فحص الجينوم يكشف عن مخاطر صحية خفية لدى 1 من كل 8 أشخاص

أبحاث تمهّد لعصر جديد من الطب الوقائي القائم على الجينات

فحص الجينوم يكشف عن مخاطر صحية خفية لدى 1 من كل 8 أشخاص
TT

فحص الجينوم يكشف عن مخاطر صحية خفية لدى 1 من كل 8 أشخاص

فحص الجينوم يكشف عن مخاطر صحية خفية لدى 1 من كل 8 أشخاص

ماذا لو أخبرك فحص بسيط أن لديك خطراً مرتفعاً للإصابة بسرطان أو مرض قلبي وراثي قبل سنوات من ظهور أي أعراض؟ هذا السيناريو الذي كان يبدو أقرب إلى الخيال العلمي أصبح اليوم أقرب إلى الواقع بفضل التقدم المتسارع في علم الجينوم والطب الدقيق.

خطر وراثي خفي من دون أعراض

كشفت دراسة حديثة أجرتها «مايو كلينك» في الولايات المتحدة عن أن نحو شخص واحد من كل ثمانية بالغين أصحاء يحمل خطراً وراثياً خفياً للإصابة بأمراض خطيرة، رغم أنه لا يعاني أي أعراض ولا يملك تاريخاً عائلياً واضحاً يدفع الأطباء إلى الاشتباه بوجود مشكلة صحية.

واعتمدت الدراسة التي نُشرت في دورية Genetics in Medicine في 14 مايو (أيار) 2026 على تحليل الجينوم الكامل لـ484 شخصاً بدوا في صحة جيدة. وكانت النتيجة مفاجئة؛ إذ تبين أن نحو 13 في المائة من المشاركين يحملون طفرات جينية مرتبطة بأمراض وراثية خطيرة يمكن التدخل للحد من آثارها إذا اكتُشفت مبكراً.

مخاطر لا تكشفها الفحوص التقليدية

وشملت الحالات المكتشفة استعداداً وراثياً للإصابة بسرطان الثدي والمبيض الوراثي ومتلازمة لينش Lynch syndrome (سرطان القولون والمستقيم الوراثي غير السلائلي (HNPCC) هو استعداد وراثي للإصابة بسرطان القولون). إضافة إلى بعض أمراض القلب الوراثية مثل اعتلال عضلة القلب ومتلازمة كيو تي الطويلة (LQTS)، وهي حالة قلبية نادرة، وعادةً ما تكون وراثية يمكن أن تسبب مشاكل خطيرة في نظم القلب. ولكن هناك إجراءات يمكنك اتخاذها لتقليل المخاطر التي قد تزيد خطر اضطرابات نظم القلب المفاجئة، فضلاً عن مرض الداء النشواني (Amyloidosis)، وهو مجموعة من الأمراض التي تتراكم فيها البروتينات غير الطبيعية والمعروفة باسم ألياف النشواني في الأنسجة.

ويقول الباحثون إن أمراض معظم هؤلاء الأشخاص لم تكن لتُكتشف عبر وسائل التشخيص التقليدية التي تعتمد غالباً على الأعراض أو التاريخ المرضي للعائلة.

وأوضح الدكتور كونستانتينوس لازاريديس، من مركز الطب الشخصي قسم أمراض الجهاز الهضمي والكبد كلية الطب «مايو كلينك» مينيسوتا الولايات المتحدة المشرف الرئيسي على الدراسة، أن النتائج تظهر قدرة الطب الجينومي على كشف مخاطر صحية كامنة قبل أن تتحول أمراضاً فعلية. مضيفاً أن الهدف لم يعد يقتصر على علاج المرض بعد ظهوره، بل على منع حدوثه من الأساس.

كل شخص تقريباً يحمل متغيرات جينية

ورغم أن نسبة الحالات ذات الخطورة العالية بلغت 13 في المائة، فإن الدراسة أظهرت أيضاً أن نحو 98.6 في المائة من المشاركين امتلكوا شكلاً من أشكال المتغيرات الجينية التي تستدعي المتابعة أو المراقبة الطبية بدرجات متفاوتة.

وهذا لا يعني بالضرورة أن جميع هؤلاء الأشخاص سيصابون بأمراض مستقبلاً، بل يشير إلى أن الجينوم البشري يحمل كماً هائلاً من المعلومات التي يمكن أن تساعد في فهم المخاطر الصحية المحتملة واتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن الوقاية والمتابعة.

التحدي الحقيقي يبدأ بعد اكتشاف الطفرة

لكن الباحثين يشددون على أن العثور على الطفرة الجينية ليس سوى الخطوة الأولى. فالتحدي الأكبر يكمن في تحويل هذه المعلومات إجراءاتٍ طبيةٍ عملية يمكن أن تفيد المريض فعلياً.

وفي معظم الحالات احتاج الباحثون إلى تفسير النتائج بشكل متخصص ومراجعة دقيقة للتاريخ الصحي والعائلي لكل مشارك. كما لعب مستشارو الوراثة دوراً محورياً في شرح النتائج للمرضى ومساعدتهم على فهم ما تعنيه هذه المعلومات بالنسبة إلى صحتهم ومستقبلهم.

وتقول جيسا بيدويل، من مركز الطب الشخصي في «مايو كلينك» الباحثة الرئيسية المشاركة في الدراسة، إن ردود فعل المشاركين تراوحت بين الدهشة والقلق والخوف، وفي بعض الأحيان الشعور بالارتياح لمعرفة السبب المحتمل لمشكلات صحية عائلية غامضة.

ورغم أن معظم الأشخاص الذين اكتُشفت لديهم مخاطر وراثية التزموا بإجراءات المتابعة والإحالة إلى الأطباء المختصين، فإن أقل من نصفهم فقط أجروا مناقشة موثقة مع طبيب الرعاية الأولية بعد تلقي النتائج؛ ما يكشف عن تحديات كبيرة في دمج المعلومات الجينية ضمن الممارسة الطبية اليومية.

الطب التنبؤي... والوقاية

وتأتي هذه النتائج ضمن توجه عالمي متزايد نحو ما يعرف بالطب التنبؤي أو الطب الوقائي الدقيق، وهو نهج يسعى إلى اكتشاف المرض قبل ظهوره بسنوات من خلال تحليل الإشارات البيولوجية المبكرة.

وفي هذا السياق، أطلقت «مايو كلينك» مبادرة بحثية واسعة تحمل اسم «بريكور» Precure تهدف إلى رصد المؤشرات المبكرة للأمراض المزمنة من خلال دمج البيانات الجينية مع مؤشرات حيوية أخرى وتحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.

ويركز المشروع حالياً على أمراض تصيب خمسة أجهزة رئيسية في الجسم، هي الدماغ، والقلب، والكبد، والكلى والرئتان، بما في ذلك مرض ألزهايمر، وقصور القلب وأمراض الكبد المزمنة.

ويستند هذا التوجه إلى فكرة بسيطة، لكنها ثورية هي أن معظم الأمراض لا تبدأ فجأة، بل تسبقها سنوات من التغيرات الجزيئية الصامتة التي يمكن رصدها إذا امتلك الأطباء الأدوات المناسبة.

مستقبل الرعاية الصحية

ويرى الخبراء أن الطب الجينومي قد يحدث تحولاً جذرياً في مفهوم الرعاية الصحية خلال العقود المقبلة. فبدلاً من انتظار ظهور المرض ثم علاجه قد يصبح بالإمكان تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر ووضع خطط وقائية خاصة بهم منذ وقت مبكر.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات عدّة تتعلق بالتكلفة، وخصوصية البيانات الجينية، وتدريب الكوادر الطبية وضمان وصول هذه التقنيات إلى مختلف فئات المجتمع بشكل عادل.

لكن الرسالة الأساسية التي تحملها الدراسة واضحة، وهي أن كثيراً من الأمراض تترك آثارها الأولى داخل الجينات قبل سنوات طويلة من ظهور أعراضها. وكلما تمكن الأطباء من قراءة هذه الإشارات مبكراً ازدادت فرص الوقاية والتدخل في الوقت المناسب.

وفي عالم يتجه بسرعة نحو الطب الشخصي، قد يصبح تحليل الجينوم في المستقبل جزءاً روتينياً من الفحوص الصحية تماماً كما نقيس ضغط الدم أو مستوى السكر اليوم، فاتحاً الباب أمام عصر جديد تُبنى فيه الرعاية الطبية على معرفة دقيقة وفردية بكل إنسان.


مقالات ذات صلة

كيف أثّر الاعتماد على البطاطس في جينات بعض البشر عبر الأجيال؟

يوميات الشرق امرأة تبيع البطاطس في سوق بمدينة ليما في بيرو (رويترز)

كيف أثّر الاعتماد على البطاطس في جينات بعض البشر عبر الأجيال؟

تكشف الأبحاث الحديثة أن الاعتماد الطويل على هذا الغذاء النشوي لم يترك أثراً ثقافياً فحسب، بل امتد ليُحدث تغييرات عميقة في التركيبة الجينية البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك دراسة الخلايا الجذعية تتيح تعديلها جينياً للتخلص من الأمراض الوراثية

علاج جيني لتقوية الجهاز المناعي

تعديل الخلايا الجذعية للحصول على جين سليم

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
رياضة عالمية رئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى البريطاني سيباستيان كو (رويترز)

كو يتعهد باستمرار تطبيق اختبارات «الجينات» في ألعاب القوى

قال رئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى البريطاني سيباستيان كو إن اختبارات الجينات للرياضيات كان «عملية ناجحة إلى حد كبير» في بطولة العالم في طوكيو.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
صحتك الاختبار قد يتنبأ بما إذا كان الطفل سيعاني السمنة في مرحلة البلوغ (رويترز)

اختبار جيني يكشف الأطفال الأكثر عرضة للسمنة في مرحلة البلوغ

طورت مجموعة من العلماء اختباراً جينياً قد يتنبأ بما إذا كان الطفل سيعاني السمنة في مرحلة البلوغ.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
صحتك تحليل جيني للكشف المبكر عن السمنة في مرحلة الطفولة

تحليل جيني للكشف المبكر عن السمنة في مرحلة الطفولة

مقياس درجة الخطورة متعددة الجينات أفضل من أي اختبار آخر

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟
TT

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

توالت التحذيرات أخيراً وبشكل مكثف بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، إذ أشار رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في شركة «مايكروسوفت» إلى أن هذه التقنية قد تتحول إلى «نوع سيليكوني» جديد ينافس البشر، بينما قال موظف سابق في شركة «أنثروبيك» إن هناك احتمالاً كبيراً بأن نهلك جميعاً على يد هذه التقنية. كما يرى جيفري هينتون، الملقب بـ«الأب الروحي للذكاء الاصطناعي»، أننا قد نفقد السيطرة عليه تماماً في غضون عام واحد، كما كتب ماثيو سباركس(*). فهل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديداً حقيقياً بهذا القدر؟

تمرد الذكاء الاصطناعي... له دوافع بشرية

تحذر ميري أيتكين، التي عملت سابقاً في معهد «آلان تورينغ» وتشغل حالياً منصب شريك مؤسس في منظمة «Our AI Collective» غير الربحية، من قبول التنبؤات لمجرد مكانة أو سمعة من يطلقونها. وتدعو بدلاً من ذلك إلى النظر في الحقائق، التي لا تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد تحرر من السيطرة البشرية أو أنه على وشك القيام بذلك.

تقول أيتكين: «إنها رواية يتم ترويجها مراراً وتكراراً، ونحن نشهد موجات من الهلع الجماعي». وتضيف أنه إذا كان هناك شيء ما قد خرج عن المسار الصحيح أو تمرد، فهو ليس نماذج الذكاء الاصطناعي، بل البشر الذين يطورونها. فعندما تقوم نماذج الذكاء الاصطناعي باختراق موقع حكومي أو أجهزة كمبيوتر تابعة لشركة أخرى، فإن ذلك يحدث لعدم وضع تدابير السلامة المناسبة أثناء الاختبارات، وهي اختبارات صُممت أصلاً لتقييم قدرة تلك النماذج على اختراق أجهزة الكمبيوتر. إننا ببساطة نشهد إخفاق الشركات في وضع ضمانات كافية.

نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي

كما تشير أيتكين إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي - وهو ما قد يشير إلى اقترابنا من «نقطة التفرد»، (singularity) حيث ينزلق الذكاء الاصطناعي في حلقة تحسين ذاتي تتسارع وتؤدي سريعاً إلى خلق «ذكاء اصطناعي عام» (AGI) - وتقول: «عندما تُطرح أفكار الذكاء الفائق هذه، فإنها تستند إلى سردية مثيرة وجذابة، لكن لا توجد أدلة ملموسة تدعمها. ولو كان هناك شيء بهذه القوة، لكنا قد رأينا مؤشرات عليه».

ومن جانبه، يقول أندرو روغويسكي، من جامعة ساري في المملكة المتحدة، إنه في الواقع لم يطرأ أي تغيير جوهري على مستوى المخاطر التي يشكلها الذكاء الاصطناعي، رغم التقدم الذي أحرزته هذه التقنية. لكن الضجة الإعلامية تثار بين الحين والآخر بسبب حادثة ما أو عبارة رنانة وجذابة.

الطبيعة البشرية

ويقول روغويسكي: «من السهل جداً اختلاق هذا النوع من القصص المخيفة، فهي تلامس وتراً حساساً في النفس البشرية». وهو يعتقد أننا صنعنا - من خلال النماذج اللغوية الكبيرة - كياناً يبدو شبيهاً بنا لدرجة أنه يعكس صورتنا وكأننا ننظر في مرآة، إذ نُسقِط عليه كل السلوكيات والمخاوف البشرية، ولذا فإننا نشعر بالرعب منه.

الشركات تتصنّع مظاهر المسؤولية لخوفها من تشريعات تحدّ من عملها

إذا كان كل ذلك صحيحاً، فلماذا يطالب كثير من قادة شركات التكنولوجيا بإبطاء وتيرة أبحاث الذكاء الاصطناعي؟

ترى أيتكين أن هذا الحديث وسيلة لثني المشرعين عن سن قوانين قد تعيق عمل شركات الذكاء الاصطناعي؛ فمن خلال إظهار أنفسهم بمظهر المسؤولية، يقللون من الحاجة إلى تدخل حكومي. وتقول: «قصص الذكاء الاصطناعي الفائق هذه تخدم مصالح الشركات في الواقع، لأنها تثير الضجة والحماس، وتزيد حجم الاستثمارات».

مصالح الشركات... تجارية بحتة

والنتيجة هي أن هذه الشركات تجد نفسها تسير على حبل مشدود بين مسارين: فهي تطمئننا بأنها تتصرف بمسؤولية وأخلاقية عبر الدعوة إلى إبطاء وتيرة العمل (وهو أمر مستبعد الحدوث)، وفي الوقت نفسه تروج لأفكار الخيال العلمي حول الذكاء الاصطناعي الفائق لأن ذلك يصب في مصلحة أعمالها.

من جهته يعتقد روغويسكي أن هناك عاملاً آخر قد يزيد الأمور تعقيداً؛ فالاستثمارات الضخمة التي تضخها شركات الذكاء الاصطناعي غير مستدامة، لذا فإن الإبطاء الرسمي للوتيرة قد يمنحها فرصة لتهدئة الأمور دون أن تخسر أمام منافسيها، بل وربما يعزز تفوقها.

قد تدرك الشركات أن زيادة حجم النماذج وتوسيع نطاقها ليسا أمراً ضرورياً لمهام العمل اليومية - مثل كتابة رسائل البريد الإلكتروني - ولذا فهي قد ترحب بفرصة تخفيف الوتيرة، وخفض التكاليف، وزيادة الإيرادات.

التخطيط للمخاطر المحتملة

ومع ذلك، وفي خضم كل هذا تبرز مخاوف مشروعة بشأن المستقبل وسط كل هذا؛ إذ يشير روغويسكي إلى وجود خطر حقيقي - وإن كان محدوداً - مرتبط بالذكاء الاصطناعي، وهو خطر يستوجب التعامل معه بجدية. وسواء ظهر النموذج المتطور بما يكفي لتشكيل هذا الخطر قريباً أو بعد سنوات، فإن الأمر يستحق التخطيط له مسبقاً.

ويشكك روغويسكي في أن أياً من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية يمتلك ذكاءً حقيقياً، لكنه يشير إلى أنه عند ظهور مثل هذا الذكاء، لا ينبغي توقع أن يبدو أو يتصرف مثلنا، إذ «ستكون هناك أنماط من التفكير والسلوك غريبة للغاية». ولذا، فإن محاولة رصد هذا النوع من الذكاء تزداد صعوبة، كما تزداد صعوبة التنبؤ بدوافعه المحتملة. ولهذا السبب، يعتقد أنه ينبغي لنا البدء بالفعل مناقشة الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الذكاء الاصطناعي.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».


دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
TT

دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي

يحذر علماء المناخ من أن ما يقرب من 450 ألف شخص حول العالم قد يفقدون حياتهم بحلول شهر فبراير (شباط) المقبل نتيجة لارتفاع درجات الحرارة الناجم عن ظاهرة «إل نينيو» التي تسجل مستويات قياسية. وتستند هذه التقديرات إلى أعداد الوفيات التي نتجت سابقاً عن درجات الحرارة المتطرفة في مختلف أنحاء العالم، كما كتب مايكل لو بيغ في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

وتقول إميلي غروفر - كوبيك، من مجموعة «روديم»، (Rhodium Group)، وهي مؤسسة بحثية مستقلة: «نأمل أن تكون هذه المعلومات مفيدة للتوجه إلى تنفيذ إجراءات عملية، وأن تُتخذ قرارات لتوجيه الموارد مسبقاً». وقد تشمل هذه الإجراءات تكليف كوادر صحية بتفقد أحوال الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، وضمان توافر كميات كافية من المياه للسكان، وتوفير مراوح، أو أجهزة تكييف الهواء.

وفيات نصف الكرة الجنوبي... أولاً

ستتركز معظم الوفيات خلال الأشهر القليلة المقبلة في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، نظراً لأن الحرارة الإضافية ستتزامن مع فصلي الربيع والصيف هناك. ومع ذلك، من المتوقع أن تستمر ظاهرة «إل نينيو» حتى حلول الربيع في نصف الكرة الأرضية الشمالي، ما يعني حدوث موجة أخرى من الوفيات في تلك المنطقة بعد شهر فبراير.

ثم.. تضرر الهند والباكستان

وتضيف غروفر - كوبيك: «سنشهد انتقال أعداد الوفيات المرتفعة بشكل غير معتاد نحو الشمال. وللأسف، أتوقع تماماً أن تتزايد هذه الأعداد». وتشير إلى أن الهند وباكستان قد تكونان من أكثر الدول تضرراً.

وتستند التقديرات التي وضعتها غروفر - كوبيك وفريقها -التي تشير إلى احتمال وفاة 450 ألف شخص، ونُشرت في تقرير صادر عن «مختبر تأثيرات المناخ» (Climate Impact Lab) بجامعة شيكاغو- إلى العلاقة المرصودة بين درجات الحرارة والوفيات الأعلى من المتوقع.

وتتخذ هذه العلاقة شكل منحنى يشبه حرف (U) باللغة الإنجليزية؛ حيث تزداد معدلات الوفيات في حالات البرد الشديد، أو الحرارة الشديدة، إلا أن الشكل الدقيق للمنحنى يختلف من مكان لآخر بناءً على عوامل عدة، مثل مدى تكيف السكان، والبنية التحتية مع درجات الحرارة المتطرفة، أو القدرة المالية على توفير وسائل التبريد، مثل مكيفات الهواء.

وقد قسمت دراسة أُجريت عام 2022 العالم إلى 24 ألف منطقة، وقدرت طبيعة هذه العلاقة لكل منطقة على حدة، وذلك بالاعتماد إما على بيانات تاريخية تعود لعقود مضت، أو من خلال الاستقراء، والمقارنة مع مناطق مشابهة.

توقعات الأشهر الستة المقبلة

ودمجت غروفر - كوبيك وزملاؤها هذا النهج مع التوقعات الموسمية الصادرة عن المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى (ECMWF) لتقدير عدد الوفيات الإضافية -التي تفوق المعدلات المعتادة- الناجمة عن الحرارة المرتبطة بظاهرة «إل نينيو».

وتشير النتائج إلى أنه خلال فترة التوقعات الممتدة لستة أشهر -من سبتمبر (أيلول) وحتى فبراير- ستُسجَّل 240 ألف حالة وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة. وعند إضافة الوفيات التي يُقدَّر أنها حدثت بالفعل منذ بدء ظاهرة «إل نينيو» الحالية في يونيو (حزيران)، يرتفع إجمالي العدد إلى 450 ألف حالة وفاة.

مناطق الوفيات الأكثر حدوثاً

ويُقدِّر الفريق أن أفريقيا ستكون الأكثر تضرراً، إذ يُتوقع تسجيل أكثر من 30 ألف حالة وفاة إضافية في نيجيريا وحدها خلال الأشهر القليلة المقبلة. كما قد تشهد الفترة نفسها تسجيل 19 ألف حالة وفاة إضافية في إندونيسيا، و16 ألفاً في الهند، و13 ألفاً في البرازيل.

الخطر الأكبر على الأطفال والشيوخ

ويُقسِّم التقرير السكان إلى ثلاث فئات عمرية: الأطفال في سن الرابعة، أو أقل، وكبار السن (65 عاماً فما فوق)، وبقية الفئات العمرية. وتقول غروفر - كوبيك: «هناك تأثيرات تطال الفئات العمرية الثلاث جميعها، إلا أن الفئة الأكثر عرضة للخطر هي فئة كبار السن، تليها فئة الرضع».

ونظراً لأن ظاهرة «إل نينيو» تؤثر أيضاً على حرائق الغابات، والفيضانات، وغيرها من الظواهر، فقد تكون حصيلة الوفيات الإجمالية أعلى من ذلك. ويقول كريستوفر كالاهان، من جامعة إنديانا في بلومنغتون: «أجد هذه النتائج منطقية؛ فظاهرة «إل نينيو» ستجلب درجات حرارة مرتفعة للغاية إلى أجزاء واسعة من العالم، والعلاقة بين الحرارة ومعدلات الوفيات علاقة ثابتة، وموثوقة عالمياً».

وكان كالاهان قد استخدم أخيراً نهجاً مشابهاً لتقدير أن موجة الحر التي ضربت أوروبا في شهر يونيو الماضي أودت بحياة 20 ألف شخص. وحتى الآن تم الإبلاغ عن 35 ألف حالة وفاة إضافية في أوروبا تُعزى إلى الحرارة خلال فترة أطول من فصل الصيف. ويشير كالاهان إلى أن تقدير الوفيات الإضافية البالغ 240 ألف حالة بين شهري سبتمبر وفبراير يعتمد على دقة التوقعات.

تقديرات متوسطة

وتوضح غروفر - كوبيك أن توقعات المركز الأوروبي (ECMWF) تقع في منتصف نطاق التوقعات الأخرى، ما يجعلها تمثل تقديراً متوسطاً لما قد يحدث. يشير كالاهان أيضاً إلى أن التقرير يقتصر على الوفيات المرتبطة بالحرارة؛ إذ يقول: «تؤثر ظاهرة (إل نينيو) على حرائق الغابات في إندونيسيا، والأمراض المعدية في أميركا الجنوبية، والفيضانات في غرب الولايات المتحدة، وغيرها من الظواهر؛ ولذا فإن إجمالي عدد الوفيات قد يكون أعلى من ذلك».

دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية

وتعلق راكيل نونيس، من جامعة وارويك في المملكة المتحدة: «إن الرسالة الأهم لا تكمن في الرقم المطلق بحد ذاته، بل فيما يمكن القيام به للحد من الأضرار التي يمكن تجنبها». وتضيف: «من الأفضل النظر إلى هذا التقرير باعتباره دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية، والجاهزية، وتدابير التكيف الموجهة، لا سيما بالنسبة للفئات السكانية المعرضة للمخاطر، والهشة».


«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير
TT

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

كان الهدف من الذكاء الاصطناعي توفير الوقت، فلماذا نجد اليوم أنفسنا غارقين فيما يُعرف اليوم بـ«نفايات العمل»؟

«قنابل النفايات» من الذكاء الاصطناعي

أطلق توبياس لوتكي، الرئيس التنفيذي لشركة «شوبيفاي» Shopify، تسمية خاصة على رسائل البريد الإلكتروني والمذكرات ورموز البرمجة وغيرها من المحتويات التي يولدها الذكاء الاصطناعي من دون تدقيق بشري، وهي: «قنابل النفايات slop grenades. ورغم أن لوتكي كان من أوائل المتبنين للذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، فإنه أشار في بودكاست The Knowledge Project، إلى أن هذه التقنية باتت تخلق المزيد من الأعباء والمهمات، كما كتب جيري كولونا(*).

من الحدس والتقدير الذاتي... إلى إبهار الآلة

ولقد لوحظ حدوث هذا الأمر في الجانب القيادي أيضاً؛ إذ بدأ يتسبب في حالة «إرهاق اتخاذ القرار» وحالة من التردد. فالقرارات التي كانت تُتخذ سابقاً بناءً على الحدس أو التقدير السليم، أصبحت الآن تمر عبر عمليات الذكاء الاصطناعي لدرجة تسبب الإنهاك. وما ينتج عن ذلك غالباً هو مزيج متشابك من الأرقام والأفكار التي تبدو مبهرة على الورق، لكن يصعب على البشر استيعابها وفهمها.

توظيف غير مدروس

يُطلق باحثون من جامعة ستانفورد ومنصة «BetterUp» على هذا النتاج اسم «نفايات العمل» workslop. ويمكن لهذا النوع من المحتوى أن يجعلك تشعر بأنك «محتال» (متظاهر بالكفاءة)، ويسبب لك إرهاقاً في اتخاذ القرار، ويثير مجموعة من المشاعر السلبية، وكل ذلك ينبع من الاستخدام غير المدروس للذكاء الاصطناعي.

كيف تنتشر هذه «النفايات»؟

عندما يتلقى الزميل «قنبلة» من هذا النوع، فإنه قد يجد نفسه عاجزاً عن التصرف (فهو كمن يجلس فوق قنبلة حقيقية)، وغالباً ما يخشى الاعتراف بأنه لا يفهم المحتوى. وبدلاً من ذلك، قد يمررها إلى شخص آخر، لينتهي المطاف بذلك الشخص في حالة مماثلة من الحيرة والارتباك... وبهذا تنتشر هذه المخرجات غير المجدية.

إرباك القيادة

ومع ذلك، هناك جانب آخر يتعلق بـ«نفايات الذكاء الاصطناعي» داخل المؤسسة قد تواجهه بصفتك قائداً. فالسماح للذكاء الاصطناعي بأن يحل محلك في مقعد القيادة - عبر حل المشكلات واتخاذ القرارات - قد يجعلك تشعر بأنك عالق في مأزق؛ وذلك لأن الذكاء الاصطناعي قادر على توليد عدد هائل من الحلول المحتملة.

إن مواجهة مشكلة واحدة من زوايا ووجهات نظر متعددة قد تكون أمراً منهكاً، كما أنها قد تدفعك للتشكيك في رؤيتك الخاصة للموقف.

كيف تتجنب إرهاق الذكاء الاصطناعي؟

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولد أفكاراً ربما لم تخطر ببالك، كما يمكنه المساعدة في تنقيح المستندات أو تقديم رؤى حول مشكلات معقدة. لكن لا تجعل الذكاء الاصطناعي نقطة البداية. بدلاً من ذلك، ابدأ بتدوين الحقائق التي تعرفها وكيفية تعاملك مع الموقف بناءً على معرفتك وخبرتك الشخصية. تأمّل الحقائق التي تدرك صحتها، ثم دع حدسك يوجهك.

ومن هذه النقطة، يمكنك الاستعانة بالذكاء الاصطناعي -عند الحاجة- للحصول على أفكار إضافية تدعم حلك الخاص، ولكن احرص على ألا تحيد عن مبادئك الأساسية.

من المرجح أن تستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل المشكلات وتوليد أفكار ربما لم تخطر ببالك من قبل، لكن لا ينبغي أن تترك له مهمة التفكير بالنيابة عنك بالكامل.

توجيه الذكاء الاصطناعي للتفكير بطريقتك

إن البدء بأفكارك الخاصة وتوجيه الذكاء الاصطناعي للتفكير في موضوع ما بنفس طريقتك يمكن أن يشكّل شراكة رائعة؛ فالأمر ينجح عندما تبدأ أنت بطرح الأسئلة وتوجيه المسار. أما المشكلة فتنشأ حين تطلب من الذكاء الاصطناعي معالجة مسألة لم تكن قد أدركتَ -بشكل واعٍ- أنها تمثل مشكلة من الأساس. لذا فعليك استخدام الذكاء الاصطناعي لصقل حكمك وتقديرك للأمور، لا لاستبدالهما.

عندما تنتج محتوىً رديئاً

إن الوقوع في الأخطاء وإنتاج محتوىً رديء أمر وارد؛ فقد ترسل لفريقك شيئاً ولّده الذكاء الاصطناعي دون تمحيص كافٍ، أو ربما تكون قد بدأت بتحليلٍ أعدّه الذكاء الاصطناعي بدلاً من الاعتماد على أفكارك الخاصة، لتجد نفسك عالقاً في حيرة وشك حول مدى فهمك للقيادة.

العودة إلى الجوهر

لكن يمكنك دائماً العودة إلى الجوهر، اذ يمكنك دائماً العودة إلى القيادة التي تضع العنصر البشري في المقام الأول. اعترف بالخطأ، وتراجع خطوة إلى الوراء، وحدد ما كانت ستكون عليه فكرتك أو حلك الأصلي، ثم انطلق من تلك النقطة.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً في مجال القيادة، شريطة ألا يكون هو صاحب القرار النهائي بينما أنت غافل عما يجري.

* مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».