بعوضة غازية تُهدد مدن أفريقيا بالملاريا

تنتشر بسرعة مُقلقة ولها مقاومة جينية للمبيدات الكيميائية

بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»
بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»
TT

بعوضة غازية تُهدد مدن أفريقيا بالملاريا

بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»
بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»

انتشرت بعوضة ناقلة للملاريا شديدة الغزو، ومقاومة للمبيدات الحشرية، تزدهر في المدن، حيث لم تكن الملاريا تُشكل تهديداً كبيراً، في جميع أنحاء أفريقيا على نطاق أوسع وبسرعة أكبر مما كان يخشاه حتى أكثر العلماء تشاؤماً، كما كتبت: ستيفاني نولين(*).

مقاومة جينية للمبيدات الكيميائية

ويعتقد كثير من خبراء الصحة العامة أنه قد فات الأوان للقضاء عليها، أو حتى احتواء انتشارها. وأظهر تحليل جينومي جديد للبعوضة، المسماة «أنوفيلس ستيفنسي» Anopheles stephensi، باستخدام عينات جُمعت من 10 دول، أن تلك الموجودة في أفريقيا لديها مقاومة جينية لجميع المواد الكيميائية المستخدمة حالياً في حملات الرش وغيرها من جهود مكافحة البعوض، ما يعني أن هذه المبيدات الحشرية لن تقضي عليها.

من جيبوتي إلى غانا وكينيا

ينتشر هذا النوع من البعوض بكفاءة وسرعة مرعبتين عبر الأراضي المنبسطة والمفتوحة والعاصفة، متجهاً غرباً نحو غانا وجنوباً عبر كينيا، منذ وصوله الأول إلى القارة الأفريقية في جيبوتي بمنطقة القرن الأفريقي قبل أكثر من عقد من الزمان. يقول تريستان دينيس، الباحث في علم جينوم النواقل بجامعة كوينزلاند في أستراليا، الذي قاد التحليل الجديد المنشور في مجلة «ساينس»: «في العامين الماضيين، قلّ الحديث عن ضرورة احتواء هذا الغزو، لأن كل من لديه دراية بالأمر يدرك أن هذا المرض قد خرج عن السيطرة تماماً».

طفيل يزدهر في المناطق الحضرية والريفية

ويثير هذا البعوض قلق خبراء الصحة لأنه، على عكس الأنواع التي كانت تنشر الملاريا في أفريقيا تاريخياً، يزدهر في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء، ولا يتأثر بفصول الجفاف. وهذا يعني أن الملاريا، التي تُعدّ بالفعل من أكثر الأمراض فتكاً في أفريقيا، قد تصبح مشكلة خطيرة في المدن الكبرى مثل لاغوس في نيجيريا، وكينشاسا في الكونغو، حيث يبلغ عدد سكان كل منهما حوالي 20 مليون نسمة.

إريك أوشومو رئيس قسم علم الحشرات في معهد كينيا للأبحاث الطبية

ملاريا على مدار العام

وقال الدكتور إريك أوشومو، رئيس قسم علم الحشرات في معهد كينيا للأبحاث الطبية: «لم نكن مضطرين للقلق بشأن الملاريا في المناطق الحضرية». وأضاف أن معظم سكان المدن لا يتمتعون بمناعة ضد الملاريا، وأن الطفيل يُسبب مرضاً خطيراً. وعندما يستقر طفيل ستيفنسي، فإنه ينقل الملاريا على مدار العام، وليس فقط خلال موسم الأمطار الذي تُركز عليه معظم برامج مكافحة الملاريا الحالية. وأضاف أوشومو: «سيؤدي ذلك إلى تعقيد قدرتنا على إدارة الملاريا بشكل كبير».

في معظم البلدان، لم يستوطن طفيل ستيفنسي بعد في تجمعات سكانية كبيرة بما يكفي لرصد تأثيره على معدلات الإصابة بالملاريا. ولكن في جيبوتي وإثيوبيا، وهما أول دولتين غزاهما، يُمكن ملاحظة الخطر الذي يُمثله. إذ وقبل وصول ستيفنسي في عام 2013، كانت جيبوتي على وشك إعلان القضاء على الملاريا في عام 2012، سُجلت 27 حالة إصابة.

ارتفاع الإصابات في جيبوتي وإثيوبيا

ولكن وبعد عام من اكتشاف طفيل ستيفنسي، ارتفعت الحالات إلى ما يقارب 1700 حالة. وفي كل عام لاحق، ازداد العدد تدريجياً، وفي عام 2020، شهدنا انفجاراً هائلاً: أكثر من 70 ألف حالة. في دير داوا، ثاني أكبر مدن إثيوبيا، تسبب طفيل ستيفنسي في ارتفاع حاد في حالات الملاريا عام 2022، وهو ما أثار حيرة العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين لم يعتادوا تشخيص المرض أو علاجه.

ويُعدّ انتشار ستيفنسي انتكاسة أخرى في معركة مكافحة البعوض المتعثرة أصلاً في أفريقيا، ففي عام 2024، سُجّلت 9 ملايين حالة ملاريا إضافية مقارنةً بعام 2023. ورغم أن البيانات الكاملة لعام 2025 لم تُنشر بعد، وستكون أقل شمولاً بسبب تخفيضات تمويل البرامج الصحية، فإن هناك دلائل واضحة على عودة الملاريا للظهور.

رصد انتشار البعوض الجديد

تعمل فرق من العلماء معاً، غالباً في ظلّ النزاعات المسلحة والنزوح الناجم عن تغير المناخ، لتوحيد جهودها المحدودة في مجال الرصد ورسم خريطة لأبعاد هذا التهديد الجديد. في عام 2024، قام ماهامان لامين، عالم الطفيليات في مدينة زيندر بدولة النيجر الواقعة غرب أفريقيا، بنصب كمّ هائل من البعوض حول البرك مع اثنين من طلابه. في مختبره الجامعي، طلب من الطلاب تحديد أنواع البعوض لإجراء مسح للتنوع البيولوجي، وكأنه تذكر فجأةً، ذكّرهم بنوع ستيفنسي، وهو نوع غازي تم رصده في مناطق أخرى من أفريقيا. وبعد فترة وجيزة، ذكر طلابه أنهم عثروا على بعضٍ منه في عيناتهم. «قلتُ: لا، لا، لا!» استيقظ لامين.

لم يُعثر على ستيفنسي في النيجر قط. لكن لامين أعاد فحص البعوض باستخدام مفتاح تصنيفي، ثم مفتاح آخر. تطابقت النتائج. سرعان ما أرسل طالباً على متن حافلة إلى مدينة كانو، عبر الحدود في نيجيريا، حاملاً عينات للبعوض عبر منطقة تشهد تمرداً مسلحاً، للوصول إلى مختبر قادر على إجراء تأكيد جزيئي. كان الطلاب على حق: فقد وصل بعوض الأنوفيلس ستيفنسي إلى النيجر.

اتجاهات نحو اليمن والسودان

أظهر التحليل الجينومي المنشور حديثاً أنه بعد وصوله إلى جيبوتي، انقسمت مجموعة ستيفنسي الأفريقية الجديدة إلى ثلاث مجموعات. اتجهت إحداها إلى إثيوبيا، ثم جنوباً إلى كينيا؛ وقفزت أخرى من جيبوتي عبر قناة ضيقة في البحر الأحمر إلى اليمن؛ واتجهت الثالثة إلى السودان، ومن هناك شرقاً عبر منطقة الساحل إلى غرب أفريقيا.

باحث علمي يعرض بعوضة من نهر بوتوجي في إثيوبيا

«لم نرَ من قبل هذا النوع من الانتشار»

وقد تكهّن علماء آخرون بأنّ بعوضة ستيفنسي قد دخلت من جنوب آسيا عبر موانئ غرب أفريقيا في حوادث منفصلة، ​​لكنّ التحليل الجينومي قدّم دليلاً قاطعاً على مدى كفاءة انتقال هذه البعوضة عبر منطقة الساحل المنبسطة والعاصفة، موسعةً نطاق انتشارها بما يصل إلى 300 ميل سنوياً. وقال أوشومو، الذي أسهم بعينات من البعوض في الدراسة: «لم نرَ شيئاً مثل هذا من قبل، هذا النوع من الانتشار. لم نتخيّل أبداً أن تنتشر بعوضة بهذه السرعة».

قبل بضع سنوات، كان يتوقع أن تشكّل بعوضة ستيفنسي تهديداً فقط في شمال كينيا الجافّ جداً. وقد وُجدت بالفعل وهي تنتشر بثبات جنوباً وتنتشر عبر أنواع مختلفة من الموائل.

وصلت بعوضة ستيفنسي إلى أفريقيا حوالي عام 2013، على الأرجح على متن سفينة مقبلة من باكستان أو الهند. وحدّدها باحثون في جيبوتي بينما كانوا يسعون جاهدين إلى تفسير الارتفاع الهائل في حالات الملاريا ببلد كان على وشك القضاء على المرض.

ويخشى العلماء أن يكون حشرة ستيفنسي قد وصلت أيضاً إلى دولٍ أخرى، بما في ذلك تشاد والصومال وإريتريا وجنوب السودان، وهي دولٌ لا تملك الموارد اللازمة للمراقبة الوطنية للنواقل.

تعاون علماء من السعودية وأفغانستان وباكستان واليمن والسودان وإثيوبيا وكينيا وإيران وأميركا

وقد تعاون علماءٌ من أفغانستان وباكستان واليمن والسودان وإثيوبيا وكينيا وإيران والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية لإجراء الدراسة الجينومية، لتحديد منشأ سلالة ستيفنسي الأفريقية. وشهدت جميع هذه الدول تقريباً صراعاتٍ عنيفةً عند بدء البحث، أو انزلقت إلى حربٍ خلال السنوات الأربع التي استغرقها العمل.

وفي السودان أسهم حمودة توتو كافي، عالم الحشرات الطبية في وزارة الصحة السودانية، بعيناتٍ من بلاده، حيث جمع آخرها قبل أسابيعٍ قليلةٍ من اندلاع الحرب الأهلية. كان كافي على أهبة الاستعداد لبدء بحث حول ما إذا كان بعوض ستيفنسي يُسهم في نقل الملاريا في البلاد، وكيفية حدوث ذلك. وقال: «لكن هذا ليس بالأمر الهين في ظل الحرب».

وفي اليمن، أشرف الدكتور طارق سلطان بن حوايل، أخصائي الصحة العامة، على فريق جمع عينات للدراسة، وشارك نتائج مُقلقة مع باحثين في أفريقيا. وجد فريقه بعوض ستيفنسي في المخيمات الضخمة المُحيطة بالعاصمة اليمنية عدن، التي تأوي نازحين بسبب الحرب الأهلية. وقد عثر على يرقات البعوض في خزانات المياه داخل منازل الناس وخيامهم، تعيش جنباً إلى جنب مع نوع آخر من البعوض، الزاعجة المصرية، الذي ينقل حمى الضنك وفيروسات أخرى.

نتائج قاتمة

تُعد أفريقيا موطناً لما يقرب من نصف إجمالي عدد النازحين في العالم؛ فهناك 15 مليون نازح بسبب الحرب في السودان وحده.

بعد أن أسهمت الشبكة العالمية من العلماء بعينات، أجرى دينيس التحليل الجينومي. وكانت النتائج التي توصل إليها قاتمة. قال دينيس: «جميع جينات المقاومة في السلالة الغازية تكتسب مقاومة لجميع المبيدات الحشرية التي نستخدمها تقريباً في مكافحة نواقل الأمراض، لذا فإن هذا في الواقع أسوأ مما كنا نتصور».

على الرغم من ازدياد الأدلة حول كيفية انتشار فيروس ستيفنسي ومكانه، فإن هناك مؤشرات قليلة على تحويل الموارد لمواجهته. قال دينيس: «يمكنك الحصول على هذه البيانات التي تخبرك بشيء معين، ولكن إذا لم تكن هناك بنية تحتية لتطبيق استجابة عملية، فلن تُجدي نفعاً كبيراً».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

بدء التجارب السريرية للقاح مضاد لـ«إيبولا» في الكونغو الديمقراطية

أفريقيا أفراد من الطاقم الطبي يوقّعون على وثائق بعد تلقي اللقاح في مركز علاجي بمدينة بونيا في جمهورية الكونغو الديمقراطية (إ.ب.أ) p-circle

بدء التجارب السريرية للقاح مضاد لـ«إيبولا» في الكونغو الديمقراطية

تلقى أوائل المتطوعين من الكوادر العاملة في الخطوط الأمامية بمدينة بونيا في مقاطعة إيتوري، بؤرة تفشي وباء إيبولا في الكونغو، اللقاح في إطار تجربة سريرية.

«الشرق الأوسط» (بونيا (الكونغو الديمقراطية))
صحتك التعرف على العلامات قد يساعدك في الخضوع للتقييم في وقت مبكر (بيكسباي)

10 علامات مبكرة لفقدان السمع لا ينبغي تجاهلها

عادةً ما يحدث فقدان السمع تدريجياً، مما يجعل من الممكن تجاهل التغيرات الأولية البسيطة؛ لذا فإن التعرف على هذه العلامات يمكن أن يساعدك في وقت مبكر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك (الولايات المتحدة))
صحتك الخضراوات النيئة تُعد أكثر صعوبة في الهضم مقارنة بالخضراوات المطهية (بيكسلز)

عندما تتعب المعدة... 4 مجموعات غذائية سهلة الهضم

عند المعاناة من بعض الاضطرابات أو الأعراض الهضمية، قد يكون اختيار الأطعمة المناسبة عاملاً مساعداً في تخفيف الشعور بعدم الراحة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الشيح يساعد في تخفيف الحكة لا سيما تلك التي تظهر في مواضع الندوب (بيكسلز)

فوائد عشبة الشيح... هل تساعد على الهضم وتخفيف الحكة؟

يُستخدم الشيح منذ فترة طويلة في بعض ممارسات الطب العشبي، وقد ارتبط بعدد من الاستخدامات الصحية، من بينها المساعدة على تحسين عملية الهضم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الكاكاو قد يساعد في خفض ضغط الدم (بيكسلز)

من ضغط الدم إلى المزاج... 8 فوائد محتملة لمسحوق الكاكاو

لا يقتصر دور الكاكاو على كونه المكوّن الأساسي في الشوكولاته، والحلويات، إذ تشير أبحاث إلى أنه يحتوي على مجموعة من المركبات النباتية التي قد ترتبط بفوائد صحية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«ناسا» توسع تعاقدها مع «سبيس إكس» لنقل مزيد من الرواد لمحطة الفضاء

محطة الفضاء الدولية (رويترز)
محطة الفضاء الدولية (رويترز)
TT

«ناسا» توسع تعاقدها مع «سبيس إكس» لنقل مزيد من الرواد لمحطة الفضاء

محطة الفضاء الدولية (رويترز)
محطة الفضاء الدولية (رويترز)

أعلنت إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، الجمعة، أنها منحت شركة «سبيس إكس» عقداً بقيمة 946 مليون دولار لإرسال ثلاث بعثات إضافية من رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية، مما يمدد رحلات الشركة المأهولة إلى المحطة حتى عام 2030.

وترفع الصفقة عدد رحلات رواد الفضاء التي تقوم بها شركة «سبيس إكس» لصالح «ناسا» بموجب العقد إلى 17 رحلة، كما تزيد القيمة الإجمالية للعقد إلى 5.92 مليار دولار. وتعتمد «ناسا» بشكل كبير على «سبيس إكس» في نقل رواد الفضاء من وإلى المحطة، في وقت تعمل فيه على الحفاظ على خيار أميركي ثان من خلال شركة «بوينغ»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

يغطي العقد إعداد رواد الفضاء والمركبات الفضائية على الأرض، وإطلاقها، وتشغيل المهمة في الفضاء، وإعادة الطواقم إلى الأرض، واستعادة الكبسولة. كما يتضمن نقل الإمدادات وإبقاء المركبة الفضائية في المحطة كمركبة هروب في حالات الطوارئ.

واختارت «ناسا» شركتي «سبيس إكس» و«بوينغ» في 2014 لتطوير مركبات فضائية قادرة على نقل رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية. وكان الهدف هو تزويد الولايات المتحدة بقدرة إطلاق محلية منتظمة بعد أن أوقفت «ناسا» برنامج مكوك الفضاء، منهية بذلك سنوات من الاعتماد على مركبة «سويوز» الروسية.

وتعرضت مركبة «ستارلاينر» التابعة لشركة «بوينغ» لمشكلات خلال رحلتها التجريبية المأهولة عام 2024، ما دفع «ناسا» إلى إعادة الكبسولة إلى الأرض دون طاقم، بينما عاد رائدا الفضاء بوتش ويلمور وسوني ويليامز على متن مركبة «دراغون» التابعة لشركة «سبيس إكس»، بعد أن امتدت مهمتهما، التي كان مقرراً أن تستمر 10 أيام، إلى أكثر من تسعة أشهر في محطة الفضاء الدولية.

ووافقت «ناسا» على نظام «سبيس إكس» لرحلات رواد الفضاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. ومنذ ذلك الحين، أصبحت «سبيس إكس» المزود الرئيسي للوكالة لعمليات تبديل الأطقم في المحطة.

وترغب «ناسا» في أن تقوم كل من شركتي «سبيس إكس» و«بوينغ» بتشغيل رحلات نقل الأطقم، حتى لا يؤدي وقوع حادث أو مشكلة فنية تؤثر على إحدى الشركتين إلى توقف وصول رواد الفضاء الأميركيين إلى المحطة.


رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية: «علينا الاستعداد لمعارك حول القمر»

حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر
حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر
TT

رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية: «علينا الاستعداد لمعارك حول القمر»

حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر
حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر

صرّح القائد العسكري الأعلى في الجيش الأميركي بأن القوات الأميركية يجب أن تكون على أهبة الاستعداد لخوض حرب بالقرب من القمر، أو ربما حتى عليه. ويأتي هذا التصريح في وقتٍ لا يزال فيه قادة الجيش يدرسون الأطر القانونية المحيطة بالأسلحة المدارية التي كُشِف عنها حديثاً، كما كتب توماس نوفيلّي(*).

معارك من قاع البحر إلى الفضاء القريب من القمر

وقال الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، خلال كلمته الرئيسية أمام الطيارين والحراس وقادة الصناعات الجوية والفضائية في مؤتمر الفضاء والجو والفضاء الإلكتروني: «مهمتنا، يا أصدقائي هي التكيف الآن، حتى تكون القوات المشتركة مستعدة للقتال والصمود والانتصار في بيئات التنازع العالمية، من قاع البحر إلى الفضاء القريب من القمر».

وكرر كين لاحقاً الفكرة نفسها - «ساحة المعركة الحديثة اليوم تمتد من قاع البحر إلى الفضاء القريب من القمر» - لكنه لم يوضح ما إذا كان يقصد سطح القمر. ويتسم القانون الأميركي بالغموض، إذ يُعرّف الفضاء القريب من القمر بأنه «المنطقة الفضائية الممتدة من الأرض إلى المنطقة المحيطة بسطح القمر، بما في ذلك تلك المنطقة».

وقد فسّرت إحدى مقالات مجلة هارفارد للقانون هذا البند على أنه يشمل سطح القمر نفسه، كما نصّت خطة العمل الوطنية للعلوم والتكنولوجيا القريبة من القمر الصادرة عن البيت الأبيض في أواخر عام 2024 صراحةً على أنها تشمل سطح القمر. إلا أن «دليل الفضاء القريب من القمر» الصادر عن مختبر أبحاث القوات الجوية عام 2021 يبدو أنه يتعامل مع الفضاء وسطح القمر كمجالين منفصلين.

أسلحة في مدارات فضائية

وأشار كين إلى تصريحات أدلى بها أخيراً وزير القوات الجوية ورئيس عمليات الفضاء في القوات الفضائية حول الأسلحة المدارية. وقد تردد كبار مسؤولي القوات الفضائية في تقديم مزيد من التفاصيل حول كيفية عملهم في هذا المجال وكيفية استخدامهم للأسلحة الفضائية بشكل مسؤول في النزاعات المستقبلية.

أجهزة استشعار قرب القمر

وبينما لم يُقدّم كبار مسؤولي القوات الفضائية سوى القليل من التفاصيل حول كيفية خوض القوات الأميركية للقتال بين الأرض والقمر، فقد أبدوا رغبتهم في إضافة أجهزة استشعار وقدرات لمراقبة تحركات العدو هناك. قال آرون برينيلدسون، أستاذ قانون الفضاء في جامعة ميسيسيبي، إنه من المفهوم رغبة الجيش في تعزيز الوعي في تلك المنطقة.

وأضاف برينيلدسون: «هناك مخاوف من أن تتجاوز الأنشطة الصينية الأخيرة على سطح القمر وفي الفضاء القريب منه أنشطة الولايات المتحدة».

خرق المعاهدات الدولية

وتحظر معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، التي وقّعتها الولايات المتحدة، بعض الممارسات العسكرية على سطح القمر، وتنص على استخدامه «حصرياً للأغراض السلمية». ونصت على أن «يُحظر إنشاء قواعد ومنشآت وتحصينات عسكرية، واختبار أي نوع من الأسلحة، وإجراء مناورات عسكرية على الأجرام السماوية. ولا يُحظر استخدام الأفراد العسكريين في البحوث العلمية أو لأي أغراض سلمية أخرى».

وصرح الفريق غريغوري غانيون، قائد قيادة القوات القتالية في القوات الفضائية، للصحافيين خلال اجتماع مائدة مستديرة، بأن السربين الثامن عشر والتاسع عشر للدفاع الفضائي يتشاركان الآن مهمة العمليات في الفضاء القريب من القمر. وأضاف: «خصومنا، خصومنا المحتملون مثل جمهورية الصين الشعبية، يسعون بنشاط إلى القيام بأنشطة في المناطق القريبة من القمر. وهذا بمثابة توسيع، إن صح التعبير، لمنطقة النهاية في لعبة كرة القدم».

وعند سؤاله عما إذا كانت معاهدة الفضاء الخارجي تحد من طموحات الجيش في الفضاء القريب من القمر، قال غانيون إنها لا تحدّ من العمليات المدارية. وأكد قائلاً: «ستواصل القوات الفضائية الأميركية تنفيذ عمليات فضائية آمنة ومسؤولة في جميع مناطق الفضاء وفي جميع المدارات».

التفاف قانوني

وقال برينيلدسون إنه بينما تحظر المعاهدة إنشاء قواعد عسكرية على سطح القمر، «تحتاج الولايات المتحدة إلى قدرات أفضل في الفضاء القريب من القمر لضمان امتثال الصين لهذا الالتزام وعدم عسكرة القمر. هناك فجوة حقيقية في التغطية من جانب الولايات المتحدة يجب سدّها».

أثار الكشف الذي أدلى به هذا الأسبوع وزير القوات الجوية تروي مينك ورئيس عمليات الفضاء الجنرال دوغلاس شييس عن امتلاك الولايات المتحدة أسلحة للتحكم في الفضاء في المدار تساؤلات قانونية حول استخدامها المسؤول. وقد تكهن الخبراء بأن هذه الأسلحة على الأرجح غير حركية، مثل أجهزة التشويش وقدرات الحرب الإلكترونية.

وعندما سُئل غانيون عما إذا كانت السياسة الأميركية تحدّ من استخدام سلاح فضائي حركي، أي ذي قدرة تدميرية من شأنها أن تُحدث حطاماً، أحال الأمر إلى مكاتب السياسات. وقال: «لدينا قدرات عسكرية لأننا نستعد للدفاع عن الوطن. والسبب في امتلاكنا لهذه القدرات هو المساعدة في خلق الردع. عندما تخوض حرباً، فإنك تُلحق أضراراً بالأشياء».

وأضاف برينيلدسون: «ليس من الواضح ما هي القيود القانونية المفروضة على استخدام الأسلحة الحركية أو غير الحركية في الفضاء. ولا تقدم معاهدة الفضاء الخارجي إجابات شافية حول العوامل التي يجب مراعاتها في أي عمل عسكري». وقال: «في نهاية المطاف، أعتقد أن أول صراع فضائي قد يكون الوقت الذي تُصاغ فيه معظم هذه القواعد».

* «مجلة «وان ديفينس»، خدمات «تريبيون ميديا».


«ناسا» تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على القمر

عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على القمر

عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)

اكتشف باحث في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر، في حدث نادر يقول العلماء إنه قد لا يتكرّر سوى مرة كل قرن أو أكثر.

وأوضحت ناسا أن عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» (McGetchin)، يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب، فيما قدّر الباحثون أن الجسم الذي تسبب بها كان بحجم مبنى يتألف من ثلاث إلى سِت طبقات. وقالت ناسا «يقدّر العلماء أن اصطداما بهذا الحجم يحدث على القمر مرة كل قرن» أو أكثر.

ورغم أن الفوهة موجودة منذ سنوات، فإنها لم تُكتشف إلا عندما لاحظها الباحث روبرت فاغنر خلال تحليل صور جديدة التقطها مسبار «مستكشف القمر المداري» (LRO)، الذي يدرس القمر منذ العام 2009. وظهرت الفوهة في الصور على شكل «بقعة ساطعة كبيرة تحيط بها هالة داكنة».

وأشارت دراسة نُشرت الأربعاء في مجلة «ساينس أدفانسيز» إلى أن هذه الفوهة تمثّل أكبر فوهة حديثة التكوين جرى اكتشافها في النظام الشمسي حتى الآن. ويقول العلماء إن دراسة تشكُّل الفوهات الحديثة تساعد على فهم جيولوجيا القمر بصورة أفضل، ما قد يساهم في التحضير للبعثات المأهولة المستقبلية التي تخطّط لها كل من الولايات المتحدة والصين.