خيّبت موسكو عرفات وحبش وطالبتهما بالخروج من بيروت

شهادات من صيف المصائر والمفترقات حين حاصرت إسرائيل العاصمة اللبنانية واجتاحتها (1 من 3)

TT

خيّبت موسكو عرفات وحبش وطالبتهما بالخروج من بيروت

عرفات مع مجموعة من مساعديه في بيروت خلال الاستعدادات للتصدي للقوات الإسرائيلية عام 1982 (غيتي)
عرفات مع مجموعة من مساعديه في بيروت خلال الاستعدادات للتصدي للقوات الإسرائيلية عام 1982 (غيتي)

كان صيف 1982 في لبنان صيف المصائر والمفترقات.

من مبنى في الشطر الشرقي من بيروت راقب وزير الدفاع الإسرائيلي آرييل شارون، صعود ياسر عرفات إلى باخرة نقلته إلى المنفى الجديد في تونس. توهّم شارون أنه نجح في قصم ظهر المقاومة الفلسطينية وأبعدها لتهرم مع قضيتها بعيداً من الأرض التي كانت تحلم بالعودة إليها. لم ينجح الغزو في استدراج لبنان إلى معاهدة سلام مع إسرائيل. لبنان الحالي أكثر تشدداً حيال الدولة العبرية من لبنان الذي غزته.

على دوي تلك الحرب ستوضع اللبنات الأساسية للتحالف السوري - الإيراني، وعلى الدويّ نفسه تمت ولادة «حزب الله» اللبناني. سوريا التي أرغمها الغزو على سحب قواتها من بيروت عادت إليها بعد سنوات، لتخرج مجدداً في 2005 على دوي اغتيال الرئيس رفيق الحريري. أما الاتحاد السوفياتي الذي كشف الغزو شيخوخته، فلم يعد قائماً، لكن وريثه فلاديمير بوتين يحارب اليوم على أرض أوكرانيا كأنه يثأر من إذلال روسيا بمحاولة إذلال الغرب، ولو أدى ذلك إلى شطب أوكرانيا أو تدميرها.

كنت هناك في المدينة المحاصرة. راودتني لاحقاً فكرة جمع الشهادات والحكايات. التقيت معظم من كانوا في موقع القرار السياسي والأمني. حاولت الحصول على شهادة عرفات نفسه، لكنه اعتذر بذريعة أنه لا يريد أن يعاقب الشعب الفلسطيني بسبب ذكرياته.

بيروت تحترق بالقصف الإسرائيلي خلال اجتياح عام 1982 (غيتي)

قال عرفات في تونس: «ماذا تريد أن أحكي؟ هل أروي لك مثلاً قصة صبري البنّا (أبو نضال) الذي احتضنته تباعاً ثلاث عواصم عربية؛ هي بغداد ودمشق وطرابلس، والذي كان هاجسه اغتيال الفلسطينيين لا الإسرائيليين؟ هل تريدني أن أحكي لك قصة ما سموه انتفاضة في (فتح) وهي تمت بقرار سوري وتمويل ليبي؟ أم تريدني أن أشكو من بعض الممارسات التي أقدمت عليها منظمات فلسطينية وأساءت إلى صورة نضالنا أو تسببت في وصمنا بالإرهاب أو بررت استهدافنا في هذه العاصمة أو تلك؟ أنا لا أقول إن (فتح) كانت بلا أخطاء. جميعنا أخطأنا لكننا حاولنا دائماً ألا نضل طريقنا ونخسر قضيتنا».

وأضاف: «عوقب الشعب الفلسطيني كثيراً. عوقب بسبب تمسكه بقضيته. وبسبب انطلاق الرصاصة الأولى. واعتبار المنظمة الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وبسبب تمسكنا بعدم تحوّل القضية الفلسطينية ورقة في أيدي آخرين. عوقبت منظمة التحرير حين تشددت وعوقبت حين اعتدلت. هل تريد أن يعاقب الفلسطينيون أيضاً بسبب ذكرياتي؟ لا أريد فتح الجروح. تذكر بالتأكيد أن صحافياً سألني وأنا أغادر بيروت: إلى أين؟ فأجبته إلى القدس. نحن نستعد لموعدنا مع فلسطين والقدس وليس لنا موعد آخر».

تذكرت صيف المصائر والمفترقات وعدت إلى الشهادات وقلت أشرك قراء «الشرق الأوسط» فيها.

جنرال الـ«كي جي بي» وإيران

في 1980 تلقّى سفير فلسطين في طهران وعضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» هاني الحسن، دعوة عاجلة للتوجه إلى بيروت. فور وصوله أبلغه ياسر عرفات: «سنذهب إلى اجتماع في السفارة السوفياتية وأريدك أن تعبّر بشدة وبدقة». فهم الحسن أن عليه أن يعبّر عن رأي عرفات الذي كان يدرك مدى حضور السوفيات في جسم الثورة الفلسطينية، خصوصاً في أجهزتها الأمنية وعواقب قيامه شخصياً برفض مقترحات سوفياتية حساسة.

حضر الاجتماع من الجانب الفلسطيني عرفات وعضوا اللجنة المركزية في «فتح»؛ صلاح خلف (أبو إياد) وخليل الوزير (أبو جهاد)، وحضر من الجانب السوفياتي الجنرال «ألكسندر» مسؤول الشرق الأوسط في جهاز الاستخبارات (كي جي بي). الإصرار على الاجتماع بالقيادة الفلسطينية لا بمن يمثلها كان يعني أن موسكو تتوقع أن ينتهي الاجتماع بقرار.

تحدث الجنرال «ألكسندر» عن الوضع في المنطقة؛ تحديداً في إيران، لا سيما بعد الدخول العسكري السوفياتي إلى أفغانستان. وفي ختام تحليله، اعتبر أن الوقت حان لتعاون الجانب الفلسطيني مع بلاده لضمان قيام وضع في إيران يسهّل سيطرة الحزب الشيوعي فيها «توده» على مقاليد الأمور. وهذا يعني أن يوسّع الاتحاد السوفياتي سيطرته في المنطقة نظراً لما تعنيه إيران لجهة موقعها وثرواتها. ثم إن الاتحاد السوفياتي كانت تربطه معاهدة «صداقة وتعاون» مع نظام الرئيس صدام حسين.

ياسر عرفات في بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي (غيتي)

فوجئ الحسن بالطرح وطلب من عرفات السماح له بمغادرة الاجتماع، لكن الأخير رفض وأجابه: «دعنا نتناقش». ردّ الحسن قائلاً: «أنا لا أناقش موقفاً ضد الثورة الإيرانية التي قدّمت لنا خدمات كبيرة جداً»، في إشارة إلى إسقاطها ما كانت عليه العلاقات الإيرانية - الإسرائيلية في أيام الشاه محمد رضا بهلوي. تكهرب الجو وثار الجنرال الزائر وقال: «أنتم لن تخرجوا عن هذه الدائرة ولن تصنعوا شيئاً من دوننا». فرد الحسن: «إن دخولك إيران يعني أن قيمة إسرائيل الاستراتيجية ستزداد بنسبة مليون في المائة لدى الغرب، وبالتالي إيّاك أن تفكر في هذا. نحن من جانبنا سنبذل كل جهدنا من أجل قيام علاقات إيرانية - سوفياتية جيدة. وسبق أن أحضرنا عرضاً من الإيرانيين في شأن أفغانستان وخروج السوفيات منها مقابل التعاون».

توترت أجواء الاجتماع. التزم عرفات والوزير الصمت، وبدا أبو إياد قريباً من الموقف السوفياتي. ورأى الحسن أن الاجتماع كشف الطريقة التي كان السوفيات يتعاملون بها مع الوضع في لبنان وإيران والعراق وأفغانستان ومستقبل الصراعات في هذه الدول.

لقاء في غابة سوفياتية

موعد حساس آخر كان شديد التعبير. في بداية السبعينات عقد في غابة قريبة من موسكو لقاء بقي طويلاً طي الكتمان. في تلك الغابة التقى مسؤول «المجال الخارجي» في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» الدكتور وديع حداد، رئيس الـ«كي جي بي» يوري أندروبوف، الذي سيتولى في الثمانينات زعامة الاتحاد السوفياتي. كانت السرية مطلوبة إلى أقصى درجة، فحداد كان يدير منذ سنوات عمليات خطف الطائرات قبل أن يطلق في وجه العالم رجلاً اسمه كارلوس وكان لقبه في التنظيم «سالم». خلال اللقاء طلب حداد بعض الأسلحة النوعية الصغيرة وهو تسلمها لاحقاً قبالة شواطئ عدن.

أول اتصال رفيع بين موسكو والثورة الفلسطينية حصل في 1968 وبمبادرة من الرئيس جمال عبد الناصر. فبعد معركة الكرامة الشهيرة في تلك السنة التي واجه خلالها الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية الجيش الإسرائيلي، استقبل عبد الناصر وفداً من «فتح». حضر اللقاء عرفات وأبو إياد وهاني الحسن. تبلورت خلال الاتصال فكرة إجراء اتصال فلسطيني مع السوفيات. قرر عبد الناصر أن يصطحب عرفات معه في زيارته إلى موسكو. انضم عرفات إلى الوفد باسم مستعار واتُفق على إبقاء قصة الرحلة سرية. بعد ذلك بعامين التقى مبعوث سوفياتي سراً عرفات في أحراج الأردن، وبعده خرجت العلاقة إلى العلن.

أدركت موسكو أهمية العلاقة مع الثورة الفلسطينية فراحت تنسج الروابط، الأمر الذي مكّنها بعد سنوات قليلة أن تكون صاحبة ثقل في التأثير على القرار الفلسطيني السياسي والأمني. أبرمت موسكو علاقات وثيقة مع منظمات اليسار الفلسطيني، وفي طليعتها «الجبهة الشعبية» و«الجبهة الديمقراطية»، وكذلك مع الاتجاه اليساري في حركة «فتح»، وكانت حاضرة في الأجهزة الأمنية للمقاومة الفلسطينية، خصوصاً بعدما قدّمت مباشرة أو عبر حلفائها في أوروبا الشرقية مساعدات من قماشة التسليح أو التدريب.

هذه العلاقة مع الاتحاد السوفياتي دفعت المقاومة الفلسطينية والأحزاب الحليفة في لبنان إلى استبعاد احتمال أن يقرع الغزو الإسرائيلي للبنان في 6 يونيو (حزيران) 1982، أبواب بيروت ويدخلها. في يوم انطلاق الغزو، التقى في غرفة عمليات المقاومة الفلسطينية في محلة الفاكهاني ببيروت عدد من المسؤولين في «فتح» وفي الحركة الوطنية اللبنانية. كان حاضراً أبو عمار وأبو جهاد وأبو إياد وأبو الوليد (سعد صايل)، وجورج حاوي الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، ومحسن إبراهيم الأمين العام لـ«منظمة العمل الشيوعي».

وداع ياسر عرفات قبل مغادرته بيروت عام 1982 (غيتي)

جرى الحديث عن أن الاجتياح الاسرائيلي قد يكون هذه المرة أوسع من السابق، خصوصاً مع وجود حكومة إسرائيلية يرأسها مناحيم بيغن ويتولى حقيبة الدفاع فيها آرييل شارون. لم يستبعد بعض الحاضرين أن تتخطى قوات إسرائيلية مدينة صور وتتقدم باتجاه مدينة صيدا، لكنهم لم يتوقعوا أن يتوغل الجيش الإسرائيلي أكثر في اتجاه مداخل بيروت. وكان من أسباب هذه القناعة قراءة الوضع الدولي على نحو يترك للاتحاد السوفياتي دوراً كبيراً فيها. يضاف إلى ذلك أن وحدات من الجيش السوري كانت ترابط في بيروت والاشتباك معها يُنذر بإطلاق حرب سورية - إسرائيلية، ما يعني التحرش بحليف لموسكو التي استبعدوا أن تفرّط بموقعها في المنطقة ومصير حلفائها، خصوصاً في ضوء رصيد الثورة الفلسطينية في العالمين العربي والإسلامي.

لم تصطدم القوات الإسرائيلية بالمقاومة التي كانت متوقعة. لم يكن هناك أمر رسمي بالانسحاب؛ لكن حصلت حالة من الضياع رافقتها معارك متفرقة، إلى أن وقعت المواجهات في خلدة على أبواب بيروت، ولم يتأخر الجيش الإسرائيلي في تطويق العاصمة اللبنانية. وأظهرت الأحداث أيضاً أنه لم تكن لدى السوفيات أو حلفائهم، معلومات عن احتمال وصول الاجتياح الإسرائيلي إلى بيروت. والأمر نفسه بالنسبة للقيادة السورية، ذلك أن الوحدات السورية كانت منتشرة في بيروت على نحو لا يوحي بأنها قد تستهدف بعملية تطويق من هذا النوع. وفي مشهد غير مسبوق في تاريخ النزاع العربي - الإسرائيلي، تتالت المفاجآت، وكان أبرزها ما يتعلق بالموقف السوفياتي.

موعد مع بشير الجميل

كان الجيش الإسرائيلي بلغ منطقة الشوف في جبل لبنان حين عقد اجتماع بعيداً عن الأضواء. كلّف أبو عمار الحسن الذهاب إلى ذلك الاجتماع مع قائد «القوات اللبنانية» بشير الجميل في منزل مدير المخابرات بالجيش اللبناني جوني عبده. وكان الجميل من بادر إلى اقتراح الاجتماع لإيفاد رسالة إلى عرفات. قال الجميل في الاجتماع إن الإسرائيليين في الشوف. نظر إلى ساعته وأضاف: «إذا كنتم على استعداد لإلقاء سلاحكم والخروج من لبنان، فأنا مستعد أن أؤمن لكم الخروج السليم والكريم وأريد جواباً سريعاً قبل أن يصلوا إلى بيروت». اقترح الحسن الخروج إلى الشرفة تفادياً لاحتمال وجود تسجيل داخل منزل عبده.

قال بشير الجميل لهاني الحسن: إذا كنتم على استعداد لإلقاء سلاحكم والخروج من لبنان، فأنا مستعد لتأمين الخروج السليم والكريم لكم وأريد جواباً سريعاً قبل أن يصلوا إلى بيروت

روى الحسن أنه لاحظ قدراً من الاضطراب في سلوك بشير، وأنه لم يضرب بقبضته على الطاولة مستقوياً بالإسرائيليين. وقال إنه خاطب محاوره قائلاً: «يا بشير، اسمح لي أن أخاطبك بصراحة. أنا ممن يتابعونك، وعملي هو أن أتابعك. أنت مهتم برئاسة الجمهورية وهي لن تأتيك من هذا الطريق. وسجّل عليّ أنكم كما أتيتم بالسوريين لتضربوا الفلسطينيين فأنتم الآن تأتون بالإسرائيليين لتضربوا الاثنين، وستكون نتيجة هذه اللعبة أن نُضرب نحن وتنتهي أنت. في لبنان كثير من الخير ويغري من يدخله. لا الإسرائيلي سيخرج ولا السوري سيخرج. وأنت لا قِبل لك بهذا الطرف أو ذاك... لذلك أقول لك إذا كنت تعتقد أن هذا طريقك إلى رئاسة الجمهورية فأنت تخطئ. بخلاف ذلك إذا فكّرت معنا ومع الحركة الوطنية اللبنانية فإن الفرص ستكون أكبر».

وأضاف: «قلت لبشير أيضاً: من سيقبل باستضافة المسلحين الفلسطينيين؟ الأردن أم سوريا أم غيرهما؟ رد متعهداً بإيجاد حلّ على أن يبقى عدد صغير ويكون تابعاً للجيش اللبناني، أي فكرة الثكنتين التي ظهرت لاحقاً. بعد وصول الإسرائيليين إلى بيروت لم تعد اللعبة في يد بشير ولم يعد قادراً على القبول أو الرفض».

وتابع: «بعد عودتي من الاجتماع مع بشير عقدنا اجتماعاً في مكان مهجور. عرف محسن إبراهيم أنني التقيت بشير فطلب إبقاء الأمر سراً عن وليد جنبلاط لأنه سيشمئز. كان أبو عمار يميل إلى عدم قطع الاتصال مع بشير. حصلت مشادة بيني وبين محسن. وكان عنيفاً جداً ولعب دوراً رهيباً في تلك الفترة. المشكلة أن الحركة الوطنية كانت ضعيفة وتريد أن تلعب ورقة الفلسطينيين في مقابل الغطاء الذي كانت تعطيه لهم، ولكن بموقف متشدد ضد سوريا. أنا شخصياً كنت دائماً معارضاً لهذا الموقف».

وليد جنبلاط ونبيه بري يودعان عرفات قبل رحيله إلى تونس (غيتي)

روى محسن إبراهيم أنه تشاور مع عرفات وحاوي، وكان الهمّ الأول استكشاف المدى الذي يمكن أن تذهب إليه موسكو في وقف العدوان الإسرائيلي. وكان من الطبيعي أن توكل هذه المهمة إلى حاوي بسبب علاقة حزبه الوثيقة بالسوفيات.

سألت حاوي لاحقاً، فأجاب: «كنت أعتقد أن تصفية الثورة الفلسطينية وضرب الحركة الوطنية قد يشكلان خطاً أحمر عند أحد جانبي المعادلة الدولية، تحديداً الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي، لكنني بعد شهر وربما شهر ونصف الشهر خرجت بقناعة كاملة أن كل شيء مباح، وأن لا فعل للقرار العربي الرسمي والشعبي ولا أثر للقرار الدولي النقيض. وزادني قناعة ما لاحظته في كل مرة كنت أنظّم فيها لقاء بين السفير السوفياتي المتألم في سفارته والأخ عرفات».

وأضاف: «كنت آخذ عرفات في سيارة مدنية عادية، فنحن مكشوفون للاستخبارات الإسرائيلية والتصوير الإسرائيلي. عندما كنا نجتمع يبدأ القصف الإسرائيلي على محيط السفارة، فننزل إلى الملجأ. القصف كان رسالة من إسرائيل إلى عرفات مفادها: لا تتكلوا على السوفيات».

كان حاوي يأمل في أن تصدر موسكو تحذيراً يقارب التهديد. أن تعلن مثلاً عن إرسال قطعة بحرية إلى قبالة بيروت. أن ترسل على الأقل سفينة لنقل الجرحى. لم يستطع سفير الاتّحاد السوفياتي ألكسندر سولداتوف أن يعد بشيء من هذا النوع. وكان حاوي ينقل خيباته إلى عرفات وإبراهيم.

في الأسابيع الأولى لم يصدّق جورج حبش ونايف حواتمة أن الاتحاد السوفياتي سيتخذ موقف المتفرج. كانا يراهنان على تدخل سوفياتي في صورة ما. لكن الكلام القاطع سيسمعه عرفات من سولداتوف وفي حضور الحسن الذي طلب منه عرفات حضور الاجتماع.

قال عرفات للسفير السوفياتي مستغرباً: «أنا ياسر عرفات أخرج على ظهر مدمرات أميركية؟». رد السفير: «اخرج أنت وكوادرك، المهم المحافظة على الكوادر»

روى الحسن. جاء السفير سولداتوف وقال لعرفات: «اخرج من بيروت». رد عرفات: «كيف أخرج؟». أجابه: «اخرج على ظهر المدمرات الأميركية». قال عرفات مستغرباً: «أنا ياسر عرفات أخرج على ظهر مدمرات أميركية؟». رد السفير: «اخرج أنت وكوادرك، المهم المحافظة على الكوادر». قال عرفات: «والله لو خرجت من هنا لن أطاع، فأنا لست دولة». قال السفير: «إذن ستؤخذ أسيراً بالشبكة»، فرد عرفات: «إن قائداً في مسدسه طلقتان لا يؤخذ أسيراً». لياسر عرفات في الحرب مواقف تاريخية. أفهمَ السفير السوفياتي أن الجلسة باتت شبه منتهية.

عرفات يستقل السفينة التي أقلته إلى تونس من ميناء بيروت (غيتي)

وتابع الحسن: «ذهب السفير السوفياتي لزيارة حبش الذي سأله: متى تتدخلون؟ فأجابه: أي جنون هذا؟ أمن أجل بيروت نُدمّر العالم؟ اخرجوا. قال حبش: كيف؟ فرد السفير: اخرجوا تحت راية الصليب الأحمر. ذُهل حبش وطلب من بسام أبو شريف أن يناديني. سألني هل التقيت السفير السوفياتي، فأجبت: وهل جاءك بورقة النعي؟ يا حكيم منذ سنة ونحن نتحدث عن الهجوم (الإسرائيلي). بعدها اتخذ حبش قراره الشهير وأعلن أنه مع ياسر عرفات. قلت له: التدخل السوفياتي غير وارد، وعلينا أن ننتظر الدور العربي. والواقع أن كل الذين عارضوا (المغادرة) تسابقوا لاحقاً في تسجيل قواتهم بلوائح المغادرين».

غداً حلقة ثانية...


مقالات ذات صلة

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

خاص كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب) p-circle 07:17

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات كواليس لقاءاته بصدام والأسد، ومحاولة شقيق الأخير اغتيال رئيس وزراء.

غسان شربل (عمّان)
المشرق العربي عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

كشف رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات تفاصيل محاولة لاغتيال العاهل الأردني الراحل الملك حسين اتهم العقيد معمر القذافي بتدبيرها مع القيادي الفلسطيني.

غسان شربل (عمّان)
خاص لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب) p-circle 06:06

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

في الحلقة الثانية من شهادته، روى رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل محاولة اغتيال للملك حسين بصاروخ «أرسله معمر القذافي».

غسان شربل (عمّان)
خاص وصفي التل مع الملك حسين (غيتي) p-circle 00:44

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: قناص غامض قتل وصفي التل برصاصة من الخلف

في الحلقة الأولى من شهادته، يتحدث رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات عن «خيط غامض» في اغتيال وصفي التل، وتفاصيل محطات الصدام الأردني - الفلسطيني.

غسان شربل (عمّان)
المشرق العربي عباس أثناء تسلمه مسودة الدستور المؤقت الأسبوع الماضي (وفا)

مسودة للدستور الفلسطيني تثير سجالات سياسية وقانونية

أثارت مسودة أولى للدستور الفلسطيني المؤقت، التي نشرتها اللجنة المكلفة بصياغته سجالات سياسية وقانونية واسعة، وفيما عبر معلقون عن إشادات، أشار آخرون إلى انتقادات

كفاح زبون (رام الله)

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».