مساعٍ حثيثة لتحديد تأثير التغيرات المناخية بدقة على الظواهر الجوية

العلماء يبحثون عن إجابات تستند إلى أسس علمية

مساعٍ حثيثة لتحديد تأثير التغيرات المناخية بدقة على الظواهر الجوية
TT

مساعٍ حثيثة لتحديد تأثير التغيرات المناخية بدقة على الظواهر الجوية

مساعٍ حثيثة لتحديد تأثير التغيرات المناخية بدقة على الظواهر الجوية

​عندما تضرب موجة حر مدمرة أو إعصار أو فيضان أو حريق غابات، غالباً ما يرغب الناس في معرفة الإجابة عن السؤال: إلى أي مدى ساهم تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية في هذا الحدث، إن كان له دور أصلاً؟ كما كتب كيفن تي. سمايلي، وديتي سينغ، وجينيفر مارلون، وجيم هوريل*.

إجابات تستند إلى أسس علمية

لسنوات كثيرة، لم يكن بوسع العلماء الإجابة عن هذا السؤال إلا بعبارات عامة؛ فقد كانوا يدركون أن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري يزيد من وتيرة أو شدة بعض أنواع الظواهر الجوية المتطرفة، ولكن تحديد تأثيره على حدث بعينه كان أمراً أكثر صعوبة بكثير.

أما اليوم، فيمكن للباحثين تقديم إجابة تستند إلى أسس علمية تقيّم ما إذا كان تغير المناخ قد جعل موجة الحر أكثر حرارة، أو زاد من كمية الأمطار المصاحبة لإعصار ما، أو فاقم من حدة الجفاف. ومع ذلك، فإن الإجابات ليست دائماً مباشرة، كما أنها لا تتمتع بالقدر نفسه من اليقين لكل نوع من أنواع الظواهر المتطرفة.

لقد شاركنا في لجنة ضمت 14 عضواً تابعة لـ«الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب»، التي أعدت تقريراً جديداً يستعرض واقع هذا المجال المتطور بسرعة، والمعروف باسم «نسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها» (علم «عَزْو الظواهر المناخية»).

ويخلص التقرير إلى أن التقدم المحرز في بيانات الطقس والمناخ، والنماذج المناخية، وطرق تحديد المسببات، قد عزز بشكل كبير قدرة العلماء على تقييم تأثير تغير المناخ على كثير من أنواع الظواهر المتطرفة، مع تسليط الضوء في الوقت نفسه على القيود العلمية المهمة.

كيف يمكن للعلماء دراسة حدث بعينه؟

تنتج الظواهر الجوية عن عوامل متفاعلة كثيرة، بما في ذلك حالة الغلاف الجوي اليومية. ولا يطرح العلماء الذين يجرون دراسات حول «نسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها» سؤالاً عما إذا كان تغير المناخ هو السبب في حدوث إعصار أو موجة حر أو فيضان؛ بل يسألون بدلاً من ذلك عن كيفية تأثير تغير المناخ على ذلك الحدث: كيف كان سيختلف هذا الحدث في عالم خالٍ من زيادة غازات الاحتباس الحراري؟ وكيف تغيرت احتمالات وقوعه نتيجة للاحترار المناخي؟

نهجان متكاملان

ويجيب الباحثون عن هذا السؤال باستخدام نهجين متكاملين:

• النهج الأول يقارن بين معدل تكرار هذا النوع من الأحداث -على سبيل المثال، هطول أمطار غزيرة للغاية تسبب فيضانات- في مناخ اليوم، وبين معدل تكراره المحتمل في مناخ خالٍ من التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية.

• أما النهج الثاني فيبحث في كيفية تغيير تغير المناخ لخصائص الحدث الذي وقع بالفعل؛ فعلى سبيل المثال، يدرس النهج ما إذا كان الإعصار قد تسبب في هطول أمطار أكثر غزارة، أو ما إذا كانت موجة الحر قد أصبحت أشد حرارة نتيجة لارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي.

ويجمع كلا النهجين بين بيانات الطقس والمناخ، والفهم الفيزيائي لآلية عمل النظام المناخي، والنماذج الحاسوبية. يمكن للعلماء مقارنة النتائج المستمدة من مناهج متعددة لتحديد ما إذا كانت تشير إلى الاستنتاج نفسه، ولتقييم مدى الثقة التي يمكن وضعها في هذه النتائج.

على سبيل المثال، خلصت دراسات تناولت إعصار «هارفي» -الذي أدى إلى هطول أمطار بلغ منسوبها 50 بوصة في أجزاء من منطقة مدينة هيوستن عام 2017 وتسبب في فيضانات واسعة النطاق- إلى أن تغير المناخ زاد من كمية الأمطار التي أنتجها الإعصار. وتوصلت دراسات متعددة، استخدمت مناهج مختلفة، إلى استنتاجات متسقة إلى حد بعيد؛ ما يوضح كيف يمكن للعلماء الذين يجرون دراسات «نسب الظواهر إلى أسبابها» تعزيز الثقة في استنتاجاتهم من خلال الاستناد إلى مسارات مستقلة عدة من الأدلة.

درجة ثقة العلماء تتفاوت باختلاف نوع الظاهرة المناخية

من أهم استنتاجات التقرير أن علم «نسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها المناخية»، لا يمتلك القدرة ذاتها على تقييم جميع أنواع الظواهر الجوية المتطرفة؛ إذ تكون درجة الثقة في أعلى مستوياتها بالنسبة للظواهر التي تكون علاقتها بالمناخ الآخذ في الاحترار مفهومة جيداً، وممثلة بدقة في النماذج المناخية.

وتُعد موجات الحر الشديد المثال الأوضح على ذلك؛ فمع ازدياد تركيزات غازات الاحتباس الحراري نتيجة حرق الوقود الأحفوري، شهدت كل منطقة في العالم تقريباً تكراراً أكبر واشتداداً في حدة موجات الحر المتطرفة. ويدرك العلماء كيف تؤدي زيادة غازات الاحتباس الحراري إلى تسخين الغلاف الجوي، وزيادة احتمالية حدوث موجات الحر المتطرفة وشدتها، ما يتيح عزو كثير من موجات الحر الفردية إلى تغير المناخ بدرجة عالية من الثقة.

كما أن درجة الثقة مرتفعة نسبياً عند عزو مساهمة تغير المناخ في ظواهر هطول الأمطار الغزيرة واسعة النطاق، والأعاصير المدارية، وحالات الجفاف في بعض المناطق؛ فالغلاف الجوي الأكثر دفئاً يميل إلى امتصاص مزيد من الرطوبة، ما يفاقم حالات الجفاف، ويؤدي إلى هطول أمطار أكثر غزارة عند تشكل العواصف.

أخطار جوية يصعُب ربطها بالتغيرات المناخية

في المقابل، لا تزال مسألة تقييم دور تغير المناخ في مخاطر جوية أخرى أكثر صعوبة؛ إذ تعتمد العواصف الرعدية الشديدة، والأعاصير القمعية (التورنادو)، وتساقط حبات البرد الكبيرة، والرياح الخطيرة المستقيمة (غير الدوارة) على عمليات جوية تحدث على نطاق ضيق، وهي عمليات لا تزال النماذج المناخية العالمية تواجه صعوبة في تمثيلها بدقة.

وعلاوة على ذلك، فإن البيانات المتعلقة بهذه الظواهر تكون أقل اكتمالاً، ما يزيد من صعوبة رصد التغيرات طويلة الأمد وتقييم دقة النماذج المناخية.

وتزداد بعض الظواهر تعقيداً؛ فعلى سبيل المثال، قد تحدث ظواهر متعددة في آن واحد أو بشكل متتابع، ما يؤدي إلى تأثيرات تراكمية أو متسلسلة، مثل الجفاف الذي يفاقم مخاطر حرائق الغابات. ولا يزال علم «عزو الظواهر المناخية» في بداياته فيما يتعلق بأخذ هذه التفاعلات في الحسبان.

ولا تعني هذه التحديات أن تغير المناخ ليس له أي تأثير على هذه الظواهر؛ بل إنها تعكس مبدأً علمياً جوهرياً: وهو أن مستوى الثقة يعتمد على قوة الأدلة المتاحة.

ويساعد فهم كيفية تأثير تغير المناخ على الظواهر الجوية المتطرفة، المجتمعات والشركات والحكومات، على تقييم المخاطر المتغيرة بشكل أفضل، وتحسين التخطيط والبنية التحتية، واتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن الاستعداد والتكيف. وبالقدر نفسه من الأهمية، فإن معرفة مواضع انخفاض مستوى الثقة تساعد في ضمان أن تظل القرارات مرتكزة على قوة الأدلة العلمية المتاحة.

لماذا يتحسن أداء علم «نسبة الظواهر إلى مسبباتها»؟

لقد أحرز العلم المعني بنسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها تقدماً كبيراً منذ آخر تقييم أجرته «الأكاديميات الوطنية» (National Academies) لهذا المجال في عام 2016؛ إذ أصبح بإمكان الباحثين الآن الوصول إلى سجلات رصد أطول وأكثر دقة، مستمدة من محطات الأرصاد الجوية والأقمار الاصطناعية وأنظمة المراقبة الأخرى. كما أصبحت النماذج المناخية أكثر تطوراً وقدرة على تمثيل العمليات الفيزيائية المسببة للطقس المتطرف، مما يتيح محاكاة واقعية لأنواع كثيرة من هذه الظواهر الجوية.

وفي الوقت نفسه، ازداد بشكل ملحوظ عدد الدراسات التي تحلل دور تغير المناخ في الظواهر المتطرفة، لتشمل أنواعاً من الطقس المتطرف والأحداث المناخية، تفوق ما كانت تغطيه الدراسات قبل عقد من الزمان.

الطقس المتطرف وتغير المناخ: نظرة مستقبلية

مع استمرار تأثير الطقس المتطرف على المجتمعات في جميع أنحاء العالم، يبرز علم نسبة الظواهر إلى مسبباتها كأداة قوية ومتنامية، لفهم كيفية تأثير تغير المناخ على أحداث الطقس المتطرف الفردية، موفراً بذلك معلومات تساعد المجتمعات على الاستعداد للمخاطر المستقبلية والتكيف معها.

وبالقدر نفسه من الأهمية، تحدد هذه الدراسات مواضع الثقة العلمية العالية، ومواضع استمرار حالات عدم اليقين المهمة، والمجالات التي تتطلب إجراء مزيد من البحوث. وتساهم هذه التطورات مجتمعة في ضمان بقاء الاستنتاجات العلمية مرتكزة على الملاحظات، والفهم الفيزيائي، والتحليل الدقيق.

* كيفن تي. سمايلي أستاذ مشارك في علم الاجتماع بجامعة ولاية لويزيانا، وديتي سينغ أستاذة مشاركة في كلية البيئة بجامعة ولاية واشنطن، وجينيفر مارلون باحثة علمية في جامعة ييل، وجيم هوريل أستاذ وحاصل على كرسي «سكوت الرئاسي» في علوم وهندسة البيئة بجامعة ولاية كولورادو (مجلة فاست كومباني).


مقالات ذات صلة

مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

بيئة ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

قال مركز التنبؤات المناخية الأميركي، الخميس، إن ظاهرة «النينيو» تزداد قوة، مرجحاً بنسبة تزيد ‌على 90 في المائة ‌أن ​تبلغ ‌مستويات ⁠شديدة ​

«الشرق الأوسط»
علوم البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

دراسة أميركية تحذِّر من أضراره البيئية

أديل بيترز (واشنطن)
يوميات الشرق يتّخذ مهرجان الباروك السينمائي الطبيعة حضناً والأفلام البيئية هويةً (الشرق الأوسط)

«مهرجان الباروك السينمائي»... الأفلام البيئية في الصدارة تظلِّلها أكبر غابة أَرز

انطلقت الدورة الأولى من «مهرجان الباروك السينمائي» بمبادرة شبابية، بهدف تشجيع صنّاع الأفلام على خوض السينما البيئية.

كريستين حبيب (بيروت)
أوروبا حرائق غابات (أرشيفية - أ.ف.ب)

حرائق الغابات تنتشر في دول أوروبا وكندا

أفادت السلطات المحلية بأن حريقاً اندلع في مقاطعة هويلفا بالأندلس، جنوب غربي إسبانيا، واصل انتشاره، السبت، بعدما طال نحو 4000 هكتار

«الشرق الأوسط» «الشرق الأوسط» (برشلونة)
بيئة مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت ‌الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترويج مركبات تحاكي تأثيرات التمارين المفيدة... لرواد الصالات الرياضية

بنحاس كوهي في مختبره
بنحاس كوهي في مختبره
TT

ترويج مركبات تحاكي تأثيرات التمارين المفيدة... لرواد الصالات الرياضية

بنحاس كوهي في مختبره
بنحاس كوهي في مختبره

قبل بضعة أشهر، علم بنحاس كوهين بوجود تجارة رائجة عبر الإنترنت لنوع من البيبتيدات المسمى MOTS-c، وهو بيبتيد يُحاكي في تأثيره تأثيرات التمارين الرياضية عند حقنه في الفئران، كما كتب كورين بورتيكورين بورتيل(*).

كان كوهين، عميد كلية ليونارد ديفيس لعلم الشيخوخة بجامعة جنوب كاليفورنيا، على دراية تامة بهذا المركب، وهو سلسلة قصيرة من الأحماض الأمينية. وقد حدد مختبره هذه السلسلة منذ سنوات كواحدة من آلاف البيبتيدات التي تعمل كناقلات كيميائية في جسم الإنسان، والتي اعتقد كوهين أنها قد تُستخدم يوماً ما لأغراض علاجية للبشر.

ترويج بلا سند علمي

لكن كوهين شعر بالقلق عندما علم أن اكتشافه هذا يُروج له الآن من قِبل أعداد غفيرة من الباحثين عن طول العمر، وهواة اللياقة البدنية، والمؤثرين في مجال الصحة، باعتباره «تمريناً في زجاجة». ورغم عدم حصوله على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية، فإنه متوفر على نطاق واسع عبر الإنترنت، وغالباً ما يُباع في قوارير تُسوّق على أنها «للاستخدام البحثي فقط».

وقال كوهين: «اتضح أن عشرات الآلاف من الناس يحقنون أنفسهم بمادة MOTS-c، وهي مادة غير قانونية تُباع في السوق السوداء، ومن مصادر مجهولة، وبدرجة نقاء وتعقيم غير معروفة، وأنا أعترض بشدة على ذلك».

وخلال العقد الماضي ازداد طلب المستهلكين على البيبتيدات التجريبية بشكل كبير بسبب الضجة الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد انعدام الثقة في توجيهات الصحة العامة. والآن، يُؤجج الجدل الدائر حول البيبتيدات غير الخاضعة للرقابة معركة سياسية حاسمة داخل الحكومة الفيدرالية. وقد وصف وزير الصحة والخدمات الإنسانية، روبرت ف. كينيدي جونيور، نفسه بأنه «مؤيد كبير» ومستخدم للبيبتيدات، وتعهد بإنهاء «القمع الشديد» الذي تمارسه الحكومة ضدها.

بعض البيبتيدات لها تأثيرات علاجية

وبينما حققت بعض البيبتيدات، مثل الإنسولين وهرمون النمو البشري والببتيد الشبيه بالغلوكاجون-1، تأثيرات علاجية مذهلة عند إعطائها للبشر. لكن كل قارورة من الإنسولين أو دواء GLP-1 على رفوف الصيدليات هي نتاج عقود من التجارب السريرية واختبارات السلامة. كما تتوفر كميات هائلة من البيانات حول تأثيرات هذه الأدوية، والفئات الأكثر فاعلية لها، والجرعة والشكل الأمثل لاستخدامها.

انعدام الأدلة العلمية

أما بالنسبة لـ«MOTS-c» ومجموعة من البيبتيدات الأخرى المتوفرة بكثرة على الإنترنت، فلا توجد أدلة مماثلة. على الرغم من أن المؤيدين يدّعون أن هذه المواد تساعد في إنقاص الوزن، وزيادة الطاقة، وبناء الكتلة العضلية، ويستشهدون غالباً بأبحاث أُجريت على الحيوانات فقط أو على عدد قليل جداً من البشر، إلا أنه لا أحد يعلم على وجه اليقين كيف أو متى يجب استخدامها على البشر. وبينما يتناول العديد من المستخدمين عدة بيبتيدات معاً في تركيبات مخصصة، أو ما يُعرف بـ«المجموعات»، لا توجد بيانات حول كيفية تفاعل البيبتيدات الاصطناعية المختلفة مع بعضها.

حتى الآن، كانت معظم هذه البيبتيدات الشائعة متوفرة فقط في الأسواق الإلكترونية غير الخاضعة للرقابة. ولكن أخيراً صوتت لجنة تابعة لإدارة الغذاء والدواء الأميركية لصالح التوصية بالسماح للصيدليات المتخصصة في تركيب الأدوية بتصنيع 6 بيبتيدات مختلفة متوفرة بالفعل على نطاق واسع عبر الإنترنت، وهي: BPC-157، وTB-500، وKPV، وepitalon، وSemax، وMOTS-c. أما البيبتيد السابع emideltide، فقد رُفض طلبه.

وتُعدّ الصيدليات التي تُحضّر الأدوية حسب الطلب ثغرةً في النظام الرقابي الأميركي. فرغم أن الأدوية التي تُنتجها غير معتمدة من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية، فإنها مُلزمة باتباع لوائح السلامة والجودة في ولاياتها.

سافر كوهين إلى واشنطن العاصمة للتحدث أمام اللجنة، التي يعمل العديد من أعضائها في شركات الرعاية الصحية عن بُعد، وإطالة العمر، والعافية، والتي ستستفيد مالياً من تنظيم البيبتيدات. وبالنظر إلى أن «MOTS-c» يُستخدم بالفعل على نطاق واسع خارج نطاق الاستخدام المُصرّح به، وعدم وجود أدلة بحثية تُثبت وجود آثار جانبية ضارة، قال كوهين في كلمته إنه يعتقد أن تحضير الأدوية «تحت إشراف أطباء مُختصين ومراقبة الجودة» هو أسلم سبيل للمضي قدماً. وأضاف: «لا يُمكننا القضاء على السوق السوداء. لذا أعتقد أنه من الأفضل على الأقل ضمان الجودة والتعقيم، واشتراط مشاركة أطباء مُختصين في هذه العملية. أعتقد حقاً أن هذا خيار أفضل من ترك الأمور على حالها».

ولا يتفق الجميع معه. فقد نصح موظفو إدارة الغذاء والدواء الأميركية، الذين تحدثوا في الاجتماع الذي استمر يومين، بعدم استخدام تركيبات البيبتيدات، قائلين إنه لا توجد بيانات كافية حول سلامتها لتبرير هذه الخطوة.

ويقول بول كنوبفلر، أستاذ بيولوجيا الخلية وعلم التشريح البشري في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا في ديفيس: «مع أنه من الصحيح أن معظم مُصنّعي التركيبات قادرون على إنتاج نسخ أنقى من هذه البيبتيدات مقارنةً بما هو موجود في السوق السوداء، فإن هذا لا يُعالج المخاطر الكامنة المحتملة للبيبتيدات نفسها. ليس هناك أي سبب وجيه يسمح لهم بتجاوز نظام التجارب السريرية القياسي لمجرد وجود رواج للبيبتيدات مدفوع بمؤثري الصحة وشركات التطبيب عن بُعد».

مخاطر الاستخدام طويل المدى

اكتشف كوهين ببتيد «MOTS-c» من خلال تحليل 97 في المائة من الحمض النووي البشري الذي لا يحمل جينات. هذا المخزون البيولوجي، الذي كان يُنظر إليه سابقاً على أنه «حمض نووي غير وظيفي» أو «جينوم مظلم»، تبين أنه غني بالهرمونات والبروتينات الدقيقة التي تلعب أدواراً مهمة في تنظيم أجهزة الجسم وعملياته الحيوية.

وقد نُشر ما يقارب 250 بحثاً علمياً من عشرات المختبرات البحثية حول العالم حول بيبتيد «MOTS-c» منذ أن اكتشفه مختبر كوهين. ورغم قلة مخاطر هذا البيبتيد وآثاره الجانبية، وتأثيراته الواضحة على الاستقلاب (التمثيل الغذائي) في الفئران، فإنه لا يُعرف حتى الآن كيف يؤثر استخدامه طويل الأمد على البشر، أو ما هي التركيبة أو الجرعة الأكثر فاعلية. ويبدو أن ادعاءات المؤثرين حول تأثير البيبتيدات على فقدان الوزن، وكتلة العضلات، وطول العمر، والطاقة لدى البشر، مستنبطة من تأثيراتها على حيوانات المختبر.

وقال كوهين: «بعض الفئات من الناس - على سبيل المثال، عشاق اللياقة البدنية، وهو مصطلح لطيف يُطلق على رواد الصالات الرياضية - يأخذون نتيجة واحدة من دراسة أُجريت على الفئران ويعتبرونها حقيقة مطلقة». وأضاف أنه في عالم مثالي، يتمنى أن يُطوّر «MOTS-c» ليصبح دواءً مُعتمداً من إدارة الغذاء والدواء الأميركية. لكن في الواقع، يتطلب نقل دواء واحد من المختبر إلى السوق وقتاً طويلاً (عشر سنوات على الأقل، وغالباً أكثر) وأموالاً طائلة (مئات الملايين من الدولارات على الأقل، وغالباً أكثر)، ما يجعل عدداً قليلاً جداً من المرشحين لتطويره ينجح في تحقيق هذا الهدف. وقد تعثرت جهوده الشخصية لتطوير دواء منه.

من سيطرة الأطباء... إلى سيطرة المروجين والمستهلكين

وحذر كوهين، قائلاً: «الصورة العامة هي أننا كأمة ننتقل من نموذج القرن العشرين، حيث كانت الرعاية الصحية خاضعة لسيطرة الأطباء وشركات التأمين، إلى نموذج جديد في القرن الحادي والعشرين، حيث يطالب المستهلكون ويحصلون على خدمات ومنتجات الصحة والعافية التي يدفعون ثمنها نقداً. لا أقول إن هذا نموذج أفضل، ولكنه النموذج الذي ننتقل إليه».

* «لوس أنجليس تايمز»، خدمات «تريبيون ميديا».


«قيادة الفضاء الأميركية»: 5 متطلبات لكسب حروب المستقبل

شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض
شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض
TT

«قيادة الفضاء الأميركية»: 5 متطلبات لكسب حروب المستقبل

شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض
شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض

صرح قائد قيادة الفضاء الأميركية بأن الأسلحة الفضائية والأقمار الاصطناعية القابلة لإعادة التزود بالوقود تأتي ضمن المتطلبات اللازمة للحفاظ على التفوق العسكري الأميركي في المدارات الفضائية مقارنة بالصين، كما كتب توماس نوفلي(*).

استعداد عسكري فضائي... بهدف التفوق على الصين

وفي كلمته أمام الحضور في «ندوة الدفاع الفضائي والصاروخي» أمس (الأربعاء)، قال الجنرال ستيفن وايتينغ إن خصوم أميركا يستهدفون الآلات الفضائية الأميركية ويعملون في الوقت نفسه على تطوير قدراتهم الفضائية بسرعة. وأشار إلى أن الصين، على سبيل المثال، تمتلك صواريخ مضادة للأقمار الاصطناعية (ASAT) تُطلق من الأرض مباشرة، وأنظمة ليزر أرضية، وأجهزة تشويش، وأقماراً اصطناعية قابلة للمناورة وذات استخدام مزدوج.

5 متطلبات رئيسية

وأضاف وايتينغ: «تهدف هذه التطورات إلى تقويض تفوقنا الحالي في الفضاء، ومن شأنها أن تمنح الصين ميزة في المناورة والخدمات اللوجستية في الفضاء؛ وهو أمر لن نقبل به سواء في البر أو البحر أو الجو». وفي كلمته الأخيرة بصفته قائداً لهذه القيادة القتالية (وهو منصب برتبة جنرال بـ4 نجوم) خلال الندوة المذكورة التي عقدت في هانتسفيل بألاباما، أوضح وايتينغ للحضور، ومن ضمنهم مسؤولون عسكريون وممثلون عن قطاع الصناعة، أن هناك 5 متطلبات رئيسية مدرجة ضمن «قائمة الأولويات المتكاملة» لقيادة الفضاء الأميركية للفترة ما بين عامي 2029 و2033.

وأضاف قائلاً: «هذه ليست مجرد قائمة أمنيات، بل هي مؤشر واضح على المتطلبات الموجهة لعدة جهات، وتحدد القدرات القتالية التي نحتاج إليها لإنجاز مهمتنا».

قدرات نارية متكاملة في الفضاء

1.القدرات النارية الفضائية المتكاملة: على غرار المصطلحات المستخدمة في الجيش البري، استخدم وايتينغ هذا المصطلح طوال فترة توليه قيادة الفضاء للإشارة إلى القدرات الهجومية والدفاعية اللازمة لردع التهديدات الموجودة في المدار. وقال: «نحن قيادة قتالية ومهمتنا القتال لكسب الحروب. ولكي ننتصر، نحتاج إلى قدرات نارية -سواء كانت حركية (تدميرية) أو غير حركية- تتسم بالمصداقية والفاعلية المعترف بها؛ إذ تُعد هذه القدرات عنصراً أساسياً في كيفية تحقيقنا التفوق الفضائي واستعادة قوة الردع الموثوقة».

مجابهة الأقمار منخفضة المدار

2. تقنيات مواجهة الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض. ذكر وايتينغ أن هناك حاجة لتقنيات جديدة لمواجهة كوكبات الأقمار الاصطناعية التي ينشرها الخصوم في المدار الأرضي المنخفض. وكانت الصين قد أطلقت حتى الشهر الماضي، 200 قمر اصطناعي للاتصالات من طراز «جي 60» G60 و168 قمراً من طراز «سات نت» SatNet في إطار سعيها لبناء «كوكبتين ضخمتين بهدف منافسة البنى التحتية الغربية المعتمدة على أسراب كثيفة من الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض، وذلك وفقاً لوثيقة حقائق صادرة عن «قوة الفضاء» الأميركية.

وصرح وايتينغ للصحافيين عقب كلمته الرئيسية قائلاً: «لا أريد تعريض أي قوة أميركية للخطر لمجرد أن طرفاً آخر قد يمتلك كوكبة كثيفة من الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض قادرة على رصد القوات الأميركية وتحديد مواقعها وتتبعها واستهدافها».

قيادة سيطرة مشتركة

3.القيادة والسيطرة الفضائية المشتركة والمتكاملة: غالباً ما يشدد القادة العسكريون على الأهمية المحورية للقدرة على الإشراف على العمليات الفضائية المعقدة وتنظيمها وإصدار الأوامر بشأنها. وقال وايتينغ في كلمته: «علينا تعزيز الاتصال المباشر بين الآلات (machine-to-machine) لدعم اتخاذ القرار وإدارة المعارك في هذا الصراع الفضائي العالمي، وذلك ضمن أطر زمنية تتناسب مع المتطلبات التكتيكية».

4.الوعي المخصص لفهم أعمال المجال الفضائي بهدف ممارسة الاشتباكات الفضائية: أشار وايتينغ إلى أن الأمر لا يقتصر على الدفاع الصاروخي فحسب؛ إذ يجب أن يتوسع الوعي بالمجال الفضائي ويتطور ليشمل نطاقاً واسعاً من العمليات الفضائية، وليس مجرد قطاع واحد منها. وأضاف قائلاً: «يجب علينا تبني عقلية تركز على (مسارات للتتبع ذات جودة عالية تتيح الاستهداف) في كل ما نقوم به في الفضاء، تماماً كما فعل مجتمع الدفاع الصاروخي لعقود».

الأقمار الاصطناعية القابلة للتزود بالوقود... أولوية

5.المناورة الفضائية المتواصلة والمستمرة: تظل عملية تطوير أقمار اصطناعية قابلة للتزود بالوقود -لإطالة فترة صلاحيتها التشغيلية- إحدى الأولويات الرئيسية للقيادة الفضائية الأميركية. ففي شهر مارس (آذار) الماضي، استخدم قمر اصطناعي تجاري صيني ذراعاً آلية مرنة «لإجراء تجربة عملية للخدمة والصيانة في المدار، والتزود بالوقود، وإزالة الحطام الفضائي»، وذلك حسب «قوة الفضاء» الأميركية.

وقال وايتينغ: «تقتصر قدرات أقمارنا الاصطناعية اليوم على كمية الوقود التي تنطلق بها، ما يولد عقلية قائمة على (شح الموارد)؛ إذ غالباً ما تكون الأولوية للحفاظ على الوقود على حساب مناورات القتال المطلوبة. يجب أن يتغير هذا الوضع؛ إذ يتعين علينا أن نكون قادرين على تجنب التهديدات بفاعلية والمناورة لاكتساب موقع تفوق على خصومنا».

* مجلة «ديفنس وان».


الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني

الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني
TT

الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني

الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني

يهدد الذكاء الاصطناعي بتقويض التعليم الإلكتروني، وهو قطاع مزدهر للكليات والجامعات، في ظلّ معاناة الأساتذة لمواجهة موجة الغشّ المتزايدة التي تُمكّنها التكنولوجيا، كما كتب دانا غولدستاين ووآلان بليندر(*)

التعليم عبر الإنترنت

في قاعات الدراسة التقليدية، تحوّل العديد من المدرسين إلى العروض الشفوية والاختبارات الكتابية في محاولة لمنع إساءة استخدام هذه التكنولوجيا غير الخاضعة للرقابة. لكنّ تطبيق هذه الاستراتيجيات قد يكون أكثر صعوبة عبر الإنترنت، حيث التحق أكثر من نصف طلاب الجامعات الأميركية بدورة واحدة على الأقل العام الماضي، مقارنةً بنحو الثلث في عام 2019.

في العديد من الدورات الدراسية عبر الإنترنت، سواء في الكليات المحلية أو الجامعات العالمية المرموقة، قد لا يلتقي الطلاب أساتذتهم أو زملاءهم، حتى عبر الفيديو. إذ إن هذه الدورات ذاتية التعلّم، وتعتمد على محاضرات مسجلة مسبقاً، وتُعرف أيضاً بالتعليم غير المتزامن. ويقدم الطلاب الواجبات والاختبارات إلكترونياً.

وبينما تُقدّم بعض الجامعات التعليم عبر الإنترنت بالكامل، يتزايد عدد الجامعات التقليدية التي تُوسّع نطاق برامجها الإلكترونية. أحياناً، يستطيع الطلاب الحصول على شهادات جامعية كاملة عبر الإنترنت. وفي حالات أخرى، يدرسون مقررات دراسية منفردة.

الغش بواسطة الذكاء الاصطناعي

وفي هذا السياق يتسارع الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، متجاوزاً مجرد نسخ ولصق المقالات ومجموعات التمارين التي تُنتجها برامج الدردشة الآلية. فقد مكّنت هذه البرامج الطلاب من توليد مقررات فصل دراسي كامل من العمل. فبمجرد توجيه أوامر بسيطة - مثل «سجّل الدخول وأكمل اختباري» - يستطيع الطالب استخدام المحتوى الذي يُحاكي محتواه المطلوب دراسياً. فهذه البرامج يمكنها مشاهدة فيديوهات المحاضرات، وإجراء الاختبارات، وكتابة الأبحاث، والتواصل لمناقشة واجبات القراءة.

مخاوف من الشهادات الإلكترونية

لطالما أُثيرت تساؤلات حول ما إذا كانت الشهادات من البرامج الإلكترونية تُعادل في قيمتها الشهادات التي تُمنح في الجامعات التقليدية. لكنّ صانعي السياسات وقادة التعليم أمضوا عقدين من الزمن في الترويج للتعليم الإلكتروني كأداة لتحقيق العدالة، تُمكّن الطلاب غير التقليديين، مثل أولياء الأمور العاملين ذوي الدخل المحدود، من الدراسة أينما ووقتما يُناسبهم. ويقول العديد من الطلاب إنّ الدراسة عبر الإنترنت جعلت الحصول على الشهادات الجامعية في متناول أيديهم.

لكنّ سهولة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي تُعمّق الآن المخاوف بشأن أكثر أشكال التعليم العالي سهولةً، في الوقت الذي يُعاني فيه العديد من الطلاب من التداعيات الأكاديمية للجائحة، ويتساءلون عمّا إذا كانوا يمتلكون المهارات اللازمة للنجاح في الجامعة.

وفي مقابلات، وصف مُدرّسون من مختلف أنحاء البلاد شعورهم المُقلق بأنّ الذكاء الاصطناعي قد تسلّل إلى فصولهم الدراسية الرقمية.

تجربة مدرسة تعليم إلكتروني

كانت ردة فعل كارين كوستا -التي أمضت ما يقرب من 20 عاماً في تدريس دورات عبر الإنترنت- في البداية تتسم بالاستخفاف كلما تحدث الناس عن احتمالية تغلغل الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم العالي. لكنها تقول إنها لاحظت في العام الماضي «تدفقاً» لأعمال أنجزها طلابها باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وتستذكر كوستا - التي حصلت بنفسها على شهادة دراسات عليا متقدمة من خلال برنامج يعتمد بشكل أساسي على التعلم غير المتزامن في جامعة نورث إيسترن - أنها تساءلت حينها: «هل أنا أتعامل مع روبوتات هنا؟». وتعمل كاثرين كايسار في التدريس بالكليات المحلية منذ ثمانينات القرن الماضي. وقد لاحظت أخيراً أن الطلاب يقدمون أداءً متدنياً للغاية في اختبار أولي لمهارات علامات الترقيم والتنقيط، لكنهم سرعان ما يقدمون بعد ذلك أعمالاً ممتازة تزخر بعلامات الترقيم الدقيقة مثل النقطتين الرأسيتين والفاصلة والفاصلة المنقوطة.

تمييز نصوص الذكاء الاصطناعي الرديئة

وتقول كايسار - التي تشرف على دورات عبر الإنترنت منذ نحو 15 عاماً وتُرجع مشاكل التعليم العالي المتعلقة بسوء استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إخفاقات تنظيمية وقيادية: «الأمر واضح للغاية؛ فالمعلمون ذوو الخبرة الطويلة، ممن يعملون أيضاً في مجالات التحرير والكتابة، يمكنهم عادةً تمييز النصوص الرديئة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي في غضون 30 ثانية».

وهي تفرض الآن إجراء اختبارات حضورية (وجهاً لوجه) في منتصف الفصل الدراسي وفي نهايته لبعض الفصول، مع توفير قاموس ورقي في مقدمة القاعة الدراسية.

غش واضح... وحلول غائبة

غالباً ما ينفي الطلاب في جميع أنحاء البلاد بشدة ارتكاب أي مخالفات، بينما يبدي المسؤولون وأعضاء هيئة التدريس -كما يُقال- تردداً مستمراً في فرض إجراءات تأديبية. ويعود ذلك جزئياً إلى احتمالية وقوع برمجيات كشف الذكاء الاصطناعي في الخطأ، ما يعني غياب الأدلة القاطعة على سوء السلوك. كما يخشى بعض الأساتذة أن يرفض بعض المسؤولين المخاطرة بخسارة «زبون يدفع الرسوم» في ظل تقلص الميزانيات وتغير التركيبة السكانية. علاوة على ذلك، يبدي قادة قطاع التعليم حماساً لتبني تقنية من شأنها إعادة تشكيل عالم العمل.

والنتيجة هي تباين في الاستجابة لحالات سوء استخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ يكتفي بعض الأساتذة بعدم الاكتراث، بينما يمنح آخرون درجات متدنية، في حين يسمح فريق ثالث للطلاب باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دون قيود.

وقد دعا بعض أعضاء هيئة التدريس إلى فرض تنظيم حكومي لأدوات الذكاء الاصطناعي التي يستخدمها الطلاب. وحتى الآن، لم تتخذ شركات التكنولوجيا - التي تتحرك بمبادرات فردية - خطوات تذكر للحد من الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي. وتطول هذه المشكلة كلاً من الفصول الدراسية التقليدية وتلك التي تُعقد عبر الإنترنت، إلا أن مراقبتها وضبطها يزدادان صعوبة عندما ينجز الطلاب مهامهم ويؤدون اختباراتهم من المنزل، بعيداً عن أنظار الأساتذة.

منصات الذكاء الاصطناعي التي لا ترفض الطلبات

في اختبارات أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، لم تقم أي من أدوات الذكاء الاصطناعي الثلاث الرائدة بين الطلاب — وهي «تشات جي بي تي» و«جيميناي» و«غرامرلي» Grammarly - برفض الطلبات (أو قول «لا») التي تطلب من برمجيات الدردشة الآلية كتابة ورقة بحثية نيابة عن الطالب. ورغم أن النسخ المرخصة للمدارس من هذه البرمجيات قد تفرض قيوداً أكثر صرامة، فإن لا شيء يمنع الطلاب من الالتفاف على تلك القيود باستخدام عناوين بريد إلكتروني شخصية أو أجهزة إضافية.

توظيف المنصات الذكية التعليمية

كما لم تمنع شركات الذكاء الاصطناعي هذه البرمجيات الذكية من تسجيل الدخول إلى منصات تعليمية مثل «كانفاس» Canvas و«براتسبايس» Brightspace و«بلاكبورد» Blackboard، التي تستخدمها الكليات لإدارة الفصول الدراسية عبر الإنترنت. ويمكن لتلك المنصات التعليمية رصد مؤشرات تدل على استخدام هذه البرمجيات، مثل الوقت المستغرق في إنجاز المهمة. ومع ذلك، أشار مسؤولو العديد منها إلى عدم وجود طريقة مضمونة تماماً لمنع الغش باستخدام هذه الأدوات الذكية.

وقال جيسون ويفر، رئيس مكتب العمليات في شركة «بلاكبورد»، إن «زبائننا يوضحون بجلاء أن النزاهة الأكاديمية لم تواجه ضغوطاً بهذا الحجم من قبل». وقد استحوذت الشركة أخيراً على تطبيق يتعلم أنماط الكتابة الخاصة بالطلاب للتحقق من صحة أعمالهم.

مطالبات تربوية وامتناع تكنولوجي

وطالب بعض التربويين بأن تقوم برمجيات الذكاء الاصطناعي العاملة داخل الدورات التدريبية عبر الإنترنت بالإفصاح عن هويتها، ليتسنى للأساتذة مراقبة كيفية استخدامها. غير أن شركات الذكاء الاصطناعي قاومت حتى الآن مثل هذه الشفافية.

وفي بيان لها، ذكرت شركة «بيربليكسيتي» Perplexity المطوّرة لمتصفح ويب مدعوم بالذكاء الاصطناعي يحظى بشعبية بين الطلاب — أن تقييد قدرة المستخدمين على الاستعانة بهذه الأدوات الذكية داخل أنظمة التعلم عبر الإنترنت، أو إلزام تلك الأدوات بالكشف عن هويتها، «من شأنه أن يعرض خصوصية الطالب وأمنه للخطر».

ولم ترد شركتا «غوغل» مطوّرة «جيميناي» و«أوبن إيه آي» مطوّرة «تشات جي بي تي» على استفسارات حول قيام برمجياتهما الذكية بانتحال شخصية الطلاب. وفي بيانات مكتوبة، أكدت كلتا الشركتين المنافستين أنهما تعملان جنباً إلى جنب مع التربويين لحماية التعلم الهادف.

أشكال غش أكثر حداثة... بالنظارات الذكية

وحذر خبراء من ظهور أشكال أكثر حداثة للغش باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ يمكن للأجهزة القابلة للارتداء، مثل النظارات، أن تتيح للطلاب طلب المساعدة حتى أثناء العمل عبر متصفح ويب مؤمّن، كما يمكن للشخصيات الافتراضية (الأفاتار) التي تعمل بالذكاء الاصطناعي انتحال شخصية الطلاب في مكالمات الفيديو.

إضافة عناصر تعليم واقعية لمكافحة الغش

وفي ظل غياب الحلول التقنية، بدأ بعض التربويين بمن فيهم كايسار، بدمج المزيد من العناصر الواقعية في الدورات التدريبية عبر الإنترنت. وقالت مارينا أميني، المديرة التنفيذية لمبادرة «California Virtual Campus» التي توفر دورات تعليمية عبر الإنترنت للكليات المحلية: «لا نريد حرمان الطلاب من إمكانية الوصول إلى هذه الأدوات». لكنها أشارت إلى إمكانية إضافة الأساتذة لعناصر مرنة تتطلب الحضور الشخصي، مثل إجراء اختبار داخل الفصل يُتاح على مدار عدة أيام. كما تعمدت بعض المؤسسات التعليمية تغيير أسلوب تصميم الواجبات الدراسية عبر الإنترنت، معتمدةً على إجابات شخصية يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها أو تزييفها.

* خدمة «نيويورك تايمز».