مساعٍ حثيثة لتحديد تأثير التغيرات المناخية بدقة على الظواهر الجوية

العلماء يبحثون عن إجابات تستند إلى أسس علمية

مساعٍ حثيثة لتحديد تأثير التغيرات المناخية بدقة على الظواهر الجوية
TT

مساعٍ حثيثة لتحديد تأثير التغيرات المناخية بدقة على الظواهر الجوية

مساعٍ حثيثة لتحديد تأثير التغيرات المناخية بدقة على الظواهر الجوية

​عندما تضرب موجة حر مدمرة أو إعصار أو فيضان أو حريق غابات، غالباً ما يرغب الناس في معرفة الإجابة عن السؤال: إلى أي مدى ساهم تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية في هذا الحدث، إن كان له دور أصلاً؟ كما كتب كيفن تي. سمايلي، وديتي سينغ، وجينيفر مارلون، وجيم هوريل*.

إجابات تستند إلى أسس علمية

لسنوات كثيرة، لم يكن بوسع العلماء الإجابة عن هذا السؤال إلا بعبارات عامة؛ فقد كانوا يدركون أن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري يزيد من وتيرة أو شدة بعض أنواع الظواهر الجوية المتطرفة، ولكن تحديد تأثيره على حدث بعينه كان أمراً أكثر صعوبة بكثير.

أما اليوم، فيمكن للباحثين تقديم إجابة تستند إلى أسس علمية تقيّم ما إذا كان تغير المناخ قد جعل موجة الحر أكثر حرارة، أو زاد من كمية الأمطار المصاحبة لإعصار ما، أو فاقم من حدة الجفاف. ومع ذلك، فإن الإجابات ليست دائماً مباشرة، كما أنها لا تتمتع بالقدر نفسه من اليقين لكل نوع من أنواع الظواهر المتطرفة.

لقد شاركنا في لجنة ضمت 14 عضواً تابعة لـ«الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب»، التي أعدت تقريراً جديداً يستعرض واقع هذا المجال المتطور بسرعة، والمعروف باسم «نسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها» (علم «عَزْو الظواهر المناخية»).

ويخلص التقرير إلى أن التقدم المحرز في بيانات الطقس والمناخ، والنماذج المناخية، وطرق تحديد المسببات، قد عزز بشكل كبير قدرة العلماء على تقييم تأثير تغير المناخ على كثير من أنواع الظواهر المتطرفة، مع تسليط الضوء في الوقت نفسه على القيود العلمية المهمة.

كيف يمكن للعلماء دراسة حدث بعينه؟

تنتج الظواهر الجوية عن عوامل متفاعلة كثيرة، بما في ذلك حالة الغلاف الجوي اليومية. ولا يطرح العلماء الذين يجرون دراسات حول «نسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها» سؤالاً عما إذا كان تغير المناخ هو السبب في حدوث إعصار أو موجة حر أو فيضان؛ بل يسألون بدلاً من ذلك عن كيفية تأثير تغير المناخ على ذلك الحدث: كيف كان سيختلف هذا الحدث في عالم خالٍ من زيادة غازات الاحتباس الحراري؟ وكيف تغيرت احتمالات وقوعه نتيجة للاحترار المناخي؟

نهجان متكاملان

ويجيب الباحثون عن هذا السؤال باستخدام نهجين متكاملين:

• النهج الأول يقارن بين معدل تكرار هذا النوع من الأحداث -على سبيل المثال، هطول أمطار غزيرة للغاية تسبب فيضانات- في مناخ اليوم، وبين معدل تكراره المحتمل في مناخ خالٍ من التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية.

• أما النهج الثاني فيبحث في كيفية تغيير تغير المناخ لخصائص الحدث الذي وقع بالفعل؛ فعلى سبيل المثال، يدرس النهج ما إذا كان الإعصار قد تسبب في هطول أمطار أكثر غزارة، أو ما إذا كانت موجة الحر قد أصبحت أشد حرارة نتيجة لارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي.

ويجمع كلا النهجين بين بيانات الطقس والمناخ، والفهم الفيزيائي لآلية عمل النظام المناخي، والنماذج الحاسوبية. يمكن للعلماء مقارنة النتائج المستمدة من مناهج متعددة لتحديد ما إذا كانت تشير إلى الاستنتاج نفسه، ولتقييم مدى الثقة التي يمكن وضعها في هذه النتائج.

على سبيل المثال، خلصت دراسات تناولت إعصار «هارفي» -الذي أدى إلى هطول أمطار بلغ منسوبها 50 بوصة في أجزاء من منطقة مدينة هيوستن عام 2017 وتسبب في فيضانات واسعة النطاق- إلى أن تغير المناخ زاد من كمية الأمطار التي أنتجها الإعصار. وتوصلت دراسات متعددة، استخدمت مناهج مختلفة، إلى استنتاجات متسقة إلى حد بعيد؛ ما يوضح كيف يمكن للعلماء الذين يجرون دراسات «نسب الظواهر إلى أسبابها» تعزيز الثقة في استنتاجاتهم من خلال الاستناد إلى مسارات مستقلة عدة من الأدلة.

درجة ثقة العلماء تتفاوت باختلاف نوع الظاهرة المناخية

من أهم استنتاجات التقرير أن علم «نسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها المناخية»، لا يمتلك القدرة ذاتها على تقييم جميع أنواع الظواهر الجوية المتطرفة؛ إذ تكون درجة الثقة في أعلى مستوياتها بالنسبة للظواهر التي تكون علاقتها بالمناخ الآخذ في الاحترار مفهومة جيداً، وممثلة بدقة في النماذج المناخية.

وتُعد موجات الحر الشديد المثال الأوضح على ذلك؛ فمع ازدياد تركيزات غازات الاحتباس الحراري نتيجة حرق الوقود الأحفوري، شهدت كل منطقة في العالم تقريباً تكراراً أكبر واشتداداً في حدة موجات الحر المتطرفة. ويدرك العلماء كيف تؤدي زيادة غازات الاحتباس الحراري إلى تسخين الغلاف الجوي، وزيادة احتمالية حدوث موجات الحر المتطرفة وشدتها، ما يتيح عزو كثير من موجات الحر الفردية إلى تغير المناخ بدرجة عالية من الثقة.

كما أن درجة الثقة مرتفعة نسبياً عند عزو مساهمة تغير المناخ في ظواهر هطول الأمطار الغزيرة واسعة النطاق، والأعاصير المدارية، وحالات الجفاف في بعض المناطق؛ فالغلاف الجوي الأكثر دفئاً يميل إلى امتصاص مزيد من الرطوبة، ما يفاقم حالات الجفاف، ويؤدي إلى هطول أمطار أكثر غزارة عند تشكل العواصف.

أخطار جوية يصعُب ربطها بالتغيرات المناخية

في المقابل، لا تزال مسألة تقييم دور تغير المناخ في مخاطر جوية أخرى أكثر صعوبة؛ إذ تعتمد العواصف الرعدية الشديدة، والأعاصير القمعية (التورنادو)، وتساقط حبات البرد الكبيرة، والرياح الخطيرة المستقيمة (غير الدوارة) على عمليات جوية تحدث على نطاق ضيق، وهي عمليات لا تزال النماذج المناخية العالمية تواجه صعوبة في تمثيلها بدقة.

وعلاوة على ذلك، فإن البيانات المتعلقة بهذه الظواهر تكون أقل اكتمالاً، ما يزيد من صعوبة رصد التغيرات طويلة الأمد وتقييم دقة النماذج المناخية.

وتزداد بعض الظواهر تعقيداً؛ فعلى سبيل المثال، قد تحدث ظواهر متعددة في آن واحد أو بشكل متتابع، ما يؤدي إلى تأثيرات تراكمية أو متسلسلة، مثل الجفاف الذي يفاقم مخاطر حرائق الغابات. ولا يزال علم «عزو الظواهر المناخية» في بداياته فيما يتعلق بأخذ هذه التفاعلات في الحسبان.

ولا تعني هذه التحديات أن تغير المناخ ليس له أي تأثير على هذه الظواهر؛ بل إنها تعكس مبدأً علمياً جوهرياً: وهو أن مستوى الثقة يعتمد على قوة الأدلة المتاحة.

ويساعد فهم كيفية تأثير تغير المناخ على الظواهر الجوية المتطرفة، المجتمعات والشركات والحكومات، على تقييم المخاطر المتغيرة بشكل أفضل، وتحسين التخطيط والبنية التحتية، واتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن الاستعداد والتكيف. وبالقدر نفسه من الأهمية، فإن معرفة مواضع انخفاض مستوى الثقة تساعد في ضمان أن تظل القرارات مرتكزة على قوة الأدلة العلمية المتاحة.

لماذا يتحسن أداء علم «نسبة الظواهر إلى مسبباتها»؟

لقد أحرز العلم المعني بنسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها تقدماً كبيراً منذ آخر تقييم أجرته «الأكاديميات الوطنية» (National Academies) لهذا المجال في عام 2016؛ إذ أصبح بإمكان الباحثين الآن الوصول إلى سجلات رصد أطول وأكثر دقة، مستمدة من محطات الأرصاد الجوية والأقمار الاصطناعية وأنظمة المراقبة الأخرى. كما أصبحت النماذج المناخية أكثر تطوراً وقدرة على تمثيل العمليات الفيزيائية المسببة للطقس المتطرف، مما يتيح محاكاة واقعية لأنواع كثيرة من هذه الظواهر الجوية.

وفي الوقت نفسه، ازداد بشكل ملحوظ عدد الدراسات التي تحلل دور تغير المناخ في الظواهر المتطرفة، لتشمل أنواعاً من الطقس المتطرف والأحداث المناخية، تفوق ما كانت تغطيه الدراسات قبل عقد من الزمان.

الطقس المتطرف وتغير المناخ: نظرة مستقبلية

مع استمرار تأثير الطقس المتطرف على المجتمعات في جميع أنحاء العالم، يبرز علم نسبة الظواهر إلى مسبباتها كأداة قوية ومتنامية، لفهم كيفية تأثير تغير المناخ على أحداث الطقس المتطرف الفردية، موفراً بذلك معلومات تساعد المجتمعات على الاستعداد للمخاطر المستقبلية والتكيف معها.

وبالقدر نفسه من الأهمية، تحدد هذه الدراسات مواضع الثقة العلمية العالية، ومواضع استمرار حالات عدم اليقين المهمة، والمجالات التي تتطلب إجراء مزيد من البحوث. وتساهم هذه التطورات مجتمعة في ضمان بقاء الاستنتاجات العلمية مرتكزة على الملاحظات، والفهم الفيزيائي، والتحليل الدقيق.

* كيفن تي. سمايلي أستاذ مشارك في علم الاجتماع بجامعة ولاية لويزيانا، وديتي سينغ أستاذة مشاركة في كلية البيئة بجامعة ولاية واشنطن، وجينيفر مارلون باحثة علمية في جامعة ييل، وجيم هوريل أستاذ وحاصل على كرسي «سكوت الرئاسي» في علوم وهندسة البيئة بجامعة ولاية كولورادو (مجلة فاست كومباني).


مقالات ذات صلة

الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

أوروبا الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

شهدت مناطق في أوروبا يقطنها 80 مليون نسمة حرارة تجاوزت 40 درجة لمرة واحدة على الأقل في الفترة بين 15 يونيو و15 أغسطس 2026.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق ﺗوﺛﻖ عدسة اﻟﻣﻔﺗﺷﺔ اﻟﺑﺣرﯾﺔ ﺳﻠﻣﻰ ﻋزﯾز اﻟﻘﺻﯾراﻟدوﻟﻔﯾن اﻟدوار ﻓﻲ ﻣﯾﺎه اﻟﺑﺣر اﻷﺣﻣر اﻟواﻗﻌﺔ ﺿﻣن ﻧطﺎق المحمية (خاص)

الدلافين الدوارة والنعام أحمر الرقبة من خلال عدسات سعودية

من بين المشاهد التي وثَّقتها عدسات العاملين، الدلافين الدوارة في مياه البحر الأحمر، ومواقع تعشيش السلاحف، ومشروع إعادة توطين النعام أحمر الرقبة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
بيئة إعادة توطين أربعة أفراد من النوع في محمية نيوم الطبيعية (المركز)

محميّة نيوم الطبيعية تشهد أولى ولادات الضبع المخطّط

وثّق المركز السعودي لتنمية الحياة الفطرية بالتعاون مع «نيوم» أولى ولادات الضبع المخطط بعد إعادة توطين أربعة أفراد من النوع بمحمية نيوم الطبيعية.

علوم تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)

العمل عن بُعد لا يحقق بالضرورة مكاسب بيئية

دراسة سويسرية تكشف أن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو عليه

محمد السيد علي (القاهرة)
أوروبا مروحية تُلقي الماء على حريق غابات (أرشيفية - رويترز)

الاتحاد الأوروبي يرسل طائرات لمساعدة بلجيكا في مكافحة حرائق غابات​

قالت حاجة لحبيب، مفوضة إدارة الأزمات في الاتحاد الأوروبي، إنَّ التَّكتُّل نشر 3 طائرات هليكوبتر وطائرتين لإطفاء الحرائق بالماء؛ لمكافحة حريق غابات.

«الشرق الأوسط» «الشرق الأوسط» (بروكسل)

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
TT

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)

اكتشف العلماء أسرع نجم معروف حتى الآن، يدور بسرعة فائقة حول الثقب الأسود فائق الكتلة الموجود في مركز مجرتنا، درب التبانة، وقد يصبح المفتاح لقياس دوران هذا الثقب لأول مرة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتزيد كتلة هذا النجم بنحو 50 في المائة عن شمسنا ويفوقها في درجة السطوع بمقدار خمسة أمثال، ويتحرك بسرعات تصل إلى نحو 90 مليون كيلومتر في الساعة أثناء دورانه حول «ساجيتاريوس إيه*» وهو الثقب الأسود الرئيسي لمجرة درب التبانة.

وهذه السرعات أكبر من سرعة الضوء بثمانية في المائة. ولم يتم اكتشاف أي نجم آخر في مجرتنا أو في أي مكان آخر بهذه السرعة من قبل.

ويتحرك النجم الذي يطلق عليه «إس301» في مدار بيضاوي حول «ساجيتاريوس إيه*»، ويستغرق نحو 8.7 سنة لإتمام دورة كاملة.

وتبلغ أقرب نقطة له من الثقب الأسود نحو 11.5 مثل المسافة بين الأرض عن الشمس، وهي وحدة قياس تعرف بالوحدة الفلكية.

وهذا يعني أن أقرب نقطة مرور للنجم تزيد قليلاً على المسافة التي تفصل كوكب زحل عن الشمس، وأبعد نقطة له عن «ساجيتاريوس إيه*» عند نحو 1360 وحدة فلكية.

والثقوب السوداء أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع أن ينفذ منها. وتبلغ كتلة الثقب «ساجيتاريوس إيه*» نحو أربعة ملايين مثل الشمس، ويقع على بعد نحو 26 ألف سنة ضوئية من الأرض.

والسنة الضوئية الواحدة هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة، وتساوي 9.5 تريليون كيلومتر.

و«ساجيتاريوس إيه*» في حالة سكون حالياً، لكن جاذبيته هائلة مما يعني أنه قادر على ابتلاع النجوم أو أي مواد أخرى تقترب منه أكثر من اللازم. لكن الباحثين يقولون إن من المفترض أن يظل النجم «إس301» في مأمن من غضب الثقب الأسود.

وقال ستيفان غيلسن عالم الفيزياء الفلكية في معهد «ماكس بلانك» للفيزياء في ألمانيا، وهو أحد قادة البحث الذي نُشر اليوم الأربعاء في دورية «نيتشر»، إن «مداره لن يتلاشى في أي وقت قريب. ومن ثم، سيتغير اتجاه المدار، لكنه ليس معرضاً لخطر الابتلاع».

ولا يعرف حتى الآن أي نجم آخر يدور بهذه الدرجة من القرب من الثقب الأسود.

وراقب الباحثون «إس301» باستخدام مقياس التداخل للتلسكوب الكبير التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي.

وقد يتيح التأثير المستمر الذي يمارسه «ساجيتاريوس إيه*» على هذا النجم خلال مداره للعلماء فهم الثقب الأسود بشكل أفضل، بما في ذلك إمكانية قياس دورانه.


ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»
TT

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

تزداد ظاهرة «إلنينو» قوةً باستمرار، وقد تكون الظروف الجوية الحادة التي ستجلبها بمثابة لمحة عما ينتظرنا في عالم أكثر دفئاً.

الأقوى على الإطلاق

يقول خبراء الأرصاد الجوية إن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، قد تصبح الأقوى على الإطلاق؛ وهذا يعني احتمال حدوث تأثيرات مناخية شديدة، تتراوح بين فترات جفاف طويلة في بعض أنحاء العالم وزيادة في العواصف وهطول الأمطار بمناطق أخرى، ما قد يؤدي إلى فيضانات عارمة.

«إلنينو» ظاهرة تجتاح مياه المنطقة الاستوائية للمحيط الهادئ

عالم يشهد ارتفاعاً مؤقتاً في الحرارة بمقدار درجتين مئويتين

تعتمد شدة ظاهرة «إلنينو» على مدى ارتفاع درجات حرارة المحيطات عن معدلاتها الطبيعية؛ إذ تؤثر هذه المياه الأكثر دفئاً على الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى تغيير أنماط الطقس وتضخيم حِدتها. وتتزامن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، مع درجات حرارة مرتفعة بالفعل في المحيطات ومع صيف شديد الحرارة.

وهذا يعني أن الحرارة التي تجلبها الظاهرة قد تدفع متوسط ​​درجة الحرارة العالمية الشهرية لتتجاوز حاجز الارتفاع بمقدار درجتين مئويتين (3.6 درجة فهرنهايت)؛ وهو الحد الذي طالما عددناه سقفاً ينبغي عدم تجاوزه لتجنب «الأضرار الواسعة وغير المتوقعة» الناجمة عن تغير المناخ.

تفاقم الآثار المناخية

في الواقع، تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد حد «آمن» للاحتباس الحراري. فنحن نشهد، بالفعل، آثار تغير المناخ، متمثلة في تسجيل الولايات المتحدة أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق، وتوالي موجات الحر الشديدة في أنحاء أوروبا. ومع ذلك فإن كل زيادة، ولو طفيفة، في درجات الحرارة تؤدي إلى تفاقم الآثار المناخية، والحد من الاحترار يمكن أن يساعد في درء كوارث أكثر تطرفاً.

اختبار حقيقي لصمود كوكب الأرض

نحن لم نصل بعدُ إلى عالمٍ ترتفع فيه الحرارة بمقدار درجتين مئويتين؛ إذ يقول الخبراء إنه باستثناء تأثير دورة «إلنينو»، لن يصل كوكبنا إلى هذا المستوى من الاحترار قبل عقد أو عقدين آخرين. لكن إذا قادتنا ظاهرة «إلنينو» إلى هذا المستوى مؤقتاً، فقد نحصل على لمحة عما سيبدو عليه ذلك العالم.

وكتب روبرت رود، كبير العلماء بمنظمة «بيركلي إيرث» (Berkeley Earth)، على منصة «بلوسكاي» (Bluesky) تعليقاً على ظاهرة «إلنينو»، هذا العام: «قد تكون الأشهر الاثنا عشر المقبلة بمثابة اختبار حقيقي للقدرة على الصمود: حرارة قياسية، وطقس متطرف، وخسائر في المحاصيل، وتأثيرات متتابعة... إنها، جزئياً، لمحة عما يُخبئه لنا المستقبل».

من جهته يصف زيك هاوسفاذر، وهو عالم مناخ يعمل لدى منظمة «بيركلي إيرث» ويشغل منصب رئيس أبحاث المناخ بشركة «سترايب» (Stripe)، ظاهرة «إلنينو» الحالية بأنها بمثابة «آلة زمن»، إذ إن الاحترار الذي تجلبه هذه الظاهرة المناخية - الذي يمتد حتى نهاية عام 2026 ويدخل في عام 2027 - قد يماثل درجات الحرارة التي يتوقع العلماء أن تسود في عام 2037.

إلنينو ظاهرة لا تشبه الاحتباس الحراري

لكن ثمة أمراً مهماً يجب مراعاته؛ فلكل من ظاهرة «إلنينو» وغازات الدفيئة تأثيرات مختلفة. فقد كتب هاوسفاذر وعالِم المناخ أندرو ديسلر، في مقال نُشر على منصتهما المشتركة «ذا كلايمت برينك» (The Climate Brink) عبر خدمة «سابستاك »: «يمكن للعالم المستقبلي الذي ارتفعت حرارته بفعل الغازات الدفيئة، والعالم الحالي الذي ارتفعت حرارته مؤقتاً بفعل ظاهرة إلنينو، أن يتشاركا في متوسط ​​درجة الحرارة العالمية نفسه، رغم وجود اختلافات جوهرية في تأثيرات هذا الاحترار».

إن ما نشير إليه جميعاً باسم «التغير المناخي» يرتبط بالاحترار العالمي الناجم عن انبعاث الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي؛ حيث تعمل هذه الانبعاثات على حبس الحرارة، ما يؤدي إلى رفع درجة حرارة الكوكب.

في المقابل، يرى خبراء المناخ أن ظاهرة «إلنينو» تشبه، إلى حد كبير، «إعادة توزيع للحرارة» الموجودة بالفعل داخل نظامنا المناخي؛ فخلال هذه الظاهرة، تتغير الرياح وتدفع مياه المحيط الدافئة نحو مناطق أخرى، ما يؤثر، بدوره، على حرارة الغلاف الجوي.

احترار «إلنينو» ليس متساوياً عبر العالم

وهذا يعني أن الاحترار المرتبط بظاهرة «إلنينو» ليس عالمياً بالمعنى الشامل؛ إذ تشهد بعض أجزاء الكوكب درجات حرارة أعلى، بينما تنخفض الحرارة في أجزاء أخرى. كما تُغير الظاهرة أنماط هطول الأمطار بطريقة متفاوتة ومتباينة حول العالم.

وبهذا المعنى، لن تحاكي ظاهرة «إلنينو» الحالية الصورة الكاملة للاحترار العالمي- الناجم عن الأنشطة البشرية وتراكم الغازات الدفيئة- الذي يتوقع العلماء أن يشهده الكوكب بحلول عام 2037.

ومع ذلك، ستجلب هذه الظاهرة لمناطق معينة من العالم بعضاً من تلك التأثيرات المتفاقمة التي يحملها في طياته كوكب أكثر سخونة- مثل درجات الحرارة القياسية وفترات هطول الأمطار الغزيرة للغاية- وبصورة غير مسبوقة، مقارنة بأي دورة سابقة لظاهرة «إلنينو».

* مجلة «فاست كومباني»

Your Premium trial has ended


لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟
TT

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

أجريتُ على مدار العامين الماضيين مئات المحادثات حول الذكاء الاصطناعي، مع جهات تنظيمية ومؤسسات مالية ومهندسين ومديرين تنفيذيين وأشخاص متشككين. وما يبرز باستمرار هو حجم الالتباس والغموض المحيط بهذا المجال؛ فالجميع يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي وكأنه تقنية واحدة تسير في اتجاه واحد، في حين أن الواقع أكثر تعقيداً وتفصيلاً بكثير؛ كما كتب شون كامكار*.

الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء التنبؤ والاستدلال

يمثل الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء لنظامين مختلفين جوهرياً: أحدهما مصمم للتنبؤ (to predict)، والآخر مصمم للاستدلال (to reason). وستحظى الشركات التي تدرك هذا الفرق وتتعلم كيفية الجمع بينهما بميزة كبيرة، متفوقة بذلك على الشركات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة أحادية النمط.

الذكاء الاصطناعي التنبؤي مقابل الذكاء الاصطناعي التوليدي

الذكاء الاصطناعي التنبؤي، كان لسنوات كثيرة يدعم اتخاذ القرارات بصمت ومن وراء الكواليس؛ إذ تتفوق نماذج تعلم الآلة في رصد الأنماط عبر كميات هائلة من البيانات التاريخية. وعلى سبيل المثال، في قطاع الائتمان، تحلل هذه النماذج أحجاماً ضخمة من البيانات التاريخية لتحديد أنماط يعجز أي محلل بشري عملياً عن رصدها وسط ملايين النتائج؛ فهي تتنبأ باحتمالية سداد المبالغ المالية، ومخاطر الاحتيال، وتقلبات المحفظة الاستثمارية، بدقة تفوق بكثير دقة أنظمة التقييم التقليدية التي أُنشئت قبل عقود.

أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيؤدي وظيفة مختلفة تماماً، فهو يجمع المعلومات، ويتعامل مع الغموض، ويتواصل بلغة بشرية. وبإمكانه شرح أهمية اتجاه معين، وتلخيص النتائج المعقدة، وإبراز المقايضات الاستراتيجية، ومساعدة الأشخاص على التفاعل مع أنظمة كانت تتطلب سابقاً خبرة متخصصة لفهمها. ولا تقتصر وظيفته على التنبؤ فحسب؛ بل تشمل الاستدلال والترجمة (تحويل البيانات إلى مفاهيم مفهومة).

الفرق والدمج بين الاثنين: وأبسط طريقة لفهم هذا الفرق هي التشبيه التالي: يمثل تعلم الآلة «المختبر التشخيصي» الذي يُجري الفحوصات، بينما يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي «الطبيب» الذي يساعد في تفسير النتائج وتحديد الخطوة التالية. لا يستغني أي منهما عن الآخر؛ بل إنهما يتكاملان معاً لإنشاء منظومة أكثر قوة وفعالية.

استخدم نوع الذكاء الاصطناعي المناسب للمهمة

تكتسب هذه التفرقة أهميتها لأن كثيراً من المؤسسات تحاول حالياً إقحام الذكاء الاصطناعي التوليدي في أدوار لم يُصمم أصلاً للقيام بها. فرغم القدرات الهائلة لنماذج اللغة الكبيرة، فإنها ليست أنظمة تنبؤ حتمية (أي لا تعطي نتائج ثابتة ومحددة بدقة رياضية).

إن مطالبة «روبوت محادثة» (chatbot) عمومي الأغراض، باتخاذ قرارات مالية أو تشغيلية مصيرية بشكل مستقل -دون وجود بنية تحتية تحليلية متخصصة تدعمه- تشبه إلى حد ما مطالبة طبيب بتشخيص حالة مريض دون الاستعانة بالمختبرات ولا الفحوصات الطبية ولا قياس المؤشرات الحيوية؛ فالاستدلال الذي يفتقر إلى بيانات موثوقة وراسخة يظل غير جدير بالثقة.

وفي الوقت نفسه، تخلق أنظمة التنبؤ التي تفتقر إلى القابلية للتفسير مشكلة من نوع آخر. ما ألاحظه هو أن المؤسسات باتت قادرة على توليد مخرجات تتسم بدقة متزايدة، ولكنها عصيَّة على الفهم، ولا يفهمها إلا عدد أقل من البشر. وهذا التباين هو ما يشكِّل ملامح المرحلة المقبلة من تبنِّي الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.

تطبيقات ميدانية متنوعة

على سبيل المثال، في مجال الرعاية الصحية، يمكن لنماذج التنبؤ تحديد المرضى الأكثر عرضة للمخاطر في وقت أبكر، مقارنة بأساليب الفحص التقليدية. ومع ذلك، لا يزال الأطباء بحاجة إلى أنظمة قادرة على تفسير النتائج، وتلخيص الاعتبارات العلاجية، والتواصل بوضوح مع المرضى. وفي مجال المركبات ذاتية القيادة، تعمل إحدى طبقات الذكاء الاصطناعي باستمرار على رصد المسارات والمشاة والمسافات والعوائق لحظة بلحظة، بينما تتولى طبقة أخرى تحديد كيفية استجابة المركبة للظروف المتغيرة.

ويتكرر هذا النمط في كل مكان: ذكاء تنبؤي مقترن بذكاء استنتاجي (قائم على المنطق والتحليل).

الجمع بين التنبؤ والاستنتاج... والتقدير البشري

تُعد عمليات الإقراض من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إذ يجب أن تكون عملية التقييم الائتماني حتمية وقابلة للتكرار -بمعنى أن المُدخلات ذاتها يجب أن تُفضي إلى النتيجة والتفسير نفسيهما في كل مرة- وإلا فلن يكون القرار قابلاً للتبرير أمام الجهات الرقابية ولا المقترضين. وهنا تبرز قوة التعلم الآلي، غير أنه لا يوفر وسيلة لاستكشاف دلالات تلك الأرقام ومعانيها.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي التوليدي لسد هذه الفجوة؛ فهو يتولى تفسير النتائج في سياقها الصحيح، واختبار سيناريوهات افتراضية بديلة (تحليل «ماذا لو؟») على المحافظ الائتمانية، ومحاكاة تأثير تغيير السياسات على قرارات الموافقة. فبدلاً من الاكتفاء بتقييم القروض، يساعد هذا الذكاء المقرضين على فهم مخرجات الأنظمة التي تتولى عملية التقييم الفعلية. ولا يلغي هذا المزيج دور التقدير البشري؛ بل يعزز قيمته؛ إذ يتيح للبشر تخصيص وقت أقل للتحليل الروتيني، وتكريس وقت أكبر للتعامل مع الحالات الاستثنائية، واتخاذ القرارات الاستراتيجية، وممارسة مهام الرقابة والإشراف.

إن المؤسسات التي تحقق أفضل النتائج هي تلك التي لا تستبدل بالبشر أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بل تبني أنظمة تتكامل فيها أشكال الذكاء المختلفة: نماذج إحصائية ترصد الأنماط على نطاق واسع، وأنظمة توليدية تحوِّل التعقيد إلى رؤى قابلة للتطبيق، وعنصر بشري يضيف السياق ويقوم بأدوار الرقابة والتقدير.

قدرات التحليل المتقدمة

على مدى عقود، تركزت القدرات التحليلية المتقدمة داخل كبرى المؤسسات العالمية؛ إذ كانت تلك المؤسسات وحدها تمتلك الموارد المالية اللازمة لتوفير البنية التحتية والخبرات المطلوبة لمعالجة المعلومات على نطاق واسع. غير أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغيِّر هذا الواقع؛ فالمنظمات التي ستجني أكبر قدر من الفوائد لن تكون تلك التي تسعى وراء الأتمتة الكاملة؛ بل تلك التي تدمج بين التنبؤ والاستدلال والتقدير البشري، في منظومات عمل تعزز من فاعلية الأفراد.

* الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة «Zest AI»، مجلة «فاست كومباني».