين بالضاد على اختلاف أقطارهم وتباعد أمصارهم. ولما كانت الأوضاع الشكلية المشار إليها لا تدل على الروابط العميمة الكائنة بين أفراد السكان ولا على التضامن الموجود بينهم على ما فيه عز البلاد وتعاليها (كما ظهر ذلك جلياً في التضامن في حوادث ابن رفادة الأخيرة) ولا على الارتباط الحقيقي بين شقي المملكة المهيبين تحت ظل جلالة الجالس على العرش، فإن المجتمعين يرفعون بكمال الخضوع إلى سدة حضرة صاحب الجلالة أمنيتهم الأكيدة في أن يتكرم بإصدار الإرادة السنية بالموافقة على تبديل اسم المملكة الحالي إلى اسم يكون أكثر انطباقاً على الحقيقة وأوضح إشارة إلى الأماني المقبلة وأبين في الإشادة بذكر من كان السبب في هذا الاتحاد، والأصل في جمع الكلمة وحصول الوحدة وهو شخص جلالة الملك المفدى، وذلك بتحويل اسم (المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها) إلى اسم (المملكة العربية السعودية) الذي يدل على البلاد التي يقطنها العرب ممن وفّق الله جلالة الملك عبد العزيز السعود إلى توحيد شملهم وضم شعثهم هذا، ولما كان الاستقرار والديمومة والثبات من الشروط الأساسية التي تستهدفها الأمم في حياتها السياسية والاجتماعية، والتي لا أمل بمواجهة صروف الحدثان وكوارث الدهر إلا بها، والتي لا تقوم لبلاد ولا لأمة بدونها قائمة كما هو مشاهد في تاريخ الأمم والحكومات والدول التي أهملت مثل هذا الأمر الخطير وما آلت إليه من سوء المنقلب والمصير. فإن المجتمعين يتقدمون إلى سدة صاحب الجلالة الجالس على العرش أطال الله بقاءه وأمد حياته باستعطاف آخر مؤداه أن يتفضل جلالته بإصدار الأمر الكريم بالموافقة على سن نظام خاص بالحكم وتوارث العرش لكي يعلم الجميع من صديق وعدو، وقريب وبعيد، أن هذا المُلك موطد الأركان ثابت الدعائم لا تزعزعه العواصف، ولا تثني عوده الأيام، وجلالته أطال الله عمره أول من يقدّر أهمية هذا الأمر الخطير وفوائده العميمة في داخل البلاد وخارجها وتقوية مركزها الأدبي والمادي. والله تعالى نسأله أن يوفق جلالة الملك المفدى إلى ما فيه الخير والصلاح.

التــواقيـــع

فؤاد حمزة، صالح شطا، عبد الله الشيبي، محمد شرف رضا، السيد عبد الوهاب نائب الحرم، إبراهيم الفضل، محمد عبد القادر مغيربي، رشيد الناصر، أحمد باناجه، عبد الله الفضل، خالد أبو الوليد القرقني، محمد شرف عدنان، حامد رويحي، حسين باسلامة، محمد صالح نصيف، عبد الوهاب عطار، مهدي القلعلي.

مرسوم التوحيد الذي أصدره الملك عبد العزيز

توحيد البلاد

لكن ما يهمنا هنا هو هذا النص النفيس الذي كتبه سبعة عشر من رجال الدولة الكبار لخّصوا فيه الحال واستشرفوا المستقبل واقترحوا الفكرة، استكمالاً لرؤية قائدهم عبد العزيز، رحم الله الجميع. ومثل هذه النصوص تستحق أن تُقرأ وتُحلل في سياقها التاريخي، ويستنبط منها ويكتب عنها الكثير عن ظروف الزمان والمكان والإنسان.

لقد كان تحدي بناء الدولة وإدارتها هو أحد أكبر التحديات التي واجهت الملك المؤسس، ناهيك عن استمراريتها وتطورها وضبط أهم عناصر استقرارها. يقول مؤرخ القومية العربية الكاتب والدبلوماسي اللبناني جورج أنطونيوس: «ولم يكن ما حققه ابن سعود في إدارة إمبراطوريته أقل روعة من نجاحه في ميادين القتال ومجالات السياسة. وكانت مهمة إنشاء نظام وعدالة وأسس للتقدم من الأمور الشاقة العسيرة في بلاد مفتوحة مترامية الأطراف.....».

وفي 17 جمادى الأولى 1351هـ - 18 سبتمبر 1932م، صدر الأمر الملكي رقم 2716، ونصّت المادة السادسة منه: «على مجلس وكلائنا الحالي الشروع حالاً في وضع نظام أساسي للمملكة ونظام لتوارث العرش ونظام لتشكيلات الحكومة وعرضها علينا لاستصدار أوامرنا فيها». ويلاحظ في منطوق الأمر الملكي النص على مصطلح «توارث العرش»؛ وذلك تأسيساً على ما ورد في النظام المقترح والالتماسات المرفوعة من المواطنين، وسنتطرق فيما يلي لما حصل بعد ذلك، ونحاول الإجابة عن أسباب استبدال ذلك المصطلح.

ونزولاً عند رغبة الملك عبد العزيز عقد اجتماع مساء يوم الأربعاء 15 محرم 1352هـ - 10 مايو 1933م في قاعة مجلس الشورى بدار الحكومة (مبنى الحميدية) في مكة المكرمة، والحقيقة أن ذلك الاجتماع لم يقتصر على أعضاء مجلسي الوكلاء والشورى (السلطتين التنفيذية والتشريعية)، كما أوردت ذلك أكثر المصادر التي تطرقت للاجتماع؛ بل إن الاجتماع كان اجتماعاً للسلطات الثلاث، حيث كانت السلطة القضائية ممثلة أيضاً. رأس الاجتماع (الأمير) فيصل، رئيس مجلس الوكلاء ورئيس مجلس الشورى، وبحضور الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، رئيس القضاة والشيخ عبد الله المحمد الفضل نائب رئيس مجلس الوكلاء ونائب رئيس مجلس الشورى، والشيخ أحمد القاري قاضي مكة المكرمة والسيد محمد المرزوقي أبو حسين عضو هيئة التدقيقات (مجلس القضاء الأعلى)، وأعضاء مجلس الوكلاء: يوسف ياسين، وفؤاد حمزة، وعبد الله السليمان والسيد صالح شطا، وأعضاء مجلس الشورى: الشريف محمد شرف رضا، والسيد عبد الوهاب نائب الحرم، وعبد الله الشيبي، ومحمد مغيربي، وعبد الوهاب عطار، وأحمد الغزاوي، وعبد الله الجفالي وحسين باسلامة.

الملك سعود بن عبد العزيز

مبايعة سعود بن عبد العزيز ولياً للعهد

وفي صباح يوم الخميس 16 محرم - 11 مايو، عقد المجتمعون جلسة ثانية وقّعوا فيها على قرار مبايعة (الأمير) سعود بن عبد العزيز ولياً لعهد المملكة العربية السعودية. تم توقيع ذلك القرار التاريخي على ورق من «رق الغزال الفاخر»، ثم توجه المجتمعون إلى القصر الملكي في المعابدة وقدموا القرار إلى الملك عبد العزيز الذي أصدر أمره السامي بالموافقة على ذلك. وتم تعميم منطوق الأمر الملكي إلى أنحاء المملكة كافة وتحديد موعد الاحتفال بالبيعة، وجرت مراسلات برقية بين الملك عبد العزيز وابنه سعود تضمنت وصايا وتوجيهات الملك المؤسس لولي عهده، وبلّغه فيها أن أخاه فيصل سيتلقى البيعة نيابةً عنه في مكة المكرمة ومن ثم سيسافر مع أفراد الأسرة إلى الرياض لمبايعته، ورد (الأمير) سعود، مؤكداً التزامه بوصية والده وأنها ستظل في قلبه راسخة مرحباً بمجيء إخوته.

وتلقى (الأمير) فيصل البيعة نيابةً عن ولي العهد عند باب الصفا في المسجد الحرام صباح يوم الاثنين 20 محرم 1352هـ - 15 مايو 1933م، كما تم الاحتفال بالبيعة في الملحقات (المناطق)، ووجّه (الأمير) سعود في بيان نشرته الجريدة الرسمية، شكره للشعب السعودي على إجماع كلمته على مبايعته بولاية العهد.

ومساء يوم الخميس 23 محرم - 18 مايو غادر وفد برئاسة (الأمير) فيصل نائب الملك في الحجاز ورئيس مجلس الوكلاء ورئيس مجلس الشورى يرافقه عماه الأميران أحمد ومساعد ابنا عبد الرحمن، وأخواه محمد وخالد، وأبناء عمومته خالد وعبد الله ابنا محمد بن عبد الرحمن، وفيصل وفهد وسعود أبناء سعد بن عبد الرحمن، وتركي وسعود بنا عبد الله بن سعود بن فيصل، وابنه عبد الله، كما رافقه أعضاء مجلس الشورى عبد الله الشيبي وعبد الوهاب نائب الحرم وأحمد الغزاوي، وحمل الوفد صك البيعة بولاية العهد للأمير سعود.

مأدبة كبرى في عتيقة

وفي قصر الحكم بالرياض تلقى الأمير سعود صباح يوم الاثنين 27 محرم - 22 مايو البيعة من كبار الأمراء يتقدمهم عمّه الأمير محمد بن عبد الرحمن والأمير سعود الكبير، وأفراد الأسرة والعلماء وأعيان البلاد وشيوخ القبائل، وتُليت برقية الملك عبد العزيز والكتاب الملكي الذي أرسله مع وفد البيعة، وألقى كل من الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ عبد الله الشيبي كلمتين، وألقى الشاعر أحمد الغزاوي قصيدة بهذه المناسبة، ثم ألقى الأمير محمد بن عبد الرحمن كلمة ضافية، وفي عصر اليوم نفسه أقام الأمير محمد بن عبد الرحمن بقصره في عتيقة مأدبة كبرى احتفاءً بإعلان البيعة لولي العهد.

وتزامن مع بيعة ولي العهد إجراء أول مكالمة هاتفية بين مكة والرياض، وذلك يوم الخميس 30 محرم - 25 مايو، حيث تحدث فيها الملك عبد العزيز مع ولي عهده (الأمير) سعود لمدة 20 دقيقة، كما طرحت إدارة البريد أوائل عام 1353هـ - 1934م طوابع تذكارية بمناسبة مبايعة (الأمير) سعود بولاية العهد، وحملت تلك الطوابع ولأول مرة اسم المملكة العربية السعودية. لقد أرسى الملك المؤسس بثاقب رؤيته نهجاً دستورياً فيما يتعلق بانتقال السلطة وولاية العهد، أثبت صلابته في «تثبيت دعائم الملك وتشييد أركانه وإدامة تسلسله».

توارث العرش وولاية العهد

ونلاحظ هنا استبدال عبارة «توارث العرش» بـ«ولاية العهد». والسبب كما يراه بعض الدارسين للنظام الدستوري السعودي، أن توارث العرش قد يُفهم منه انتقال الحكم دون شورى أو بيعة، حيث ينتقل الحكم وفقاً لخط الوراثة الذي تحدده أحكام دستورية مدونة أو عرفية، دون اشتراط الشورى والبيعة؛ بينما ينتقل الحكم في المملكة العربية السعودية بانعقاد البيعة.

وكل ما يتعلق بتفاصيل البيعة والاستخلاف وولاية العهد يجده الباحث في كتب السياسة الشرعية. لذا؛ ورد في ذلك القرار التاريخي (صك مبايعة الأمير سعود بولاية العهد) النص الآتي: «رأى (الملك عبد العزيز) بعين حكمته الساهرة على راحة رعاياه والعاملة على تثبيت دعائم هذا الملك العربي الوطيد وتشييد أركانه وإدامة تسلسله أن يجيب طلب رعاياه، ويوافق على تعيين شكل واضح ثابت لولاية العهد كما ورد في أمره الملكي الكريم الصادر في 17 جمادى الأولى 1351 (الموافق 18 سبتمبر سنة 1932)، وأن يسير في ذلك على المنهاج الشرعي الذي سار عليه خلفاء المسلمين وملوكهم، وأن يعقد البيعة بولاية العهد على ما كان مستجمعاً للشروط الشرعية المرعية».

أما بشأن وضع نظام أساسي للمملكة، ففي شهر جمادى الأولى 1355هـ – أغسطس (آب) 1936م انتهى مجلس الشورى من إعداد مشروع (النظام الأساسي للمملكة العربية السعودية) بهذا المسمى، والذي تكون من 140 مادة ورفعه للمراجع العليا للمصادقة عليه، لكن ذلك النظام لم يصدر، ولم تتوفر نسخة من مسودته لاطلاع العموم.

ويرى بعض الباحثين أن عدم صدور ذلك النظام لأنه تضمن خطوات وبرامج إصلاحية يتطلب تنفيذها مبالغ كبيرة ولم تكن موارد الدولة ولا الظروف الاقتصادية تمكن الحكومة من تنفيذها. وأذهب إلى أن الظروف السياسية والاقتصادية بعد ذلك أعاقت صدور النظام الأساسي الذي تكرر ذكره في أكثر من بيان حكومي في عهود الملوك سعود وفيصل وخالد، ورغم عدم صدور تلك الوثيقة الدستورية المكتوبة، إلا أن القواعد والأعراف الدستورية استقر واستمر عليها العمل وحتى صدور الأنظمة الأساسية في عهد الملك فهد.

التطورات الدستورية والتنظيمية

ولعله من المهم أن نوضح هنا أن تأخر صدور تلك الأنظمة لم يكن – بأي حال من الأحوال – معيقاً للبناء والتطور الدستوري للدولة، ذلك البناء الذي بدأ في عهد الملك المؤسس من خلال توحيد البلاد ونيل الاعتراف الدولي بإقليمها «إعلان الدولة»، والشروع في إصدار أنظمة للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية «تنظيم سلطات الدولة»، وسنّ وأخذ البيعة لولي العهد «تنظيم انتقال الحكم في الدولة».

مع الإشارة إلى التطورات التنظيمية التي سبقت وتلت ذلك، فقد أصدر الملك عبد العزيز في شهر صفر 1373هـ - أكتوبر 1953م مرسوماً بإنشاء مجلس الوزراء، وتضمن ذلك المرسوم أول نظام لمجلس الوزراء تكون من 10 مواد، ثم أصدر الملك سعود نظاماً أشمل لمجلس الوزراء في شهر رجب 1373هـ – مارس 1954م، وتكوّن النظام من 21 مادة، ثم صدر في شهر شوال 1377هـ – أكتوبر 1958م النظام الشهير للمجلس من 50 مادة، ومنح ذلك النظام مجلس الوزراء – مع مؤسسة المُلك – الولاية الدستورية على السلطتين التنظيمية (التشريعية) والتنفيذية، إلى أن صدر نظام مجلس الشورى مع صدور الأنظمة الأساسية عام 1412هـ - 1992م، والذي أشرك مجلس الشورى في دراسة الأنظمة، والمعاهدات، والاتفاقيات الدولية، ويرى الفقيه الدستوري السعودي الدكتور محمد بن عبد الله المرزوقي: أنه «من الأمور الجديدة التي جاء بها النظام الأساسي للحكم إسناده السلطة التنظيمية (التشريعية) إلى جهتين، هما مجلس الوزراء ومجلس الشورى».

استقلال السلطة القضائية

وبالنسبة للسلطة القضائية، كانت منذ عهد الملك عبد العزيز ولا تزال مستقلة وتستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، وأكدت أنظمة القضاء التي صدرت في مراحل مختلفة على أن: «القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية، وليس لأحد التدخل في القضاء». وقد أصدر الملك المؤسس جملة من الأنظمة والتعليمات المتعلقة بالمحاكم ورئاسة القضاء (صاحبة الولاية الدستورية على السلطة القضائية)، كان آخرها تنظيم الأعمال الإدارية في الدوائر الشرعية، ونظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي الذي تكوّن من 258 مادة لتنظيم رئاسة القضاء، والتفتيش القضائي، واختصاصات وصلاحيات وأعمال المحاكم الشرعية وقضاتها. صدر ذلك النظام عام 1352هـ – 1953م وظل نافذاً لأكثر من ستين عاماً وحتى صدور نظام المرافعات الشرعية عام 1435هـ - 2013م في عهد الملك عبد الله.

ولفظة «تركيز المسؤوليات» التي ظهرت في عنوان ذلك النظام القضائي، جاءت كذلك في ديباجة مرسوم إصدار نظام مجلس الوزراء لعام 1377هـ - 1958م، وهي تشير بوضوح إلى تنظيم مسؤوليات واختصاصات كانت قائمة وممارسة فعلاً وبعضها ذو صفة أو صبغة دستورية، كاختصاص إصدار الأنظمة وكذلك إبرام المعاهدات والتي برع الملك عبد العزيز في الاضطلاع بها مرفوداً – في الجانب الفني القانوني – بخبرات عدد من مستشاريه وكانت حجر أساس في البناء الدستوري للدولة.

كما كان نظام مجلس الوزراء ولخمسة وثلاثين عاماً، بكل ما اشتمل عليه من تنظيم لاختصاصات الدولة التشريعية والتنفيذية والإدارية والمالية، وثيقة دستورية، وفي رأي بعض شراح القانون الدستوري السعودي بمثابة نظام أساسي، شكلت مع أنظمة القضاء ومن بينها نظام القضاء الذي صدر عام 1395هـ - 1975م في عهد الملك خالد، قاعدةً للأحكام الدستورية الخاصة بسلطات الدولة التي تضمنها النظام الأساسي للحكم.

«الفراغ الدستوري»

وقد أشار الملك فهد، في بيانه الشهير عند إصدار الأنظمة الأساسية، إلى ذلك بالقول: «وقد استدعى تطور الحياة الحديثة أن ينبثق عن هذا المنهج أنظمة سياسية في عهد الملك عبد العزيز. ونظراً لتطور أمور الدولة وتكاثر واجباتها فقد أصدر الملك عبد العزيز - رحمه الله – أمره بتأسيس مجلس الوزراء والذي يعمل الآن وفقاً لنظامه الصادر في عام 1377هـ، وما طرأ عليه من تعديلات. لقد استمر العمل بهذا المنهج حتى يومنا هذا بحمد الله وتوفيقه.

ولذلك لم تعرف المملكة العربية السعودية ما يسمى (بالفراغ الدستوري)، فمفهوم (الفراغ الدستوري) – من حيث النص – هو ألا تكون لدى الدولة مبادئ موجهة وقواعد ملزمة ولا أصول مرجعية في مجال التشريع وتنظيم العلاقات، إن المملكة العربية السعودية لم تشهد هذه الظاهرة في تاريخها كله لأنه طوال مسيرتها تحكم بموجب مبادئ موجهة وقواعد ملزمة وأصول واضحة يرجع إليها الحكام والقضاة والعلماء وسائر العاملين في الدولة».

شركة «أرامكو» تهنئ الملك سعود بذكرى الجلوس الملكي

الاحتفال باليوم الوطني

وعودة إلى الاحتفال باليوم الوطني، فقد تغير تاريخ اليوم الوطني عندما تولى الملك سعود مقاليد الحكم بعد وفاة الملك عبد العزيز يوم الاثنين 2 ربيع الأول 1373 هـ الموافق 9 نوفمبر 1953م، وبايعته الأسرة المالكة وأهل الحل والعقد في القصر الملكي بالطائف كما بايعت (الأمير) فيصل بولاية العهد، ولكن تم اختيار اليوم الثاني عشر من شهر نوفمبر وليس اليوم التاسع من الشهر نفسه يوماً للاحتفال بذكرى جلوس الملك سعود على العرش (اليوم الوطني)؛ وقد يكون ذلك تيمناً كما يرى بعض الباحثين، إذ إنه اليوم الذي توجه فيه الملك سعود إلى مكة المكرمة (مقر الحكومة آنذاك) وأمّ المصلين في صلاة المغرب في المسجد الحرام وتلقى بيعة رؤساء الدوائر الحكومية وكبار الموظفين والعلماء والتجار والوجهاء وأعضاء المجالس والهيئات وعموم الشعب، أو أن الملك سعود لم يستحسن أن يكون يوم الاحتفاء يوم 9 نوفمبر لأنه يوم وفاة الملك عبد العزيز، وهذا هو المرجح.

وجاء الاحتفاء بالذكرى الأولى لجلوس الملك سعود يوم الجمعة 12 نوفمبر 1954م الموافق 17 ربيع الأول 1374هـ «يوماً وطنياً سعيداً» مثلت فيه الوفود بين يدي الملك للتهنئة وتلقى فيه برقيات التهاني من الداخل والخارج وأقيمت فيه الاحتفالات في عدد من المناطق وأصدرت فيه الجرائد والمجلات أعداداً ممتازة خاصة بهذه المناسبة، ومن أبرزها جرائد «أم القرى، والبلاد، والمدينة» ومجلتا «الرياض، والمنهل».

كما انبرى عدد من الشعراء العرب للتعبير عن فرحتهم بهذه المناسبة، لكن التطور اللافت هو الخطاب الملكي السنوي الذي كان يوجهه الملك إلى الشعب في هذه المناسبة كل عام، ويتناول فيه ما يتعلق بقضايا الوطن وحياة المواطنين.

الملك سعود بن عبد العزيز أثناء إلقائه الخطاب

ووفقاً للباحث الرويس، «كان هناك تطور سنوي على برامج الاحتفال بتلك الذكرى، فبدءاً من الذكرى الأولى، أصبحت الجريدة الرسمية (أم القرى) تنشر كلمات للأمراء والوزراء بهذه المناسبة، واختارت الإذاعة السعودية يوم الذكرى لإصدار مجلة (الإذاعة)، كما أقامت كلية الملك عبد العزيز الحربية مهرجاناً خاصاً بتلك المناسبة».

استمرت الاحتفالات سنوياً مع تصاعد الاهتمام الإعلامي كإصدار الجريدة الرسمية عدداً خاصاً، وتخصيص الإذاعة برامج خاصة بالذكرى ونشر إعلانات التهاني في الصحف، وظل الاحتفال بذكرى الجلوس يوم 12 نوفمبر كيوم وطني (ثانٍ) للمملكة العربية السعودية لمدة عشر سنوات، وكان آخرها الذكرى العاشرة في عام1383هـ - 1963.

صور الأمر الملكي لليوم الوطني بتحديد 23 سبتمبر يوماً وطنياً

الملك فيصل يحدد 23 سبتمبر

وحينما ارتقى الملك فيصل العرش في 27 جمادى الأخرة 1384هـ - 2 نوفمبر 1964م وقبل حلول الذكرى الحادية عشرة بأيام، ولم يكن هناك أي احتفال باليوم الوطني ذلك العام، رأى الملك فيصل أن تحديد اليوم الوطني بذكرى جلوس الملك يجعله يوماً غير ثابت، حيث يتغير مع تولي كل ملك للعرش فعُرض على مجلس الوزراء بضرورة جعل يوم وطني محدد وثابت التوقيت في كل عام.

فتقرر اختيار يوم إعلان توحيد المملكة العربية السعودية الموافق لليوم الأول من الميزان (مطلع السنة الهجرية الشمسية) وهو يوم 23 سبتمبر من السنة الميلادية وصدر قرار من مجلس الوزراء بذلك، وتوج بالمرسوم الملكي رقم م/9 بتاريخ 24 ربيع الآخر 1385هـ الموافق 21 أغسطس 1965م، بأن يكون يوم 23 سبتمبر هو اليوم الوطني (الثالث) للمملكة العربية السعودية.

وقد بدأ الاحتفال بهذا اليوم لأول مرة في 28 جمادى الأولى 1385هـ - 23 سبتمبر 1965م، أي بعد مرور 33 عاماً على إعلان توحيد المملكة العربية السعودية. ومنذ ذلك الحين اختفى مصطلح ومناسبة (ذكرى الجلوس الملكي) واستبدل بذكرى البيعة، غير أنها ظلت مناسبة ليس لها أي مظاهر أو مراسم. كما أن الاحتفاء باليوم الوطني كان في إطار رسمي تمثل في تلقي الملك التهاني وإقامة السفارات السعودية في الخارج حفلات استقبال مع تغطيات إعلامية، دون احتفالات شعبية ودون أن يكون عطلة رسمية.

استمر الوضع على هذا المنوال طوال عهد الملك فيصل والملك خالد وأكثر سنوات عهد الملك فهد. لكن الاهتمام باليوم الوطني شعبياً والمواكبة الإعلامية زادت في أواخر عهد الملك فهد، حيث صدر الأمر السامي رقم (7/1600/م ب) وتاريخ 2 ذو القعدة 1425هـ الموافق 14 ديسمبر 2004م القاضي بالموافقة على ما رأه مجلس الوزراء بأن يكون يوم (23 سبتمبر) من كل عام إجازة رسمية بمسمى إجازة اليوم الوطني، وذلك بعد نحو 40 عاماً من إقرار ذلك التاريخ يوماً وطنياً، وبدءاً من عام 1426هـ - 2005م أخذ الاحتفاء باليوم الوطني بُعداً رسمياً وشعبياً وأصبحت الاحتفالات تقام في أنحاء المملكة كافة مع تغطيات إعلامية مكثفة ازدادت مع انتشار وسائل التواصل وتطور تلك الاحتفالات وتنوعها.

3 مراحل لليوم الوطني

مما سبق يتضح أن اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية تنقّل تاريخه ثلاث مرات بين 8 يناير و12 نوفمبر واستقر في 23 سبتمبر، وكان أول احتفال به في عام 1930م، وذلك قبل إعلان توحيد البلاد. وبذلك يكون مرّ 93 عاماً على أول يوم وطني في عهد الملك عبد العزيز كما مرّ معنا. وهذا قد يوضح اللبس الذي يتداول كل عام حول صحة عدد أعوام اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية.

هذا فيما يتعلق بتاريخ اليوم الوطني وعيد الجلوس، أما عن البيعة فهي في الأصل مبدأ إسلامي تميزت به الحضارة الإسلامية وتُعدّ عهداً وعقداً بين الراعي والراعية، كما أنها أحد الأسس الدستورية للدولة السعودية منذ تأسيسها الأول قبل 300 عام، كما أكدت عليها نصوص النظام الأساسي للحكم ثم نظام هيئة البيعة. وكما تقدم: تمت مبايعة الملك عبد العزيز في المسجد الحرام، وتطرقنا كذلك إلى تفاصيل مبايعة ولي عهده (الأمير) سعود، لكن ماذا عن أماكن وتفاصيل مبايعة الملوك وأولياء العهد بعد ذلك؟

الملك سعود يتوسط أخوته بعد مبايعته ملكاً للمملكة العربية السعودية

البيعة وانتقال الحكم

هنا لا بد من التفصيل، حيث إنه عند وفاة الملك عبد العزيز (يوم 2 ربيع الأول 1373هـ - 9 نوفمبر 1953م) بايع كبار الأمراء الملك سعود في القصر الملكي بالطائف (قصر العقيق حالياً)، وهو المكان نفسه الذي توفي فيه الملك المؤسس كما بايعوا (الأمير) فيصل بولاية العهد.

وتم ذلك قبل إعلان بيان الوفاة وأصبح هذا تقليداً متبعاً (مبايعة كبار أفراد الأسرة الحاكمة أو «البيعة الخاصة» أولاً ثم تتم «البيعة العامة»)، وجاء نص البلاغ رقم (2) الذي صدر عن الديوان الملكي العالي كالآتي: «على إثر وفاة حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية تغمده الله برحمته والتفاف أفراد الأسرة المالكة الكريمة حول جثمانه الطاهر خرجوا من عنده وبايعوا حضرة صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عبد العزيز المعظم ملكاً على البلاد العربية السعودية على طاعة الله ورسوله والسمع والطاعة، فنُودي بحضرة صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل الفيصل آل سعود ملكاً للمملكة العربية السعودية. وعلى أثر ذلك أعلن حضرة صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز ولاية عهده لأخيه حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز ولياً للعهد، كما بايع سموه على أثر ذلك أفراد الأسرة المالكة».

ويلاحظ في نص هذا البيان، أن الملك سعود أعلن ولاية العهد لأخيه فيصل، ويفهم من كلمة «أعلن» أن الأمر كان محسوماً قبل ذلك، وفي اليوم التالي تلقى الملك سعود في القصر نفسه بيعة قادة الجيش وأعضاء مجلس الشورى وكبار رجالات الدولة وشيوخ القبائل وجموع غفيرة من المواطنين، وهذا يصحح ما ذكرته بعض المصادر، وهو ما يتداول في مواقع رسمية بأن بيعة الملك سعود تمت في جدة، مع إيضاح أن الملك سعود بقي في الطائف ولم يرافق جثمان الملك عبد العزيز للرياض، ثم توجه من الطائف بالطائرة إلى جدة يوم الأربعاء 4 ربيع الأول 1373هـ - 11 نوفمبر 1953م، ثم إلى مكة وتلقى البيعة من وفود وجموع من طبقات الشعب كافة، بينما تلقى ولي العهد (الأمير) فيصل البيعة في قصر الحكم بعد دفن الملك عبد العزيز في الرياض.

عاد الأمير فيصل إلى الطائف ورافق الملك سعود إلى جدة ومكة. وكانت بيعة الملك سعود أول بيعة تبث أخبارها الإذاعة السعودية، وزاد استعمال البرقيات فيها كوسيلة مبايعة، كما زادت التغطيات الصحفية، حيث نشرت الصحف وأذاعت الإذاعة بياناً باسم الملك سعود يمكن أن يعدّ بمثابة «خطاب العرش».

الملك سعود يتلقى البيعة من المواطنين

وأصدر الملك سعود عدداً من الأوامر تضمنت استمرار الوزراء وكبار المسؤولين في مناصبهم والعفو عن السجناء والمبعدين السياسيين وسجناء الحق العام، واستقبل الملك وفوداً خارجية وممثلي البعثات الدبلوماسية والجاليات الأجنبية الذين قدموا التهاني لجلالته بتوليه الحكم، وتلقى أمراء المناطق البيعة نيابة عن الملك كما تلقت الممثليات السعودية في الخارج البيعة من المواطنين السعوديين الموجودين في تلك الدول، وأصبحت هذه وغيرها من التدابير والمراسم والإجراءات من التقاليد المصاحبة للبيعة.

وفي يوم الاثنين 27 جمادى الآخرة 1384هـ - 2 نوفمبر 1964م عُقدت جلسة مشتركة لأعضاء مجلسي الوزراء والشورى في قصر الحمراء (وهذا هو الاسم الأساس للقصر وليس «الأحمر») بالرياض برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء (الأمير) خالد بن عبد العزيز، وقرروا فيها: «مبايعة ولي العهد فيصل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملكاً شرعياً على المملكة العربية السعودية وإماماً للمسلمين»، وطلبوا من الملك فيصل: «قبول البيعة وإعلانها»، بايع كبار الأمراء والعلماء (أعضاء السلطة القضائية) وأعضاء مجلس الوزراء وأعضاء مجلس الشورى المجتمعون في قصر الحمراء الملك فيصل هناك، أذيع «بيان البيعة» نحو الساعة الثانية ظهراً وتلاه وزير الإعلام السعودي آنذاك الشيخ جميل الحجيلان، الذي ذكر أنه نحو الساعة 11 من صباح ذلك اليوم أقلته طائرة بوينغ 707 وكانت من أوائل الطائرات الحديثة في أسطول الخطوط السعودية من مطار الرياض إلى جدة لبث البيان، حيث لم يكن هناك استوديوهات إذاعية في الرياض.

بيان البيعة

وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتلو فيها وزير الإعلام بيان البيعة وأصبحت تقليداً مصاحباً، أما خطاب العرش فقد تلاه الملك فيصل بنفسه وبثّته الإذاعة مساء ذلك اليوم، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يبث فيها خطاب اعتلاء العرش بصوت الملك عبر الإذاعة، وذكر الإعلامي والمؤرخ السعودي الدكتور عبد الرحمن الشبيلي تفاصيل عن كواليس تسجيل الخطاب الملكي في قصر المعذر عصر ذلك اليوم بحضور الأمير سلطان بن عبد العزيز (وزير الدفاع والطيران وأحد كبار مستشاري الملك فيصل) والدكتور رشاد فرعون (المستشار الخاص للملك) والشيخ محمد النويصر (رئيس المكتب الخاص) والكاتب والشاعر كنعان الخطيب (يُرجح أنه هو من صاغ الخطاب الملكي)، وكيف أن طائرة خاصة أقلت الشبيلي إلى جدة بتوجيه من الأمير سلطان، حاملاً معه شريط تسجيل خطاب العرش.

وفي قصر الحكم بوسط العاصمة الرياض تلقى الملك فيصل يوم الثلاثاء 28 جمادى الآخرة - 3 نوفمبر البيعة من الأمراء وكبار رجال الدولة وأعيان البلاد وممثلي فئات الشعب، وكان يقف إلى جانبه أخوه أمير الرياض وقتذاك سلمان بن عبد العزيز.

الملك فيصل بن عبد العزيز وبجانبه الملك سلمان بن عبد العزيز حين كان أميراً للرياض

ويتكرر الأمير (الملك سلمان) والمكان والمراسم في كل بيعة تالية ولما يزيد على نصف قرن؛ مما يبين عراقة مراسم وتقاليد البيعة في المملكة العربية السعودية. ولعله من المهم الإشارة هنا إلى أن بيعة الملك فيصل في قصر الحكم عام 1384هـ - 1964م كانت أول بيعة ملكية في ذلك القصر كما كانت أول بيعة بعد إعادة بناء القصر على الطراز الحديث.

الملك فيصل بن عبد العزيز حين تلقيه البيعة ملكاً للبلاد وبجانبه الأمير محمد بن عبد العزيز

كما تلقى الملك بيعة قادة القطاعات العسكرية، واستقبل وفوداً ومبعوثين ودبلوماسيين وإعلاميين من مختلف الدول، مهنئين باعتلائه عرش البلاد، كما بدأت إعلانات التهاني في الصحف تنتشر. وصدرت أوامر ملكية باستمرار تشكيلات الوزارة (مجلس الوزراء)، وتعديلات لنظام المجلس وتعيينات، والعفو عن سجناء الحق العام، وتلقى أمراء المناطق البيعة نيابةً عن الملك، كما فتحت السفارات السعودية في الخارج أبوابها لاستقبال المواطنين المبايعين. غير أنه فور تولي الملك فيصل مقاليد الحكم لم يتم اختيار ولي للعهد، وجرت مشاورات داخل الأسرة؛ إذ بعث الملك فيصل كتاباً إلى أخيه الأمير محمد يوم 22 رمضان 1384هـ - 24 يناير 1965م - أي بعد أكثر من شهرين ونصف الشهر من مبايعته ملكاً - ومضمون الكتاب استطلاع رأي الأمير محمد حول موضوع ولاية العهد؛ كونه الذي يلي الملك فيصل في السن من أبناء عبد العزيز، وجاء في نص الكتاب:

«من فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية

إلى جناب الأخ الكريم محمد بن عبد العزيز حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد:

فإنني أرى من المصلحة اختيار ولي للعهد؛ لأن ذلك عنصر أساسي من عناصر استمرار الحكم ورسوخه في هذه البلاد التي باتت تنعم بالطمأنينة والاستقرار، وتتطلع لحياة أفضل بعد أن عصفت بها تيارات مختلفة داخلية وخارجية، وإنني إذ أطلب من سموكم إخباري بوجهة نظركم في هذا الموضوع، أنتهز هذه الفرصة لأشيد بالجهود العظيمة التي بذلها سموكم ومساهمتكم الفعالة في سبيل استقرار الوضع وتجنيب البلاد الفتن والكوارث، وبانتظار مرئياتكم».

لحظة مبايعة الملك فيصل بن عبد العزيز ملكاً وبجانبه الأمير محمد بن عبد العزيز والملك سلمان بن عبد العزيز واقفاً بجانبه حينما كان أميراً للرياض

وقبل التطرق إلى التفاصيل، لا بد من الإشادة بدور الأمير محمد وبقية إخوته من أبناء الملك عبد العزيز في تأمين وسلاسة انتقال مقاليد الحكم في جميع العهود الماضية رغم حساسيات المراحل وتحدياتها؛ وذلك لأنهم آمنوا بتقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية لأي منهم. ويعزو المؤرخ السعودي عبد الرحمن الرويشد ذلك السلوك الرشيد إلى: «تقاليد الأسرة العتيدة وثوابتها، وقناعة أفرادها بأنهم أصحاب رسالة يسيرون على نهج والدهم الملك عبد العزيز، الذي قال: (نحن آل سعود لسنا ملوكاً ولكننا أصحاب رسالة)، وهذه الرسالة هي التي تعمق مفهومها في نفوس قادة البيت السعودي ومنحتهم دوراً خاصاً وملأت صدورهم قناعة» بأن مهمتهم المحافظة على كيان دولتهم وحفظ مصالحها وتوفير احتياجات مجتمعهم وخدمة أمتهم. يقول الكاتب والصحافي المصري محمد جلال كشك: «ولا أظن في تاريخ العرب الحديث رجلاً عرف أعباء الملك ومتطلباته ووفى بهذه الالتزامات أكثر من عبد العزيز...».

إيمان وعبقرية الملك عبد العزيز

يروي المؤرخ والسياسي الفرنسي جاك بنوا ميشان، أن «الملك عبد العزيز في شهر نوفمبر عام 1950م (1370ه) استقبل في الرياض بعثة من الأمم المتحدة وتحدث أحد أعضائها عن الإنجازات التي تحققت والتطور الذي شهدته الجزيرة العربية، فرد الملك المؤسس وهو يشير إلى بعض الفتية في المجلس: (إن أغلى ما أملك هم أبنائي... لقد عشت حياة حافلة، وها إنني اليوم في مرحلة الشيخوخة، وسوف لن يتأخر كثيراً زمن الراحة، وسأغمض عيني مطمئناً. إن أبنائي سيعكفون من بعدي على إكمال رسالتي وإذا منحهم الله العون الذي منحني فإنهم سيرسمون يوماً الطريق لأكثر من مائة مليون من المؤمنين).

واعترض مندوب الأمم المتحدة فقال: ألا تعتقدون جلالتكم أنكم في هذا تغالون في التفاؤل؟ إن العالم يعيش على فوهة البركان، ولا يعلم أحد أي مصير يترقب الجزيرة العربية إذا نشبت حرب جديدة! ففكر ابن سعود لحظة ثم أجاب ببساطة: (لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا أدعي أنني أعلم الغيب، ولكن الله جل جلاله قد غمر هذه الجزيرة بفيض من خيراته وسيمُنُّ عليها بالمزيد إذا قدَّر أنها تستحق فضله وإحسانه)».

لا أعلم بماذا أصف ما قاله الملك المؤسس، أهو رؤية أم إيمان أم ثقة أم توكل؟ لكنه بلا شك (إيمانُ عبد العزيز) وشيء من عبقريته. ويكفي أن نقرأ جواب الأمير محمد المؤرخ في 23 رمضان 1383هـ - 25 يناير 1964م على كتاب الملك فيصل لنجد التطبيق العملي لما قاله الملك المؤسس، حيث جاء في رد الأمير محمد:

«إن ميادين العمل لخدمة الشعب ليست وقفاً على المناصب والألقاب، وهناك مجالات واسعة ومتعددة تمكن كل فرد من أفراد شعبنا العزيز من تأدية واجبه في خدمة بلاده.

وإنني وإن كنت المرشح الأول لمنصب ولاية العهد إلا أنني أفضّل أن أكون بعيداً عن مظاهر الرتب والألقاب ممن يشد أزركم ويوجد في الصفوف لمواصلة العمل في ظل قيادتكم الرشيدة التي لمس الجميع آثارها في الداخل والخارج.

وإذا جاز لي أن أرشح أحداً لشغل منصب ولاية العهد فإنني أرى في أخي الأمير خالد بن عبد العزيز من الصفات ما يجعله أهلاً لذلك، راجياً من الله أن يلهمكم التوفيق والسداد ويحفظ جلالتكم من كل سوء مولاي».

وفي يوم الاثنين 16 ذو القعدة 1383هـ - 29 مارس 1964م وجّه الملك فيصل رسالة سامية إلى الشعب السعودي هذا نصها: «بسم الله الرحمن الرحيم

من فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية إلى إخواني أبناء الشعب العربي السعودي الكريم:

تحية وبعد:

فإني أحمد الله على نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه. هذا، ونظراً لأن ولاية العهد هي عنصر أساسي من عناصر استمرار الحكم ورسوخه، وبعد أن تمتعت البلاد بنعمة الاستقرار، وسارت في طريق التقدم والازدهار بفضل تمسكها بدينها الحنيف وشريعتها السمحاء.

فإنه ليسرني أن أعلن لإخواني أبناء الشعب السعودي الكريم، بأنني قد اخترت أخي الأمير خالد بن عبد العزيز ولياً للعهد، يحكم من بعدي بكتاب الله وسنة رسوله، وكلي ثقة بأن الشعب سيكون له خير ناصر ومعين.

والله ولي التوفيق».

ونلاحظ في هذا البيان استخدام مفردة (اخترت)، ويفهم منها أن القرار كان للملك.

ومساء اليوم نفسه، وفي قصر الأمير محمد بحي عليشة في الرياض، بايع أفراد الأسرة وعلى رأسهم الأمراء عبد الله بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد العزيز، (الأمير) خالد ولياً للعهد.

تجدر الإشارة إلى أن (الأمير) خالد كان قد عُيّن نائباً لرئيس مجلس الوزراء في عام 1382هـ - 1962م، واستمر في المنصب بعد اختياره ولياً للعهد، وأصبح ذلك تقليداً متبعاً، بأن يكون ولي العهد هو نائب رئيس مجلس الوزراء.

منصب النائب الثاني

كما حصل تطور لافت في عهد الملك فيصل، وهو استحداث منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، حيث صدر يوم الأحد 27 جمادى الآخرة 1387 هـ - 1 أكتوبر 1967م الأمر الملكي رقم أ/36 بتعيين (الأمير) فهد بن عبد العزيز نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء مع احتفاظه بحقيبة الداخلية.

وعلى الرغم من عدم وجود نص دستوري، فإن هذا المنصب أصبح من يتولاه يكون الثالث عُرفاً في تراتبية الحكم بعد الملك وولي العهد، كما أن كل من تولاه منذ ذلك التاريخ اُختير ولياً للعهد.

وهكذا، مع كل بيعة هناك أسس راسخة وتقاليد مرعية ومراسم واضحة، وأشياءٌ أُخر يمكن أن تتطور أو تتغير، بيد أنه لا بد من التأكيد أن بيعة الملك فيصل بالذات أسست نهجاً محدداً لكل البيعات التي تلتها، أو كما يرى الكاتب والباحث الأمريكي جوزيف كيشيشيان: «وضع الأسس لخلافة أفقية متينة».

الملك خالد بن عبد العزيز

مبايعة في المستشفى

في ضحى يوم 13 ربيع الأول 1395 هـ - 25 مارس 1975م نُقِل الملك فيصل إلى مستشفى الرياض المركزي (الشميسي) إثر تعرضه لإطلاق النار، وانتقل ولي العهد وكبار الأمراء إلى هناك. وبعد الظهر عندما أعلن الأطباء وفاة الملك فيصل، بايع الأمراء ــ وهم في المستشفى ــ ولي العهد خالد بن عبد العزيز ملكاً، وصدر بيان الديوان الملكي الذي نعى الملك فيصل: «قام أفراد الأسرة وفي مقدمتهم الأمراء عبد الله بن عبد الرحمن، ومحمد وناصر وسعد وفهد أبناء عبد العزيز بمبايعة ولي العهد الأمير خالد بن عبد العزيز ملكاً على البلاد. وبعد إتمام البيعة أعلن صاحب الجلالة الملك خالد بن عبد العزيز ترشيح صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولياً للعهد، وقد أجمع أفراد الأسرة على ذلك وقاموا بمبايعة سموه...».

ومما يلفت الانتباه هنا استخدام كلمة «ترشيح» الملك لولي العهد بدلاً من كلمة «اختيار» كما سبق، وقد يكون السبب وجود الأمير محمد وهو أكبر سناً من الملك خالد، وكذلك الأميران ناصر وسعد وهما أكبر سناً من (الأمير) فهد، فكان من الأنسب استخدام كلمة ترشيح.

ألقى وزير الإعلام إبراهيم العنقري كلمة الملك خالد إلى الشعب في أول «خطاب عرش» متلفز. وتلقى الملك خالد وولي عهده (الأمير) فهد البيعة من طبقات الشعب كافة في قصر الحكم صباح الأربعاء، وكانت هذه أول بيعة مشتركة للملك وولي عهده في قصر الحكم بالرياض. كما تطورت التغطيات الإعلامية هذه المرة، فإلى جانب الإذاعة والصحف والمجلات التي كثفت من تغطياتها وإعلاناتها، غُطيت مراسم البيعة تلفزيونياً وبثت وكالة الأنباء السعودية أخبار البيعة لأول مرة.

استقبل الملك وفوداً خارجية على المستويات كافة، وصدرت الأوامر الملكية بتعديل نظام مجلس الوزراء واستمرار أعضائه في مناصبهم وتعيين ولي العهد (الأمير) فهد نائباً أول و(الأمير) عبد الله نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء وغيرها من التعيينات، كما صدر الأمر بالعفو عن سجناء الحق العام، وتلقى أمراء المناطق البيعة من المواطنين نيابةً عن الملك، وكذلك السفارات في الخارج.

الملك فهد بن عبد العزيز

النظام الأساسي للحكم

توفي الملك خالد في قصره بالخالدية بالطائف صباح يوم الأحد 21 شعبان 1402 هـ - 13 يونيو 1982م، وصدر عن الديوان الملكي بيانٌ عن وفاة الملك وبيانٌ آخر عن مبايعة ولي العهد ملكاً، وجاء فيه: «لقد قام أفراد الأسرة وعلى رأسهم الأمير محمد بن عبد العزيز بمبايعة ولي العهد الأمير فهد بن عبد العزيز ملكاً على البلاد. وبعد إتمام البيعة أعلن صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز ترشيح صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولياً للعهد، وقد أجمع أفراد الأسرة على ذلك وقاموا بمبايعة سموه...»، ونرى هنا استمرار استخدام كلمة «ترشيح» الملك لولي العهد وذلك للسبب نفسه.

وتضمن أول أمر ملكي يصدره الملك فهد استمرار جميع أعضاء مجلس الوزراء في مناصبهم وتعيين ولي العهد (الأمير) عبد الله نائباً، ووزير الدفاع والطيران الأمير سلطان نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء.

وفي مساء اليوم نفسه ألقى الملك فهد كلمة مؤثرة بثها التلفزيون السعودي، وتعدّ أول خطاب عرش يلقيه الملك بنفسه تلفزيونياً. تلقى الملك فهد وولي عهده (الأمير) عبد الله البيعة من الأمراء والعلماء والقادة العسكريين وكبار رجالات الدولة والمواطنين في قصر الحكم يوم الاثنين، كما استقبل وفوداً من مختلف دول العالم مهنئة بارتقائه عرش البلاد.

وفي تطور دستوري لما يتعلق بمبايعة الملك، تحولت معه القواعد الدستورية العرفية التي استقر عليها العمل إلى مواد مكتوبة، أصدر الملك فهد يوم 27 شعبان 1412 هـ - 1 مارس 1992م أمراً ملكياً معلناً صدور النظام الأساسي للحكم من 9 أبواب و83 مادة، ونصت الفقرة (ب) من المادة الخامسة منه على: «يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء، ويبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم». مع ملاحظة التعديل الذي طرأ على هذه الفقرة فيما بعد. ويمكن أن يفهم من عدم النص في النظام الأساسي على أن الحكم «وراثي»، وتخصيص الحكم في ذرية المؤسس أنه ليس تأسيساً لمبدأ «توارث العرش» بمفهومه الدقيق، الذي يلزمه خط أو تسلسل معلوم، ونص وتطبيق النظام الأساسي للحكم لم يأت بذلك، حيث لم يجعل استنفاذ الحكم في أبناء المؤسس لازماً لانتقاله لأبناء الأبناء. والواقع الدستوري المعمول به يؤيد هذا التفسير.

الملك عبد الله بن عبد العزيز

هيئة البيعة

توفي الملك فهد في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض فجر يوم الاثنين 26 جمادى الآخرة 1426هـ - 1 أغسطس 2005م، وهناك تقدم الأمير سلطان بن عبد العزيز وتبعه كبار الأمراء مبايعين أخاهم عبد الله ملكاً، وجاء في بيان الديوان الملكي الذي تلاه وزير الإعلام إياد مدني: «لقد قام أفراد الأسرة بمبايعة صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز ملكاً على البلاد وفق المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم، وبعد إتمام البيعة أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية اختيار صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز ولياً للعهد حسب المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم، وقد بايع أفراد الأسرة سموه على ذلك...»، وجاءت هنا كلمة «اختيار» الملك لولي العهد، وذلك وفقاً لنص النظام الأساسي للحكم.

تلقى الملك وولي عهده البيعة يوم الأربعاء في قصر الحكم من الأمراء والعلماء والقادة العسكريين وكبار رجالات الدولة والمواطنين وفق التقاليد العريقة والمراسم المتبعة، ووجّه الملك خطابه إلى الأمة، وأصدر الأوامر وعفا عن السجناء، واستقبل المهنئين بتوليه مقاليد الحكم من رؤساء الدول وممثليهم.

وجاءت هذه البيعة بأوليات، فهي أول بيعة تتم بعد وفاة الأمير محمد بن عبد العزيز الذي كان دوره مؤثراً في البيعات السابقة، كما أنها أول بيعة تتم في قصر الحكم بعد إعادة بنائه على طراز العمارة النجدية الحديثة والذي أصبح يعرف بـ«العمارة السلمانية» نسبة إلى دور الملك سلمان في تبني هذا التوجه العمراني.

وأول بيعة بعد صدور النظام الأساسي للحكم مع النص عليه في بيان الديوان الملكي. كما كانت البيعة الأولى في عصر الإنترنت والقنوات الفضائية والصحف والمواقع الإلكترونية والتغطيات المباشرة التي بثت مباشرة مراسم البيعة، كما بثت خطاب العرش الملكي.

وفي يوم 26 رمضان 1427هـ الموافق 19 أكتوبر 2006م، أصدر الملك عبد الله أمراً ملكياً يتضمن صدور نظام هيئة البيعة من 25 مادة، وتعديل الفقرة (ج) من المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم ليصبح نصها: «تتم الدعوة لمبايعة الملك واختيار ولي العهد وفقاً لنظام هيئة البيعة». ونص الأمر على أن أحكام نظام هيئة البيعة تسري على الحالات المستقبلية ولا تسري على الملك وولي العهد الحاليين. كان صدور ذلك النظام وقبله النظام الأساسي للحكم مراحل مهمة من التطور السياسي والبناء الدستوري للدولة. ويشير أستاذ القانون الإداري والدستوري الدكتور إبراهيم الحديثي إلى أن «نظام هيئة البيعة جاء تأكيداً لاستقرار الحكم وسلاسة انتقال السلطة...»، ويعزو ذلك لارتباط البيعة بأهم منصبين في المملكة العربية السعودية (الملك وولي العهد).

وفي 1 ربيع الثاني 1430هـ - 27 مارس 2009م صدر الأمر الملكي بتعيين وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء. وإثر وفاة ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز، أصدر الملك عبد الله أمراً ملكياً يوم الخميس 30 من ذي القعدة 1432هـ - 27 أكتوبر 2011م، وذلك بعد إشعار رئيس وأعضاء هيئة البيعة باختيار الأمير نايف ولياً للعهد وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء إضافة إلى احتفاظه بحقيبة الداخلية. وفي قصر الملك عبد الله بالرياض بايع رئيس وأعضاء هيئة البيعة الأمير نايف، وكانت هذه أول بيعة تتم بعد إنشاء الهيئة، وعصر يوم السبت التالي وفي قصر الحكم بايع الأمراء والعلماء وكبار رجالات الدولة والمواطنون الأمير نايف ولياً للعهد.

وبعد وفاة الأمير نايف أصدر الملك عبد الله أمراً ملكياً يوم الاثنين 29 رجب 1433هـ - 18 يونيو 2012م باختيار (الأمير) سلمان ولياً للعهد وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء مع احتفاظه بحقيبة الدفاع.

بايع كبار الأمراء في قصر الملك عبد الله بالطائف (الأمير) سلمان بولاية العهد، ويوم الأربعاء تلقى البيعة في قصر السلام بجدة من الأمراء، وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، والمواطنين.

الملك سلمان بن عبد العزيز يتلقى البيعة ملكاً على البلاد والأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد في قصر الحكم (واس)

المبايعة وقصر الحكم

وفي قصر الحكم بالرياض بايعه الأمراء والعلماء والوزراء وأعضاء مجلس الشورى والقادة العسكريون والمواطنون. ويوم 21 ربيع الأول 1434هـ - 1 فبراير 2013م صدر أمر ملكي بتعيين المستشار والمبعوث الخاص لخادم الحرمين الشريفين الأمير مقرن بن عبد العزيز نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، لكن التطور اللافت الآخر الذي تم في عهد الملك عبد الله كان استحداث منصب ولي ولي العهد بموجب الأمر الملكي الصادر يوم الخميس 26 جمادي الأول 1435هـ - 27 مارس 2014م وتعيين الأمير مقرن في المنصب بعد تأييد أغلبية أعضاء هيئة البيعة، مع استمراره نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء.

وظهر يوم الأحد 29 جمادي الأول 1435هـ - 30 مارس 2014م تلقى الأمير مقرن في قصر الحكم بيعة الأمراء والعلماء والوزراء ورئيس وأعضاء مجلس الشورى وكبار المسؤولين من مدنيين وعسكريين والمواطنين.

توفي الملك عبد الله في مستشفى مدينة الملك عبد العزيز الطبية للحرس الوطني في الرياض، وأعلن الديوان الملكي فجر يوم الجمعة 3 ربيع الثاني 1436هـ - 23 يناير 2015م نبأ الوفاة، كما صدر بيان من الديوان الملكي، جاء فيه: «تلقى صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود البيعة ملكاً على البلاد وفق النظام الأساسي للحكم. وبعد إتمام البيعة، وبناءً على البند (ثانياً) من الأمر الملكي رقم أ / 86 وتاريخ 26 / 5 / 1435هـ، الذي نص على أن يبايع صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز آل سعود ولياً للعهد في حال خلو ولاية العهد، دعا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية - يحفظه الله - لمبايعة صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد، وقد تلقى سموه البيعة على ذلك».

أصدر الملك سلمان عدداً من الأوامر باستمرار جميع أعضاء مجلس الوزراء في مناصبهم وتعيين ولي العهد الأمير مقرن نائباً لرئيس مجلس الوزراء واختيار الأمير محمد بن نايف ولياً لولي العهد وتعيينه نائباً ثانياً، ووجّه الملك خطابه إلى الأمة.

جاءت هذه البيعة في عصر الثورة المعلوماتية ومنصات ووسائل التواصل، وشهدت أول بيعة إلكترونية عبر منصات التواصل، كما كانت أول بيعة ثلاثية مشتركة، لكن التقاليد الثابتة باقية، ففي مساء اليوم نفسه تلقى الملك سلمان وولي عهده وولي ولي العهد البيعة من الأمة في قصر الحكم، هذا القصر الذي شهد مبايعة الملوك السابقين وكان سلمان أحد شهود تلك البيعات.

وفي يوم الأربعاء 11 رجب 1436هـ - 29 إبريل 2015م رفع الأمير مقرن كتاباً إلى خادم الحرمين الشريفين يتضمن رغبته في الإعفاء من ولاية العهد، فصدر الأمر الملكي بالاستجابة لرغبة سموه، واختيار الأمير محمد بن نايف ولياً للعهد وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء واستمراره وزيراً للداخلية ورئيساً لمجلس الشؤون السياسية والأمنية، كما صدر في اليوم نفسه أمر ملكي آخر باختيار الأمير محمد بن سلمان - وبتأييد أغلبية أعضاء هيئة البيعة - ولياً لولي العهد وتعيينه نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء واستمراره وزيراً للدفاع ورئيساً لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. وفي مساء ذلك اليوم تقدم الأمير مقرن المبايعين في قصر الحكم بوسط الرياض، كما تلقى ولي العهد وولي ولي العهد البيعة من الأمراء والعلماء وكبار المسؤولين والقادة العسكريين والمواطنين. وقام الملك سلمان بزيارة الأمير مقرن في منزله بالرياض، كما وجّه له برقية الشكر الآتي نصها:

«صاحب السمو الملكي الأخ الأمير مقرن بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

تلقينا طلب سموكم إعفاءكم من منصبكم بما تضمنه من مشاعر الولاء والأخوة الصادقة، وهذا ليس بمستغرب على أخي العزيز، وقد قضيتم ما يزيد على نصف قرن في خدمة وطنكم متنقلاً بين أرجائه وتحملتم المسؤوليات المختلفة فيه بكل أمانة وصدق وإخلاص. سمو الأخ العزيز:

إننا والوطن جميعاً نحفظ لكم بكل اعتزاز ما قدمتموه من خدمات وما بذلتم في سبيله من جهود، وستظلون كما كنتم دائماً قريبين منا ومن وطنكم وإخوانكم، متمنين لسموكم الكريم حياة حافلة بالصحة والسعادة والتوفيق. والله يحفظكم ويرعاكم».

وفي يوم الأربعاء 26 رمضان 1438هـ الموافق 21 يونيو 2017م صدر أمر ملكي بناءً على تأييد أعضاء هيئة البيعة بأغلبية 31 من 34 عضواً، بإعفاء الأمير محمد بن نايف واختيار الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء واستمراره وزيراً للدفاع وما كُلّف به من مهام أخرى. وتلقى الأمير محمد بن سلمان البيعة من الأمراء والعلماء وكبار المسؤولين والقادة العسكريين والمواطنين في قصر الصفا بمكة المكرمة، وعلى بعد أمتار من المكان الذي تلقى فيه الملك عبد العزيز البيعة الملكية الأولى.

جاء هذا الاختيار ضمن رؤية الملك سلمان التجديدية الشاملة لمستقبل المملكة العربية السعودية، وستسطر صفحات التاريخ أن سلمان بن عبد العزيز هو من قاد البلاد في هذه المرحلة السياسية بالغة الدقة ونقل الحكم إلى جيل أحفاد عبد العزيز وأعاد هيكلة الدولة وتجديد شبابها، مع المحافظة على النهج الذي قامت عليه البلاد. وكما أشرنا إلى دور الأمراء الكبار من أبناء عبد العزيز في سلاسة انتقال السلطة فيما مضى من العهود، كان الأمير مقرن بن عبد العزيز مع كبار الأمراء أوائل المبايعين للأمير محمد بن سلمان في قصر الصفا.

الأمير محمد بن سلمان خلال تلقيه البيعة لولاية العهد من الأمراء والعلماء والمواطنين في قصر الصفا بمكة المكرمة في 26 رمضان 1438 للهجرة (واس)

أبناء عبد العزيز على العهد

حافظ أبناء و أحفاد عبد العزيز على هذا النموذج الفريد للدولة وقدّموا النسخة المعاصرة للتراث السياسي العربي والإسلامي، وظلّت سلاسة انتقال الحكم في المملكة على مدى المائة عام الماضية، دون حدوث أي «فراغ للسلطة» (فراغ دستوري) أو حتى «إعلان لحالة الطوارئ»؛ بل بتفاعل شعبي قلّ نظيره؛ حالة لافتة ومفاجئة لكثير من المراقبين والمحللين السياسيين.

قد عرفوا كيف يتعاملون مع أعباء ومتطلبات والتزامات ومسؤوليات الملك، كيف لا وهم أصحاب رسالة لا طلاب ملك. تحفهم عناية الله في مواصلة البناء على المنجز العظيم للملك عبد العزيز الذي أعيا كل محاولات التدوين والتأريخ.

ولو تأملنا في إرث الملك المؤسس السياسي والدستوري: توحيد البلاد وقلوب وعقول أبنائها ونيل الاعتراف الدولي بها وبإقليمها، وأخذ البيعة الشرعية لولي العهد وسنّها عرفاً، وإيداع أبنائه – أمناء إرثه – وصاياه المحفوظة بالتعاضد وإعلاء مصالح الشعب التي تجسدت فيهم جميعاً قيد حياته وبعد مماته، والشروع في تنظيم سلطات الدولة الثلاث بإصدار أنظمة خاصة بها، لأدركنا أن ذلك الإرث كان كفيلاً بجعل الملك عبد العزيز يغمض عينيه مطمئناً على دولة سيحافظ عليها من بعده أبناؤه «أغلى ما يملك»، كما قال لبعثة الأمم المتحدة تلك. وكيف به لو اطلع على منجزات أحفاده التي أدركنا.

لا يزال هناك الكثير من الزوايا والجوانب المتعلقة بتاريخ الدولة والبيعة لملوكها والتي تستلزم أن يُنقب في وثائقها ويُبحث في تاريخها ويُلقى الضوء على كثير من أخبارها، كما تستحق أن توثق وتبرز؛ بل وتُدرّس، وهنا يجب التنبيه إلى عبارة تتردد في الإعلام وعلى ألسنة البعض وهي «تجديد البيعة» وهذه عبارة لا تصح؛ فالبيعة من ركائز الحكم في الإسلام وهي عقد تأبيد لا ينتهي حتى يتجدد، كما أن بيعة ولي الأمر لا يجوز نقضها ولها قواعد وأركان وشروط وأحكام وكل ذلك مؤصل ومبسوط في كتب السياسة الشرعية، أما تكرار الحديث عن تجديد البيعة حتى وإن كان تعبيراً عن الولاء وبدافع الحب ففي نظري أنه مصطلح خاطئ، وأمر يجب أن يُعالج. أما الأمر الآخر فهو عدم وجود اعتماد رسمي لذكرى البيعة سواءً بالتاريخ الهجري القمري أو الشمسي وحيث أن الأيام الوطنية حدد الاحتفال بها بالتاريخ الشمسي فآمل أن يصدر اعتماد رسمي بذلك.


مقالات ذات صلة

السعودية تحتفي باستقرارها وتلاحمها في «يوم التأسيس»

الخليج جانب من الفعاليات التي نظمتها وزارة الثقافية بمناسبة  فعاليات بيوم التاسيس بالحى الدار البيضاء الثاني. (تصوير: سعد الدوسري)

السعودية تحتفي باستقرارها وتلاحمها في «يوم التأسيس»

أحيا السعوديون ذكرى «يوم تأسيس» الدولة على يد الإمام محمد بن سعود عام 1727م بفعاليات متنوعة. وتحتفي المملكة بهذه الذكرى التي توافق 22 فبراير (شباط) من كل عام،

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج جانب من الفعاليات التي أقامتها إدارة التعليم بمنطقة جازان بمناسبة يوم التأسيس (واس)

السعودية تحتفي بـ«يوم التأسيس» وتستعيد تاريخ 3 قرون

تحتفل المملكة العربية السعودية اليوم (الخميس) بذكرى يوم تأسيس الدولة السعودية على يد الإمام محمد بن سعود عام 1727. وهي الذكرى التي ربطت الأجيال السعودية بتاريخ

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أغنية وطنية من الفنانة السعودية زينة عماد و«أبو وديع» في إصدار جديد (إنستغرام)

ديوهات وأغنيات وطنية وعودة «أبو وديع»... في إصدارات الشهر الموسيقية

ودّع فنانو العالم العربي موسم الصيف بإصدارات جديدة، ومن بينها ما احتفى باليوم الوطني السعودي. كما عادت إلى الواجهة الألبومات الموسيقية الصادرة على دفعات.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق سفير خادم الحرمين الشريفين لدى القاهرة وأعضاء في الحكومة المصرية (حساب السفارة السعودية في القاهرة على «إكس»)

حضور لافت خلال احتفال «اليوم الوطني» في السفارة السعودية بالقاهرة

رحب سفير خادم الحرمين الشريفين لدى مصر أسامة نقلي بحضور احتفال السفارة بمناسبة «العيد الوطني»، ونقل تحيات وتقدير السعودية قيادة وشعباً للشعب المصري

محمد عجم (القاهرة)
كتب «حينما يبتسم القدر»... رواية تتناول مسيرة الملك عبد العزيز

«حينما يبتسم القدر»... رواية تتناول مسيرة الملك عبد العزيز

تعدّ رواية «حينما يبتسم القدر» للروائي الكويتي عادل الرشيدي، من الأعمال التي تتناول سيرة الملك عبد العزيز روائياً

«الشرق الأوسط» (الرياض )

هل يفسد «طوفان الأقصى» العلاقات السورية - الإيرانية... أم هو سحابة صيف عابرة؟

إحياء يوم القدس في مخيم اليرموك وغاب عن الاحتفال التمثيل الإيراني الرسمي وصور قياديات إيرانية أو من «حزب الله» اللبناني (الشرق الأوسط)
إحياء يوم القدس في مخيم اليرموك وغاب عن الاحتفال التمثيل الإيراني الرسمي وصور قياديات إيرانية أو من «حزب الله» اللبناني (الشرق الأوسط)
TT

هل يفسد «طوفان الأقصى» العلاقات السورية - الإيرانية... أم هو سحابة صيف عابرة؟

إحياء يوم القدس في مخيم اليرموك وغاب عن الاحتفال التمثيل الإيراني الرسمي وصور قياديات إيرانية أو من «حزب الله» اللبناني (الشرق الأوسط)
إحياء يوم القدس في مخيم اليرموك وغاب عن الاحتفال التمثيل الإيراني الرسمي وصور قياديات إيرانية أو من «حزب الله» اللبناني (الشرق الأوسط)

لفحت رياح حرب غزة وجود إيران العسكري في سوريا، فأجبرت طهران على وضع خطط لإخلاء عناصر «الحرس الثوري»، ونقل مقارّ قياداته المعروفة من ريف دمشق إلى مناطق قريبة من لبنان، بعد مقتل الكثير من قادته البارزين في غارات إسرائيلية.

وطالت رياح تلك الحرب أيضاً علاقات البلدين، وبدا التراجع في وهجها بعد موقف «الحياد» الذي اتخذته دمشق تجاهها وظهر على شكل جفاء بين مؤسستي الرئاسة في البلدين ونأي دمشق بنفسها عن محور «وحدة الساحات»، ثم شكوك طهران بتورط أجهزة أمن سورية بتسريب معلومات حول تحركات ضباطها، إضافة إلى قلقها من تجاوب دمشق مع مؤشرات لانفتاح عربي، ورغبة بالخروج من عنق الزجاجة الإيرانية بتطبيع العلاقة مع الغرب.

وعقب القصف الإسرائيلي الذي استهدف في الأول من أبريل (نيسان) الماضي قنصلية إيران الواقعة بجوار سفارتها على اوتوستراد المزة في دمشق وأوقع 7 قتلى؛ على رأسهم قائد «فيلق القدس» في سوريا ولبنان محمد رضا زاهدي، بدا أن «الحرس الثوري» الإيراني يمر بأكثر الفترات صعوبة في سوريا بعد أكثر من عقد على إرساله عشرات الآلاف من عناصر الميليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية لمساعدة السلطات السورية.

رفع الأنقاض من مقر القنصلية الإيرانية على أوتوستراد المزة بعد تدميره بضربة إسرائيلية في أبريل الماضي (الشرق الأوسط)

خوف وخطط إخلاء

عناصر محلية مرافقة لأحد المستشارين الإيرانيين في سورية ويحمل رتبة جنرال كشفت عن القلق الشديد الذي يعتري الأخير على حياته بعد الضربات الإسرائيلية المتكررة، وينقل أحد العناصر لـ«الشرق الأوسط» عن الجنرال قوله: «أنا الآن مضطر إلى النوم في العراء خشية على حياتي».

وكشفت مصادر من ميليشيات غير سورية تابعة لإيران متواجدة في ريف دمشق أن إيران وضعت خططاً لإخلاء سوريا من عناصر «الحرس الثوري»؛ «بسبب الضغط الإسرائيلي المتزايد وضع هؤلاء خططاً لإخلاء سوريا عبر مطار دمشق الدولي، وكذلك العودة تسللاً عبر الحدود السورية - العراقية».

بالتوازي، أخلت قيادات «الحرس» بعد الهجوم الإسرائيلي مقارّها المعروفة داخل ريف دمشق وانتقلت إلى مناطق قريبة من لبنان، بحسبما قالت لـ«الشرق الأوسط» مصادر أهلية رصدت انتقال هؤلاء نحو مناطق واقعة غربي دمشق قرب الحدود اللبنانية.

مبنى متضرر من غارة إسرائيلية في منطقة كفر سوسة أدت إلى مقتل 3 أشخاص بينهم اثنان يعتقد أنهما إيرانيان في فبراير الماضي (الشرق الأوسط)

استهداف القنصلية الإيرانية بدمشق الذي صَفّت إسرائيل به ما يوصف بـ«غرفة عمليات الحرس الثوري» في سوريا ولبنان، جاء بعدما كثفت اسرائيل طرق محاربتها للوجود العسكري الإيراني في سوريا، منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وباتت غاراتها وصواريخها لا تستهدف فقط مواقع إيران وميليشياتها العسكرية في المناطق الحدودية، بل تعدى ذلك إلى استهداف العناصر ومن ثم قادة الميليشيات وصولاً إلى قادة «الحرس الثوري» في كل مناطق الحكومة السورية، وذلك عبر تدمير مبانٍ سكنية يقطنون فيها تقع في مدن وأحياء راقية.

«السيدة زينب» مقراً للإيرانيين

في منطقة «السيدة زينب» جنوبي دمشق، التي تعد المعقل الرئيسي للوجود الإيراني وأتباعه، اختفى كلياً مشهد العناصر المسلحة، سواء من الإيرانيين أو الميليشيات الموالية لهم، وذلك بعد مقتل قائد قوة الارتباط لـ«الحرس الثوري الإيراني» في سوريا رضي موسوي، بغارة إسرائيلية استهدفت «منطقة الروضة» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. تلى تلك الحادثة غارة جوية استهدفت مبنى سكنياً في منطقة الفيلات الغربية بحي المزة الراقي في يناير (كانون الثاني) الماضي، قُتل فيها مسؤول استخبارات «الحرس الثوري» و«فيلق القدس» في سوريا حجت الله أميدوار.

وبحسب مشاهدات ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، يقتصر اليوم الانتشار المسلح في «السيدة زينب» على عناصر من «حزب الله» اللبناني، خصوصاً في محيط المقام الذي يؤمّه الزوار الشيعة من إيران والعراق ولبنان وباكستان وأفغانستان وعند حاجز «المستقبل» المؤدي إلى المنطقة من طريق مطار دمشق الدولي.

وتقول مصادر أهلية في بلدة «حجيرة» الواقعة شمالي «السيدة زينب»: «هنا مقر (القائد) ومقارّ قيادات إيرانية دينية وعسكرية، ولكنهم منذ تكثيف إسرائيل قصفها للمنطقة مشاهدتهم باتت نادرة، وفي الفترة الأخيرة لم نعد نراهم كلياً... لقد اختفوا».

تأتي هذه التطورات على رغم تأكيد السفير الإيراني حسين أكبري، عقب مقتل موسوي، أن بلاده لن تنسحب عسكرياً من سوريا. ونقلت صحيفة «الوطن» السورية المقربة من الحكومة قول أكبري حول ما ورد من تقارير صحفية تحدثت عن مغادرة مستشارين عسكريين إيرانيين: «نحن موجودون وحاضرون في سورية بالقوة نفسها وأبداً لن ننسحب».

ومنذ سنوات الحرب الأولى، كانت إيران أحد أبرز داعمي النظام السوري سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. وينتشر في سوريا نحو 3 آلاف مقاتل ومستشار عسكري من «الحرس الثوري» الإيراني بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان»؛ لكن طهران تتحدَّث فقط عن «مستشارين» يعاونون القوات الحكومية.

مقام السيدة زينب جنوب شرقي دمشق وبدت رايات حمراء ترفرف أعلاه (الشرق الأوسط)

الزعامة والنفوذ

ويعد «حزب الله» القوة الضاربة للميليشيات الشيعية في سورية. وبحسب قول مصدر مقرب من الحزب لـ«الشرق الأوسط»، يشغل قادة الحزب موقعاً متقدماً بين الميليشيات الشيعية في سورية، فهم في المستوى الثاني بعد قادة «الحرس الثوري» الإيراني.

ويوضح المصدر أن «الحزب يركز على إدارة التواصل مع السوريين العاديين؛ فمسؤولو الحزب مثلاً هم من يقومون باستئجار الشقق والفلل للمستشارين الإيرانيين، كما يقومون بدفع مبالغ التعويضات على الأضرار لأصحاب العقارات التي تعرّضت للضربات الإسرائيلية».

عدا عن ذلك، وبحسبما تنقل هذه المصادر، «فإن قادة الحزب، يتميزون بحرصهم العميق على عدم استفزاز الغالبية السنية في سورية، بل يقومون، بنسج علاقات جيدة مع الفعاليات الاجتماعية في مناطق انتشارهم، مثل بلدة القصير بريف حمص ومنطقة القلمون بريف دمشق الغربي، وهم في حالات كثيرة يوفرون الحماية للسكان المحليين في مواجهة ممارسات عناصر الأجهزة الأمنية الجائرة».

وبالنسبة للسلطات السورية، يشكل انضباط عناصر «حزب الله» وقياداته عنصراً إيجابياً، بخلاف الميليشيات العراقية «المنفلتة من كل رقيب»، على حد قول المصادر.

وحول العلاقة بين دمشق و«حزب الله» يقول مصدر مقرب من السلطات السورية لـ«الشرق الأوسط»: «دائماً ما تتدخل قيادات من (حزب الله) لدينا لتهدئة التوتر الذي ينشأ أحياناً مع (العناصر) العراقيين أو الإيرانيين. لدينا تاريخ طويل من التعاون معهم، وهم يتفهمون حساسياتنا وطريقة تفكيرنا».

ويذكر المصدر نقلاً عن مسؤول سوري رفيع المستوى، أن الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله لطالما استخدم نفوذه الشخصي ورصيده لدى الرئيس السوري بشار الأسد لـ«حلحلة الكثير من الخلافات» حتى إنه «مؤخراً لعب دور صمام الأمان في العلاقات السورية - الإيرانية التي شهدت الكثير من التوتر»، فخرج نصر الله علانية في إحدى خطبه ليدافع عن عدم انخراط سورية في الحرب على غزة.

نأي سوري بالنفس

وبعكس حلفاء إيران في لبنان والعراق واليمن، حرصت السلطات العليا في سوريا على عدم الانجرار والانخراط في حرب غزة، فبقيت جبهة هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل هادئةً نسبياً، واقتصرت التحركات هناك على مناوشات قامت بها الميليشيات التابعة لإيران وتمثلت بإطلاق عناصرها قذائف على القسم المحتل من الجولان سقط أغلبيتها في أراضٍ زراعية، ولم يسفر معظمها عن أضرار.

وتقول مصادر متابعة في دمشق: «يرفض الإيرانيون تفهم الموقف السوري في الوقوف على الحياد تجاه حرب غزة، وعدم الانخراط في (وحدة الساحات)، ورفضها فتح جبهة الجولان وبالنسبة لهم بذلت بلادهم الغالي والرخيص في سبيل الدفاع عن (النظام السوري)، بينما يستدرج النظام عروض الحوار الغربية كمكافأة له على موقف (النأي بالنفس) وعدم فتح جبهة الجولان، وهو أمر لا يمكن أن يقبل به الإيرانيون».

وتضيف المصادر: «يرى بعض المسؤولين السوريين أن أي مكسب إقليمي لإيران سيكون حكماً على حساب دمشق، ففي بداية حرب غزة كان النظام مرعوباً من صففة إيرانية - أميركية».

وفي ظل اضطراب العلاقة بين دمشق وطهران بات المستشارون الإيرانيون في سورية «مكسر عصا» بين الطرفين. وينقل عنصر المرافقة (السابق الذكر) لـ«الشرق الأوسط» عن الجنرال الإيراني قوله شاكياً: «لا قيمة لنا هنا في سورية، لا أحد يهتم بنا، هناك في بلادي كنت مسؤولاً عن محافظة كاملة وكان السكان يتمنون إرضائي... هنا لا أحد يحترمنا حتى».

جرمانا «عاصمة» العراقيين

الرؤية بالنسبة لقادة الميليشيات العراقية مختلفة. هم يعتقدون أنهم يعرفون السوريين أفضل من الإيرانيين واللبنانيين على السواء. تأثر هؤلاء القادة بانخراطهم الأكبر بالسوريين، سواء مسؤولين أو مواطنين عاديين أو حتى مقاتلين من ميليشيا «الدفاع الوطني» المحلية.

وينقل مصدر لـ«الشرق الأوسط» عن أحد القيادات المتوسطة في ميليشيا عراقية قوله: «يعتقد مسؤولو (حزب الله) أن علينا أن نراعي المسؤولين السوريين، وهذا رأي نافذ أيضاً بين المسؤولين الإيرانيين، لكن تجربتنا تؤكد أن السوريين متشددون في الظاهر، لكنهم أضعف بكثير مما يبدون».

كشافة عراقيون في منطقة الروضة بـ«السيدة زينب» بعد زيارة للمقام في مارس الماضي (الشرق الأوسط)

لكن مسؤولاً في دمشق يأخذ على العراقيين انخراطهم الزائد مع السوريين حتى باتت مدينة جرمانا بريف دمشق الجنوبي الشرقي تُعرف فعلياً بـ«عاصمة» العراقيين بعد الحرب، تماماً كما كانت إبان غزو العراق في 2003 .

وتنقل مصادر متابعة عن المسؤول أن «هؤلاء المقاتلين يسهرون في الملاهي الليلية المنتشرة في المدنية؛ وهو ما يشكل مخاطر أمنية عالية». ولا يخفي المسؤول شكوكه في أن تسريب المعلومات عن تحركات الإيرانيين مصدرها هؤلاء المقاتلون، كما أن تسريب معلومات يجري أيضاً من جانب مقاتلي «حزب الله»، وقد تم إبلاغ الحزب عن حالات تسريب معلومات عدة نجمت عن عناصره.

تراجع وهج العلاقات

مع تصفية إسرائيل الكثير من كبار الضباط الإيرانيين، «الذين قاتلوا دفاعاً عن النظام السوري»، وإحالة الرئيس الأسد قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية السوريين ممن شهدوا ما قدمته إيران لبلادهم، على التقاعد كمثل اللواء جميل الحسن، مدير إدراة المخابرات الجوية، واللواء محمد محلا، مدير شعبة المخابرات العسكرية، أخذ وهج العلاقة السورية - الإيرانية يتراجع. وازداد ذلك في ظل شكوك الإيرانيين غير المعلنة رسمياً بتورط أجهزة أمن سورية بتسريب معلومات حساسة حول تحركات ضباطهم لإسرائيل أدت إلى تصفيتهم، وموقف دمشق ونأيها بنفسها، وذلك وفق ما ترى مصادر متابعة لمسار العلاقات السورية - الإيرانية في دمشق.

وتقول المصادر لـ«الشرق الاوسط» إن هذين العاملين يأتيان في ظل قلق إيراني مبطّن من الانفتاح العربي على دمشق، وجنوح النظام السوري إلى الحضن العربي، وذلك في أعقاب ما عقدته طهران من صفقات مع الولايات المتحدة أزعجت دمشق، خصوصاً اتفاق الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان في أكتوبر (تشرين الأول) 2022.

وترى المصادر، أن توافق الأيام الخوالي بين دمشق وطهران أخلى طريقه وطغى عليه عدم التوافق، خصوصاً مع ضغوط إيران المتزايدة لاسترداد ديونها المترتبة على الحكومة السورية، ورغبة إيران في تكبيل دمشق بالمزيد من القيود والالتزامات التي تحدّ من قدرة مناوراتها الإقليمية بوصفها ثمناً لتحالف أيام الحرب في سوريا.

وكان جرى في أغسطس (آب) الماضي تسريب وثيقة حكومية مصنّفة «سرية» صادرة عن الرئاسة الإيرانية إلى وسائل الإعلام تتعلق بإنفاق طهران 50 مليار دولار على الحرب في سوريا، خلال 10 سنوات، واعتبارها «ديوناً» تريد استعادتها على شكل استثمارات، ونقل للفوسفات والنفط والموارد الأخرى إلى الحكومة الإيرانية.

وعندما راجع مسؤولون سوريون نظراءهم الإيرانيين لنفي تلك الوثيقة، رفضوا بحجة أنهم لا يعلقون على مزاعم إعلامية؛ ما يعنى أنهم عملياً لا يمانعون في تشكل انطباع سوري وعربي بأن النظام مكبل بالديون لطهران، بحسب ما ذكرت مصادر وثيقة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط».

البوابة الخارجية لمقر القنصلية الإيرانية في دمشق بعد استهدافه بغارة إسرائيلية أدت إلى مقتل قائد فيلق القدس في سوريا ولبنان محمد رضا زاهدي و6 آخرين (الشرق الأوسط)

عنق الزجاجة

وتنقل المصادر المتابعة لمسار العلاقات بين البلدين عن مسؤول سوري قوله: «لقد لحقنا بالإيرانيين، لكن اتضح أن الكثير من وعودهم لم تتحقق، والآن نحاول إيجاد طريقة للخروج من عنق الزجاجة. هذه فرصتنا ويجب أن نستكشفها من أجل مستقبل البلاد». وكان المسؤول في ذلك يشير إلى تصريح للسفير الإيراني في دمشق حسين أكبري مطلع العام الحالي، قال فيه إن بلاده وصلتها رسالة من الولايات المتحدة باستعداد إدارة الرئيس جو بايدن لتسوية كبرى تشمل مشاكل المناطق كافة.

ووفق المصادر، فإن «الاتجاهات داخل العلاقات السورية - الإيرانية كانت تعتمل بعد صفقات طهران وواشنطن خلال عهد إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، حول العراق لجهة تشكيل حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وإقصاء زعيم (التيار الصدري) مقتدى الصدر عن المشهد السياسي العراقي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 ولبنان وشرق سورية الذي شملته تهدئة بين البلدين بعد اتفاق الدوحة في 10 أغسطس الماضي».

شرخ غزة

إضافة إلى ذلك، أدت حرب غزة إلى بروز تباعد بين طهران ودمشق في القراءة والمصالح، وتقول المصادر المتابعة: «لقد تحسست دمشق إمكانية لتطبيع علاقاتها وأوضاعها مع الدول الغربية بسبب موقفها من حرب غزة تماماً كما فعلت في عام 1990 على حساب صدام حسين والانضمام إلى التحالف الدولي لتحرير الكويت من الغزو العراقي».

وتضيف: «أيضاً لدى طهران شكوك في أن تعيين اللواء كفاح ملحم المعروف باتجاهاته المناوئة لإيران، على رأس مكتب الأمن الوطني في سوريا، يهدف إلى سياسة أمنية سورية داخلية أكثر تشدداً حيال نفوذها».

وتوالت في الآونة الأخيرة مؤشرات توحي بوجود تراجع في العلاقات السورية - الإيرانية التي يصفها المسؤولون في البلدين بـ«الراسخة والتاريخية»، ومنها غياب التمثيل الإيراني وصور الرئيس الإيراني والمرشد علي خامنئي وصور الأمين العام لـ«حزب الله» عن فعالية «يوم القدس العالمي» التي أُقيمت يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان في مخيم اليرموك جنوبي دمشق، بعدما كان تمثيل تلك القيادات في المناسبة نفسها على مر السنوات الماضية يحصل على مستوى ممثل خامنئي في سوريا أو سفير إيران.

كذلك، اقتصرت الكلمات خلال الفعالية التي رصدتها «الشرق الأوسط» على كلمة سوريا وكلمة عوائل الشهداء وكلمة الفصائل الفلسطينية.

ومن المؤشرات أيضاً عودة اشتداد أزمة المحروقات (بنزين، مازوت) في مناطق الحكومة السورية في دلالة على تزايد ضغوط طهران وهي المورد الأساسي للمحروقات لدمشق.

كما كان لافتاً تبادل الرئيس الأسد برقيات تهنئة مع الكثير من قادة وملوك وزعماء الدول العربية بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، في حين وعلى غير العادة لم تنشر وسائل الإعلام السورية الرسمية السورية والإيرانية خبراً عن تبادل الرئيسين الأسد وإبراهيم رئيسي التهاني بهذه المناسبة؛ وهو ما حصل أيضاً مع حلول عيد الفطر.

السور الخارجي للقنصلية الإيرانية في دمشق وبدت صورة قائد قوات فيلق القدس قاسم سليماني الذي قتل في 2020 في غارة جوية أميركية استهدفته في محيط مطار بغداد الدولي (الشرق الأوسط)

أين روسيا؟

وعن موقف روسيا حليفة دمشق المقرّبة والتي قلب تدخلها العسكري نهاية سبتمبر (أيلول) 2015 موازين القوى، يقول خبير سياسي لـ«الشرق الأوسط»: «توجّس الروس من اتفاق أميركي - إيراني في المنطقة بعد (طوفان الأقصى)، ففعّلوا وجودهم العسكري والسياسي وبادروا إلى تعزيز صلاتهم بدمشق. في هذا الصدد، لعب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دوراً مباشراً في التواصل من أجل تحييد النظام (السوري) عن حرب غزة عبر اتصالات مع دول عربية رئيسية وإسرائيل».

وكان التدخل الروسي العسكري حسم المعركة لصالح الحكومة السورية ومكّن الجيش من استعادة مساحات شاسعة من البلاد من يد فصائل المعارضة المسلحة، مقابل نفوذ قوي ومكاسب اقتصادية لموسكو في الكثير من مناطق الحكومة، مما أثار بدوره تنافساً بينها وبين طهران على كل شيء تقريباً من النفوذ إلى الاقتصاد وحتى الثقافة واللغة.

ويتابع الخبير قوله: «أكثر ما أقلق الروس في البداية إمكانية إبرام اتفاق إيراني - أميركي على المنطقة، ولاحقاً عملوا من أجل تحييد الأراضي السورية عن الصراع في غزة، وضمان عدم امتداد النار إلى منطقة نفوذهم في سوريا». وبرأيه: «الروس يعولون على خفض التصعيد في سوريا، في انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية في أميركا».

وبعدما يلفت الخبير إلى الروس: «لديهم قلق حيال أي تصعيد في جنوب لنبان»، يقول: «لم يبادر الروس إلى ملء الفراغ الإيراني الآن نظراً لانشغالهم في أوكرانيا. فعلى المستوى الأكبر أظهرت التطورات الخاصة بضربة إسرائيل التي استهدفت القنصلية الإيرانية في سوريا، والرد الإيراني عليها، تراجع التأثير الروسي في عموم المنطقة».

ويختم الخبير قوله: «مع ذلك عكس الأسد اقترابه من الروس واستظلاله بهم في مواجهة الإيرانيين من خلال مقابلات مع وسائل الإعلام الروسية».

الرؤى المستقبلية

وترى الميليشيات العراقية في سورية امتداداً طبيعياً وبشرياً لها تسعى للهيمنة عليه، وفي هذا لا تختلف نظرتها لسوريا عن نظرة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، أما «حزب الله» فيرى في سوريا حليفاً طبيعياً وعمقاً استراتيجياً وممراً تسليحياً حساساً، ويعول عليها في احتواء تداعيات أي حرب إسرائيلية كبرى على جنوب لبنان، بينما الإيرانيون يهتمون بالموقع الاستراتيجي لسورية ومميزاته الاستراتيجية. كذلك يهتم الإيرانيون باستخدام الصوت السوري داخل جامعة الدول العربية، لكن رفض دمشق فتح جبهة الجولان أمام الإيرانيين، وإصرارها على موقف «النأي بالنفس» والبقاء ضمن الموقف العربي أغضب الإيرانيين وأصابهم بخيبة أمل.

إحياء يوم القدس في مخيم اليرموك وغاب عن الاحتفال التمثيل الإيراني الرسمي وصور قياديات إيرانية أو من «حزب الله» اللبناني (الشرق الأوسط)

ويحرص السوريون على إصدار بيانات مختلفة عن البيانات الإيرانية ويمكن الاستدلال من بياني وكالة «سانا» ووكالة الأنباء الرسمية الايراينة الرسمية (إرنا) المنشورين في أعقاب اتصال الرئيس الأسد لتعزية الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في مقتل القادة الإيرانيين السبعة في القصف الإسرائيلي على القنصلية الإيرانية بدمشق، حيث جاء البيان السوري مقتضباً، بينما كان الإيراني موسعاً وتضمن انتقادات لمواقف بعض الدول العربية.


روسيا تراجع سياسات الهجرة بعد هجوم «داعش»

تفحُّم صالة «كروكوس سيتي هول» للحفلات في موسكو بسبب الهجوم (أ.ف.ب)
تفحُّم صالة «كروكوس سيتي هول» للحفلات في موسكو بسبب الهجوم (أ.ف.ب)
TT

روسيا تراجع سياسات الهجرة بعد هجوم «داعش»

تفحُّم صالة «كروكوس سيتي هول» للحفلات في موسكو بسبب الهجوم (أ.ف.ب)
تفحُّم صالة «كروكوس سيتي هول» للحفلات في موسكو بسبب الهجوم (أ.ف.ب)

شهر كامل مر على الهجوم الدموي المروع الذي استهدف المركز التجاري الترفيهي «كروكوس» قرب العاصمة الروسية موسكو، ولم يستفق بعد الجزء الأعظم من الروس من الصدمة.

استغرقت العملية نحو ربع ساعة فقط، منذ أن ترجل أربعة مسلحين من سيارة رينو بيضاء، واقتحموا البوابات بسهولة، وفتحوا نيراناً كثيفة من أسلحة آلية على كل من وقع في طريقهم نحو قاعة احتفالات موسيقية. في القاعة ألقوا عبوات ناسفة أشعلت النيران في المبنى. من لم يقتل بالرصاص مات اختناقاً أو بسبب الحروق.

هجوم رسمت تفاصيله بدقة. ولكن أيضاً ببساطة مذهلة.

كان المهاجمون يعرفون سلفاً الطريق التي سوف يسلكونها. ويعرفون جيداً أن رجال الأمن في المكان ليسوا مسلحين إلا بما تيسر من هراوات وآلات صاعقة لم تصمد للحظة أمام هجوم البنادق والرصاص.

ربع ساعة زلزلت روسيا، وأعادت إلى الأذهان سلسلة كاملة من مآسي الهجمات الانتحارية وتفجير المباني السكنية، واستهداف الطائرات المدنية في بداية الألفية الثالثة.

سرعان ما تبين أن المهاجمين الأربعة من طاجكستان. الجمهورية الآسيوية الوادعة، التي تعد من بين البلدان الأفقر في الفضاء السوفياتي السابق، والتي تدفع معدلات البطالة وانعدام فرص العمل فيها فئات الشباب إلى الهجرة شمالاً نحو روسيا بحثاً عن حياة أفضل وعن فرص عمل في البلد الجار الكبير.

صور للمشتبه بهم الأربعة في تنفيذ الهجوم نُشرت مع بدء محاكمتهم بموسكو (أ.ف.ب)

صحيح أن الرواية الرسمية الروسية وجهت أصابع الاتهام إلى أوكرانيا، وربطت الهجوم بـ«الحرب الشاملة» من جانب الغرب على روسيا. وحتى عندما اتضح أن منفذي الهجوم ومن عاونهم في التحرك داخل روسيا ومن زودهم بـالمتفجرات والسلاح والمال ينخرطون مباشرة في صفوف تنظيم «داعش - خراسان»، ظلت موسكو مصممة على روايتها بأن الأجهزة الأوكرانية والغربية استخدمت إرهابيين لتحقيق أغراضها.

نتيجة التحقيقات الأولية فتحت على مخاوف جدية؛ خصوصاً أن المتهمين الـ13 الذين يقبعون حالياً في سجن التحقيق، أعلنوا خلال الاستجواب ارتباطهم بتنظيم «داعش - خراسان» الذي ينشط في منطقة آسيا الوسطى، وبعضهم كان قد مارس نشاطات في داغستان الواقعة في منطقة شمال القوقاز، وتعد الخاصرة الرخوة لروسيا ومركز النشاط المسلّح للمجموعات المتشددة.

مرة واحدة، أعاد هجوم كروكوس إلى الواجهة فزاعة «الإرهاب الإسلامي» الذي عاشت معه روسيا سنوات صعبة. ومرة واحدة بات ملايين المسلمين الذين قادتهم أحوالهم المعيشية القاسية للهجرة من أوطانهم في قفص اتهام كبير، حتى وصل الأمر إلى أن تصفهم تعليقات في وسائل إعلام حكومية بأنهم «قنبلة موقوتة» تهدد روسيا.

من جحيم الفقر إلى دائرة الاتهام

يعيش في روسيا وفقاً لتقديرات دوائر الإحصاء نحو 17 مليون أجنبي. وهو رقم كبير للغاية بالنسبة إلى بلد لا يزيد عدد سكانه على 144 مليون نسمة، ولا يشجع تقليدياً على الهجرة إليه، كما أنه لا يمنح امتيازات للمهاجرين الجدد.

بين هؤلاء نحو 10 ملايين نسمة من جمهوريات آسيا الوسطى الخمس (كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان وتركمانستان).

قوات الأمن الروسية تنتشر في الميدان الأحمر بموسكو عقب أسبوع من هجوم دامٍ في قاعة للحفلات قرب العاصمة الروسية (أ.ف.ب)

يصعب وضع أرقام مؤكدة عن نسب المهاجرين غير الشرعيين منهم، أي أولئك الذين اجتازوا الحدود وخالفوا قوانين الهجرة والإقامة منذ سنوات. إذ تراوح تقديرات الأجهزة المختصة لحجم هذه الفئة بين أربعة ملايين وسبعة ملايين مهاجر ليسوا مسجلين لدى دوائر الدولة.

يعيش الجزء الأعظم من هؤلاء في ظروف معيشية قاسية، داخل تجمعات مغلقة، غالباً ما تكون مستودعات تابعة لأصحاب الأعمال في مجالات مختلفة على رأسها قطاع البناء. ويتكدس عشرات من العمال الوافدين داخل غرف ضيقة وغير مجهزة للسكن. أو يختار كثيرون أن يسكنوا داخل ما يسمى «الغرف المطاطية» وهو تعبير رائج لشقق سكنية ضيقة أو مبان ينحشر فيها عدد كبير من الوافدين يفوق قدرتها الاستيعابية الطبيعية، طمعاً في توفير أجرة المسكن وتقليص النفقات الخاصة بالمأكل والنفقات المعيشية الضرورية الأخرى.

ولا تعد مشكلة العمالة الوافدة حديثة العهد في روسيا، فقد ظلت تؤرق الأجهزة الخاصة على مدى سنوات طويلة، لكن التركيز عليها يشتد أو يتراخى وفقاً للظروف التي تعيشها البلاد. فمثلا زادت ظروف الحرب في أوكرانيا من الحاجة للعمالة الرخيصة، واستفادت قطاعات اقتصادية واسعة من «جيش العمال الوافدين» لتطوير أعمالها وخصوصاً في مجالات البناء والنقل والتنظيفات وبعض الصناعات والخدمات الأخرى.

أيضاً، أطلقت موسكو سلسلة تسهيلات للإفادة من هذا الجيش البشري الكبير عبر تبسيط إجراءات الحصول على الجنسية وتصويب الوضع القانوني للمهاجرين غير الشرعيين في مقابل الخدمة على الجبهة لفترات محددة لسد النقص في القوة البشرية المطلوبة.

في المقابل، فإن هجوم كروكوس أعاد التذكير بالخطر الكامن، وبرزت تحذيرات من سهولة تجنيد إرهابيين في مقابل مبالغ مالية محدودة. يكفي القول إن منفذي هجوم كركوس حصلوا على مبلغ متواضع للغاية مقابل تنفيذ الهجوم الدموي، ودلت الاعترافات على أن المخططين حولوا مبالغ نقدية بقيمة نصف مليون روبل (5000 دولار) ووعدوا بدفع مبلغ مماثل بعد إتمام العملية.

مباشرة بعد الهجوم، رفعت روسيا درجة التأهب حيال مشكلة العمالة الوافدة إلى أقصى مستوى.

جاءت إشارة البداية من الرئيس فلاديمير بوتين الذي أمر بتجديد جذري لسياسات الهجرة. ودعا أمام مجلس إدارة وزارة الداخلية، وكالات إنفاذ القانون والخدمات الخاصة بالعمل مع الوزارة والتنسيق مع الحكومة والإدارة الرئاسية، لتحقيق هذا الهدف.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أرشيفية - د.ب.أ)

مباشرة بدأت حملة واسعة من عمليات الدهم والملاحقة، على أماكن تجمع المهاجرين وظهرت على الفور «الحاجة إلى وضع قواعد بيانات إلكترونية رقمية حديثة».

كما أطلقت وزارة الداخلية مشروع قانون لتشديد سيطرة الدولة على مجال الهجرة. ووفقاً للنسخة الجديدة من القانون يخضع الأجانب لتدابير صارمة للغاية وتخفض أيضاً فترة إقامتهم في البلاد إلى 90 يوماً في السنة.

سفر معاكس

بعد الهجوم الإرهابي على كروكوس مباشرة، سجلت الدوائر المختصة عمليات سفر جماعي للعمال الوافدين، وخصوصاً بين مواطني طاجيكستان.

وقال نائب وزير العمل في الجمهورية، شاخنوزا نوديري، إن عمليات الفرار الجماعي «لا تتعلق على الأرجح بالمضايقات الأمنية، بل بتفشي الخوف والذعر من عمليات انتقامية محتملة».

رغم ذلك، توقعت الوزارة أن يكون التدفق ظاهرة مؤقتة ودعت مواطنيها إلى عدم الاستسلام للرسائل الاستفزازية التي انتشرت بكثرة على الإنترنت وحملت تهديدات لمواطني طاجيكستان في روسيا.

ووفقاً لوزارة العمل في طاجيكستان، يقطن في روسيا أكثر من مليون طاجيكي غالبيتهم الساحقة عمال معدمون لا يتمتعون بخبرات عملية أو كفاءات مهنية.

في عام 2023، قدم 627 ألف طاجيكي إلى روسيا للعمل. ووفقاً لتقارير مؤسسة «روس ستات» الإحصائية، فإن هذا يعادل ربع عدد الأجانب الذين دخلوا البلاد.

عمّال ممنوعون من العمل

اللافت أنه في غمار النقاشات حول «الخطر» الذي يحمله المهاجرون من منطقة آسيا الوسطى، وعلى خلفية الأجواء الأمنية المكثفة بعد الهجوم، سارعت بعض المناطق والقطاعات إلى وضع تشريعات جديدة تحظر توظيف العمال الوافدين، وخصوصاً في المناطق الحساسة والحدودية مع أوكرانيا؛ حيث تتنامى المخاوف من استخدام متشددين لشن هجمات.

وهكذا، أعلنت سلطات شبه جزيرة القرم حظر استخدام العمالة الوافدة في عشرات المهن في هذه المنطقة.

وبدأت عمليات واسعة لـ«تطهير» الإقليم منهم. وفقاً للعملية الجارية حالياً سيتم حتى نهاية عام 2024، توسيع الحظر الشامل على جذب الأجانب للعمل في إنتاج المحاصيل وصيانة المباني والأقاليم وجمع النفايات والتخلص منها. ووقع رئيس الإقليم المعين من جانب موسكو سيرغي أكسينوف مرسوماً بهذا الشأن.

عمال تنظيف النوافذ يستخدمون الحبال الهوائية لتنظيف نوافذ مطار دوموديدوفو في موسكو ويملكه رجل الأعمال الروسي دميتري كامينشيك (خدمة غيتي للصور)

ووفقاً للتدابير الجديدة سيتعرض المهاجرون للمسؤولية الجنائية والطرد من البلاد بسبب أي انتهاك.

وتشمل قائمة المجالات التي يتم فيها فرض قيود على عمل الأجانب إنتاج المحاصيل وتربية الماشية والصيد، والتعدين، وإنتاج الأغذية والمشروبات، وتوفير الكهرباء والغاز، وجمع ومعالجة مياه الصرف الصحي. كما يُحظر على العمال المهاجرين في شبه جزيرة القرم العمل في تجارة الجملة والتجزئة (باستثناء مبيعات السيارات والدراجات النارية)، في التلفزيون والراديو، في المعاملات العقارية في التعليم، في مجال الرياضة والترفيه والتسلية. بالإضافة إلى ذلك، لن يتمكن الأجانب في المنطقة من مزاولة أعمال النشر والتأجير، أو العمل في مجال تكنولوجيا المعلومات، في المكتبات ودور المحفوظات والمتاحف.

ووفقاً لخبراء سوف يؤثر الحظر المفروض على توظيف المهاجرين على إنتاج المنتجات المطاطية والبلاستيكية، ومصايد الأسماك وتربيتها، والهندسة المعمارية والتصميم الهندسي، ومجالات التوظيف واختيار الموظفين.

أثر بالغ على الإنتاج

في مناطق أخرى من البلاد بينها العاصمة موسكو قرر عدد من مديري شركات الإدارة إعطاء الأولوية عند التوظيف للسكان المحليين. لكنْ هذه التدابير وكثير مثلها أثارت مخاوف جدية لدى قطاعات اقتصادية واسعة. ويقول سيرغي كوستيوتشينكوف، رئيس لجنة الإسكان والخدمات المجتمعية بغرفة التجارة والصناعة: «على مدى السنوات العشرين الماضية، ركزت روسيا على جذب المهاجرين غير المهرة، واليوم باتوا يشكلون جزءاً كبيراً من اقتصادنا». مشيراً إلى أنه «من المستحيل الآن رفض خدماتهم».

وأوضح الخبير الاقتصادي فياتشيسلاف بوستافنين أنه «سوف تنهار الخدمات السكنية والمجتمعية والزراعة والنقل وغيرها من الصناعات». وأضاف أنه لا يوجد مثال واحد في العالم تطورت فيه دولة ذات عدد سكان منخفض دون تدفقات الهجرة.

وباتت روسيا حالياً، وفقاً للخبراء تواجه معضلة واختياراً صعباً بين المتطلبات الأمنية والحاجة إلى تشديد خطط السيطرة الكاملة على حياة المهاجرين في الاتحاد الروسي والمحافظة في الوقت ذاته على تلبية الحاجة الماسة إليهم بين أصحاب العمل الروس.

وهو أمر أوضحه الأمين العام لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي إيمانجالي تاسماجامبيتوف عندما قال إنه من المهم للغاية التصرف «بهدوء» وعدم الانجرار للأفعال العاطفية، محذراً من «أخطاء يمكن أن تكون لها عواقب سلبية للغاية وطويلة الأمد». في هذا الإطار يضع المسؤول الإقليمي بين المخاطر، التأثيرات على مستوى العلاقات ببلدان الجوار الروسي، وزاد أنه «من المهم للغاية عدم السماح بتدهور الوضع في مجال سياسة الجنسية والهجرة في روسيا. وإذا تم اتخاذ خطوات تؤدي إلى الضغط على العمالة المهاجرة من دول آسيا الوسطى، فإن ذلك سيؤدي إلى نزوحهم الجماعي. المشكلة، بالطبع، ليست فقط أن هذا سيؤثر سلباً على قطاعات معينة من الاقتصاد الروسي؛ حيث يوجد نقص موضوعي في العمال، ولكن أولاً وقبل كل شيء، سيحفز المشاعر المعادية لروسيا في بلدان الجوار». وحذّر تاسماجامبيتوف من أن هذا المسار سوف يقود إلى تلبية أهداف المبادرين والمنفذين للهجوم الإرهابي في قاعة كروكوس.

هل ينجح «داعش» في التمدد داخل روسيا؟

واحد من الأسئلة الرئيسية التي طرحها إرهاب كروكوس بقوة، حول قدرة تنظيم «داعش خراسان»، الذي تحول وفقاً لخبراء إلى الكتلة الرئيسية للتنظيم على المستوى الدولي، على التمدد داخل روسيا وتشكيل خطر جدي مستقبلي.

لفت الأنظار في هذا السياق أن التنظيم أعلن مسؤوليته عن العملية في منطقة تعد تقليدياً منطقة نشاط فرع شمال القوقاز، بمعنى أنه استخدم هجوم كروكوس للإعلان رسمياً عن انتقال نشاطه إلى الداخل الروسي، ووضع فرع شمال القوقاز تحت قيادته مباشرة. ويدعم هذه الفرضية أن العناصر التي قامت بتسهيل تنقل المنفذين وتزويدهم بالسلاح هم من المتشددين في داغستان.

جندي أفغاني يتفقد مبنى تضرر خلال عملية ضد تنظيم «داعش خراسان» في منطقة آسين في أفغانستان ويعتقد أن حافظ سعيد خان، أمير التنظيم في مقاطعة خراسان، قُتل خلالها (أرشيفية- خدمة غيتي للصور).

يقول الخبير الأوزبكي البارز في شؤون الإرهاب، فيكتور ميخائيلوف، إن القائمين على تجنيد متطوعين في روسيا من بين العمال المهاجرين، باتوا ينجحون في تحقيق خطوات واسعة، رغم أنهم يواجهون عقبات في إرسال المجندين إلى مناطق أخرى، بسبب الصعوبات اللوجيستية.

وبحسب ميخائيلوف، فإن التنظيم الدولي يعمل حالياً على تثبيت فكرة مغايرة لمبدأ عمل تنظيم «القاعدة» سابقاً، الذي ركز على «الهجرة من أجل الجهاد»، فنشاط «داعش» كما يقول الخبير يقوم في روسيا على «إحلال الخلايا الجهادية داخل مناطق العدو».

بهذا المعنى تشكل روسيا نقطة حساسة، لأنها أحد مراكز التوظيف النشط بين العمال المهاجرين الذين يسهل العمل في أوساطهم.

وفي رأي الخبير فإن جميع الهجمات الإرهابية التي ارتكبها «داعش» لها سمات مشتركة، «وهم يعرفون كيفية العثور على منفذين» وكيف يمكن توجيه «الضربات» في المناسبات العامة.

كمثال؛ يقول ميخائيلوف إن مواطني أوزبكستان المقيمين حالياً في روسيا يبلغ تعدادهم نحو مليون و200 ألف، «وهذه الفئات الاجتماعية ضعيفة للغاية، ولدينا دراسة كاملة حول هذا الموضوع. لقد تواصلنا مع القائمين بالتجنيد أنفسهم ومع أولئك الذين تم تجنيدهم، ونعرف جميع خوارزمياتهم جيداً».

يقول ميخائيلوف إن تعبير «القنبلة الموقوتة» الذي تم إطلاقه على المهاجرين من منطقة آسيا الوسطى لا يعكس مبالغة كبيرة لجهة سهولة عمل التنظيم الإرهابي في أوساط العمال الوافدين.

لتوضيح الفكرة، ينطلق من أن «داعش» خلافاً لتنظيم «القاعدة» الذي كان ينشط على وسائل التواصل الاجتماعي، يفضل العمل المباشر مع المرشحين للتجنيد. كما أن التجنيد المباشر لا يحتاج إلى فترات زمنية طويلة لإعداد كوادر متشددة نفسياً وقتالياً، كما كان يفعل تنظيم «القاعدة»، لأن الحاجة هنا تتلخص في إعطاء تعليمات بتنفيذ عملية محددة هدفها الترويع إلى أقصى درجة، و«إذا نجح المنفذ في الفرار بعد ذلك فهذا جيد وإذا لم ينجح فلا بأس».

ووفقاً لهذه الرؤية، يرى الخبير أن فرص توظيف الإرهابيين في روسيا كبيرة للغاية، لأن تلك الفئات الهشة الضعيفة تعد وسطاً جيداً جداً للتعامل معها.

ويضيف: «هم ببساطة شبه متعلمين، ولا يعرفون القرآن جيداً، ويتغذون على قصاصات من المواعظ وما يوضع في آذانهم. مع هؤلاء المرشحين يبدأ مسؤول التوظيف عملاً محدداً. ولذلك، في أغلب الأحيان يجد القائم بالتجنيد مجنديه المحتملين في المساجد بين الشباب المتحمسين دينياً. وفي الوقت نفسه، فإنهم صادقون في دوافعهم، ويتجنبون، على سبيل المثال، المخدرات والكحول، مثل المؤمنين المسلمين الحقيقيين».

وتشير الإحصاءات التي استند إليها الخبير إلى أنه «بين كل 10 أشخاص يعمل معهم المجند، واحد فقط مستعد للذهاب نحو عمل تفجيري أو هجوم مسلح». ورغم أن النسبة ليست كبيرة جداً لكنها تبقى خطيرة للغاية.

أيضا يرى ميخائيلوف أن تمدد نشاط «داعش» في روسيا يصنع مشكلتين كبيرتين: «الأولى هي أن رُهاب المهاجرين سوف يتطور داخل البلاد. والمشكلة الثانية هي مع مصير هؤلاء المهاجرين الذين سيضطرون إلى الخروج من (بلد الكسب)، وسيضطرون إلى العودة إلى ديارهم. فماذا سيحدث إذا عاد ما لا يقل عن 150 إلى 200 ألف مهاجر إلى دول آسيا الوسطى؟». ويتابع قوله: «ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار أن كل مهاجر يطعم خمسة أفراد من أسرته على الأقل. هذا سوف يخلق وضعاً صعباً وخطيراً للغاية، ويجعل تجنيد إرهابيين جدد في هذه البيئة أمراً بسيطاً للغاية». وهكذا فإن «ولاية خراسان» وفقاً له، بعد أن نفذت الهجوم الإرهابي في روسيا: «حققت مائة في المائة من أهدافها».


في ذكرى بيعة ولاية العهد السابعة... صلابة نظام وقوة إرادة

الأمير محمد بن سلمان (واس)
الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

في ذكرى بيعة ولاية العهد السابعة... صلابة نظام وقوة إرادة

الأمير محمد بن سلمان (واس)
الأمير محمد بن سلمان (واس)

يحتفل السعوديون هذه الأيام بالذكرى السابعة لبيعة الأمير محمد بن سلمان بولاية العهد في السعودية (26 رمضان 1438هـ - 21 يونيو (حزيران) 2017م)، في وقت شهدت فيه البلاد تحولات سريعة يصعب رصدها، إلا أنها تصب في «بناء دولة المستقبل»، ضمن «رؤية 2030» التي عرّابها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ومن خلفه إيمان الشعب السعودي برؤية القائد، والعمل على دفع عجلة التنمية في بلاده، بتنظيمات وقوانين وإصلاحات هيكلية، وبأهداف مرسومة وطرق واضحة، وقد عبّر الأمير محمد بن سلمان عن شعوره تجاه الشعب السعودي بعد أشهر قليلة من توليه ولاية العهد قائلاً: «أنا واحد من 20 مليون نسمة، أنا لا شيء بدونهم، وأنا أقل وأضعف مثال فيهم كلهم، هم اللي يحفزونني وهم اللي يدفعونني للأمام...»، وكأنه يستحضر مقولة جده الملك عبد العزيز: «أنا قوي بالله ثم بإيماني ثم بشعبي...، وأنا أسير وإياهم كفرد واحد، لا أفضل نفسي عليهم ولا أتبع في حكمهم إلا ما هو صالح لهم...».

أصالة النظام السياسي

تميزت الدولة السعودية منذ تأسيسها قبل 3 قرون بأصالة نظامها السياسي، فهو ليس نظاماً مستورداً أو مستنسخاً أو مفروضاً من قوى أخرى؛ علاوة على أنه لم يأت من فراغ، أو ينشأ في غير بيئته، بل كان نابعاً من جذور تاريخية، وعمق إسلامي، وتراث وبيئة عربية نقية. فجذوره التاريخية تمتد إلى تأسيس إمارة الدرعية قبل قرابة 6 قرون، والدولة قامت على مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، وهي الوريثة الشرعية للحضارة العربية الإسلامية، كما أنها الوحيدة التي استطاعت توحيد الجزيرة العربية تحت حكم عربي مستقل بعد أكثر من عشرة قرون من التفرق والشتات، وإعادة مركزية الحكم العربي إلى جزيرة العرب وإلى قلبها تحديداً، فكان منبع الدولة السعودية تلك البيئة العربية الخالصة، وكانت الحلم العربي الذي تحقق بعد طول غياب.

قصر المصمك في الرياض (هيئة التراث السعودية)

من هنا أتى تفرد نظامها السياسي الذي قام على جذور راسخة، وأصالة سياسية، وشرعية دستورية، تمثلت في قبول ورضا شعبيَّيْن واسعين تجليا في «بيعة» الشعب لحكامه، وتأكد عند محاولات القضاء على نظام الحكم أكثر من مرة، وفي مراحل استرداد «آل سعود» الحكم بالتفاف الشعب حول من يرونه الحاكم الشرعي، كما حصل مع الإمام تركي بن عبد الله، ومع ابنه الإمام فيصل، ثم مع الملك عبد العزيز، لتكون البيعة - بوصفها مفهوماً وممارسة - أحدَ أركان العقد الاجتماعي السعودي التي تُميز هذا العقد، كما تُميز النظام السياسي السعودي عن غيره.

الإنسان محور اهتمام الدولة

مرت الدولة السعودية بمنعطفات وتحولات، بيد أن التحول الأكبر حدث مع الملك عبد العزيز؛ ففي عهده أصبحت (مملكة)، وكان هو الأول من آل سعود الذي حمل لقب (ملك)، وعلى يديه تطورت هياكل الدولة وأنظمتها ومؤسساتها. واستطاع الملك عبد العزيز بعميق رؤيته أن يبني نظاماً صلباً للحكم، تطور معه العقد الاجتماعي (التقليدي)، والذي عادة يتم تناوله من النواحي النظرية، دون إنزاله على الحالة السعودية وصفاً وتفصيلاً، أو حتى فهماً لخلفياته وتطبيقاته وممارساته. فهو نشأ أصلاً بسبب تحقيق الدولة السعودية لما كان يبحث عنه إنسان هذه الأرض، فكان ارتباط المواطنين وثيقاً بدولتهم وقيادتهم منذ البداية؛ لحاجتهم إلى (الحكم الرشيد) الذي يوفر لهم الوحدة والأمن والاستقرار والعدل والتنمية.

تلك الحاجات الكبرى والمفاهيم العظمى التي لا يدركها إلا من فقدها. من هنا نشأ الترابط بين القيادة والمجتمع في أساسه، ذلك الأساس والجوهر الذي بقي أصله ثابتاً حتى اليوم.

وهذا العقد أعمق بكثير مما يتصوره الآخرون، فهو متجذر في نفوس الحكام والمحكومين على حد سواء، أعاد إرساءه عبد العزيز ورجاله وأبناء شعبه، ورعاه ملوك البلاد من بعده، وتوارثه الشعب السعودي جيلاً بعد جيل. بقي متنه راسخاً، وإن طرأت تغيرات على بعض هوامشه تزامنت مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي مرت بها البلاد في مراحل مختلفة، وبالتالي فهو عقد له أساس ثابت وأبعاد متحركة.

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

إن المتتبع لكلمات ملوك المملكة العربية السعودية منذ عهد الملك عبد العزيز يلحظ أن الإنسان السعودي هو محور اهتمامهم. يقول خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز: «النهج التنموي في المملكة يستهدف صنع نهضة شاملة ومستدامة، محورها وهدفها الإنسان الذي سيدير الحاضر، ويصنع تنمية المستقبل».

الحكم الرشيد

أما عن (الحكم الرشيد) فهو مفهوم عربي إسلامي في أصله، استعادته المنظومة الدولية مؤخراً بمسمى (الحكم الصالح أو الراشد أو الجيد، وأُفضّلُ استخدام مصطلح الحكم الرشيد لارتباطه بتراثنا السياسي العريق)، ورأتْه بديلاً للديمقراطية التي فشلت تطبيقاتها في الدول النامية، وجوهره النظام السياسي في الإسلام الذي هو جوهر النظام السياسي السعودي، بينما الديمقراطية الغربية تجربة إنسانية حققت نجاحات ومُنيت بإخفاقات، ومع ذلك فهي نظرياً فكرة جذابة، لكنها عملياً أعادت إنتاج احتكار رأسمال في أيدي الأقلية الثرية مع ضغط الطبقة الوسطى من خلال إثقالها بالضرائب، وإشغالها بالبحث عن الرزق فتحولت الديمقراطية بذلك إلى أداة لإعادة استعباد البشر، و«استخدام الدول لها أداةَ قهر طبقية للحفاظ على الملكية»، كما يصفها الفيلسوف الألماني كارل ماركس صاحب النظرية الماركسية. أما المفكر والطبيب الفرنسي الدكتور ألكسيس كاريل فيقول: «إنَّ هذا المذهبَ (الديمقراطية) يتهاوَى الآنَ تَحتَ ضرباتِ تجارِبِ الشعوبِ، ومِن ثَمَّ فإنَّه ليس مِنَ الضروريِّ التمسُّكُ بزَيْفِه، إلَّا أنَّ نجاحَ الديمقراطيةِ قد جعَلَ عُمرَها يطولُ بشكلٍ يدعو لِلدهشةِ، فكيف استطاعَتِ الإنسانيةُ أنْ تَقبَلَ مِثلَ هذا المذهبِ لِمِثلِ هذه السنواتِ الطويلةِ؟...، صحيحٌ أنَّ الناسَ مُتساوون، ولكنَّ الأفرادَ ليسوا مُتساوين، فتَساوي حُقوقِهم وَهْمٌ مِنَ الأوهامِ، ومِن ثَمَّ يَجبُ ألَّا يتساوى ضَعيفُ العقلِ مع الرَّجُلِ العبقريِّ أمامَ القانونِ، كما أنَّه لا حقَ للأغبياء المجردين من الذكاء ومشتتي العقل غير القادرين على الانتباه أو بذل الجهد، في الحصول على التعليم العالي. ومِن خَطَلِ الرأيِ أنْ يُعطَوْا قوةَ الانتخابِ نَفْسَها التي تُعْطى لِلأفرادِ مُكتَمَلي النُّموِّ، كذلك فإنَّ الجنسَيْنِ لا يتساويان، فإهمالُ انعدامِ المُساواةِ أمرٌ خطيرٌ جدّاً، لقد أسهَمَ مبدأُ الديمقراطيةِ في انهيارِ الحضارةِ بمعارضةِ نُموِّ الشخصِ الممتازِ...، لقد أدت مساواة الناس طبقاً للمثل الأعلى للديمقراطية إلى تغلب الضعفاء، ففي كل مكان يُفضّل الضعفاء على الأقوياء، ولهذا يتلقون كل مساعدة وحماية، وكثيراً ما يكونون موضع الإعجاب. وهم كالمريض والمجرم والمجنون يستدرّون عطف الجمهور...، ولما كان مِنَ المستحيلِ الارتفاعُ بالطبقاتِ الدُّنيا، فقد كانت الوسيلةُ الوحيدةُ لتحقيقِ المُساواةِ الديمقراطيةِ بيْنَ الناسِ هي الانخفاض بالجميع إلى المُستوى الأدنى، وهكذا اختَفَتِ الشخصية». توفي كاريل عام 1944، فماذا كان سيقول لو شاهد ما يحصل اليوم باسم الديمقراطية؟

كثيرة هي الآراء الغربية التي تنتقد الديمقراطية، ناهيك عن عيوبها الأخرى وعدم نجاحها في الدول النامية. من هنا جاء إطلاق مفهوم «الحكم الرشيد» من قبل المنظمات الدولية، والذي يتقاطع مع مبادئ الحكم في الإسلام، لكنه يختلف عنها بتطور آلياته ومعاييره ومؤشرات قياس أدائه، ويركز على أسلوب إدارة الحكم واحترام خصوصية وتجربة كل مجتمع إنساني، ويراعي سياقاته السياسية والثقافية والاجتماعية، ويدعم ويصون حقوق الإنسان ورفاهه، ويوسع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم، ويهدف إلى تنمية إنسانية مستدامة. أما عن قياس معايير ومؤشرات تلك التنمية، فوفقاً لتعريف البنك الدولي هي: «الطريقة التي تباشر بها السلطة في إدارة موارد الدولة الاقتصادية والاجتماعية بهدف تحقيق التنمية».

الشرعية الدستورية

وإذا علمنا أن العقد الاجتماعي هو إحدى نظريات نشوء الدول التي تعني أن نظام الدولة السياسي يستمد شرعيته من هذا العقد، وحاولنا إنزاله على الحالة السعودية، لوجدنا أن المجتمع السعودي قلّد حكامه آل سعود شرعية دستورية قلّ نظيرها في التاريخ، والسبب في تقديري يكمن في الأسس أو الأركان التي استندت إلى أو تفرعت من تلك الشرعية الدستورية، وهي:

1 - الشرعية الدينية: وتتمثل في البيعة - بوصفها دسترة للحكم - تربطه بأصوله ومرجعياته في الشريعة الإسلامية.

2 - الشرعية التاريخية: المتمثلة في ممارسة آل سعود الحكم وتمرسهم في إدارة شؤون الدولة لمئات السنين.

3 - شرعية الأمن: حيث ارتبط اسم آل سعود بالاستقرار وتوفير الأمن الذي كان مفقوداً قبل قيام الدولة.

4 - شرعية التنمية: التي لم تتوفر من قبل لإنسان هذه الأرض، والتي كلما زادت عززت شرعية النظام.

5 - شرعية السيطرة: بتوحيدهم البلاد والمحافظة على كيان الدولة ومواردها وفرض القوانين وحفظ النظام.

6 - الشرعية الأخلاقية: وتتمثل في القيم المشتركة بين الحاكم والمحكوم واحترام التقاليد.

7 - شرعية الحكم الرشيد: وهو مبدأ السياسة الشرعية في التراث السياسي الإسلامي وملخصه «سياسة الدنيا وحراسة الدين».

وكل هذه المفاهيم والمبادئ وغيرها نرى أنه تم تأصيلها في مواد النظام الأساسي للحكم.

ومع هذا كله، يجب إدراك تميز آل سعود بقدرتهم على إنجاب القادة الاستثنائيين، يقول المفكر السعودي الدكتور يوسف الحزيم: «لقد اختبرتهم الجزيرة العربية قبل 300 عام منذ نشأة الدولة السعودية، وقد وجدت اختيار غيرهم انتحاراً سياسياً يعود بالبلاد والعباد إلى التفرق والتشرذم والأثرة وسيطرة روح الغاب وانعدام الأمن وانتكاس القيم الدينية والأخلاق العامة، ما ينذر بخراب البناء والعمران».

السعوديون وعقدهم الاجتماعي

ويبقى السعوديون أكثر من يعرف أبعاد عقدهم الاجتماعي وعلاقتهم الوشائجية بدولتهم وقيادتهم، حيث يتميّز العقد الاجتماعي السعودي بالديناميكية في العلاقات بين المكونات المجتمعية فيما بينها من جهة، وفي علاقتها مع السلطة من جهة أخرى، حيث تتجاوز تلك العلاقات بشقيها: الجانب النفعي المباشر أو حتى الاقتصادي بشكل عام، فهو عقد تشاركي تكافلي تتقاطع فيه المواطنة مع عدد من العناصر، ومن أهمها بالنسبة للسعوديين (الأمن الوطني)، والذي يعدّونه خطاً أحمرَ، وأثبتت التجارب أن الرهان فيه يكون دائماً على الوعي السياسي المجتمعي.

الأمير محمد بن سلمان لدى استقباله المواطنين في المدينة المنورة 13 مارس 2024 (واس)

وهذا كله يتطلب شرحاً مستفيضاً ودراسة مستقلة، لكن المهم هنا أن أسس هذا العقد ترسخت مع الأيام، فقد لمس الناس ما للدولة من فضل كبير في تحويل واقعهم المعيش من الشتات إلى الاستقرار، ومن الفوضى إلى استتباب الأمن، فانتظمت حياة الناس واستقرت أوضاعهم واجتمعت كلمتهم، ناهيك عن الأبعاد القيمية للدولة التي فرضت واقعاً جديداً كان له تأثيره على سلوكيات وتعاملات الشعب، وأثره على طبيعة الحكم وممارساته، فازداد التفاف الشعب حول نظامه الملكي، وازداد معه حرص النظام الملكي على شعبه وبذل الغالي والنفيس لتحقيق آماله.

الشعب العظيم

يقول الملك عبد العزيز: «سأجعل منكم شعباً عظيماً، وستستمتعون برفاهية هي أكبر كثيراً من تلك التي عرفها أجدادكم». لقد عمل الملك المؤسس على تحقيق الكثير لأبناء شعبه مع البناء المؤسساتي للدولة، والصهر الاجتماعي، وتوطيد الأمن، وإرساء مبادئ العدل، وغير ذلك من الخطوات التي عززت وحدة واستقرار الأقاليم التي انضوت تحت حكمه، وتماسك مجتمعاتها، واستمر ذلك إلى ما بعد توحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية.

الملك عبد العزيز وابنه الملك سعود (واس)

كل هذه العوامل ساعدت المملكة على الوقوف في وجه كثير من الأطماع والمؤامرات، وتجاوز كثير من الأزمات، إضافة إلى تميّز نظام الحكم السعودي بالمرونة والقدرة على احتواء التحديات، حيث واجهت المملكة العربية السعودية على مر تاريخها كثيراً منها على مختلف الصعد، وأثبتت أجهزة الدولة قدرتها في مواجهتها والتعامل السريع مع الأزمات.

مبادئ الدولة العربية الإسلامية

قدمت المملكة العربية السعودية نموذجاً للدولة العربية الإسلامية بمبادئها وقيمها ومواقفها، ومحاربتها للتيارات المنحرفة على اختلاف مسمياتها وتوجهاتها، ومحافظتها على استقرار الدولة في مواجهة التهديدات، هذا النموذج السعودي الفريد عزز شرعية الدولة، ورفع مستويات الرضا الشعبي، وكان داعماً للاستقرار السياسي في المملكة العربيّة السعودية. الشعب السعودي يعي حجم المنجز الذي تحقق، ويعرف حجم الجهد الذي بُذل، فهو أولاً شريك في كل ما تحقق، كما أنه رأى حكمة قيادته في حمايته من حروب وأزمات يصعب حصرها، وشاهد ما حل بدول حوله من كوارث ومحن، إضافة إلى إدراكه العميق أن أعظم استثمارات دولته كان في بناء (الإنسان السعودي) ورعايته وحمايته، وهو ليس لديه الاستعداد للتفريط في كل هذه المنجزات التي عمادها الاستقرار، فعقد الخلافة الراشدة لم ينفك إلا بعد أن تفرق الناس في شأن الحكم بعد مقتل عثمان رضي الله عنه.

ولما آل الملك لبني أمية «تحققت لدولتهم من عوامل الاستقرار والتقدم ما جعلها عصراً ذهبياً في التاريخ الإسلامي، فالحكم الراسخ أساس الاستقرار، والاستقرار معول القوة، ولا يستقر الحكم في أي دولة إلا على عوامل مخصوصة تحددها التركيبة والثقافة الاجتماعية، وهو ما حدا بأعرق الديمقراطيات في العالم إلى الحفاظ على والدفاع عن ملكياتها حتى يومنا الحاضر، بوصفها حجر أساس في استقرار نظمها الدستورية واستمراريتها».

الإيمان بالدولة

لقد آمن السعوديون بمشروع عبد العزيز لتوحيد البلاد، وسقت دماؤهم أرض الجزيرة خلال ملاحم التوحيد، ووَرَّثوا أبناءهم ذلك الإيمان، فكل جيل يزداد قناعة بأهمية هذه الوحدة ودعم كل ما يحقق متطلباتها، رأينا ذلك مع كل خطر يهدد وحدة الوطن، وفي كل مرحلة، ومع كل خطوة نحو تطوير البلاد، ونراها اليوم في الإيمان برؤية المملكة 2030. يقول الدكتور الحزيم: «إن الروح السعودية شكّلها ميراث النبوة والعروبة وتقاليد وسلوم وسلوكيات (بدوية الصحراء) و(حضرية مدن الواحات وموانئ البحار)، ودعوة إصلاحية ووحدة وطنية منذ ثلاثمائة عام، وتجربة تحديثية ذات أفق منفتح، إن تلك الروح عميقة فتختار البدائل الوسطية فتجدد ذاتها فتستفيد...، وهي ضاربة أطنابها في عقولنا وفي اللاشعور تحديداً، وهي راسخة وعميقة وناجحة في الحفاظ على ذاتها وإدخال البدائل، ثم النمو وقد تعرضت لامتحانات تاريخية واجتازتها».

ولا نجد أفضل من حديث الأمير محمد بن سلمان مع مجلة «الأتلانتيك» الأميركية حول العقد الاجتماعي ونظام الحكم السعودي والديمقراطية وغيرها، يقول: «جميع الدول في العالم قائمة على معتقدات، فعلى سبيل المثال، أميركا قائمة على أساس المعتقدات التالية: الديمقراطية، والحرية، والاقتصاد الحر وغيرها، والشعب يكون متحداً بناء على هذه المعتقدات، فإذا طرحت السؤال التالي: هل جميع الديمقراطيات جيدة؟ وهل جميع الديمقراطيات مجدية؟ بالتأكيد لا.

الأمير محمد بن سلمان لدى ترؤسه أعمال القمة الخليجية مع دول وسط آسيا في جدة خلال شهر يوليو 2023 (واس)

إن دولتنا قائمة على الإسلام، وعلى الثقافة القبلية، وثقافة المنطقة، وثقافة البلدة، والثقافة العربية، والثقافة السعودية، وعلى معتقداتها، وهذه هي روحنا، وإذا تخلصنا منها، فإن هذا الأمر يعني أن البلد سينهار. والسؤال الأهم هو: كيف يمكننا وضع السعودية على المسار السليم، وليس المسار الخاطئ؟ السؤال ذاته يواجه أميركا: كيف يمكن للمرء أن يضع الديمقراطية والأسواق الحرة والحرية على المسار السليم؟ لأن هذه الأمور قد تسلك المسار الخاطئ، لذا فإننا لن نقلل من أهمية معتقداتنا؛ لأنها تمثل روحنا، فالمسجد الحرام يوجد في السعودية، ولا يمكن لأحد أن يزيله. لذا فإننا بلا أدنى شك لدينا مسؤولية مستمرة إلى الأبد تجاه المسجد الحرام.

السعودية دولة ملكية، أقيمت وتأسست على هذا النموذج، ولقد أخبرتكم أنه تحت هذه الملكية هناك نظام معقد يتكون من أنظمة قبلية من شيوخ قبائل ورؤساء مراكز وهجر...، إنني لا أستطيع تغيير السعودية من ملكية إلى نظام مختلف؛ وذلك لأن الأمر مرتبط بملكية قائمة منذ ثلاثمائة سنة، وقد عاشت هذه الأنظمة القبلية والحضرية التي يصل عددها إلى 1000 بهذا الأسلوب طيلة السنوات الماضية، وكانوا جزءاً من استمرار السعودية دولة ملكية. من بين أفراد العائلة المالكة، هنالك أكثر من خمسة آلاف فرد من عائلة آل سعود. وأعضاء هيئة البيعة اختاروني لكي أحمي المصالح الخاصة بالملكية، وتغيير هذا الأمر يعد خيانة لأفراد عائلة آل سعود، وكذلك خيانة للقبائل والمراكز والهجر وانقلاباً عليهم، وكل هذه المكونات تساعد على إحداث تغيير في السعودية، ولهذا فإنني لا أعتقد أنهم هم من يتسببون في إبطاء وتيرة التغيير، بل هم الأدوات التي تساعدني على القيام بالمزيد.

هناك الكثير من الأفكار الجاذبة، فالديمقراطية جذابة، وكذلك الملكية الدستورية جذابة، لكن الأمر يعتمد على المكان والطريقة والخلفية. فالديمقراطية في أميركا رائعة؛ إذ نتج عن الديمقراطية أكبر ناتج محلي إجمالي في العالم، ودولة عظيمة، وقد نتج عنها العديد من الأشياء العظيمة في العالم بأكمله، لكنها وُجدت وصُممت بناءً على الوضع الذي كنتم فيه من إخراج البريطانيين وحتى توحيد أميركا، وبالتالي، فقد صممتم نظامكم السياسي، ومعتقداتكم الاجتماعية بطريقة تدعم أميركا، ومن ثم تطورتم، ولو نظرتم إلى أميركا قبل 100 سنة على سبيل المثال، ستجدون المعتقدات الاجتماعية السائدة حينها سخيفة! وحتى بالنسبة لنا في السعودية، نراها سخيفة، لذا لقد تطورت.

ولي العهد السعودي لدى ترؤسه نيابة عن خادم الحرمين القمة السعودية - الأفريقية التي عقدت في الرياض نوفمبر 2023 (واس)

لكن السعودية بوصفها ملكية مطلقة، لا تعني أن الملك يمكنه أن يستيقظ غداً ويفعل ما يحلو له، فهناك أمر أساسي يقود الطريقة الشرعية لإدارة شؤون البلاد، وهو النظام الأساسي للحكم، الذي ينص بوضوح على أن هناك ثلاث سُلطات: الأولى السلطة التنفيذية، التي يقودها الملك كرئيس لمجلس الوزراء، أما السلطتان الأخريان (القضائية والتنظيمية)، فلا يقودهما، ولكن يقوم بتعيينهما، وإليكم مثالاً عن طريقة اتخاذ القرار، فقد أردنا السماح للمرأة بالقيادة منذ عام 2015، لكننا لم نستطع القيام بذلك قبل 2017، وهذا يوضح لكم كيف أننا نعمل وفقاً للقوانين، ووفقاً للنظام الأساسي للحكم، وأمام الشعب، أما لو أدرنا شؤون البلاد بعشوائية، كخيمة، فهذا يعني أن الاقتصاد بأكمله سينهار، ولن يستثمر أحد في السعودية، والسعوديون لن يؤمنوا بنا، فلا يمكننا إدارة شؤون البلاد بعشوائية. لقد جاءت الأسرة المالكة السعودية قبل 600 سنة، كأسرة حاكمة، حيث أسسوا الدولة السعودية قبل 300 سنة، ثم انهارت لمدة سبع سنوات، ثم عادت مرة أخرى، وانهارت لمدة 10 سنوات، ثم عادت مجدداً، وقد تعلمنا الكثير من الدروس، وتطورنا، كما تطور النظام، وكل جيل يأتي، يأتي بناءً على نظامٍ أساسه هذه السلطات الثلاث، وعندما يأتي ملك جديد، يأتي ولي عهد جديد، ولا يحاولان تقويض هذه السلطات؛ لأن هذه هي قوة السعودية».

وتبقى سلاسة انتقال الحكم المؤشرَ الأوضح على مدى صلابة النظام ورسوخه، وتماسك الوحدة الوطنية، فقد أرسى الملك عبد العزيز بثاقب بصيرته نهجاً دستورياً فيما يتعلق بولاية العهد، أثبت صلابته في «تثبيت دعائم الملك وتشييد أركانه وإدامة تسلسله». وحافظ أبناؤه من بعده على هذا النموذج الفريد للدولة، وطوروه في نطاقه الدستوري، وطبقوه بنضج ووعي سياسي يدعو إلى الفخر، ورسخوا تقاليد الحكم العريقة، ونجحوا في مزج معادلة التطور والأصالة، وظلت سلاسة انتقال الحكم في المملكة حالة لافتة طوال تاريخها، وتطور خلالها النظام الملكي السعودي، وتميز بعدد من السمات الخاصة به، ومنها إنشاء هيئة البيعة والتي تؤصل لنظام ملكي مؤسسي.

الملك سلمان والرؤية الشاملة

وجاءت قيادة الملك سلمان للمملكة العربية السعودية في مرحلة بالغة الحساسية، واستطاع بعميق رؤيته نقل الحكم إلى جيل أحفاد عبد العزيز ضمن رؤيته الشاملة لإعادة هيكلة الدولة وتجديد شبابها.

الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

إن انتقال المسؤولية لجيل الأحفاد في المملكة لحظة مفصلية تناولها الكثير من الباحثين عبر العقود الماضية تشاؤماً وتشكيكاً، وعندما أتت، لم يثبت نظام الحكم السعودي رسوخه فحسب، بل براعته في التهيئة للانتقال، وهو منجز سيسطره التاريخ بأحرف من نور للملك سلمان. حدث كل ذلك دون ضجيج إعلامي، وعكس كل التكهنات السابقة، الأمر الذي يبرهن على عراقة الأسرة المالكة والتقاليد الملكية التي تحكم أفرادها تجاه تحمل مسؤولياتهم، وحول ذلك قال الأمير محمد بن سلمان حينما سأله مراسل مجلة «الأتلانتيك» عن كيفية اختياره لولي عهده: «ستكون آخر شخص يعلم بشأن ذلك، هذه من المعلومات المحظورة التي لا يعلمها إلا نحن أبناء العائلة المالكة، الملك وأنا والأعضاء الـ34 في هيئة البيعة، وسيضحون بحياتهم قبل أن يتحدثوا عن أي من هذه الموضوعات».

وهنا علينا إدراك متانة نظام الحكم الملكي السعودي الذي تحكمه آليات دستورية، وأعراف وتقاليد ملكية راسخة الجذور.

7 سنوات مذهلة

إن ما شهدته الأعوام السبعة الأخيرة أمر مذهل بكل المقاييس، ليس فقط من جهة المنجز السياسي والاقتصادي والاجتماعي المهول، ولكن من جهة الترتيبات البارعة لبيت الحكم. وكدأب كل من يعيش في خضم ما، سيصبح يوماً ما «تاريخاً» لأجيال تجيء، تسبر أغواره وتحاول فهم أسبابه، قد لا نكون في وعي كامل بقيمة ما يحدث اليوم، ولا لأبعاده السياسية والاجتماعية ناهيك عن عمقه التاريخي. ويكفي أن نختم بهذه المقتطفات، حيث يتوقع أن يَسألَ بعد سنوات كثير من المؤرخين - بفهمهم المحدود لجذور مؤسسة الحكم السعودية - كيف انتقلت مسؤولية وزارة كوزارة الداخلية إلى شاب كفء في مشهد إمارات المناطق الحاضر برموزه المخضرمة في شؤون الحكم المحلي، وكيف بات مجلس الوزراء السعودي ما بين غمضة عين والتفاتتها الأكثرَ شباباً وفاعلية، ليس في المنطقة فقط، بل في العالم كله.

إن مشهد ولي العهد وهو محاط بثلة من كبار رجالات الأسرة المالكة، وعلى محياهم السعادة والفخر وهم يتابعون سباق خيل اختارت بلادهم أن يكون الأغلى في العالم، كفيل بأن يقول للعالم كله إن بيت الحكم السعودي قد كسب - مجدداً - الرهان وسيكسبه دوماً، مرفوداً بشعب قلده شرعية لم يعرف تاريخ الدول مثيلاً لها.

ولي العهد السعودي خلال رعايته سباق «كأس السعودية» بميدان الملك عبد العزيز للفروسية في الرياض خلال فبراير 2024 (واس)


الإخوة الأعداء: البرهان وحميدتي... نهاية صداقة أشعلت السودان

TT

الإخوة الأعداء: البرهان وحميدتي... نهاية صداقة أشعلت السودان

قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) و«الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) عام 2019 (أ.ف.ب)
قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) و«الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) عام 2019 (أ.ف.ب)

«أخوّة الكاب حدّها الباب»، مَثل متداوَل بين العسكريين السودانيين، يعني أن الصداقة بينهم مؤقتة وقابلة للانقلاب إلى عداوة في أي وقت، متى ما تضاربت مصالحهم، وأن خصومتهم ستُحسم بالرصاص والحراب.

هذا بالضبط ما سيسجله التاريخ عن علاقة الصديقين اللدودين، قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، و«أخوه» السابق قائد «قوات الدعم السريع»، الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي».

فمنذ منتصف أبريل (نيسان) الماضي والرجلان يتقاتلان، ويتبادلان الشتائم، كأنه لم تكن بينهما أخوّة سابقة وصداقة.

فكيف بدأت العلاقة بين الرجلين، وأين، وكيف تطورت، ثم لماذا تحولت إلى «أُخوّة كاب»؟

الإخوة الأعداء

بعد عشرين عاماً من علاقة سلاح تحولت إلى صداقة حميمة، بلغت خلافات الرجلين، أو تنافسهما على المنصب الأول، حد الاحتراب ونقض الصداقة التي نسجتها المعارك والمصالح، فتفجر الخلاف بين القوتين اللتين كان الرجلان يصفانها بالمتانة، حتى قبيل اندلاع حرب أبريل الأخيرة بسويعات، بيد أن كلاً منهما كان يضمر للآخر في الحقيقة شراً كثيراً. ثم، فجأة، دوَّى الرصاص وتساقطت القنابل والصواريخ، التي تستهدف قتل الآخر، وبدأ «صراع الفيلة» الذي دمَّر كل شيء، وما زال الرجلان يتصارعان حتى اليوم، ويدمّران في صراعهما السودان وأهله.

حميدتي، قال في حوار سابق أجرته معه «الشرق الأوسط» عندما كان لا يزال نائباً للبرهان، إنه بدأ حياته «تاجراً»، ثم انضم لقوات حرس الحدود عام 2004 إبان الحرب بين الجيش السوداني والحركات المتمردة في إقليم دارفور. وحسب كتاب «ما بعد الجنجويد»، للكاتبة جولي فلينت، فإن قوات حرس الحدود كانت تحت إمرة العقيد «المتقاعد» وقتها، مفوض جبل مرة (2002 - 2005) عبد الفتاح البرهان، حين كان اللقاء الأول بين الرجلين.

من نيرتتي إلى القصر

البرهان يؤدي التحية وهو يستمع إلى النشيد الوطني في بورتسودان 27 أغسطس (رويترز)

يوافق على هذه المعلومة العقيد المتقاعد، الطيب المالكابي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن العلاقة بين الرجلين بدأت في دارفور، عندما شغل البرهان منصب معتمد محلية نيرتتي، في أثناء وجود حميدتي في قوات حرس الحدود. وكان البرهان منسقاً للقوات المسلحة في أثناء حرب دارفور.وحرس الحدود هي القوة التي تطورت لتصبح لاحقاً «قوات الدعم السريع».

شارك حميدتي من موقعه في قوات حرس الحدود، بفاعلية كبيرة في الحرب ضد الحركات المسلحة في دارفور. وهو ما دفع الرئيس السوداني السابق عمر البشير إلى إصدار مرسوم عام 2007، عيّن بموجبه حميدتي ضابطاً برتبة عميد، وألحقه وقواته بجهاز المخابرات العامة. ثم في عام 2013 أعاد البشير هيكلة تلك القوات وأطلق عليها اسم «قوات الدعم السريع» بقيادة حميدتي، ومنحه صلاحيات وامتيازات واسعة لم تعجب رئيس هيئة أركان الجيش. ولم يكن البشير يرغب في بقاء تلك القوة تحت إمرة جهاز المخابرات العامة، وكان يشك في مدير الجهاز، وقتها صلاح عبد الله «قوش»، الذي اتهمه بالضلوع في محاولة انقلابية للاستيلاء على السلطة.

قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»... (أرشيفية - رويترز)

وانتهز البشير تلك المناسبة وحوَّل «قوات الدعم السريع» حديثة التكوين لتصبح تحت إمرته ومسؤولة أمامه مباشرة، بصفته رئيس الجمهورية والقائد العام للجيش، مما جعلها تتمتع بمزيد من الاستقلالية في تحركاتها وتصرفاتها، وأطلق على قائدها حميدتي لقب «حمايتي»، مما يعني أنه قربه ليكون حماية له من أي محاولة انقلابية.

حرب اليمن

تعززت علاقة البرهان وحميدتي مجدداً في 2015، عندما اشتركا في الحرب لدعم الحكومة الشرعية في اليمن، وشاركا معاً في تجهيز المقاتلين من «الدعم السريع» والجيش للمشاركة في «عاصفة الحزم» التي شنها التحالف العربي بقيادة السعودية ضد انقلابيي اليمن.

وفي عام 2017 أجاز المجلس الوطني (البرلمان) قانون «قوات الدعم السريع»، الذي جعل منها قوات عسكرية «مستقلة» نظامية. ورغم أن القانون نص على أنها تعمل تحت إمرة الجيش، فإنها فعلياً كانت تتبع رئيس الجمهورية والقائد العام للجيش مباشرةً، بوصفها قوات «خاصة به».

إقالة ابن عوف وتنصيب البرهان

عندما بدأت الثورة الشعبية ضد نظام حكم الإسلاميين في ديسمبر (كانون الأول) 2018، أمر باحضار «قوات الدعم السريع» لقمع الثوار، لكنّ حميدتي، ووفقاً لإفادة سابقة لـ«الشرق الأوسط» أيضاً، قال إنه استدعى قواته لدعم الثورة، وليس لضرب الثوار، وإنه اتخذ موقفاً مخالفاً لرئيسه بحماية المتظاهرين، بعدما كان قد راج أن البشير طلب منه قمع الثوار، وإنْ أدى ذلك لقتل ثلثهم.

البرهان بين جنود القاعدة البحرية في بورتسودان 28 أغسطس (أ.ف.ب)

ولعب حميدتي الذي كانت قواته قد بسطت، تقريباً، سيطرتها على العاصمة الخرطوم، دوراً مهماً في إطاحة البشير وحكومته، إلى جانب عدد من صغار الضباط في الجيش، ما اضطر «اللجنة الأمنية» العليا التي شكّلها البشير من كبار الضباط، وكان حميدتي أحد أعضائها، إلى التوافق على تغيير البشير وتشكيل مجلس عسكري انتقالي برئاسة قائد الجيش وقتها، الفريق أول عوض بن عوف، الذي مكث في السلطة ليوم واحد فقط، اضطر بعده للاستقالة، بضغط شعبي.

ومن ثمَّ جرى التوافق على اختيار البرهان رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي كما اختير حميدتي نائباً له. وبذلك عاد الرجلان مجدداً للاتحاد والعمل معاً، وهو الأمر الذي لخصه لـ«الشرق الأوسط» اللواء المتقاعد كمال إسماعيل بقوله: «التقى حميدتي البرهان في دارفور، وهناك ربطتهما علاقة وطيدة جداً، نتجت عن العمليات العسكرية المشتركة التي كانا ينفّذانها معاً، لأن وجود قائدين يتطلب تنسيقاً عسكرياً محكماً، وثقةً متبادلة وعلاقة متينة. وحين أصبح حميدتي قائداً لـ(قوات الدعم السريع) توطدت علاقة الرجلين أكثر».

ويوضح اللواء إسماعيل أن علاقة الرجلين لم تتأثر بتمرد حميدتي على البشير في أثناء الثورة الشعبية، ورفضه طلبه «قتل ثلث الشعب»، بل تطورت باتفاقهما على إطاحة قائد الجيش الفريق أول عوض بن عوف، وقادة آخرين في اللجنة الأمنية التي أطاحت بحكومة البشير، وكانت تخطط لإطاحة رأس النظام والإبقاء على مؤسساته.

محمد حمدان دقلو حميدتي «الشرق الأوسط»

يقول اللواء إسماعيل إن حمَّيدتي نظَّف الطريق للبرهان الذي كان يتولى منصب المفتش العام للجيش، ليكون قائداً له، مما جعل علاقة الرجلين تتعمق أكثر، فكافأه البرهان بتعيينه نائباً له في رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، واشتغل الرجلان معاً للتخلص من أعضاء «اللجنة الأمنية» المناوئين لهما، وأبرزهم مدير جهاز المخابرات العامة صلاح عبد الله (قوش).

فض اعتصام القيادة

ووفقاً للواء إسماعيل، فإن العلاقة بين الرجلين مضت بسلاسة، إلى أن جاءت «جريمة فض اعتصام القيادة العامة»، التي اتفق عليها الطرفان، لكنَّ حميدتي شعر بأنه جرى توريطه فيها من خلال التنفيذ الذي تم بأيدي عسكريين بلباس «الدعم السريع»، بقيادة أحد ضباط الجيش المنتسبين لـ«الدعم السريع»، الذي أُلقي القبض عليه وظل في سجن «الدعم السريع» حتى قيام الحرب، فتوترت علاقة الرجلين قليلاً.

كان حميدتي قد سبق وذكر أنه جرى «توريطهم» في تلك الجريمة وتحميلهم وزرها، من خلال عناصر تنظيم الإخوان في الجيش والأجهزة الأمنية.

وزال التوتر بعد تكليف حميدتي رئاسة وفد التفاوض بين العسكريين والمدنيين، وأوكل له توقيع «الوثيقة الدستورية» التي حكمت الفترة الانتقالية، ومن ثم «اخترع» له البرهان منصب نائب رئيس مجلس السيادة غير الموجود في الوثيقة الدستورية، ثم كلّفه ملف مفاوضات السلام مع الحركات المسلحة، والذي توِّج بتوقيع اتفاقية جوبا لسلام السودان عام 2020.

لكنّ الخلافات عادت لتبرز في «مجلس السيادة الانتقالي»، ولم تعد العلاقة ودودة مثلما كانت. ويقول اللواء إسماعيل: «يرجع التوتر إلى وجود جيشين متنافسين بقيادة رجلين متنافسين على السلطة، وهو أمر كفيل بتحفيز صراع السلطة بينهما».

ووفقاً لتقارير الشهود وقتها، فإن العلاقة بين الرجلين كانت تتوقف على علاقتهما بالمدنيين في الحكومة الانتقالية برئاسة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك. فكلما ارتفعت وتيرة التوتر بين العسكريين والمدنيين تقارب الرجلان أكثر، وهو ما أوصل البلاد إلى انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021، الذي أطاح الحكومة المدنية.

ويتابع اللواء إسماعيل: «أذكر تماماً أن البرهان وحميدتي كانا متوافقين تماماً على الانقلاب، لأن علاقتهما بالمدنيين ساءت كثيراً».

فخ الانقلاب

حميدتي، وبعد أيام قليلة من الانقلاب، شعر بأن ثمة فخاً جديداً نُصب بهدف «توريطه»، وفقاً لحديث سابق مع القائد الثاني لـ«قوات الدعم السريع»، عبد الرحيم دقلو (شقيق حميدتي)، الذي ذكر أن فشل الانقلاب تكشَّف لهم منذ الأيام الأولى، وأنه أعاد مجدداً أنصار الإسلاميين إلى مواقعهم في السلطة والنفوذ. وفي هذا قال اللواء إسماعيل: «حميدتي تحدث مع البرهان عن وجود تقارير للأجهزة الأمنية التي تلقياها كان خاطئة، وطلب منه إقالة مدير جهاز المخابرات جمال عبد المجيد، ومدير جهاز الشرطة، ورئيس هيئة أركان الجيش».

قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) و«الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) عام 2019 (أ.ف.ب)

ويستطرد اللواء إسماعيل: «أقال البرهان كلاً من مدير الشرطة ومدير المخابرات، لكنه امتنع عن إقالة رئيس هيئة الأركان، تحسباً لما يمكن أن تثيره إقالته من مشكلات داخل الجيش».

وبدأت رحلة «تنصل» حميدتي من الانقلاب باكراً، وظهر ذلك في الجهود التي بذلها نائبه وشقيقه عبد الرحيم، من أجل إعادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى مكتبه، في اتفاق مع البرهان في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، أي بعد أيام من وضعه تحت الإقامة الجبرية، لكنّ البرهان كان متمسكاً بالانقلاب، على الرغم من عدم تمكنه من الإيفاء بأي وعد من وعوده بتكوين حكومة، كما لم يقبل الشارع السياسي و«تحالف الحرية والتغيير» عودة حمدوك بتلك الطريقة، مما اضطره إلى تقديم استقالته.

ويرى اللواء إسماعيل أن الخلافات كانت متوقَّعة بين الرجلين منذ دخلا مجلس السيادة الانتقالية. ويقول: «هناك طموحات سياسية لكلا الرجلين، وكان كل واحد منهما يريد إبعاد الآخر والاستيلاء على السلطة كاملة».

وكان المفكر والسياسي الحاج وراق، قد تنبأ في وقت باكر باحتمال صراع الرجلين، رغم «الصداقة» التي كانت تجمعهما. وقال في أمسية سياسية إن المؤسسة العسكرية تشهد خلافات، وخلافاتها ستُحسم بالسلاح، وذلك بعد انتقاد كل من قائدي الجيش و«الدعم السريع» لخلافات المدنيين في الحكومة الانتقالية. وأضاف وراق أن المؤسسة العسكرية الأمنية تمثل أكبر خطر على البلاد.

الاتفاق الإطاري

في 5 ديسمبر 2022 أقرّ الرجلان بفشل «انقلابهما» المشترك، ووقّعا مع «تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير» اتفاقاً إطارياً قضى باستعادة الانتقال المدني، وتوحيد الجيش وخروج العسكريين من السياسة. لكن عاد الرجلان واختلفا لاحقاً على «عدد السنوات التي سيستغرقها دمج (قوات الدعم السريع) في الجيش»، وعلى القيادة الموحدة للقوات خلال الفترة الانتقالية.

يقول اللواء إسماعيل: «كبر الخلاف بين الرجلين، وعجز الجميع عن تهدئته، فصار أصدقاء الأمس أعداء اليوم». وتابع: «الخلاف كان متوقعاً في وقت مبكر، لأن علاقة الرجلين كانت علاقة مصالح وليست علاقة أهداف ومبادئ، ووجود جيشين في أي بلد يجعل استقراره مهدداً على الدوام».

وانتهز أنصار الرئيس السابق من الإسلاميين وأعضاء حزبه «المؤتمر الوطني»، اتساع التباعد بين الرجلين، فاشتغلوا عليه من أجل توسيع الهوّة بينهما، وهددوا بإفشال توقيع الاتفاق النهائي بين الجيش و«الدعم السريع» من جهة، والقوى المدنية الموقِّعة للاتفاق الإطاري من جهة ثانية، لأنه نص على إزالة تمكينهم ومحاسبتهم على الجرائم التي ارتكبوها، وإبعادهم عن العملية السياسية، وبالتالي لن يستطيعوا العودة للمشهد السياسي قريباً، وهذا ما يؤكده قول اللواء إسماعيل: «هناك عناصر شعرت بالخلاف بين الرجلين وحاولت الاستثمار فيه، والاستثمار كان بداية الحرب».

تقارُب ونفور

إبان هذه الخلافات، تقارب البرهان وأنصار نظام البشير الذين يَعدّون «حميدتي» عدوهم اللدود الذي أسهم بشكل كبير في إطاحة حكمهم، فتطورت الخلافات بين الرجلين، ليتبادلا الاتهامات تلميحاً وتصريحاً.

البرهان يخاطب الجمعية العامة للامم المتحدة في سبتمبر الماضي عارضاً أسباب الجحرب في السودان (الأمم المتحدة)

وأوصلت خلافات الرجلين البلاد إلى حافة هاوية الحرب. وإزاء ذلك، حاولت القوى المدنية الموقِّعة على الاتفاق الإطاري التوسط بينهما، وإزالة التوتر ولملمة الخلافات التي تنذر بالحرب، وصولاً إلى توقيع الاتفاق الإطاري. وفي هذا يقول مصدر من داخل غرف الوساطة المدنية لـ«الشرق الأوسط»، إن عناصر النظام السابق لعبوا دوراً مهماً في إشعال جذوة التوتر بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وتابع: «موقفهم كان معلناً، فقد هددوا فيه بإفشال الاتفاق الإطاري بأي ثمن، لأنه نصَّ على تصفية تمكين نظام الثلاثين من يونيو (حزيران) ومحاسبة الفساد، وتكوين جيش وطني، بما يُفقدهم أي فرصة للعودة إلى المسرح السياسي خلال فترة الانتقال».

وانتقل التوتر بين الرجلين إلى توتر بين الجيشين، لا سيما أن عدداً من قادة الجيش من الإسلاميين، رأوا في هذا التوتر فرصة للتخلص بسرعة من «الدعم السريع» ليعودوا مجدداً للسلطة.

ويتابع المصدر: «أصل التوتر يعود إلى خلافات الجيشين منذ ورشة الإصلاح الأمني والعسكري، التي قَبِلَ (الدعم السريع) توصياتها ورفضها الجيش». ويضيف: «اختلف الرجلان كذلك على عدد السنوات التي يتم فيها إدماج (قوات الدعم السريع) وتوحيد القيادة العسكرية العليا وهيكلتها».

محاولات فاشلة

ولنزع فتيل الحرب الذي بدأ بالاشتعال، حاول «تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير» والقوى الموقِّعة على الاتفاق الإطاري، إطفاء النار الزاحفة، فأفلحت في جمع كلٍّ من قائد الجيش وقائد «قوات الدعم السريع»، بعد قطيعة طويلة، صباح 8 أبريل، بهدف إطفاء نار الحرب.

وقال المصدر المشارك في تلك الاجتماعات، إنهم عقدوا اجتماعاً آخر بين البرهان وحميدتي في اليوم التالي، وبمشاركة رئيس هيئة أركان الجيش، الفريق الركن خالد عابدين، وكان مقرراً الطواف على قوات الطرفين من أجل التهدئة.وفي ذلك الوقت، برزت معضلة «قوات الدعم السريع»، التي صدرت لها الأوامر بالتوجه إلى القاعدة العسكرية الجوية في منطقة «مروي» شمال البلاد، حيث توجد قوات جوية مصرية هناك، وكان حميدتي يخشى استخدامها في ضرب قواته إذا اندلعت الحرب. يقول المصدر: «في ذلك الاجتماع، أبلغ حميدتي أنه حرَّك قوات من منطقة (الزرق) في دارفور إلى مروي، ووعد بسحبها متى أوفى البرهان بوعده سحب القوة الجوية المصرية. واتفق الطرفان في اجتماع يوم 9 أبريل على عقد اجتماع آخر ينزع فتيل الحرب يوم 10 أبريل، لكنّ الاجتماع لم يُعقد، لأن البرهان اعتذر عنه تحت ذريعة المرض». ويواصل المصدر قائلاً: «اكتشفنا لاحقاً أن البرهان لم يكن مريضاً، لكنه كان مجتمعاً مع جهة أخرى».

ويوضح المصدر أن حدة التوتر بين الجيشين ازدادت باطراد، وفي أثناء ذلك عقدت «الحرية والتغيير» اجتماعاً منفرداً مع البرهان في 14 أبريل، وتقرر تكوين لجنة ثلاثية، من عضو مجلس السيادة الهادي إدريس، ورئيسي هيئة أركان الجيشين، لزيارة منطقة مروي بهدف إزالة التوتر هناك، وقرروا عقد اجتماع صبيحة السبت 15 أبريل، لوضع اللمسات النهائية لإزالة التوتر، لكن الحرب اندلعت في وقت مبكر من صباح ذلك اليوم، فقطعت الطريق أمام أي حل سلمي كان المدنيون يسعون إليه.

وهكذا أنهت الحرب، التي أُطلق عليها اسم «حرب الجنرالين»، صداقة قديمة بين الرجلين عمرها نحو عشرين عاماً، فأصبحت عداوة، وأيّ عداوة، وأنهت «أخوّة الكاب عند الباب»... باب الحرب والمصالح المتضاربة.


تجميد تمويل «أونروا»... قطع لشريان حياة أم ضغط باتجاه إصلاحات؟

تجميد تمويل «أونروا»... قطع لشريان حياة أم ضغط باتجاه إصلاحات؟
TT

تجميد تمويل «أونروا»... قطع لشريان حياة أم ضغط باتجاه إصلاحات؟

تجميد تمويل «أونروا»... قطع لشريان حياة أم ضغط باتجاه إصلاحات؟

تتخبط وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في دوامة تجاذبات سياسية أميركية أدت إلى حظر تمويلها حتى مارس (آذار) من العام المقبل؛ ما طرح تساؤلات ومخاوف حول إمكانية استمرارها في تقديم المساعدة لأكثر من 5 ملايين لاجئ فلسطيني في غزة والضفة الغربية، والأردن، ولبنان وسوريا. والولايات المتحدة هي أكبر متبرع للوكالة، ومن شأن الحظر الأميركي أن يؤدي إلى نقص في ميزانية الوكالة قد يصل إلى 350 مليون دولار، بحسب مسؤولين أميركيين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لافتين إلى تداعيات الحظر في غياب بديل للوكالة، ومحذرين من تفاقم المعاناة الإنسانية في غزة في هذه المرحلة الحرجة.

تريليون دولار، هي القيمة الإجمالية لقانون المخصصات الضخم الذي أقرّه الكونغرس بمجلسيه ووقّع عليه الرئيس الأميركي جو بايدن. مبلغ هائل يضمن تمويل المرافق الحكومية الأميركية حتى العام المقبل، لكنه يخفي في طياته حكماً «مؤقتاً» بالإعدام على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). فبعد جهد كبير من المشرعين الأميركيين المعارضين للوكالة تمكن هؤلاء أخيراً من زج بند في مشروع قانون المخصصات يمنع تمويل الولايات المتحدة للوكالة حتى مارس (آذار) 2025 .

خبر وقع كالصاعقة على رؤوس العاملين في الوكالة والداعمين لها على حد سواء. فعلى رغم أن الإدارة الأميركية كانت جمدت منذ يناير (كانون الثاني) تمويل الوكالة، فإن الداعمين لمهمتها كانوا يأملون برفع التجميد بمجرد انتهاء التحقيقات بعلاقة بعض العاملين في الوكالة بحركة «حماس»، وتحديداً هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، بحسب الرواية الإسرائيلية التي لم تقدم أي معلومات إضافية أو أدلة ملموسة.

فلسطينيون يتظاهرون أمام مقر «الأونروا» في بيروت احتجاجاً على قرارات قطع الدعم وإجراءات إدارية تطال موظفين في الوكالة (إ ب أي)

وكانت دول أخرى مثل بريطانيا وكندا والسويد أعربت عن نيتها تجميد تمويل الوكالة قبل أن تعود مطلع الشهر الجاري وتستأنف التمويل فيما لم تنقطع بلدان أخرى عن الدعم والتمويل وبينها السعودية التي ضخت مؤخراً 40 مليون دولار.

وهذا ما تحدث عنه ويليام ديري، مدير الوكالة في العاصمة الأميركية واشنطن، معرباً عن خيبة أمله من إقرار التجميد خاصة بعد مساعٍ حثيثة من «أونروا» «لاستعادة ثقة» المشرّعين الأميركيين من خلال إحاطات مغلقة.

فالسؤال الذي لا يزال مطروحاً هو ما إذا كانت «أونروا» ستتمكن من الاستمرار بمهمتها في وقت حرج تعاني فيه غزة تحديداً مجاعة محدقة.

ويقول ديري لـ«الشرق الأوسط» إن تجميد التمويل حتى مارس المقبل «سوف يترك فراغاً كبيراً في موازنة (أونروا) السنوية للعمليات يجب سده من خلال متبرعين آخرين». فالولايات المتحدة هي أكبر متبرع للوكالة؛ إذ تغطي نسبة تصل إلى 30 في المائة على الأقل من ميزانيتها العامة. وتتراوح هذه التبرعات بين 300 و400 مليون دولار سنوياً، وسيؤدي هذا التجميد إلى نقص قد يصل إلى نحو 350 مليون دولار. وأضاف ديري في حديثه مع «الشرق الأوسط»: «في الوقت الحاضر، لدينا ما يكفي من التمويل حتى شهر مايو (أيار). التاريخ المهم جداً هو شهر يونيو (حزيران)؛ لأننا في حاجة إلى الاستمرار في تعليم أطفالنا حتى نهاية العام الدراسي. فإذا اضطررنا إلى إغلاق المدارس مبكراً، لن يتمكن التلامذة من إنهاء عامهم الدراسي والتخرج».

وحذّر ديري من انعكاسات تجميد التمويل على الـ30 ألف موظف لدى الوكالة في المنطقة، منهم 13 ألفاً في غزة وحدها، فقال: «عمل (أونروا) لا يقتصر على غزة فحسب، بل هي تعمل أيضاً في الضفة الغربية والأردن وسوريا ولبنان، وتقدم الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الاجتماعية. نتيجة لهذا؛ فإن أي نقص في الميزانية سيجعل من الصعب علينا تطبيق التفويض الذي أعطته لنا الجمعية العامة للأمم المتحدة. النقص في الميزانية سيعيق مساعينا لتخفيف حدة المجاعة في غزة، ولن ينعكس إيجاباً على استقرار المنطقة بشكل عام».

موقف يتفق معه غيث العمري، المستشار السابق لفريق المفاوضات الفلسطيني خلال محادثات الوضع الدائم وكبير الباحثين في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذي وصف في حديث مع «الشرق الأوسط» تجميد التمويل عن «أونروا» «في هذه المرحلة الحرجة بالخطأ»، وقال العمري إن تأثير تجميد التمويل السلبي لن يقتصر على الوضع الإنساني في غزة فحسب، بل إن «أي إجراءات من شأنها أن تؤدي إلى انهيار (أونروا) ستكون لها تأثيرات مزعزعة للاستقرار السياسي في مناطق عملها الأخرى، خاصة الضفة الغربية ولبنان والأردن».

بصيص في نهاية النفق

على رغم الانعكاسات السلبية الكثيرة لقرار حظر التمويل، فإن البعض ينظر إلى تفاصيله بعين أقل تشاؤماً، وذلك من زاوية وجود سقف زمني محدد في مارس المقبل، وعدم فرض القرار بشكل دائم كما سعى بعض أعضاء الكونغرس الذين دفعوا باتجاه إلغاء التمويل بشكل قاطع.

وتقول مارا رودمان، النائبة السابقة للمبعوث الأميركي للشرق الأوسط، في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «تجميد التمويل مؤسف لكن كونه مؤقتاً لمدة عام فقط، فهذا يحدّ من تأثيره لأن الجزء الأكبر من حصة الولايات المتحدة من المال للعام الحالي قد تم إرساله إلى (أونروا) قبل التجميد». وبذلك، تقصد رودمان إرسال الولايات المتحدة مبلغاً يقارب 121 مليون دولار للوكالة، بحسب المتحدث باسم الخارجية الأميركية ماثيو ميلر، وبذلك ترى رودمان أن التأثير المباشر لهذا القرار سيبقى «محدوداً».

ويرى العمري أن الجدير ذكره في ظل النقاش الدائر حالياً التذكير بأن الحظر «مؤقت على رغم الموقف المعادي بشدة لـ(أونروا) في الكونغرس»، مشيراً إلى أن هذا من شأنه أن يدفع بـ«أونروا» إلى «أن تكون أكثر يقظة في معالجة بعض نقاط الضعف لديها، خاصة وأن هناك العديد من الأصوات التي تبحث عن أسباب لإغلاق الوكالة التابعة للأمم المتحدة».

نظرة يوافق معها ديري الذي قال، اعتماداً على النظرة القائلة إن نصف الكوب ممتلئ: «من الجيد أن المشروع لا يفرض حظراً دائماً على المساعدات الأمريكية لـ(أونروا)». مؤكداً أن التحدي الأبرز الذي يواجه الوكالة هو «تثقيف المشرعين حول الخطوات التي تتخذها بهدف استعادة ثقتهم».

من هؤلاء المشرعين كبير الجمهوريين في لجنة العلاقات الخارجية في الشيوخ جيم ريش الذي يسعى منذ فترة طويلة إلى قطع التمويل عن الوكالة ويتهمها بدعم حركة «حماس». ريش ذكّر بمساعيه وقف تمويل الوكالة «منذ أعوام» ووصف لـ«الشرق الأوسط» قرار التجميد بأنه «القرار الصائب» وأضاف: «يجب ألا يمنح دولار واحد من أموال دافعي الضرائب إلى (أونروا) بعد الاتهامات الخطيرة بمشاركة أعضائها في هجمات السابع من أكتوبر. إذا كانت الولايات المتحدة ستستمر في كونها أكبر متبرع للشعب الفلسطيني، فيجب أن يكون ذلك من خلال منظمات تم التدقيق فيها، وغير مرتبطة بالمنظمات الإرهابية، ولا تروج لمعاداة السامية.»

هل من بدائل؟

في فترة سابقة من مطلع العام، ومع تصاعد الكلام عن احتمالات قطع التمويل الأميركي كلياً أو جزئياً قبل صدور القرار الأخير، طرحت بدائل لـ«أونروا»، منها منظمات محلية أو دولية وأخرى أممية كبرنامج الغذاء العالمي و«يونيسيف». لكنه تم التصدي سريعاً لهذه الاقتراحات، وأول من وقف ضدها بشكل واضح كان الأمين العام للأمم المتّحدة ​أنطونيو غوتيريش​، عادّاً أنّه «لا يمكن استبدال عمل وكالة غوث وتشغيل اللّاجئين الفلسطينيّين (​أونروا​) في ​غزة​».

وكان أعلن في مؤتمر صحافي في شهر فبراير (شباط) الماضي، رفضه القاطع لهذه الفكرة، موضحاً أنّ «العمود الفقري لتوزيع المساعدات الإنسانيّة الأمميّة في غزة، يتكوّن من موظّفي (أونروا) المكرّسين للاستجابات الطّارئة». وركّز على أنّه «ليست هناك أيّ منظّمة أخرى موجودة في غزة قادرة على تلبية هذه الاحتياجات».

والواقع أن مقاربة البحث عن بدائل لـ«أونروا» لها معارضة كبيرة أيضاً داخل أميركا نفسها. وفي هذا السياق، يقول السفير الأميركي السابق إلى العراق وتركيا جيمس جيفريز لـ«الشرق الأوسط»: «في الوقت الحالي، لا يوجد بديل لـ(أونروا) لإيصال الإمدادات التي يحتاج إليها بشدة سكان غزة المحرومين. لذلك؛ أعتقد أن قرار تجميد التمويل كان خاطئاً».

وتوافق رودمان مع هذا التقييم فتذكر بقدرة «أونروا» «الفريدة على توزيع المساعدات داخل غزة» محذرة: «إذا قطع الآخرون أيضاً الدعم المالي دون وجود بديل، سيؤدي ذلك إلى معاناة أكبر للعديد من الفلسطينيين غير المرتبطين بـ(حماس) في غزة». أما العمري، فيؤكد بشكل قاطع غياب بديل لـ«أونروا» قائلاً: «فيما يتعلق بتقديم الخدمات في غزة، لا توجد بدائل عملية لـ(أونروا). الوكالات الأخرى التابعة للأمم المتحدة لا تملك القدرة على القيام بهذا العمل، فتوفير بديل يستغرق وقتاً طويلاً وموارد كبيرة. بالإضافة إلى ذلك، لا تعدّ (أونروا) وكالة تزود الخدمات فحسب، بل إنها اكتسبت أهمية رمزية في الخطاب السياسي الفلسطيني والعربي. وبناءً عليه؛ قد يؤدي إلغاؤها إلى اضطرابات سياسية أيضاً».

وفي هذا السياق، أعرب عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين عن استيائهم الشديد من إقرار قانون الحظر، فرأى السيناتور الديمقراطي كريس فان هولان أنه «من غير المنطقي إطلاقاً قطع التمويل عن الآلية الرئيسية لتوصيل الغذاء والمعونة الضرورية بشكل عاجل إلى الجياع واليائسين في غزة» ووجّه فان هولان انتقادات لاذعة للجمهوريين بسبب «إقحامهم» لبند قطع التمويل في مشروع المخصصات المالية الضروري لاستمرار عمل المرافق الحكومية. وقال: «استعداد الجمهوريين لإغلاق الحكومة بسبب هذا البند أمر مشين للغاية، وعلى الرغم من غضبي، فإنني أدرك أن وقف تمويل الحكومة الأميركية لن يساعد في تمويل (أونروا)، و إغلاق الحكومة الأميركية لن يساعد في إطعام الأشخاص الجوعى في غزة».

وصول مساعدات غذائية إلى غزة من «الأونروا» (رويترز)

ويشير فان هولان إلى نقطة مهمة في مشروع المخصصات تزيد من تمويل الولايات المتحدة لمنظمات دولية أخرى «الأمر الذي سيتيح لدول أخرى تغطية تمويل (أونروا) حتى تتمكن من الاستمرار في عملياتها الحيوية في غزة وتقديم خدمات هامة في الضفة الغربية وفي جميع أنحاء المنطقة» مضيفاً: «المهمة تقع الآن على كاهل إدارة بايدن للعمل مع دول أخرى لتحقيق ذلك».

وأشار ديري في هذا الإطار إلى جهود وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن التي شجع من خلالها دول الاتحاد الأوروبي في زيادة دعمها للوكالة، إلا أنه أكد في الوقت نفسه «صعوبة توقع سير الأمور في الوقت الحالي»، وفسر قائلاً: «جميعنا نعرف التحديات التي تواجهنا. لكن ما لا نعرفه هو كيف ستتفاعل بقية الدول الأعضاء مع ما جرى».

توصيات وإصلاحات مطلوبة

على رغم مساعي أعضاء الكونغرس فرض إصلاحات على «أونروا» حتى قبل الادعاءات الإسرائيلية بشأن تورط 12 موظفاً في هجوم السابع من أكتوبر، وهي ادعاءات أدت إلى صرف 10 منهم بعد إعلان «أونروا» عن مقتل الاثنين الآخرين، فإن هذه الادعاءات دفعت إلى فتح تحقيقات يجريها مكتب خدمات الرقابة الداخلية في الأمم المتحدة بالإضافة إلى لجنة المراجعة المستقلة. وتنتظر الوكالة صدور توصيات معينة بعد التحقيقات المذكورة، ويؤكد ديري أن «أونروا» «تتعاون بشكل تام مع تحقيق مكتب خدمات الرقابة الداخلية في الامم المتحدة، والتحقيق الخارجي المستقل»، مشيراً إلى أن «(أونروا) اتخذت مبادرات لتحسين عملياتها الموجودة، كما أنها سوف تطبق فوراً أي توصيات ناجمة عن التحقيقات والمراجعة الخارجية».

من ناحيته، يؤكد السفير السابق جيمس جيفريز لـ«الشرق الاوسط» أنه يترتب «على (أونروا) والأمم المتحدة والمجتمع الدولي فهم الدوافع وراء قرار الكونغرس بشكل أفضل»، ويفسّر ذلك قائلاً: «هناك أدلة قوية على مر العقود تشير إلى أن (أونروا) ومنظمات الإغاثة الأخرى كانت منحازة ضد إسرائيل بسبب تأثير موظفيها الفلسطينيين المحليين عليها ومواقفها الدولية بشكل عام». ويرى جيفريز أن «أي حل دائم لأزمة غزة بشكل خاص والمشكلة الفلسطينية بشكل عام يجب أن يبدأ بقبول الارتباط الضروري ما بين تقديم المساعدة الإنسانية وإعادة الإعمار من جهة والالتزام بالاتفاقيات الدولية والالتزام بالحلول السلمية من جهة أخرى».

وإلى ذلك، يدعو السفير السابق إلى ضرورة «بذل المزيد من الجهد لضمان عدم تحويل المساعدات إلى (حماس) والجماعات الراديكالية الأخرى، وعدم استغلال المنشآت التابعة للمنظمات الدولية من قبلها».

تاريخ تمويل متقلب

تاريخ تمويل «أونروا» متقلب مع تقلب المزاج السياسي للبلدان المتبرعة. فنحو 90 في المائة من تمويل الوكالة مصدره «تبرعات طوعية» من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وفي عام 2022 قالت الوكالة إنها حصلت على أكثر من مليار دولار من التبرعات، قدمت الولايات المتحدة 344 مليون دولار منها. أما في عام 2023، فقد وصلت المساهمات الأميركية إلى 422 مليون دولار.

ويتحدث ديري عن هذه المعادلة ويشرحها قائلاً: «تموّل (أونروا) من خلال التبرعات الطوعية، بمعنى آخر، يجب على الدول الأعضاء أن تساهم في (أونروا) بما يتجاوز اشتراكاتها العادية في الأمم المتحدة. لدينا اتفاقات مع بعض المانحين لسنوات عدة؛ ما يساعدنا كثيراً في التخطيط المالي. لكن الوكالة لا تشعر أبداً بأن دعمها واجب، وبينما نقوم بتقديم إحاطات منتظمة لأعضاء الكونغرس حول عملياتنا، إلا أن الوكالات التابعة للأمم المتحدة لا تحاول أبداً التدخل في المشاورات الداخلية لأي دولة عضو». إشارة واضحة إلى التجاذبات الداخلية التي تطغى على ملف دعم «أونروا» في الولايات المتحدة، بدليل قرار ادارة الرئيس السابق دونالد ترمب تجميد تمويل «أونروا» بشكل جزئي في عام 2018 بسبب اعتراضات حزبه عليها والدعوات لفرض إصلاحات عليها، واستمرت الوكالة بالعمل رغم هذا التجميد لتأتي ادارة بايدن وتعيد تمويل «أونروا». لكن هذا لم يخفف من المعارضة الجمهورية الشرسة لهذه الخطوة؛ ما أدى إلى اتخاذ البعض منهم كالسيناتور جيم ريش تدابير تشريعية عرقلت بعض الجزيئات المرتبطة بالتمويل.

ويرى هؤلاء أن ثمة حاجة إلى فرض اصلاحات كثيرة على الوكالة التي أسستها الأمم المتحدة في عام 1949 لتأمين المساعدة المباشرة لـ700 ألف نازح فلسطيني بعد حرب 1948. وجددت الأمم المتحدة تفويض «أونروا» على مدى الأعوام السبعين الماضية ووجهتها لتقديم الرعاية الصحة والسكن والمساعدة المالية للاجئين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والأردن وسوريا ولبنان، وعددهم بحسب الوكالة أكثر من 5.9 مليون شخص مسجلين.

ويقول المنتقدون من الجانب الأميركي إن من الإصلاحات التي يجب فرضها، تعريف الوكالة لمصطلح «لاجئ»؛ إذ تعرف الوكالة اللاجئ منذ عام 1952 على أنه «أي شخص كان مكان إقامته الطبيعي فلسطين خلال الفترة من 1 يونيو 1946 إلى 15 مايو 1948 وفقد منزله وسبل معيشته نتيجة لنزاع عام 1948».

وفي عام 1965 غيرت «أونروا» من تعريف المصطلح ليشمل الجيل الثالت للاجئين، ثم وسّعته ليشمل كل سلالة اللاجئين الفلسطينيين الذكور بمن فيهم أطفالهم بالتبني. وقد طرح الكونغرس مشروع قانون لمحاولة تعديل هذا التعريف وحصره «بزوجة أو زوج اللاجئ وأولاده القاصرين» .

وفي ظل هذه التجاذبات تقول «أونروا» إن أكثر من مليوني شخص في غزة يعتمدون على المساعدات التي تقدمها، وتقدر عدد الاشخاص الذي يحتمون في منشآتها او بالقرب منها بنحو 1.7 مليون شخص، وهو عدد هائل من الناس الذين ستبقى احتياجاتهم الملحة رهن القرار الأميركي.


ضوء أخضر إيراني لتركيا في العراق بلا ضمانات

جندي عراقي في سنجار المدمرة بعد 3 سنوات من تحريرها من «داعش»... (أ.ب)
جندي عراقي في سنجار المدمرة بعد 3 سنوات من تحريرها من «داعش»... (أ.ب)
TT

ضوء أخضر إيراني لتركيا في العراق بلا ضمانات

جندي عراقي في سنجار المدمرة بعد 3 سنوات من تحريرها من «داعش»... (أ.ب)
جندي عراقي في سنجار المدمرة بعد 3 سنوات من تحريرها من «داعش»... (أ.ب)

دخل «الحشد الشعبي» شريكاً في صفقة محورية بين بغداد وأنقرة، بينما إيران في قلب الصورة. تقول مصادر عراقية وتركية متطابقة إن الاتفاق الذي أُبرم أخيراً يتعدى العمل العسكري ضد حزب «العمال الكردستاني»، إلى ترتيبات شاملة تتعلق بخريطة الشرق الأوسط بعد حرب غزة.

وكشف مسؤول تركي، لـ«الشرق الأوسط»، عن جانب من «خطة أنقرة»، في إطار التحضير لـ«متغيرات سيترتب عليها اليوم التالي للحرب في غزة، وعزمها التكيف معها بصفر مشاكل أمنية في المنطقة، لا سيما العراق».

ولأن طهران في الصورة، رُبط اسم «الحشد الشعبي» بوجود الحزب المحظور في بلدة سنجار (شمالي غرب)، لكن «أخوّة الدم» بين مسلّحيه وفصائل شيعية قد تعرقل المسار الجديد لتركيا.

تتطابق المعلومات، التي استقتها «الشرق الأوسط» من مصادر عراقية، مع الصورة التي قدمها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، حينما أشار إلى اسم فالح الفياض، رئيس هيئة «الحشد»، في مقابلة مع محطة «سي إن إن تورك»، الأسبوع الماضي، وقال: «إنهم (الأتراك) تفاهموا بشأن سنجار مع مؤسسة رسمية تُمولها الدولة العراقية».

وبدا أن تركيا ترمي، هذه المرة، بثقل سياسي وعسكري كبير في العراق، وبعلاقات أكثر شمولية، لإنهاء التوتر المزمن على حدودها الجنوبية، غير أن التوازنات الداخلية في بغداد، وتعاظم نفوذ «حزب العمال الكردستاني» في سنجار يهددان، إلى حد ما، نجاح الصفقة.

وتتفق المصادر العراقية في وصف «التحرك التركي الشامل» بأنه جزء من تحضيرات إقليمية لوضع منطقة الشرق الأوسط، بعد انتهاء الحرب في غزة، والتي تتطلب «تصفية بؤر التوتر الأمني».

ماذا حدث؟

في 13 مارس (آذار) الحالي، اجتمع في بغداد الوزير التركي هاكان فيدان مع نظيره العراقي فؤاد حسين، ومعهما مسؤولون أمنيون من بينهم فالح الفياض، ورئيس جهاز الأمن الوطني قاسم الأعرجي.

بعد الاجتماع، ذكر بيان حكومي أن «العراق يعد وجود (حزب العمال الكردستاني) على أراضيه خرقاً للدستور». واحتفت تركيا بهذا الاعتراف، وتحدثت دوائرها الأمنية عن «منطقة عازلة» بعمق 40 كيلومتراً للقضاء على الحزب المحظور، من السليمانية (شمال) إلى سنجار، ومنها إلى الحدود مع سوريا.

مساء ذلك اليوم، لم يلتحق وزير الدفاع التركي يشار غولر بطائرة فيدان العائدة إلى أنقرة، وأمضى الليل على الحدود العراقية في مقر فرقة المشاة الثالثة التركية بولاية هكاري. ويومها أظهرت أنقرة إشارات عن امتلاكها خطة متكاملة.

ساعة صفر تركية

وفقاً لمصدرين في بغداد وأربيل، فإن أنقرة كانت تسمع، منذ سنوات، نقداً من مؤسسات عراقية بشأن «نفَسها الطويل في مقارعة (العمال الكردستاني)»، الذي لم يكن مُجدياً، وأسئلة عما يمنعها من «عملية عسكرية نهائية ليتخلص الجميع من هذا الصداع». ويبدو أنها اقتنعت أخيراً بفعل شيء حاسم.

قبل أن يصل هاكان إلى بغداد، أُخطرت بغداد بملامح الخطة التركية، وفيها قبول إيراني للوضع الجديد قدر تعلق الأمر بـ«حزب العمال الكردستاني»، كما تقول المصادر العراقية، لـ«الشرق الأوسط».

وحين بدأت المشاورات الرسمية، كان «كل شيء جاهزاً، بما في ذلك ساعة الصفر»، على ما قال مصدر عراقي مسؤول، الذي أضاف أن «الجديد في الخطة أنها غير مسبوقة بين البلدين، ودخل فيها (الحشد الشعبي) شريكاً للدعم في مناطق محددة».

ليس من المعروف، حتى الآن، لماذا وافقت إيران على التخلص من «حزب العمال الكردستاني» في العراق، وكيف سيجري ذلك، خصوصاً أن نشاط مسلّحيه يتداخل منذ 2016 مع الفصائل الموالية لإيران، على خط استراتيجي مهم لإيران يصل إلى دمشق وبيروت.

بيد أن المصادر العراقية تقول إن «الصفقة تشمل وساطة تركية مع الأميركيين على التهدئة مع طهران في العراق، ولضمان دور إيراني أكبر في التجارة الإقليمية بضمانة تركية، وكذلك مساعدة بغداد على تجاوز أزمات مركبة، بينها تصدير النفط، والوضع المختلّ في إقليم كردستان وكركوك، والانخراط أكثر في التنمية التجارية العابرة للحدود»، إنها «سلة واحدة لصفقات متعددة».

عنصران من «وحدات مقاومة سنجار» يضعان عبوة ناسفة على طريق يستخدمها مقاتلو «داعش» قرب قرية أم الذيبان (أرشيفية - رويترز)

تركيا في اليوم التالي لغزة

يلخص دبلوماسي عراقي الشق السياسي للصفقة بعد العمليات العسكرية، بأنه «تحضير شامل للمتغيرات المتوقعة بعد حرب غزة»، ويتطابق هذا مع ما قاله مستشار تركي أبلغ «الشرق الأوسط» بأن أنقرة أعدّت «ملفاً من بنود عدة عن غزة ودول المنطقة في اليوم التالي للحرب».

وأوضح المسؤول التركي، الذي طلب عدم نشر اسمه، أن وزارة «الخارجية وأجهزة أمنية تركية أعدت خطة قبل نحو 5 أشهر تتضمن خيارات أنقرة للتعامل مع تداعيات حرب غزة، وللتكيف مع المتغيرات المتوقعة فيما بعدها»، وأكد المسؤول أن العراق وسوريا «جزءان من هذه الصورة».

في هذا السياق، يقول أثيل النجيفي، وهو سياسي سني ومحافظ أسبق لنينوى (شمال)، لـ«الشرق الأوسط»، إن «جميع دول المنطقة تدرك أن معركة غزة لها ما بعدها، وأن هناك تغييرات في استراتيجية الدول العظمى بالمنطقة».

تستوجب هذه التغييرات، وفقاً للنجيفي، خطوات استباقية، «إما استعداداً لدور أكبر في المستقبل القريب، أو لمنع أي مخططات يمكن أن تؤثر على الأمن القومي لهذه الدول». ويرى أن «تركيا أكثر من يضع حسابات استراتيجية لتطوير مصالحها».

ومع ذلك ينفي مصدر دبلوماسي تركي أن تكون «العمليات العسكرية التركية في العراق على صلة مباشرة بالوضع في غزة»، وقال إنها قد تنطلق في يونيو (حزيران) المقبل.

من المفترض أن يزور الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بغداد بعد شهر رمضان، في نهاية أبريل (نيسان)، وسيوقّع مذكرة الاتفاق التي تشمل مركز عمليات مشتركاً ومنطقة عازلة، وحين يعود «ستكون ساعة الصفر قد أزفت»، على ما تقول مصادر تركية.

يقول سياسي عراقي، من تحالف «الإطار التنسيقي»، إن أنقرة تريد تحويل مناطق نفوذ «العمال الكردستاني» إلى «منطقة شراكة آمنة» مع العراق وإيران، وأن الأتراك «أظهروا حرصاً واضحاً على أن يصل اللاعبون الإقليميون المعنيون بهذا الملف إلى اليوم التالي لحرب غزة، بصفر توتر».

قد يفسر هذا لماذا ترمي تركيا، الآن، بهذا الثقل في العراق. يعتقد النجيفي أن «تركيا بحاجة إلى منع تدحرج كرة النار نحوها، وسط وضع ملتهب وغير واضح في المنطقة»، لهذا تحث العراق وسوريا على «إجراءات مباشرة وقوية قبل أن يتحول (حزب العمال الكردستاني) إلى أزمة أكبر».

تنسجم هذه المعطيات مع حديث مصادر عراقية عن منح طهران مباركة للأتراك في العراق. ويقول سياسي عراقي إن بغداد ترجمت ذلك بحضور لافت لـ«الحشد الشعبي» في المشاورات الرسمية بين البلدين، لكن الجزء المتعلق به من الخطة «لا يزال محل نقاش»، لا سيما سيناريو مواجهة مسلّحة ضد «العمال الكردستاني» في سنجار.

تفترض الخطة التركية عملية عسكرية واسعة في مناطق جبلية بإقليم كردستان، بينما توفر بغداد الدعم الاستخباري والخرائط والمعلومات ومراقبة الحدود خلال العملية.

لكن السليمانية وسنجار، الواقعتين على طرفي المنطقة التركية العازلة، تتداخلان مع النفوذ الإيراني، وتحتاجان من أنقرة إلى ترتيبات سياسية وأمنية مختلفة.

يقول مصدر كردي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأتراك يحاولون تحييد (العمال الكردستاني) في السليمانية، من خلال صياغة علاقة جديدة مع بافل طالباني زعيم (الاتحاد الوطني الكردستاني)، واكتشاف فرص الشراكة معه، بما في ذلك تسوية الاختلال مع (الحزب الديمقراطي) في أربيل».

ومن الصعب على قيادات «الاتحاد الوطني الكردستاني»، ومن بينهم بافل طالباني، أن يضعوا أنفسهم طرفاً في مواجهة اتفاقات دول محورية بالمنطقة، كما يقول أثيل النجيفي الذي يرى أن الاتفاق يتضمن، بلا شك، مباركة إيرانية وموافقة عراقية وتركية، وكذلك السلطة الرسمية في إقليم كردستان.

العُقدة في سنجار

من الممكن أن تنجح التسوية مع طرف كردي معارض لأنقرة، بتفاهم إيراني، لكن المشهد في سنجار أكثر تعقيداً، والذي سيتولاه «الحشد الشعبي» في إطار الاتفاق التركي.

يقول أثيل النجيفي، لـ«الشرق الأوسط»، إن تأثير الفصائل الشيعية يقتصر على سنجار، ولا يتعداها إلى بقية المناطق؛ لأن ميدان العمليات العسكرية البرية في المرحلة الأولى على الأقل سيكون بعيداً عن سنجار، في داخل كردستان؛ حيث تتوقع تركيا تعاوناً أكبر من سلطات الإقليم مع المباركة الرسمية للحكومة الاتحادية.

في هذه البلدة الحدودية مع تركيا وسوريا، والتي تسكنها غالبية من الديانة الإيزيدية، تتمركز فصائل مسلّحة عدة، «حتى الجيش العراقي هناك يتصرف كأنه واحد منها»، على ما يقول مسؤول محلي بالبلدة.

ويصف هذا المسؤول سنجار بأنها «تشبه بيروت أيام الحرب الأهلية... خطوط التماس متقاربة، والبنادق جاهزة بين مجموعات مسلّحة تمثل مصالح إقليمية ومحلية متحفزة دائماً للقتال».

ومنذ سنوات، تصاعد تحالف معلن بين «الحشد الشعبي» و«حزب العمال الكردستاني»، ونشأت بينهما «أخوّة دم» منذ أيام المعارك ضد «داعش»، على حد تعبير قيادي في فصيل شيعي.

جنود عراقيون يقفون على شاحنة بقاعدة في سنجار يوم 3 مايو (أيار) 2022 بعد هجوم للجيش العراقي ضدّ «وحدات مقاومة سنجار» التي تحظرها تركيا (أ.ب)

الفصل بين «أخوّة الدم»

من الصعب معرفة كيف يمكن لـ«الحشد الشعبي» تحييد مسلحي «حزب العمال»، بعد شراكة ميدانية تراكمت آثارها، خلال السنوات القليلة الماضية.

تتباين المعلومات بشأن طبيعة هذا التحالف. يقول قياديان في فصيلين شيعيين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك تخادماً بين الطرفين؛ (الحشد الشعبي) يقدم مواقع آمنة لقيادات في (حزب العمال) داخل سنجار وتلكيف وسهل نينوى ومركز الموصل، مقابل حصوله على خدمات لوجيستية وعسكرية من الحزب المحظور».

ومع ذلك تفيد 3 مصادر ميدانية؛ أحدها قيادي في فصيل متنفذ ببغداد، بأن «الأمر يتعدى ذلك بكثير؛ لأن قرار التحالف بين (الحشد) و(العمال الكردستاني) قرار إيراني».

وقالت المصادر: «(العمال الكردستاني) قوي جداً... جميع الأجهزة الأمنية العراقية لا تملك تصوراً دقيقاً عن قوة الحزب وأسلحته (...) حتى إن الجيش العراقي فشل في آخر مواجهتين ضد مسلّحيه في سنجار، خلال ولاية رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي».

وزعمت المصادر أن مسلّحي الحزب أنشأوا، خلال السنوات الماضية، شبكة أنفاق معقدة في سنجار، لا سيما في المناطق الجبلية. وقال صحافيون محليون لـ«الشرق الأوسط»، إنهم «تمكنوا من رصد شاحنات تنقل عمال حفر من ساحات البلدة إلى مواقع حفر الأنفاق».

وسألت «الشرق الأوسط» مسؤولين محليين في سنجار وعناصر في جماعات شيعية مسلّحة عن تلك الأنفاق، لكنهم امتنعوا عن الإجابة.

«قوة خبيرة»

ووصف سياسي بارز في محافظة نينوى (شمال)، «حزب العمال الكردستاني» بأنه «قوة خبيرة في الانتشار والتموضع وإحكام السيطرة». وعلى هذا يصعب التكهن كيف يمكن لـ«الحشد الشعبي» التخلص من هذا الحزب أو يساعد تركيا على تحييدهم.

يعتقد قائمقام سنجار السابق، محما خليل، أن الحل يكمن في «طرد جميع المسلّحين الغرباء دون استثناء، وتسليم السلطة الأمنية لأهالي سنجار»، مذكّراً باتفاق التطبيع الخاص بالمدينة الموقَّع قبل نحو عامين.

حقائق

اتفاق التطبيع في سنجار 2020

  • تتولى الشرطة المحلية والأمن الوطني والمخابرات حصراً مسؤولية الأمن.
  • إبعاد جميع التشكيلات المسلحة خارج حدود القضاء.
  • تعيين 2500 عنصر ضمن قوى الأمن الداخلي في سنجار.
  • إنهاء وجود «حزب العمال الكردستاني» من سنجار والمناطق المحيطة.
  • لجنة مشتركة من حكومتي بغداد وأربيل لإعادة الإعمار.

لكن المشكلة تكمن في انخراط عدد كبير من السكان المحليين في فصائل مسلّحة يعدها خليل «غريبة عن سنجار»؛ إذ تقول المصادر الميدانية إن نحو 70 في المائة من عناصر المجموعات الحليفة لـ«العمال الكردستاني» هم من أبناء سنجار، وتنطبق الحال على الفصائل الشيعية.

يقول النجيفي إن وجود «العمال الكردستاني» سيتحول إلى مشكلة عراقية تؤثر على الوضع المحلي، وسيحتاج العراق إلى مساعدة تركيا لمجابهة هذه «الأزمة الداخلية».

في النهاية سيدرك «حزب العمال» أنه ليس «أكثر من أداة مناكفة وورقة تفاوض»، وإنه «عند انتهاء دوره سيتعاون الجميع للقضاء عليه»، على ما يقول النجيفي.

في أربيل، تعتقد أوساط «الحزب الديمقراطي الكردستاني» أن «الاتفاق مع (الحشد الشعبي) هو لإلقاء الحجة عليه». ويقول قيادي كردي على صلة بالملف الأمني في سنجار: «أشعر بأن تركيا تحتاج إلى تبرير عملية عسكرية في سنجار، حين يفشل (الحشد) في تحييد الحزب المحظور (...) سيقولون: تركنا لكم مواجهة أكبر خطر يهدد البلدين ولم تنجحوا».

يشكك أثيل النجيفي في التزام فصائل شيعية باتفاق الحكومة العراقية مع تركيا بشأن الحزب المحظور: «ومع أن صيغة الاجتماعات بين الطرفين تُظهر أن الجهات الرسمية كانت وسيطاً مع الجهات الفاعلة في سنجار، لكن السؤال الآن: هل ستلتزم الفصائل بتوجيهات الدولة؟».

عازل تركي وشريط إيراني

ثمة سؤال آخر: كيف سيتولى «الحشد الشعبي» تحييد مسلّحي «العمال الكردستاني»؟

في مقابلة تلفزيونية مع رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، قال إنه «من الضروري مواجهة مسلحي (العمال الكردستاني) ما داموا يتسببون بإيذاء السكان في سنجار»، لكنه «لا يعرف بالضبط كيف سيجري التعاون مع تركيا ضد هذا الحزب»، ويقصد الإجراءات الأمنية، وفيما إذا كانت من خلال طرد المسلحين، أو تطويق مواقعهم.

ويشير سياسي شيعي، طلب عدم نشر اسمه، إلى أن «الضوء الإيراني الأخضر ليس حاسماً (...) طهران أمام صفقة جيدة مع تركيا، لكنها لن تمنحها صكاً على بياض، ولن تغامر بنفوذها المسلّح في العراق». وتابع: «إيران تراقب، وقد يتغير كل شيء وفقاً للتطورات، وما نعرفه الآن تسوية محدودة في سنجار».

وخلال الساعات الماضية، سجلت مصادر محلية في سنجار «حركة نزوح نسبية من سنجار إلى الحدود السورية»، وترجح المصادر أن «قيادات متنفذة في (حزب العمال الكردستاني) هي من بدأت تغادر مع عائلاتها، فور إبلاغهم بتطورات ميدانية وشيكة».

بالتزامن، كشفت مصادر، لـ«الشرق الأوسط»، عن أن «الحشد الشعبي» سينشر العناصر المحلية لـ«العمال الكردستاني» بين الفصائل الشيعية، وسيكون هذا، من وجهة نظر قيادات شيعية، «الحل الأمثل للتخلص ظاهرياً من الحزب المحظور»، ويضمن أيضاً «سيطرة كاملة على سنجار، على حساب قوات كردية موالية لـ(الحزب الديمقراطي الكردستاني)».

ماذا يعني هذا حتى الآن؟ سيستثمر «الحشد الشعبي» الاتفاق التركي لتقوية نفوذه في منطقة استراتيجية للعراق وإيران وتركيا، وأن العملية العسكرية ستنتهي فرضياً بطرد مسلّحي «العمال الكردستاني» من جبال إقليم كردستان، لكنها ستدمج، في النهاية، المنطقة العازلة التركية بالشريط الإيراني الذي تتمركز فيه الفصائل الإيرانية، غرباً إلى سوريا، في نموذج مغاير للشراكات المعقدة بين الأتراك والإيرانيين، كما يصف مستشارون سياسيون ودبلوماسيون في بغداد، إلا إذا أخرجت طهران «ورقة غير متوقعة في لحظة حاسمة».


يافعون ينتظرون مصيرهم في مركز تأهيل «أشبال الخلافة»

TT

يافعون ينتظرون مصيرهم في مركز تأهيل «أشبال الخلافة»

مهجع الشبان في مركز هوري وبدا اثنان يلعبان الشطرنج (الشرق الأوسط)
مهجع الشبان في مركز هوري وبدا اثنان يلعبان الشطرنج (الشرق الأوسط)

لطالما تباهى تنظيم «داعش» الإرهابي بمقاتليه الصغار أو من كان يسميهم بـ«أشبال الخلافة»، خلال سنوات حكمه. وهؤلاء هم ضحاياه المنسيون الذين شهدوا طفولة قاسية تعرضوا خلالها للحروب ومشاهد عنف وإعدامات و«غسيل أدمغة» للتنشئة على الفكر المتشدد. ولاحقاً تخلى آباؤهم عنهم ثم رفضتهم حكومات بلادهم خشيةً أن يتحولوا خطراً عليها.

عاش هؤلاء الأطفال وقد تجاوز بعضهم اليوم سن الرشد، في مخيمات أنشئت خصيصاً لهم، فيما زجّ آخرون في السجون. قلة ممن حالفهم الحظ نقلوا إلى مراكز إعادة تأهيل ودمج وينتظرون اليوم مصيرهم.

داخل غرفة مسبقة الصنع في مركز متخصص لإعادة تأهيل أبناء عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي، شمال شرقي سوريا، ترقص مجموعة من الفتيان بأجساد متمايلة وحركات منتظمة تجمع مهارات الرقص والغناء بمجموعة أنشطة أخرى، ضمن برنامج متكامل لإعادة تأهيلهم ودمجهم في «مركز هوري لحماية وتعليم الأطفال» الذي تم افتتاحه في 2017.

أكثر من 100 طفل أجنبي بالمركز

يقع المركز في قرية تل معروف، شرق مدينة القامشلي، وهو مخصص للأطفال الأجانب، هو الثاني من نوعه في مناطق «الإدارة الذاتية لإقليم شمال شرقي» سوريا.

يروي إرنست (17 عاماً) المتحدر من مدينة فرانكفورت الألمانية، كيف يواظب يومياً على حصة الموسيقى ويستمع إلى الأغاني الغربية المفضلة لديه، إلى جانب تعلم مهارات الرقص والرشاقة البدنية، لأنها تدخل الراحة والطمأنينة إلى نفسه. يروي هذا الشاب ذو العينين الخضراوين قصة مقتل والده الذي كان عنصراً في صفوف «داعش» بمدينة الرقة السورية، بينما تعيش والدته وشقيقتاه في مخيم الهول.

وقال بمفردات عربية ركيكة: «تعطيني التمارين طاقة إيجابية، هنا أفضل من مناطق (داعش) حيث عشت لسنوات، لكنني أفضّل مخيم الهول لوجود والدتي وإخوتي هناك».

يشرف على هذه الحصة مدرس موسيقى من أكراد سوريا، يدعى فرمان (32 عاماً) يحرص على الاهتمام بهؤلاء الشبان عبر تعليمهم مهارات الرقص، في إطار مجموعة طرق وأدوات نفسية للعلاج من المشاهد والصور القاسية التي خلفها «داعش» في أفكارهم. وأشار فرمان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تفاعل هؤلاء الشباب إيجابي لأنه يضخّ الحماسة ويمنحهم الطاقة الإيجابية فالموسيقى والرقص يساعدان على الاندماج سريعاً في المجتمعات والتعافي من قساوة حكم (داعش)، وتدخل بالجوانب النفسية وتحرك المشاعر لديهم».

يضم المركز أكثر من 100 طفل من جنسيات عدة، بينها الأميركية والتركية والألمانية والمصرية والروسية وشبان يتحدرون من دول المغرب العربي؛ تونس والمغرب، ومن إندونيسيا والسويد وفنلندا، تتراوح أعمارهم بين 11 و22 عاماً، نُقلوا من مخيمي «الهول وروج» ومن السجون والمحتجزات.

يقول مدير مركز «هوري للأحداث» هفال أحمد لـ«الشرق الأوسط»: «لدينا اليوم بين 110 و150 يافعاً تتراوح أعمارهم بين 12 و18 عاماً»، موضحاً أن غالبية هؤلاء الأطفال كانوا ينتمون سابقاً إلى ما كان يعرف بـ«أشبال الخلافة». وأضاف: «تعيش أمهات بعضهم في المخيمات، بينما قتل الآباء أو يقبعون في السجون، ومنهم يتامى من دون أولياء أمور».

وتتنوع دروس المركز بين اللغتين العربية والإنجليزية والموسيقى والرياضيات والرسم، كما يتعلمون فنون الخياطة والطبخ، ويعمل القائمون على المركز على تدريب الأطفال على لعبة الشطرنج ويشاهدون أفلاماً وثائقية ورسوماً متحركة في غرفة مخصصة. وقال أحمد: «المجموعة تضم 15 يافعاً، منهم من يذهب لحصة الموسيقى أو للورشات المهنية، وآخرون يتعلمون اللغة»، وينطبق هذا النظام على تناول وجبات الطعام وهي 3 وجبات، وتحديد وقت محدد لكل فئة للدخول إلى المطعم.

قاعة الدراسة خلال امتحان للغة العربية في مركز هوري (الشرق الأوسط)

ويتألف المبنى من طابق واحد، تتوسطه ساحة كبيرة للفسحة الصباحية، ويضم مجموعة من غرف النوم حيث لكل مقيم سرير، بينما خزانة الملابس مشتركة. ويخضع الفتية لبرنامج يومي مكثف، فتفتح الأبواب من الساعة 6 صباحاً حتى 8 مساء، وينتقلون بعد وجبة الإفطار إلى قاعات الدراسة وورشات الأعمال اليدوية، كما يمارسون خلالها الرياضة، وخصوصاً كرة اليد، ويُحضرون طعامهم بيدهم.

المطبخ وصالة الطعام حيث يساعد الشبان في إعداد وجباتهم في مركز هوري للتأهيل (الشرق الأوسط)

فنلندي يحب الرسم

في غرفة ثانية مخصصة لتعلم الخياطة، انهمكت مجموعة من الشبان بالماكينات لحياكة قمصان رجالية وفساتين مسحوبة تصاميمها من الإنترنت. وحرصت المدربة على متابعة جميع المتدربين، فتوصي أحدهم كيف يخرز الخيط بالإبرة وكيفية تشغيل الماكينة وتمرير قطعة القماش المقصوصة، بينما يأتي شاب آخر، ويسألها عن كيفية صناعة أكمام القميص، فيما علق ثالث فستاناً بلون زاهٍ في مكان مخصص للمعروضات.

مشغل الخياطة في مركز هوري للتأهيل (الشرق الأوسط)

أحد هؤلاء الشبان يدعى أرثر، وهو من العاصمة الفنلندية هلسنكي. كان هادئ الطبع وقليل الكلام، يلبس بيجامة وخفاً رياضياً من ماركة عالمية. روى قصة مجيئه إلى سوريا بداية 2015 وكان عمره 13 عاماً. فبعدما انفصل والداه، تزوجت الأم من رجل من أصول مغاربية أقنعها بالسفر إلى مناطق سيطرة التنظيم والقتال في صفوفه، وبعد معركة الباغوز وسقوط خلافة التنظيم العسكرية شرق الفرات ربيع 2019، قتل الزوج ونقلت العائلة إلى مخيم الهول.

وقررت سلطات الإدارة الذاتية نقل أرثر إلى «مركز هوري» للتأهيل قبل بلوغه 18 عاماً، وزجّه في السجون، وقال: «عادت والدتي وإخوتي إلى مسقط رأسنا، وأنا أنتظر موافقة الحكومة لإعادتي أيضاً، هنا أقضي وقتاً في تعلم الرسم، وأطمح أن أصبح رساماً، أما أبي فلم يتصل بي منذ مجيئنا لسوريا».

مشغل الخياطة في مركز هوري وبدا يتابع تعليمات إحدى المرشدات (الشرق الأوسط)

وشدّد الإداري هفال أحمد على أن المركز ليس بسجن للأحداث، وقال: «هو عبارة عن مركز تأهيل أبوابه مفتوحة ويقدم برامج ترفيهية، بينها طاولة زهر والشطرنج ومشاهدة التلفاز وبرامج وثائقية». وعن مستوى الاستجابة، أوضح: «لدينا تقييمات دورية كتابية وشفوية لكل حالة، وليست بمهمة سهلة، إذ يواجه فريقنا التعليمي تحديات عدة، بينها تعدد الجنسيات واللغات التي يتحدث بها هؤلاء اليافعون».

ويشرف على البرامج متخصصون تربويين ومعالجون نفسيون بالتعاون مع منظمة «إنقاذ الطفولة» الدولية.

زيارات عائلية بين المخيمات

يسمح لهؤلاء الأحداث بالاتصال مرة أسبوعياً بذويهم القاطنين في المخيمات، كما يسمح لذويهم بزيارتهم، وتتكفل سلطات الإدارة الذاتية بنقلهم من المخيم للمركز. ويقول أحمد: «لدينا شبان بعمر الـ20 و22 ولكن قررنا إبقاءهم ريثما يتم ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية لأن المحاكم المحلية لا تنظر بدعاوى الأجانب».

وتحدث باسيم (18 عاماً)، وهو تونسي، كيف تم تنسيبه إلى «أشبال الخلافة» بداية قدوم عائلته لسوريا منتصف 2015 وكان عمره 9 سنوات. وقال: «اعتقدنا أننا سنتابع تعليمنا نظراً لوجود أطفال من بلدي».

أما السويدي ماتيو (17 عاماً) الذي كان راقداً في سريره بعدما أجريت له عملية دوالي فقد أصبح يتيماً بعد مقتل والديه في سوريا أواخر 2018. وقال: «اتصل جدي وأهل والدي الذين يعيشون في أوزبكستان لإعادتي، لكن أنا أريد العودة لبلدي السويد، هناك خالتي وأصدقائي وذكريات طفولتي».

ومنذ 2018، استعاد نحو 30 دولة غربية وعربية نحو 450 امرأة وألف طفل، وفق إحصاءات سلطات «الإدارة الذاتية».

قصة أخوين مصريّين

في هذا المركز يعيش أيضأً الأخوان المصريان عبد الرحمن وعبد الله. يروي عبد الرحمن، البالغ اليوم 21 عاماً، كيف انفصلت والدتهم عن والدهم وقررت هي السفر إلى سوريا بعدما أخبرتهم عن نيتها قضاء سياحة في تركيا.

وبالفعل سافرت الأم والابنان جواً من مطار القاهرة إلى ولاية أورفا الحدودية مع سوريا. وبعد قضاء ليلة واحدة في الفندق، اتجهوا نحو المناطق السورية ودخلوا سراً عبر منطقة سلوك التابعة لمحافظة الرقة، ولم يعلم الطفلان آنذاك أن والدتهما تريد الاستقرار في مناطق التنظيم.

يقول عبد الرحمن: «حاول أبي كثيراً منع أمي من الدخول لمناطق (داعش)، لكنها أصرت فقرر تطليقها».

أما عبد الله، الذي كان يبلغ 8 سنوات فقط، فلم يعلم أن مجرى حياته سيتغير كلياً بقرار من والدته، وأنه سيقضي 10 سنوات من عمره في مناطق «داعش» ومخيم الهول قبل فرزه إلى هذا المركز.

ويروي عبد الرحمن أن والدته «تزوجت من قيادي (داعشي) مصري. وبعد عامين ونصف عام قتل في قصف جوي في بلدة الشدادي، ثم انتقلت بهما إلى الرقة حيث قتلت هي أيضاً». بعدها عاش الأخوان في كنف عائلات مصرية التحقت بصفوف التنظيم حتى نهاية 2018، وحين استسلمت العائلة المصرية لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، ونقلت إلى مخيم الهول، افترق الأخوان.

وذكر عبد الله أنه وصلته رسالة من شقيقه، عن طريق منظمة «الصليب الأحمر» الدولية أثناء مكوثه في مخيم الهول، يوضح فيها مكان وجوده في «مركز هوري» وقدم طلباً لجمع شملهما. وقال: «أصعب لحظة بعمري كانت وفاة والدتي، وأكثر لحظة فرحت فيها عندما التقيت بأخي عبد الرحمن من جديد. لا نريد أن نفترق».

شاب من نيويورك

من مدينة نيويورك الأميركية، سافر الشاب سولاي (19 عاماً) برفقة والدته الأميركية وزوجها إلى سوريا نهاية 2014، معتقداً أنه ذاهب في رحلة سياحة إلى تركيا، ليدخلوا سراً سوريا، واستقروا بداية في مدينة حلب شمال البلاد، ثم في منبج والباب والرقة، وتنقلوا في معظم المدن السورية.

هذا الشاب أكد أن والده منفصل عن والدته، ويعيش حالياً في كندا ولم يكن يعلم بسفرهما إلى سوريا، بعدما انقطعت الاتصالات بينهما منذ سنوات. ثم حدثت مشكلات بين والدته وزوجها الثاني أيضاً بعد سفرهم إلى سوريا، وانفصلا بسبب أحكام التنظيم الجائرة وقساوة الحياة.

وقال سولاي بصوت منخفض بالكاد كان يسمع: «طوال سنوات لازمت والدتي المنزل وكنت أساعدها، كانت تخشى عليّ كثيراً وتخاف من افتضاح أمرنا وإجبارنا على القتال في صفوف أشبال الخلافة»، ونقل أنه كان يحلم أن يصبح لاعب كرة قدم معروفاً: «كنت أحلم أن أصبح مثل النجم ميسي».

البهو الخارجي المؤدي إلى مختلف القاعات في معهد هوري (الشرق الأوسط)

وفصل سولاي عن والدته في 2019 حيث بقيت هي في مخيم الهول ونقل هو إلى هذا المركز، ويقول: «اليوم كل شيء مختلف، هنا ألعب وأسمع موسيقى وأشاهد التلفاز».

ولم يخفِ هذا الشاب حزنه، لأن حياته تغيرت رأساً على عقب بعد قرار والدته الالتحاق بمناطق التنظيم، وختم حديثه قائلاً: «حياتي توقفت وتدمرت جراء ذلك القرار».


نساء «الخلافة» في «الهول» و«روج»... مصائر مجهولة على مد البصر

TT

نساء «الخلافة» في «الهول» و«روج»... مصائر مجهولة على مد البصر

طفلة من خلف سياج شائك في مخيم الهول (الشرق الأوسط)
طفلة من خلف سياج شائك في مخيم الهول (الشرق الأوسط)

على مدار سنوات، تحوَّل «مخيم الهول» إلى مدينة خيام حقيقية يعيش فيها ما يقرب من 43 ألف شخص، غالبيتهم نساء وأطفال. ويشكل اللاجئون العراقيون والنازحون السوريون أكثرية السكان، بينما تم تخصيص قسم للعائلات الأجنبية ويتحدر أفرادها من نحو 54 جنسية غربية وعربية.

ويقع «مخيم الهول» على بُعد نحو 45 كيلومتراً شرق محافظة الحسكة، في أقصى الشمال الشرقي لسوريا، وازداد حجم سكانه من بضعة مئات، بداية إنشائه (2016)، إلى أكثر من 70 ألفاً، في سنوات سيطرة «داعش».

على بُعد 136 كيلومتراً من «الهول»، يقع «مخيم روج»، الذي يبدو للوهلة الأولى شبيهاً بسائر مخيمات النازحين واللاجئين، لكن هذه النظرة تختلف بعد الوصول إلى بوابته الرئيسية، حيث الأسوار عالية وكاميرات المراقبة ومئات الخيام المتراصة، التي تضم جهاديات وزوجات مسلحي التنظيم وبعض قادته.

وفي حين تستجدي بعض النساء سبلاً للخروج، لا يزال بعضهن متمسكاً بقناعات دفعتهن للالتحاق بمناطق التنظيم سابقاً حتى تحولت هذه المخيمات إلى محطة انتظار لا يعرف أحد فيها موعداً لرحلته.

«الشرق الأوسط» جالت على مخيمَي «الهول» و«روج»، وعادت بهذه اللقاءات والمشاهدات.

أحد الشوارع الرئيسية في مخيم الهول (الشرق الأوسط)

في السوق التجارية لـ«مخيم الهول»، شرق سوريا، تتبضع نسوة عراقيات وسوريات حاجاتهن اليومية؛ خضراوات وفاكهة ومواد غذائية، كما لا بد من بعض مستحضرات التجميل. ومن تتسنَّى لها الفرصة قد تذهب لصيانة هاتفها الجوال، في حين تتعالى أصوات الباعة من وراء بسطاتهم الشعبية ومحالهم الصغيرة يروِّجون لبضاعتهم.

بعض الباعة يعرضون فساتين بلونٍ أحمر وهدايا عيد الحب وعطوراً، وكل ما كان محرَّماً خلال حكم «داعش».

وبحسب إحصاءات المفوضة السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، يعيش في «مخيم الهول» اليوم 43 ألفاً و477 فرداً. وتقدر مديرة المخيم جيهان حنان «عدد اللاجئين العراقيين بنحو 20 ألفاً، يأتي بعدهم النازحون السوريين، وهم 16 ألفاً، بينما القسم الخاص بالمهاجرات الأجانب يُقدَّر عددهم فيه بنحو 6500 شخصاً»، غالبيتهم نساء وأطفال.

التهديد والقتل متواصلان

تدير المخيم «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، وذراعها العسكرية، «وحدات حماية الشعب» الكردية، التي شاركت في المعارك ضد التنظيم والقضاء على سيطرته العسكرية. ورغم الحملات الأمنية لكبح العنف، فإن التهديد والقتل متواصلان، كما شهد المخيم محاولات فرار جماعية أحبطها الأمن.

وكشفت مديرة المخيم تلقيها شكاوى من تهديدات في وضح النهار، وقالت: «رجال ملثمون يحملون الأسلحة يداهمون مراكز المنظمات ويسرقون مقتنياتها ويهددون حراسها».

واستعادت الحكومة العراقية 1400 عائلة من «مخيم الهول»، على 6 دفعات حتى نهاية 2023، لكن المشكلة أن غالبية الدول والحكومات ترفض استعادة رعاياها، رغم وجود حالات إنسانية.

نساء يعبرن الأزقة بين المنازل المسبقة الصنع في مخيم روج (الشرق الأوسط)

نساء يبحثن عن أزواجهن

«مضى على وجودي في المخيم 6 سنوات أو 7 أو حتى 10. حقيقةً لا أذكر... تعبنا من الانتظار»، بهذه الكلمات بدأت نوران حديثها الممزوج بالحسرة على السنوات التي قضتها في سوريا مرغَمة. هذه السيدة السبعينية عراقية تتحدر من بلدة القائم (غرب)، وكحال كثيرات من جيلها لم تعد تذكر تاريخ دخولها المخيم، بينما تعيش أيامها ولياليها دون اكتراث.

ودخلت هذه اللاجئة سوريا منتصف 2016 بعدما أزال التنظيم الحدود بين البلدين، وتعيش اليوم مع ابنتها الأرملة، وحفيدتها، وكان زوج الأخيرة قُتِل في المعارك شرق دير الزور. وعن رغبتها في العودة إلى العراق قالت: «إذا قالوا لي ارجعي، فسأرجع زحفاً، لأنني عشتُ المذلة والعوز».

وقالت رغد رسول، وهي لاجئة عراقية، إنها تعيش في مخيم الهول منذ 6 سنوات، وكانت غادرت مسقط رأسها صيف 2015، وتجهل مصير زوجها و4 من إخوتها المحتجزين لدى «قوات التحالف الدولي» و«قوات سوريا الديمقراطية»، منذ انتهاء معركة الباغوز قبل 5 سنوات. تقول: «زوجي وإخوتي ما أعرف عنهم شيئاً، أكبر أمنياتي أن أراهم وأسمع صوتهم مرة ثانية».

سيدات من أعمار مختلفة في مخيم روج (الشرق الأوسط)

جلست رغد بين حزم البقدونس وباقات البصل والنعناع تبيعها في السوق لإعالة أسرة من 5 أفراد، في حين بدت على وجهها تجاعيد عمرها الـ54. وقالت بلهجة عراقية: «أمان ماكو (لا يوجد أمان)، عيشة صعبة، غذائيات (ماكو)، السجناء ما ندري عنهم شيئاً، لكن أصعب شيء أن أطفالي يظلون دون مستقبل».

وتشكو غالبية اللاجئات العراقيات من عدم معرفة مصير أزواجهن أو أفراد الأسرة من الرجال المحتجَزين لدى قوات التحالف و«قسد». أزهار (32 عاماً) ترتدي السواد الذي لم يُظهر سوى عينين، وتحدثت بصوت منخفض خشية مَن يراقبها: «زوجي مفقود منذ 5 سنوات، لا أعرف إذا كان قد توفي أو لا يزال على قيد الحياة. من حقي معرفة مصيره، وأخاف كثيراً نقله للعراق ومحاكمته بتهمة (الانتماء إلى) التنظيم».

وتروي أزهار اللاجئة العراقية أنها تنقلت بين مدن سورية عدة؛ فكلما كان يُطرَد «داعش» من منطقة يقصدون أخرى، حتى انتهى بهم المطاف إلى الباغوز.

وبعد استسلام الرجال نُقِلت النساء والأطفال إلى «مخيم الهول». وقالت أزهار: «كل أهلي هنا، بينهم أبي وأمي و30 فرداً من الأسرة مع أولادي، أكبرهم عمره 18 سنة والثاني 10 سنوات».

سوريات يواجهنَ مشقة الحياة

بالإمكان مشاهدة كثير من جرحى الحرب في «الهول»، بينهم أطفال بُترت أطرافهم، ونساء على كراسيّ متحركة يدفعها أطفال، ورجال يمشون على عكازات. ورغم هذه الحالات الإنسانية القاسية، فإن هؤلاء يُصنفون بأنهم ناجون من «داعش»، ويعيشون اليوم في بيئة غير آمنة وسط الصحراء.

سيدة تبيع الحلويات لإعالة أسرتها في مخيم الهول (الشرق الأوسط)

نحو 16 ألف نازح سوري في خيام وقطاعات مشتركة مع اللاجئين العراقيين يفصلهم سياج مسوّر وكاميرات مراقبة، يتحدر قسم قليل منهم من مناطق «الإدارة الذاتية لإقليم شمال شرقي سوريا»، وآخرون جاءوا من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، إضافة إلى قسم يتحدر من مناطق العمليات التركية شمال وشمال غربي البلاد.

وتروي فاطمة (35 عاماً)، وهي متشحة بالسواد، أنها تتحدر من منطقة القرية التابعة لبلدة الميادين بريف دير الزور الخاضعة لسيطرة قوات النظام، وتفضِّل البقاء في المخيم على العودة بسبب غياب مصادر الدخل والوظائف واستمرار الحرب في مسقط رأسها.

تنقلت هذه السيدة وعائلتها بين مناطق عدة على مدار 10 أعوام، وتقول: «زوجي مصاب بالسرطان وفاقد الوعي، وأنا أعيل 5 أطفال. بعد الحرب بين النظام و(داعش) نزحنا إلى إدلب ثم إلى (مخيم المبروكة) برأس العين، وفي 2018 قصدنا (مخيم الهول)»، ولم تُخفِ خوفها من جرائم تنفذها خلايا موالية للتنظيم. وأكدت أنها تستدين أدوية زوجها من الصيدلية، وتبيع قسماً من سلَّتها الغذائية لسد الديون المتراكمة.

النازحة الأربعينية أماني تحدثت عما شاهدته من صور مرعبة حُفِرت في ذاكرتها؛ جثث معلقة دون رؤوس في ساحات عامة، وإعدامات ميدانية وغير ذلك، وهي اليوم تواجه عقبات كبيرة وتحديات يومية لا تنتهي. وتقول: «نعيش الخوف والقلق من المستقبل المجهول، بقاؤنا هنا ليس حلاً، كما أن عودتنا لمناطقنا تحدٍّ أكبر، تحيَّرت بنا هذه الدنيا».

بحسب القائمين على المخيم يوجد قسم كبير من النازحين لا يمتلكون وثائق وبطاقات شخصية، وهذه عقبة أخرى تقف عائقاً أمام عودتهم، فيما ذكرت مديرة المخيم، جيهان حنان، أن عودة السوريين إلى مناطقهم مرهونة بحل سياسي شامل وقرار أممي دولي، لافتة إلى أن معظم القاطنين بـ«الهول» يرفضون العودة: «لغياب حماية دولية تحفظ أمنهم وسلامتهم بعد العودة؛ فالإدارة الذاتية مع حق العودة الطوعية لأي نازح سوري كان أو لاجئ عراقي، لكن لن نضغط على أحد لإجباره على العودة».

150 جريمة قتل... وناجيات يتحدثن

في قسم منعزل بـ«مخيم الهول»، تقف مجموعة حراس من الأمن الداخلي «الأسايش» مدججين بالرشاشات والهراوات، يمنعون الدخول والخروج إلا بإذن خطي وموافقة من الإدارة قبل التجوُّل والتعرف على القاطنين. يُطلَق على هذا القسم «المنطقة الآمنة»، وتسكنه 25 عائلة سورية وعراقية من الناجين من انتقام خلايا «داعش».

لينا (23 سنة) نازحة سورية متحدرة من بلدة السفيرة جنوب شرقي حلب، تروي فصول مأساتها وتتحير؛ مِن أين تبدأ؟! مِن وضعها اليوم أم من زواجها القسري من مقاتل تونسي يكبرها بـ33 عاماً. تقول: «كان عمري 12 سنة فقط وعمر زوجي 45 سنة. والدتي توفيت وهي تضعني، وزوجة والدي ضغطت لتزوجني سريعاً».

تنقلت لينا مع عائلتها بين مناطق التنظيم حتى استقرت في الباغوز، حيث قُتِل زوجها، وقد أنجبت منه ابناً وابنة. وتقول: «مات طفلاي هنا بعد تدهور حالتهما الصحية. أعيش اليوم وحيدة في هذا المخيم، وأكبر أمنياتي ترحيلي لمكان آمن».

وخلال سنوات مكوثها بـ«مخيم الهول»، تعرضت لينا لتهديدات من قبل خلايا موالية لتنظيم «داعش»، بعد رفضها العمل معهم، وقالت: «هددوني 3 مرات، وفي الرابعة دخلوا خيمتي لقتلي، لكني استطعت الهرب وقصدت نقطة أمنية نقلتني إلى هذا المكان».

على مدار 4 سنوات شهد «مخيم الهول» أكثر من 150 جريمة قتل، وخلال عام 2023 وحده سُجِّلت 36 جريمة قتل. إحدى الناجيات ديما (28 سنة) المتحدرة من بلدة منبج شرق مدينة حلب عبَّرت كيف يتملكها الخوف عندما يحل المساء. وقالت: «حتى المنطقة الآمنة مكشوفة لكل المخيم، عندما يهبط الضباب أقول لنفسي: (وصلوا إليَّ وسيقتلونني)».

وديما متزوجة من ابن مدينتها الذي كان يعمل ممرضاً إدارياً في «داعش»، وبقي معهم حتى استسلم في معركة الباغوز، وهو في السجن منذ 6 سنوات، وقالت إن التنظيم طلب منها تنفيذ عمليات داخل المخيم لكنها رفضت، فتعرضت لمحاولة اغتيال دفعت إدارة المخيم لنقلها إلى المنطقة الآمنة.

حوالات مالية بحسب حجم الأسرة

في سوق «مخيم روج» قرب منطقة الحسكة السورية، انشغلت نساء بالتبضع وشراء الحاجيات وتسلُّم حوالات مالية مُرسَلة من الأهل. من بينهن فرنسية ترتدي نقاباً بلون أخضر وعباءة طويلة بنية، صرخت بنا بأعلى صوتها: «غير مسموح، غير مسموح تصويري، عليك إغلاق الكاميرا».

في هذه السوق الشعبية، اختلط ضجيج الأطفال بأصوات النساء اللواتي يتحدثنّ بجميع لغات العالم. أما اللغة المشتركة بين البائعة وزبائنها، فتكون العربية الفصحى بمفردات ركيكة.

نساء ينتظرن دورهن أمام أحد المراكز في مخيم روج (الشرق الأوسط)

تروي آسيا ربيع، وهي مغربية (25 عاماً) تتحدر من مدينة القنيطرة المطلة على الساحل الأطلسي، كيف دخلت سوريا عام 2015، وكان عمرها 18 عاماً فقط. أخبرتنا أنها تزوجت وهي قاصر ثم انفصلت عن زوجها الأول ولديها طفل منه بقي مع والده في مسقط رأسها، ثم سافر والدها إلى تركيا بذريعة العمل، فقررت الالتحاق به، لكنها، على زعمها، لم تدرك دخولها إلى سوريا، إلا عندما سمعت هدير الطائرات الحربية تحوم في سماء المنطقة، ورأت حراساً مسلحين يلبسون الزي التقليدي لعناصر تنظيم «داعش» وراياتهم العسكرية.

وقالت آسيا: «ادَّعى أبي أنه يعمل بمنطقة حدودية. وبعد وصولي دخلنا مباشرة للأراضي السورية وقصدنا مدينة الرقة دون معرفتي، بعد فترة زوَّجني من مغربي وأنجبت منه طفلين. أما والدي فقُتِل بالعام نفسه».

وآسيا من بين 580 مهاجرة مغربية التحقت بصفوف التنظيم في سوريا، ولديهنّ أكثر من 500 طفل يعيشون معهن.

طفلة عائدة من حصة دراسية في مخيم روج (الشرق الأوسط)

ويقع «مخيم روج» بريف بلدة المالكية أو ديريك بحسب تسميتها الكردية، تتبع محافظة الحسكة أقصى شمال شرقي سوريا، تقطنه نحو 828 امرأة من جنسيات عدة، ويضم نحو 2640 فرداً جلّهم من الأطفال، وهم عائلات مقاتلين كانوا في صفوف «داعش» يتحدرون من جنسيات غربية وعربية، بحسب مدير المخيم رشيد عمر.

وقال عمر لـ«الشرق الأوسط» إن المخيم «عبارة عن 4 قطاعات؛ قطاع قديم والقطاعان الأول والثاني وقطاع حديث خاص باللاجئين العراقيين»، وكشف هذا الإداري أن القوى الأمنية وخلال القصف التركي على المنطقة مطلع العام الحالي «أحبطت تحركات خلايا موالية لـ(داعش) شكلت 6 مجموعات، بينها مجموعتان من الأطفال أعمارهم 16 و17 عاماً، ومجموعات نسائية متطرفة». ويضيف: «وصلت إلينا تقارير أمنية عن حالات عصيان وشغب ومحاولات هروب، أُحبطت جميعها».

ومنعت إدارة المخيم النساء من ارتداء النقاب، ليظهرن دون نقاب؛ يرتدين غطاء رأس وملابس زاهية، وعن أسباب المنع يعزو الإداري الكردي القرار إلى أنه «بعدما خلعت بعض النسوة النقاب عمدت أخريات متشددات إلى الاعتداء عليهن، وحرقن خيامهن، وبعد مراجعة الكاميرات تبين أنهن منتقبات لا يظهر من وجوههن شيء، ولم نتمكن من التعرف على هوياتهن».

«نعيش في معسكر احتجاز»

طفلة من خلف سياج شائك في مخيم الهول (الشرق الأوسط)

على مد البصر، مئات الخيام المغطاة بعازل أزرق لحمياتها من الأمطار، وخزانات ضخمة حمراء اللون يتزود منها قاطنو المخيم بالمياه وُضِعت فوق دورات الحمامات، وكان بالإمكان مشاهدة أطفال كثر وهم يلعبون في كل مكان، وأطباق (الستلايت) وحاويات بسعة 20 لتراً، وصحون بلاستيك لغسل الملابس قرب كل خيمة، كما نُشِر على حبال الغسل مزيج من الألوان الزاهية.

وقفت الإندونيسية شريفة فرح أديبة أمام خيمتها الملاصقة للأسلاك الشائكة، وهي عبارة عن خيمة صغيرة مقسمة لمكان خاص بالنوم وآخر للطعام والجلوس، ولديها 3 أطفال، أكبرهم فتاة عمرها 8 سنوات، والثاني بعمر 7، والثالث 6 سنوات.

تتحدر هذه السيدة من مدينة مكسَر عاصمة مقاطعة سولاوسي الجنوبية الإندونيسية، وهي إحدى كبرى مدن الجزيرة البحرية، وانتهى بها المطاف للمكوث في «مخيم روج»، تحت رحمة خيمة لا تقيها الحر أو البرد.

وعن قصتها تقول: «جئتُ إلى سوريا مع زوجي التونسي، بعدما قرر الالتحاق بصفوف (داعش). تنقلنا بين كثير من المدن، وكنا ننسحب مع التنظيم حتى ريف دير الزور»، وأكدت أن زوجها قُتِل في معركة الباغوز ونُقِلت هي وأطفالها «إلى (مخيم الهول) بداية، وبقينا هناك 4 سنوات، ثم نُقِلنا لـ(مخيم روج)، قبل عام ونصف العام».

وشبهت قاطنات المخيم هذا المكان بإناء كبير يفيض بالغضب والأسئلة عن مصير الأزواج والأبناء الذين رحلوا إلى السجون. تقول إحداهنّ، وهي إيرانية تُدعى هايدي علي، وعمرها 30 عاماً، قضت منها نحو 7 سنوات في بلد مزقته نيران الحروب: «أريد معرفة مصير زوجي المسجون منذ 5 سنوات، حتى اليوم لا أعرف عنه شيئاً؛ ما إذا كان على قيد الحياة أو مات، أو نُقِل لبلد ثانٍ».

ولم يُكتَب لهايدي من اسمها نصيب، وهو يعني «الأميرة الصغيرة»، كانت تلبس نقاباً حين وصفت المخيم بـ«معسكر للاحتجاز»، وقالت بنبرة غاضبة: «هذه عقوبة كافية لا نستحقها. أخاف أن تمرض ابنتي الوحيدة وتموت»، ونقلت أن ابنتها تبلغ 5 أعوام وُلِدت بسوريا ولا توجد أوراق تثبت جنسيتها.

وتابعت كلامها وهي تنظر مِن حولها لتشير إلى حيث انتهى بها المطاف: «كل أهلي في إيران، وعندما يرسلون لي حوالات مالية أتصل بهم، يقولون لي إنهم طالبوا السفارة السورية في طهران بإعادتنا، لكن يتعذرون لوجودنا في منطقة خارج سيطرة القوات النظامية».

ومثل غالبية زوجاتِ مقاتلي «داعش» في «مخيم روج»، تتقاسم هايدي مشاعرَ القلق والندم والخيبة بعد الانضمام إلى التنظيم، فرغم المناشدات المتكررة لحكوماتهنّ إرجاعِهن إلى بلدانهن الأصلية، يتملكهن الخوف من نسيان أمرهن وقضاء بقية حياتهنّ في هذا المكان المغلق.

الخيام حيث تبات النساء وأطفالهن في مخيم روج (الشرق الأوسط)

ويخشى القائمون على المخيمات من نشأة جيل جديد من المتطرفين المسلحين، لأن معظم الأطفال لا يعرفون من الطفولة والحياة سوى الحروب والقتل والمعسكرات المغلقة، ووُلِد بعضهم بسوريا، واليوم عمره 10 سنوات أو أكثر، وشدَّد مدير «روج» رشيد عمر على أن المخيم يضم مساحة لتعليم الأطفال، غير أنهم يتلقون دروسهم من قبل أمهاتهم أيضاً.

وتخلَّت كثير من النساء اللواتي التحقن بالتنظيم عن بطاقاتهن الشخصية وجوزات السفر، فيما ترفض معظم الدول النظر في أمرهن، نظراً لولادة أطفال على أراضٍ خارج حدودها، ووجود أطفال من جنسيات متعددة، وليس لديها شهادات ميلاد معترَف بها من حكومة رسمية، مما يحول دون إثبات جنسياتهم والحصول على وثائق شخصية.


الراية السعودية رمز الهوية الوطنية الجامعة على مدى قرون

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (الشرق الأوسط)
الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (الشرق الأوسط)
TT

الراية السعودية رمز الهوية الوطنية الجامعة على مدى قرون

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (الشرق الأوسط)
الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (الشرق الأوسط)

يحل، الاثنين 11 مارس (آذار)، يوم «العلم السعودي» الذي أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز أمراً ملكياً باعتماده يوماً خاصاً للعَلم من كل عام.

وكان الملك عبد العزيز أصدر في الحادي عشر في شهر مارس عام 1937، أمره بالموافقة على قرار مجلس الشورى، وأقرّ فيه مقاس العلم السعودي وشكله الحالي.

وبحلول هذا اليوم، يستذكر السعوديون رمز هويتهم الوطنية ودلالة الراية الخضراء، التي رفرفت طيلة قرون ثلاثة، حاملة المضامين والدلالات والخصوصية والتفرد نفسها.

الملك عبد العزيز يشارك بالعرضة النجدية وتظهر خلفه الراية السعودية عام 1935 (الشرق الأوسط)

واستحضرت «الشرق الأوسط» هذه المناسبة لإجراء حوار مع الباحث عدنان بن صالح الطريّف، الذي غاص عميقاً في تاريخ الوطن وإرثه الحضاري، وما قامت عليه الدولة السعودية بمراحلها الثلاث. وكشف الطريّف ما يملكه من مجموعة نادرة من الأعلام تجاوزت المائة، أهمها العلم الأصلي للدولة السعودية الأولى، وأعلام تمتد على مراحل الدولة السعودية الثلاث، كلها أصلية ولم تتعرّض للبلى. كذلك نفض الغبار عن مقتنيات متاحفه الثلاث، وتحدث عن مناسبة يوم العلم ودلالته، راصداً تاريخ العلم السعودي منذ 300 عام وحتى اليوم، وخصّ «الشرق الأوسط»، بأعلام ووثائق وصور وخطابات تُنشر للمرة الأولى. وقد تتبع الطريّف مراحل تطوير الراية السعودية وتاريخها، وقام بإعداد كتاب ضخم عنها، رصدَ فيه كل ما له علاقة بالعلم أو شعار المملكة.

راية الدولة السعودية الأولى وهي قطعة أصلية من مجموعة الطريّف (أرشيف عدنان الطريف)

ويتحدث الطريّف عن مراحل تطور العلم السعودي على مدى 3 قرون، فيقول إن الراية السعودية أو «العلم»، أو «البيرق» التي ترفرف خضراء منذ 3 قرون، مرّت بعديد من المراحل إلى أن استقرت على ما هي عليه في أواخر عهد الملك عبد العزيز. ويقول إنه وفقاً للمصادر التاريخية كانت الراية «خضراء مشغولة من الخز والإبريسم، وقد كُتبت عليها عبارة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وكانت معقودة على سارية بسيطة». وبقيت هكذا في عهود المؤسس الأول الإمام محمد بن سعود، وابنه الإمام عبد العزيز بن محمد، وابنه الفاتح العظيم الإمام سعود بن عبد العزيز المعروف بـ«سعود الكبير»، وابنه الإمام عبد الله بن سعود.

الأمير سلطان والملك سلمان يؤديان العرضة النجدية عام 1965

ومع تصاعد الصراع البريطاني - الفرنسي، جاء دومنغو باديا ليبيلخ (رحالة ومستشرق إسباني تبيّن لاحقاً أنه جاسوس) فتظاهر بالإسلام وتخفّى تحت اسم «الحاج علي باي العباسي» ليعمل لحساب نامليار الثالث، وليسبر غور الدولة السعودية. فوصل إلى مكة المكرمة في شهر يناير (كانون الثاني) 1807، قادماً من المغرب مروراً بشمال أفريقيا، فأُتيحت له فرصة رؤية دخول جيش الإمام سعود إلى مكة المكرمة. وسجّل دومنغو أو «علي بك العباسي»، دخول 45 ألفاً من أتباع سعود، وهم في ثياب الإحرام، ليؤدوا المناسك، يتقدمهم عَلَم أخضر طُرزت عليه بحروف كبيرة بيضاء عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله».

في المقابل، ذكر الرحالة السويسري جون لويس بوركهارت، واسمه بعد أن أعلن إسلامه «إبراهيم عبد الله» في ملاحظاته حول البدو التي دوّنها خلال رحلاته في الشرق في عام 1810 تقريباً، عندما تحدث عن الشؤون العسكرية للإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، وسلطته الراسخة في الجزيرة العربية وغزواته، ذكر أن «لدى كل أمير راية خاصة، وأن سعود يمتلك عدداً من الرايات المختلفة».

الملك فهد والملك سلمان وبينهما العلم السعودي بمناسبة تولي الملك سعود مقاليد الحكم عام 1953 (أرشيف عدنان الطريف)

ويشار إلى أن أول راية سعودية رُفعت عام 1139هـ، أي 1727م، على يد الإمام المؤسس محمد بن سعود، الذي استمر حكمه 40 سنة، وكان يعقد الراية لأحد أبنائه أو يتولاها هو بنفسه. وذكر ابن بشر في تاريخه، أن الإمام عبد العزيز بن محمد، الحاكم الثاني في الدولة السعودية الأولى، وابنه الإمام سعود، كانا يبعثان برسلهما إلى رؤساء القبائل، ويحددان لهم يوماً ومكاناً معلومَين على ماء معين، وتتقدمهما الراية، فتنصب على ذلك المورد، فلا يتخلف أحد من رؤساء القبائل. ويقول ابن بشر أيضاً «إن الإمام سعود قد أُعطي السعادة في مغازيه فلم تهزم له راية» وحينما عرض ابن بشر لسيرة الإمام تركي بن عبد الله، مؤسس الدولة السعودية الثانية، قال: «كان إذا أراد الغزو يكتب إلى أمراء البلدان ورؤساء القبائل يحدد لهم الخروج في يوم معين وموقع معلوم، ثم يُخرج آلاته الحربية ومعدات الجيش وأعلاف الخيول قبل مسيره بـ15 يوماً، ثم يُخرج الراية فتُنصَب قريباً من باب القصر قبل خروجه بيوم أو يومين أو ثلاثة، وكان الإمام تركي يأمر بحمل الراية، فحذا ابنه فيصل حذوه في نظام إخراج الراية وتقديمها أمامه أو نصبها أمام القصر».

المؤسس الثالث صاغ شكلاً جديداً للعلم

أصل العلم الذي ظهر بين الملك فهد والملك سلمان في الصورة السابقة (أرشيف عدنان الطريف)

وأما الملك عبد العزيز، فيقول الطريّف إنه استخدم في البداية العَلَم أو الراية نفسها المستخدَمة في الدولة السعودية الأولى والثانية، ثم وجّه بإدخال تغييرات عليها. وذكر أمين الريحاني في تاريخه أنّ «الراية التي حملها الملك عبد العزيز في أول عهده كان الجزء الذي يلي السارية منها أبيض اللون، وكان فيها جزء أخضر، وكانت مربعة الشكل تتوسطها عبارة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ويعلوها سيفان متقاطعان»، ثم تَغيّر شكلها بعد ذلك فضمت سيفاً واحداً تحت الكلمات.

صورة من قرار مجلس الشورى رقم 354

وفي 1925 أمر الملك عبد العزيز بصياغة شكل عَلَم جديد. وفي 1937، صدر قرار مجلس الشورى بإقرار مقاس للعلم بطول 150 سنتيمتراً وعرض 100 سنتيمتر، ثمّ صدر في العام ذاته قرار مماثل بشأن العَلَم الوطني وتخصيص عَلم: الملك وولي العهد، والجيش، والطيران، والعَلَم الداخلي، والعَلَم البحري الملكي السعودي، والعَلَم البحري التجاري.

وعام 1952، صدر قرار مجلس الشورى بمقاسات أخرى للأعلام وتعديلاتها. وفي 1973، صدر قرار مجلس الوزراء بإقرار نظام العَلَم، وفي عهد الملك فهد ومع صدور النظام الأساسي للحكم عام 1991، حدد النظام طبيعة العَلَم: أن يكون لونه أخضر، وعرضه يساوي ثلثي طوله، وتتوسطه عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وتحتها السيف.

صورة من قرار الموافقة على نظام العلم السعودي في 1973

وحول ما يتداول مع كل مناسبة وطنية حول مَن قام بتصميم العلم السعودي بوضعه الحالي، يقول الطريّف: «هناك كثير من المعلومات المغلوطة المتداولة، لكن تصميم العلم السعودي متطور منذ أيام الدولة الأولى، ثم أعده مجلس الشورى بشكله الحالي وأقره الملك عبد العزيز في ذلك الحين».

ويتابع الطريّف شرحه أنه «أُشيع كثيراً، وتناقلت كثير من وسائل التواصل والإعلام أن علم إمارة نجد أو المملكة في بدايتها يحمل هلالاً بداخله، وهذه المعلومة غير صحيحة أيضاً، ولم يكن هناك أي ارتباط للهلال بأي علم من أعلام الدولة السعودية في أي فترة تاريخية».

دلالات العلم: العدل والقوة والنماء

جيش الملك عبد العزيز عام 1911 (الشرق الأوسط)

حول رمزية العلم ودلالته، يرى الطريف أن «العلم بشكله الحالي يشير إلى التوجيه والعدل والقوة والنماء والرخاء، حيث ترمز شهادة التوحيد التي تتوسطه إلى رسالة السلام والإسلام التي قامت عليها هذه الدولة المباركة، ويرمز السيف إلى القوة والألفة وعلو الحكمة والمكانة وإلى الأمن والأمان».

ويضيف: «أما اللون الأخضر، فيرمز إلى لون راية الإسلام كون اللون الخضر يرمز إلى السلام والعطاء والتسامح والماء، واللون الأبيض يرمز إلى النقاء الذي تتسم به المملكة العربية السعودية».

حاملو العلم عبر الزمن

حمل الراية في الدولة السعودية الأولى إبراهيم من طوق، وعبد الله أبو نهيه الذي قتل في أثناء حصار الدرعية عام 1818، وفي الدولة الثانية الحميدي بن سلمة، وصالح بن هديان، وإبراهيم الظفيري. أما مع الملك عبد العزيز، فأول مَن حمل الراية عبد اللطيف المعشوق في معركة استرداد الرياض عام 1902، وشارك فيما تلاها من المعارك، وقُتل في معركة البكيرية عام 1904، وحمل الراية بعده ابنه منصور المعشوق الذي قُتل في المعركة نفسها، ثم تسلم الراية عبد الرحمن بن مطرف وأبناؤه من بعده. وإلى هذا اليوم أوكل لبيت آل مطرف حمل الراية، علماً بأن هناك أفراداً وأسراً كثيرة تشرفت بحمل العلم السعودي في معارك وأماكن مختلفة.

خادم الحرمين الشريفين خلال العرضة وإلى يمينه الأمير تركي الفيصل وإلى يساره حامل الراية غالي بن مطرف

حالة خاصة

وحول مقولة اشتهر بها بأن «العلم السعودي حالة خاصة» أجاب الطريّف: «هو حالة خاصة؛ لأنه العلم الوحيد الذي لا يتم تنكيسه أو إنزاله إلى نصف السارية في حالة الحداد أو الكوارث والأحداث الكبيرة، كما أنه لا يستخدم في الرعاية والعلامات التجارية. كذلك تحظر ملامسته للأرض أو الماء، والدخول به لأماكن غير طاهرة، أو الجلوس عليه، كما أنه لا ينحني لكيان الضيوف عند استعراض حرس الشرف وفي حالة الحداد (المادة 16)، وهناك عقوبات حددها النظام لمخالفة نظام العلم».

خياطة العلم بين الداخل والخارج

وعن خياطة العلم السعودي والكتابة عليه، يشير الطريّف إلى أن المؤرخ الراحل عبد الرحمن الرويشد قال في كتابه عن الراية السعودية: «كان يوكل بهما لبعض الأفراد من أسر الرياض المعروفة، ومَن تولاه في العصر الحديث عبد الله بن محمد بن شاهين وسعد بن سعيد»، وكان بن سعيد يوكل عملية تجهيز متطلبات العلم ولم يقوموا بخياطته. وتشير بعض الوثائق إلى أن الملك عبد العزيز، طيب الله ثراه، كان يوكل للشيخ عبد الرحمن الطبيشي شراء وتأمين بعض متطلبات الراية، كما أنه في مرحلة متقدمة في عهد الملك عبد العزيز صُنع العلم في عدد من الدول بطريقة قماش على قماش في أميركا وباكستان وبعض الدول العربية.

الحسني أول مَن خطّ العلم

وعن أول مَن خطّ العلم في عهد الملك عبد العزيز، يقول الطريّف: «من خلال البحث في هذا الموضوع لفترة طويلة امتدت أكثر من 36 عاماً، وقفت على أن من أوائل مَن خطّ العلم السعودي، هو الشيخ عمر عاصم الحسني وهو من الجموم في وادي فاطمة بمكة المكرمة، والذي ارتحل للعمل مع أسرته في الكويت وعمل في المدرسة المباركية ثم مديراً لها، وهو مَن خطّ علم الكويت القديم، الذي كان يحمل كلمة (كويت)، كما خطّ لوحة المدرسة المباركية وكونه خطاطاً طُلب منه أن يخطّ العلم السعودي في عهد الملك عبد العزيز في عام 1911 تقريباً».

وعندما أمر الملك عبد العزيز بافتتاح مصنع الكسوة الخاص بالكعبة المشرفة في عام 1926، كان من أوائل العاملين فيه الخطاط عبد الرحيم أمين عبد الله بخاري، الذي أوكلت له مهمة خط كسوة الكعبة المشرفة، ووضع خطوط بابها، والمدوّن اسمه عليه حتى اليوم. وكان طُلب منه أيضاً خط العلم السعودي في ذلك التاريخ والزخارف الخاصة به، وكان بخط الثلث العربي.

علماً بأن أنواع الخطوط على كثير من الأعلام التي عُرضت في مناسبات شرفها الملك عبد العزيز كانت مختلفة عن خط الثلث الرسمي كونها أُنجزت لدى خطاطين غير عرب، أو لدى مصانع في الخارج.

خطاط كسوة الكعبة المشرفة عبد الرحيم أمين (من أرشيف عدنان الطريف)

100 علم في يد الطريّف

وتحدّث الطريّف عن الرصيد الكبير من الأعلام السعودية القديمة، فقال: «أحمد الله أن من أبرز مقتنياتي هي الأعلام السعودية، فأنا أملك أكثر من مائة علم قديم ونادر بمقاسات وأشكال وخامات مختلفة ولمراحل عمرية مختلفة، من أهمها أعلام الدولة السعودية الأولى والثانية، التي استُخدمت في مراحل نشر الوحدة والأمن لهذه البلاد المباركة». وأضاف: «عملت جاهداً على رصد أكبر عدد من الأعلام النادرة الخاصة بالملك عبد العزيز منذ دخوله مدينة الرياض، التي استخدمت خلال مناسبات أو فعاليات أو استقبالات حضرها جلالة الملك عبد العزيز طيب الله ثراه، إضافة إلى عدد من الأعلام الخاصة بسيارة جلالته. كما أنني امتلك أعلاماً خاصة استُخدمت في عهد الملك سعود بن عبد العزيز، رحمه الله، وداخل مقره وعلماً خاصاً بسيارته، بالإضافة إلى أعلام استُخدمت في زيارة الملك فيصل لأميركا عام 1945 وأعلام قديمة في عهد الملك خالد والملك فهد في زيارات خارج المملكة».

الملك عبد العزيز خلال حفل أقامته شركة «أرامكو» تكريماً لجلالته وتظهر مجموعة من الأعلام السعودية خلفه في1947

وأكمل: «ومن الأعلام المهمة لدّي العلم الذي كان بين الملك فهد والملك سلمان بن عبد العزيز خلال الحفل الذي أُقيم لجلالة الملك سعود بمناسبة توليه مقاليد الحكم في عام 1953. فقمت برصد الصور الخاصة بهذه الأعلام وقمت بفحص هذه الأعلام لدى أكبر المراكز في العالم لمعرفة صحتها وتاريخها وأصالتها، كما تم توثيقها لدى عدد من المهتمين، وكذلك الذين أوكل لهم حمل العلم (آل مطرف)، إضافة إلى ما يوضع أعلى السارية (الطاسة)، حيث أملك أكثر من 10 قطع من فضة ونحاس ومعدن استُخدمت جميعها في عهد الملك عبد العزيز. ومن أبرز وأهم مقتنياتي المتعلقة بالعلم (الراية) وثيقة نادرة ووحيدة ممهورة بختم الملك عبد العزيز بعد دخوله مدينة الرياض بـ7 سنوات ذات علاقة بتفاصيل كثيرة عن العلم السعودي».

مقتنيات نادرة ومتاحف وإرث

يتحدث الطريّف عن محتويات متحفه النادرة فيقول: «خلال مسيرتي البحثية استطعت، ولله الحمد، أن أكوّن متحفاً خاصاً بالإبل وآخر للخيل، وثالثاً للصقور، وهذه المتاحف تشتمل على قطع نادرة وقديمة أعمار بعضها تتجاوز 300 سنة، إضافة إلى الطوابع المتعلقة بكل فرع من كل دول العالم وكل ما كُتب عنها بالصحف الأجنبية والعربية منذ عام 1850 وجميعها أصول. وكذلك الصور المتعلقة بالإبل والخيل والصقور من مائة سنة وإلى الآن، كما أنني جمعت قطعاً متحفية من الأواني والأطباق والمباخر والدلال والساعات ولوحات السيارات الخاصة بمرحلة الملك عبد العزيز والملك سعود والملك فيصل والملك خالد، واستخدمت من قبلهم، كذلك قمت بجمع أبرز وأهم الهواتف التي استُخدمت في القصور الملكية منذ عهد الملك المؤسس مروراً بملوك المملكة والعدد الكبير من القطع النادرة المتعلقة بتاريخ المملكة العربية السعودية وملوكها».

ولدى الطريّف تفاصيل قصة رفض السعودية تنكيس العلم بعد وفاة ملك العراق فيصل الأول، وهو ما أثار غضب البريطانيين.

مصنع كسوة الكعبة المشرفة بمكة المكرمة

والحال أنه بعد تعيين الشيخ إبراهيم بن معمر وزيراً مفوضاً للمملكة لدى العراق في 1923 بعد فترة وجيزة من افتتاح المفوضية، وكان اصطفاؤه في هذا المنصب الدبلوماسي في واحدة من أهم العواصم العربية المؤثرة في مصالح السعوديين أي بغداد، أظهر ثقة العاهل السعودي بكفاءته. والمعروف أن جاليات سعودية كبيرة كانت تقيم في العراق، وأن قبائل وعشائر عربية كانت تنتشر على المناطق الحدودية بين البلدين، فكان من مهامه الأساسية العناية بالرعايا السعوديين، فضلاً عن إشرافه على تطبيق اتفاقيات الحدود الموقّعة حديثاً بين الدولتين، وتطبيق إجراءات الحج للراغبين فيه.

وأشرف ابن معمر خلال عمله في بغداد على تنظيم الزيارة الأولى التي قام بها ولي العهد الأمير «الملك» سعود عام 1926. وعن ذلك يقول الدكتور عبد الرحمن الشبيلي: «يذكر له ـ في تلك الفترة ـ تفكيره في عدم تنكيس العلم السعودي على هامش الحداد العام على وفاة ملك العراق، فيصل الأول، عام 1923، وهو تقليد تبنته الحكومة السعودية بعد ذلك التاريخ احتراماً للفظ الشهادة التي يحملها العلم». وأدى احتجاج البريطانيين على ترويج ابن معمر لزعامة الملك عبد العزيز في الجزيرة العربية وعلى صلاته القوية مع رؤساء العشائر، إلى نقله من بغداد بعد 5 سنوات من العمل الدبلوماسي.

انتقام من بريطانيا

وخصص إبراهيم الحسون في كتابه «خواطر وذكريات» (3 أجزاء 2003)، حيزاً كبيراً تطرق فيه إلى أسلوب ابن معمر وخصاله، نظراً لكون الحسون عمل سكرتيراً خاصاً له في قائم مقامية جدة، فأورد في هذا الصدد حادثاً يؤكد موقفه الحازم من عدم مخالفة أوامر الدولة من أي كائن حتى لو صدرت من سفراء أو سفارات. فقد أصدر ابن معمر عندما كان يعمل «قائمقام جدة»، أوامره لرئيس بلدية جدة بضرورة قيام أصحاب بعض المنازل في شمال جدة بطلاء واجهاتها بالنورة البيضاء خلال مدة لا تزيد على أسبوعين، وبالفعل شرع أصحاب المنازل في تنفيذ الأمر وأصبح منظرها جميلاً يرتاح إليه النظر إلا منزلاً واحداً ظل على حاله ولم يتغير فيه شيء، وهو المنزل الذي يشغله مقر السفارة البريطانية. هنا استدعى ابن معمر رئيس البلدية علي سلامة مرة أخرى، وسأله عن عدم طلاء البيت الذي تشغله السفارة البريطانية، وهل تم إبلاغهم بذلك، فأجاب بأنه أبلغ مالك المبنى وعندما بدأ في التنفيذ رفض المسؤولون بالسفارة السماح للعمال بالعمل. وعند الاتصال بالمسؤولين في السفارة، أوضحوا أن امتناعهم، هو إنفاذ لأمر السفير البريطاني الذي قال إن المبنى يعدّ أرضاً بريطانية، وإنه لا يسمح بتلقي أي أمر بشأنه ما دامت السفارة تشغله. وعندما سمع ابن معمر هذا الكلام، انتفض صارخاً في وجه رئيس البلدية، طالباً منه أن يذهب في الحال ويبلغ المسؤولين في السفارة بضرورة تنفيذ الأمر؛ لأن الحكومة السعودية دولة مستقلة، ولا تسمح لأي إنسان بأن يخالف أوامرها داخل بلادها، وأنّ على رئيس البلدية إمهالهم 3 أيام لكي ينفذوا الأمر، وإلا فإن القائمقام سيأمر بتنفيذه بالقوة وليفعل السفير ما يشاء. خرج رئيس البلدية من المقابلة ساخطاً، لأنه سمع من ابن معمر ألفاظاً حادة، كلها لوم وتوبيخ. وفي اليوم الثالث لهذا الحدث، نصبت «السقالات» على مبنى السفارة وبدأ العمل بطلائه على الفور.


العَلم بيرق الشرعية الدستورية السعودية ورايتها

العلم مرفوعاً منذ قيام الدولة الأولى
العلم مرفوعاً منذ قيام الدولة الأولى
TT

العَلم بيرق الشرعية الدستورية السعودية ورايتها

العلم مرفوعاً منذ قيام الدولة الأولى
العلم مرفوعاً منذ قيام الدولة الأولى

تفتح الأيام الوطنية نوافذ للمشتغلين بالتاريخ لإعمال أدواتهم في سبر تلك المناسبات، والتنقيب في أبعادها ورمزيتها، واستنطاق المصادر بحثاً وتدقيقاً لاستكشاف ما قد يكون مغيباً؛ لأن وعي أي أمة بحاضرها وإدراك مكانتها يتطلب معرفة عميقة بماضيها وأسسها وجذورها. وليس التاريخ السعودي هامشياً في الحضارتين العربية والإسلامية، بل هو متن صُلب كوَّنه الامتداد والعمق التاريخي فيها. من هنا تكتسب المناسبات الوطنية السعودية أهمية خاصة، خصوصاً لجهة تفرد العلم السعودي بشكله وتصميمه ودلالاته ومضامينه؛ فهو يعكس عمق الدولة السعودية وعراقتها، ويجسد هويتها، ويمثل القيم والمبادئ التي قامت عليها؛ وإذ ذاك ندرك أهمية صدور أمر الملك سلمان بن عبد العزيز بتخصيص يوم للعلم في الحادي عشر من شهر مارس (آذار)، مشيراً في ديباجته إلى قيمة العلم الوطني عبر تاريخ الدولة السعودية منذ تأسيسها عام 1727.

رسم إيضاحي من موقع دارة الملك عبد العزيز

نتناول هنا الرمزية الدستورية للعلم من ناحية وصله وربطه بين مراحل الدولة السعودية، ودلالته على استمرارية الشرعية السياسة في فترات غياب الدولة أو ضعفها؛ فالعلاقة بين العلم والشرعية السياسية تحظى بأهمية كبيرة، وترتبط بشكل وثيق بالتطور الاجتماعي والسياسي؛ لذا فإن البحث في هذا الارتباط مهم لمعرفة تأثير العلم في الشرعية السياسية والعكس. يدل على ذلك حضور رمزية الدولة «العلم» مع «الحكام الشرعيين» بغض النظر عن مكانهم. ويفيد هنا تكرار ما أشار إليه المؤرخ عبد الرحمن الرويشد «أنه أثناء غياب البيت السعودي المالك فترة من الزمن تشبثوا بحمل تلك الراية حتى وهم غرباء وظاعنون تتقاذفهم الأوطان...». ويضيف: «كان آل سعود في غيبتهم يحملون الراية السعودية، ولا يتخلون عنها»، وأورد قصصاً عدة عن ذلك، منها ما رواه عن القبطان البريطاني آي. آر. بيرس، ووصفه لراية آل سعود قرب الكويت عام 1901: «كانت راية آل سعود خضراء اللون... كتب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله».

وإذا كان مفهوم الشرعية متعدد الأبعاد والعناصر، ويرتكز على مبادئ ومعايير بعينها، فإن القاعدة الأساسية لنظرية العقد الاجتماعي تستند إلى أن «شرعية الدولة تقوم على أساس رضا المحكومين»، يقول عالم الاجتماع ماكس فيبر: «يكون النظام الحاكم شرعياً عند الحد الذي يشعر فيه المواطنون بالرضا عنه»، ويتفق جان جاك روسو وجون لوك وغيرهما من فلاسفة علم الاجتماع على أن «رضا المحكوم بالحاكم هو مصدر شرعية الحكم».

وقد يجادل البعض في أن السيطرة أو بسط سلطة النظام على الإقليم لم تتوافر لآل سعود بوصفهم حكاماً شرعيين في فترات من تاريخ الدولة السعودية الممتدة 3 قرون، وكانت هناك سلطة أمر واقع؛ فهل انتفت الشرعية حينئذ؟ لا أعتقد ذلك؛ لأن «السيطرة» لم تكتمل للقوى التي حاولت بسط نفوذها على الإقليم، ولم تستقر لها الأوضاع، كما كان دور آل سعود حاضراً، وشعبيتهم باقية، ومحاولاتهم لاسترداد الحكم لم تنقطع. ولو تمعَّنَّا في مثالين من عصرنا الحالي حول تطبيقات مفهوم «الشرعية» لأدركنا المقصود، الأول: حالة الكويت أثناء الغزو العراقي، والثاني: الحالة اليمنية المستمرة منذ سنوات.

أما إذا حاولنا تطبيق معيار «الرضا الشعبي» على الحالة السعودية في سنوات ضعف أو غياب الدولة - لا الدول - في مرحلتيها «الأولى أو الثانية»، لوجدنا أن الأسرة الحاكمة، حتى وهي بعيدة، كانت حاضرة في وجدان الناس، وهو ما حدا بكثير من تجار نجد إلى إرسال زكاة أموالهم إلى الإمام عبد الرحمن في الكويت؛ لأنهم يرونه الحاكم الشرعي، فكان هذا الرضا الشعبي أحد أسس استمرار الدولة. ومن هنا، فإن النقطة التي أحاول إثباتها من خلال هذه القراءة تفيد بأن «الشرعية» لم تسقط خلال سنوات غياب آل سعود عن الحكم، ومن ثم فإن الدولة مستمرة، والدليل هو استعادة الحكم أكثر من مرة، واستمرار التفاف المجتمع حولهم، ورضاه بهم. ومن هنا علينا ألا نزن ما درج عليه المؤرخون من تقسيمات للدولة على اعتبار «سقوطها» بميزان أو معيار التاريخ فقط؛ بل لا بد من أخذ موازين السياسة والقانون... وغيرهما في الحسبان. وهنا أتوجه لمراكز التاريخ ودارسيه لإعادة النظر في تقسيم تاريخ الدولة السعودية كأنه تاريخ 3 دول يقوم على معيار «السقوط»، بينما هو في الحقيقة تاريخ دولة ممتدة، وإعادة قراءة هذا الموضوع ودراسته بشكل شمولي لجميع أبعاده وعناصره.

النقطة الأخرى هنا، المتعلقة بالعلم والذي حرص حكام الدولة السعودية طوال تاريخها على أن يبقى خفاقاً عالياً معبراً عن عقيدتهم ومبادئهم ورمزاً لدولتهم وشرعية حكامها الدستورية، أنه استمر - وفقاً للمصادر التاريخية - دون تغيير يذكر لنحو 180 عاماً أو أكثر، فما الذي دعا الملك عبد العزيز لإدخال تعديلات، بدأت بإضافة سيفين متقاطعين أعلى عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله».

تتطلب الإجابة عن هذا السؤال النظر إلى مراحل توحيد البلاد وسياقاتها التاريخية، وهذا يستحق بحثاً مستقلاً، لكن الإجابة المختصرة يمكن أن تدل على رؤية الملك عبد العزيز لبناء الدولة التي كانت تدور في ذهنه أثناء توحيده الأقاليم المختلفة. تلك الرؤية هي التي تفرد بها عمن سبقه من سلف، وهي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم. وكانت تحولات العلم أو الراية السعودية حاضرة مع مختلف مراحل التوحيد وتطورات البناء نظامياً ودستورياً ومؤسساتياً.

يقول الباحث والمؤرخ البريطاني روبرت ليسي: «إن النزعة اليوم هي ضد بناء التاريخ حول الأبطال؛ ولهذا فمن المفترض أن تفسر علوم الإنسان والاجتماع والاقتصاد، من الناحية النظرية، كيف تضافرت مشيخات ومدن وقبائل جزيرة العرب المتفاوتة لتشكل هذه الدولة الشاسعة والفريدة، ولكنها لا تفعل ذلك. إن الجواب المُرضي الوحيد يكمن في مهارات ورؤية الملك عبد العزيز نفسه الفذة. لقد كان مدفوعاً بشرف العائلة، وطموح إعادة بناء الإمبراطورية التي كانت خاضعة لسيطرة أجداده قبل ميلاده بقرن من الزمن. لقد تعلم من الدروس التي لحقت بالعائلة، وأقنعته ذكرى تدمير الدرعية بضرورة تجنب إثارة تدخل أجنبي في الجزيرة مرة ثانية».

كما كتب المؤرخ والصحافي اللبناني عمر أبو النصر في عام 1935 ما يلي: «إن ابن السعود يسعى لتحضير الجزيرة العربية لتكون نواة دولة عربية عظيمة»، وأضاف قائلاً: «إن ابن السعود يسعى اليوم لتوطيد مركزه في الجزيرة العربية، ويعمل لإعادة المجد العربي الغابر، وإن الثورات السياسية والاجتماعية التي يخلقها الأفراد، تحتاج لكي تصبح راسخة في النفوس قوية في القلوب إلى سنوات كثيرة، وإذا كان صاحب الفكرة قد طواه الردى، فيجب لنجاح الفكرة أن يكون بين أنصاره ومن هو مثله قوة وجرأة وذكاءً وإيماناً بالفكرة ليقوم مقام صاحبها».

ويتابع أبو النصر: «ونحن نرجو من الله - سبحانه وتعالى - أن يمد في عمر صاحب الجلالة ليتمكن من تحقيق ما نذره من خدمة العربية وخدمة الإسلام، وأن يرى بنفسه البناء الذي يعمل على إقامته وتوطيده وتثبيته قوياً شديداً عالياً، لا تؤثر فيه الأعاصير ولا تفعل فيه الزوابع». ومن هنا على قارئ التاريخ أن يدرك أن الملك عبد العزيز لم يكتفِ باسترداد مُلك آبائه وأجداده تحت راية التوحيد، وإنما فعل ما هو أعظم وأكثر استدامة، ألا وهو بناء الدولة بعد توحيدها على أسس دستورية، وتطوير مؤسساتها وأنظمتها وهياكلها، بل حتى رمزها حيث شمل التطوير شكل العَلم السعودي، وصدور عدد من الأنظمة المتعلقة به.

وكان تحدي بناء الدولة وإدارتها أحد أكبر التحديات التي واجهت الملك المؤسس، ناهيك عن استمراريتها وتطورها، وضبط أهم عناصر استقرارها ألا وهو نظامها الملكي؛ هذا النظام الفريد الذي وحَّد جزيرة العرب بعد قرون من الشتات، وصمد في وجه كثير من الأطماع والمؤامرات، واستطاع أن يتجاوز كثيراً من الأزمات والتحديات.

ويقول السياسي والحقوقي الدكتور منير العجلاني: «لنذكر أن آل سعود هم الذين أنشأوا الملك، وأنهم كانوا في أول الأمر العمال الذين بنوا البيوت بسواعدهم، وغرسوا الأشجار بأيديهم، والجنود الذين قاتلوا دفاعاً عن حوزتهم بسيوفهم، وبذلوا عرقهم ودمهم في سبيل إنشاء الملك الصغير في الدرعية، ثم وسعوا هذا الملك بجهدهم ودمهم أيضاً، واستعادوه 3 مرات بعد أن تآمر الأجانب عليه، ووطدوا الأمن بعد أن كان يتخطفه قطَّاع الطرق، ونصروا الدين، وأعلوا كلمته، ووحدوا البلاد بعد أن كانت متفرقة، وأعزوها بعد أن كانت ضعيفة».

لقد أعيا ذلك المنجز العظيم للملك عبد العزيز كل محاولات التدوين والتأريخ، فقد أسس عبد العزيز نهجاً دستورياً للمحافظة على النظام الملكي، صانه أبناؤه من بعده، وطوروا آلياته وأدواته، وصنعوا منه نموذجاً فريداً لأنظمة الحكم الملكية، ونسخة معاصرة للتراث السياسي العربي والإسلامي. لقد كانت أدوار أبنائه الملوك من بعده لا تقل أهمية وصعوبة مع الظروف والتطورات المحيطة بكل عهد عن دور عبد العزيز العظيم، وفي هذا يقول المفكر والسياسي السعودي الشيخ عبد العزيز التويجري: «هذا هو الملك عبد العزيز الذي استحق حبنا وعشقنا، ونال إعجاب الأبعدين قبل الأقربين، فلقد ملأ فراغاً واسعاً في شبه الجزيرة العربية، وحقق بذلك لنفسه وشعبه مكاناً في عالم المتغيرات، ولعلي لا أكون مبالغاً إذا قلت إن الأدوار التي تتابعت من بعده لا تقل أهميتها ولا صعوبتها، مع تبدلات العصر وتداخلاته، عن دوره التاريخي»، إلا أنه، في كل هذه العهود ومع كل التحولات والتطورات، بقي العلم السعودي يرفرف بشموخ على المملكة العربية السعودية مهبط الوحي، ومنبع الرسالة، ومهد حضارة العرب، رمزاً للدولة وشرعيتها الدستورية وسلطتها السياسية، حيث يمثل وحدة الأمة، وهوية الوطن، وسيادة الدولة؛ لذا ليس مقبولاً رفع أعلام تنازعه مكانته، ومتى وجدت كانت موجبة للمساءلة ومؤدية للعقوبة، وفقاً لما تنص عليه الأنظمة السعودية.

بقي أن أضيف أن أبناء عبد العزيز أثبتوا على مدى العقود الماضية متانة نظام حكمهم وصلابته في مواجهة الأزمات والتحديات، واليوم يعمل أحفاده للحفاظ على هذا الإرث العظيم، وتعزيزه وترسيخه، تأكيداً لمتانة نظام الحكم السعودي الذي يستمد أحكامه من مبادئ الشريعة الإسلامية، ويقوم على أساس العدل والشورى والمساواة وخدمة الشعب الذي يلتف خلف قيادته، ويقف صفاً واحداً تحت الراية السعودية مردداً:

موطني عشت فخر المسلمين

عاش الملك للعلم والوطن

إنها الخلطة السرية السعودية، وكفى.