فحص الجينوم يكشف عن مخاطر صحية خفية لدى 1 من كل 8 أشخاص

أبحاث تمهّد لعصر جديد من الطب الوقائي القائم على الجينات

فحص الجينوم يكشف عن مخاطر صحية خفية لدى 1 من كل 8 أشخاص
TT

فحص الجينوم يكشف عن مخاطر صحية خفية لدى 1 من كل 8 أشخاص

فحص الجينوم يكشف عن مخاطر صحية خفية لدى 1 من كل 8 أشخاص

ماذا لو أخبرك فحص بسيط أن لديك خطراً مرتفعاً للإصابة بسرطان أو مرض قلبي وراثي قبل سنوات من ظهور أي أعراض؟ هذا السيناريو الذي كان يبدو أقرب إلى الخيال العلمي أصبح اليوم أقرب إلى الواقع بفضل التقدم المتسارع في علم الجينوم والطب الدقيق.

خطر وراثي خفي من دون أعراض

كشفت دراسة حديثة أجرتها «مايو كلينك» في الولايات المتحدة عن أن نحو شخص واحد من كل ثمانية بالغين أصحاء يحمل خطراً وراثياً خفياً للإصابة بأمراض خطيرة، رغم أنه لا يعاني أي أعراض ولا يملك تاريخاً عائلياً واضحاً يدفع الأطباء إلى الاشتباه بوجود مشكلة صحية.

واعتمدت الدراسة التي نُشرت في دورية Genetics in Medicine في 14 مايو (أيار) 2026 على تحليل الجينوم الكامل لـ484 شخصاً بدوا في صحة جيدة. وكانت النتيجة مفاجئة؛ إذ تبين أن نحو 13 في المائة من المشاركين يحملون طفرات جينية مرتبطة بأمراض وراثية خطيرة يمكن التدخل للحد من آثارها إذا اكتُشفت مبكراً.

مخاطر لا تكشفها الفحوص التقليدية

وشملت الحالات المكتشفة استعداداً وراثياً للإصابة بسرطان الثدي والمبيض الوراثي ومتلازمة لينش Lynch syndrome (سرطان القولون والمستقيم الوراثي غير السلائلي (HNPCC) هو استعداد وراثي للإصابة بسرطان القولون). إضافة إلى بعض أمراض القلب الوراثية مثل اعتلال عضلة القلب ومتلازمة كيو تي الطويلة (LQTS)، وهي حالة قلبية نادرة، وعادةً ما تكون وراثية يمكن أن تسبب مشاكل خطيرة في نظم القلب. ولكن هناك إجراءات يمكنك اتخاذها لتقليل المخاطر التي قد تزيد خطر اضطرابات نظم القلب المفاجئة، فضلاً عن مرض الداء النشواني (Amyloidosis)، وهو مجموعة من الأمراض التي تتراكم فيها البروتينات غير الطبيعية والمعروفة باسم ألياف النشواني في الأنسجة.

ويقول الباحثون إن أمراض معظم هؤلاء الأشخاص لم تكن لتُكتشف عبر وسائل التشخيص التقليدية التي تعتمد غالباً على الأعراض أو التاريخ المرضي للعائلة.

وأوضح الدكتور كونستانتينوس لازاريديس، من مركز الطب الشخصي قسم أمراض الجهاز الهضمي والكبد كلية الطب «مايو كلينك» مينيسوتا الولايات المتحدة المشرف الرئيسي على الدراسة، أن النتائج تظهر قدرة الطب الجينومي على كشف مخاطر صحية كامنة قبل أن تتحول أمراضاً فعلية. مضيفاً أن الهدف لم يعد يقتصر على علاج المرض بعد ظهوره، بل على منع حدوثه من الأساس.

كل شخص تقريباً يحمل متغيرات جينية

ورغم أن نسبة الحالات ذات الخطورة العالية بلغت 13 في المائة، فإن الدراسة أظهرت أيضاً أن نحو 98.6 في المائة من المشاركين امتلكوا شكلاً من أشكال المتغيرات الجينية التي تستدعي المتابعة أو المراقبة الطبية بدرجات متفاوتة.

وهذا لا يعني بالضرورة أن جميع هؤلاء الأشخاص سيصابون بأمراض مستقبلاً، بل يشير إلى أن الجينوم البشري يحمل كماً هائلاً من المعلومات التي يمكن أن تساعد في فهم المخاطر الصحية المحتملة واتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن الوقاية والمتابعة.

التحدي الحقيقي يبدأ بعد اكتشاف الطفرة

لكن الباحثين يشددون على أن العثور على الطفرة الجينية ليس سوى الخطوة الأولى. فالتحدي الأكبر يكمن في تحويل هذه المعلومات إجراءاتٍ طبيةٍ عملية يمكن أن تفيد المريض فعلياً.

وفي معظم الحالات احتاج الباحثون إلى تفسير النتائج بشكل متخصص ومراجعة دقيقة للتاريخ الصحي والعائلي لكل مشارك. كما لعب مستشارو الوراثة دوراً محورياً في شرح النتائج للمرضى ومساعدتهم على فهم ما تعنيه هذه المعلومات بالنسبة إلى صحتهم ومستقبلهم.

وتقول جيسا بيدويل، من مركز الطب الشخصي في «مايو كلينك» الباحثة الرئيسية المشاركة في الدراسة، إن ردود فعل المشاركين تراوحت بين الدهشة والقلق والخوف، وفي بعض الأحيان الشعور بالارتياح لمعرفة السبب المحتمل لمشكلات صحية عائلية غامضة.

ورغم أن معظم الأشخاص الذين اكتُشفت لديهم مخاطر وراثية التزموا بإجراءات المتابعة والإحالة إلى الأطباء المختصين، فإن أقل من نصفهم فقط أجروا مناقشة موثقة مع طبيب الرعاية الأولية بعد تلقي النتائج؛ ما يكشف عن تحديات كبيرة في دمج المعلومات الجينية ضمن الممارسة الطبية اليومية.

الطب التنبؤي... والوقاية

وتأتي هذه النتائج ضمن توجه عالمي متزايد نحو ما يعرف بالطب التنبؤي أو الطب الوقائي الدقيق، وهو نهج يسعى إلى اكتشاف المرض قبل ظهوره بسنوات من خلال تحليل الإشارات البيولوجية المبكرة.

وفي هذا السياق، أطلقت «مايو كلينك» مبادرة بحثية واسعة تحمل اسم «بريكور» Precure تهدف إلى رصد المؤشرات المبكرة للأمراض المزمنة من خلال دمج البيانات الجينية مع مؤشرات حيوية أخرى وتحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.

ويركز المشروع حالياً على أمراض تصيب خمسة أجهزة رئيسية في الجسم، هي الدماغ، والقلب، والكبد، والكلى والرئتان، بما في ذلك مرض ألزهايمر، وقصور القلب وأمراض الكبد المزمنة.

ويستند هذا التوجه إلى فكرة بسيطة، لكنها ثورية هي أن معظم الأمراض لا تبدأ فجأة، بل تسبقها سنوات من التغيرات الجزيئية الصامتة التي يمكن رصدها إذا امتلك الأطباء الأدوات المناسبة.

مستقبل الرعاية الصحية

ويرى الخبراء أن الطب الجينومي قد يحدث تحولاً جذرياً في مفهوم الرعاية الصحية خلال العقود المقبلة. فبدلاً من انتظار ظهور المرض ثم علاجه قد يصبح بالإمكان تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر ووضع خطط وقائية خاصة بهم منذ وقت مبكر.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات عدّة تتعلق بالتكلفة، وخصوصية البيانات الجينية، وتدريب الكوادر الطبية وضمان وصول هذه التقنيات إلى مختلف فئات المجتمع بشكل عادل.

لكن الرسالة الأساسية التي تحملها الدراسة واضحة، وهي أن كثيراً من الأمراض تترك آثارها الأولى داخل الجينات قبل سنوات طويلة من ظهور أعراضها. وكلما تمكن الأطباء من قراءة هذه الإشارات مبكراً ازدادت فرص الوقاية والتدخل في الوقت المناسب.

وفي عالم يتجه بسرعة نحو الطب الشخصي، قد يصبح تحليل الجينوم في المستقبل جزءاً روتينياً من الفحوص الصحية تماماً كما نقيس ضغط الدم أو مستوى السكر اليوم، فاتحاً الباب أمام عصر جديد تُبنى فيه الرعاية الطبية على معرفة دقيقة وفردية بكل إنسان.


مقالات ذات صلة

كيف أثّر الاعتماد على البطاطس في جينات بعض البشر عبر الأجيال؟

يوميات الشرق امرأة تبيع البطاطس في سوق بمدينة ليما في بيرو (رويترز)

كيف أثّر الاعتماد على البطاطس في جينات بعض البشر عبر الأجيال؟

تكشف الأبحاث الحديثة أن الاعتماد الطويل على هذا الغذاء النشوي لم يترك أثراً ثقافياً فحسب، بل امتد ليُحدث تغييرات عميقة في التركيبة الجينية البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك دراسة الخلايا الجذعية تتيح تعديلها جينياً للتخلص من الأمراض الوراثية

علاج جيني لتقوية الجهاز المناعي

تعديل الخلايا الجذعية للحصول على جين سليم

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
رياضة عالمية رئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى البريطاني سيباستيان كو (رويترز)

كو يتعهد باستمرار تطبيق اختبارات «الجينات» في ألعاب القوى

قال رئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى البريطاني سيباستيان كو إن اختبارات الجينات للرياضيات كان «عملية ناجحة إلى حد كبير» في بطولة العالم في طوكيو.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
صحتك الاختبار قد يتنبأ بما إذا كان الطفل سيعاني السمنة في مرحلة البلوغ (رويترز)

اختبار جيني يكشف الأطفال الأكثر عرضة للسمنة في مرحلة البلوغ

طورت مجموعة من العلماء اختباراً جينياً قد يتنبأ بما إذا كان الطفل سيعاني السمنة في مرحلة البلوغ.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
صحتك تحليل جيني للكشف المبكر عن السمنة في مرحلة الطفولة

تحليل جيني للكشف المبكر عن السمنة في مرحلة الطفولة

مقياس درجة الخطورة متعددة الجينات أفضل من أي اختبار آخر

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

حكّة لدغة الحشرة… متعة مؤقتة تُخفي دائرة التهاب تتفاقم مع الحكّ

البعوض يتعلَّم كيف يهزم خوفه (شاترستوك)
البعوض يتعلَّم كيف يهزم خوفه (شاترستوك)
TT

حكّة لدغة الحشرة… متعة مؤقتة تُخفي دائرة التهاب تتفاقم مع الحكّ

البعوض يتعلَّم كيف يهزم خوفه (شاترستوك)
البعوض يتعلَّم كيف يهزم خوفه (شاترستوك)

قد تبدو حكّة لدغة الحشرة أو الطفح الجلدي لحظةً تمنح قدراً من الارتياح، لكن العلم اليوم يقدّم تفسيراً مختلفاً تماماً لهذا الشعور، ويكشف لماذا يتحوّل الحكّ إلى سلوك يفاقم المشكلة بدلاً من أن يخففها.

فمنذ الطفولة، يتكرر التحذير: لا تحكّ لدغة الحشرة؛ لأن ذلك سيجعلها أسوأ. غير أن السؤال الذي ظلّ مطروحاً لسنوات هو: كيف لشيء يمنح شعوراً بالراحة أن يقود إلى ضرر فعلي؟

تشير أبحاث حديثة إلى أن الحكة ليست مجرد إحساس مزعج، بل استجابة بيولوجية معقدة قد ترتبط بأسباب مختلفة، بعضها بسيط كلسعة بعوض، وبعضها الآخر مرتبط بأمراض جلدية أو التهابات أعمق. وفي كل الحالات، يبدو أن الحكّ المفرط يفتح الباب أمام سلسلة من التفاعلات الالتهابية داخل الجلد.

ولفهم هذه الآلية، لجأ الباحثون إلى تجارب مخبرية على الفئران، شملت وضع «أقماع عار» بيطرية صغيرة لمنعها من حكّ المناطق المصابة، ثم مقارنة النتائج مع فئران أخرى تُركت لتقوم بالحكّ بشكل طبيعي. وكانت النتيجة لافتة: الفئران التي مُنعت من الحكّ أظهرت تورماً أقل واستجابة التهابية أضعف، ما يشير إلى أن الحكّ نفسه ليس مجرد رد فعل، بل عامل يفاقم الالتهاب، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وفي تجربة أخرى، استخدم الباحثون مواد مهيّجة تُسبب طفحاً جلدياً على آذان الفئران، ولاحظوا أن الحيوانات التي حكّت المناطق المصابة شهدت تدفّقاً أكبر للخلايا المناعية، مقارنةً بتلك التي لم تتمكن من الحكّ. ما يعزز الفرضية بأن الحكّ يدخل الجلد في دائرة مغلقة من التهيّج المتزايد.

ويشرح أطباء الجلد أن الخلايا البدينة (Mast Cells)، وهي من أوائل الخلايا المناعية استجابةً لأي تهيّج، تلعب دوراً محورياً في هذه العملية؛ إذ تطلق مواد مثل الهيستامين تزيد الإحساس بالحكة. لكن الجديد في الأبحاث أن الحكّ نفسه يمكن أن ينشّط هذه الخلايا عبر إشارات عصبية مرتبطة بالألم، مما يؤدي إلى تضخيم الاستجابة الالتهابية.

ومن اللافت أن الحكّ لا يبدو مجرد رد فعل بشري؛ إذ يُلاحظ سلوك مشابه لدى بعض الحيوانات وحتى الأسماك، ما دفع الباحثين إلى الاعتقاد بوجود أصل تطوري لهذا السلوك، ربما كآلية دفاع ضد الطفيليات أو الميكروبات.

ورغم هذا التفسير التطوري المحتمل، يؤكد الباحثون أن الفائدة لا تبرر الضرر. ويقول أحدهم: «إذا تُركت لدغة البعوض دون حكّ، فإنها غالباً تختفي خلال دقائق، أما الحكّ فيحوّلها إلى التهاب قد يستمر لأيام».

ومع ذلك، تبقى الإجابة عن سبب شعور الحكّ بالراحة في لحظته الأولى مثار نقاش علمي. بعض الفرضيات تشير إلى أنه قد يكون آلية قديمة للتخلص من الطفيليات، بينما تشير أخرى إلى دوره في تعزيز استجابة مناعية محدودة ضد بعض البكتيريا الجلدية.

لكن الخلاصة الطبية لا تزال ثابتة: الحكّ يفاقم الالتهاب أكثر مما يخففه.

أما عملياً، فينصح الأطباء بعلاجات بسيطة لتخفيف الحكة، مثل كريمات الهيدروكورتيزون، وغسول الكالامين، أو حمّامات الشوفان، إلى جانب مضادات الهيستامين في بعض الحالات. كما قد تساعد الكريمات المحتوية على المنثول في خداع الجلد وإحلال إحساس البرودة محل الحكة، ما يمنح فرصة لكسر الحلقة المفرغة بين الإحساس والاستجابة.

ويختصر أحد الباحثين الأمر بالقول: «إن أخطر ما في الحكة ليس الإحساس نفسه، بل الاستسلام له؛ لأن الحكّ قد يبدو لحظة راحة... لكنه في الواقع بداية دائرة التهاب متصاعدة».


لماذا تحدث الزلازل في بعض الدول أكثر من غيرها؟

مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)
مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)
TT

لماذا تحدث الزلازل في بعض الدول أكثر من غيرها؟

مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)
مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)

حدوث الزلازل هو جزء من السلوك الطبيعي للأرض. فهي تحدث مع حركة الصفائح التكتونية التي تشكل الطبقة الخارجية للكوكب. يمكنك أن تتخيل الصفائح على أنها غلاف خارجي صلب إلى حد ما، يجب أن يتحرك ليسمح للأرض بإطلاق حرارتها الداخلية.

تحمل هذه الصفائح القارات والمحيطات، وهي في حالة تصادم بطيء الحركة باستمرار بعضها مع بعض.

إذا لاحظنا نمط حدوث الزلازل حول العالم، فمن الواضح أن معظم النشاط يتركز في عدد من الأحزمة الزلزالية المتميزة. تحوي الأرض تحت أقدامنا عديداً من الصدوع الناتجة عن ماضي كوكب الأرض الجيولوجي المضطرب.

بعض هذه الصدوع يمكن ملاحظتها على السطح ورسم خرائطها من الجيولوجيين؛ بينما البعض الآخر يقع على بُعد كيلومترات عديدة تحت السطح. هذه الصدوع هي أماكن يمكن أن تحدث فيها الزلازل، وفقاً لموقع المسح الجيولوجي البريطاني.

تطويق مبنى مائل في أعقاب الزلزال الذي ضرب مدينة هوالين شرق تايوان، أبريل 2024 (أ.ب)

وقال جيمي تورو، جيولوجي من جامعة ويست فيرجينيا في مقال لموقع «بي بي إس» الأميركي، إن السلوك الدوري للصدوع يسمح لعلماء الزلازل بتقدير المخاطر الزلزالية إحصائياً. على حدود الصفائح ذات الحركات السريعة، مثل تلك الموجودة على طول حافة المحيط الهادئ، تتراكم الطاقة المرنة بسرعة ولديها القدرة على توليد زلازل كبيرة متكررة.

ويضيف أن الصدوع على حدود الصفائح بطيئة الحركة فتستغرق وقتا أطول للوصول إلى حالة حرجة. فعلى طول بعض الصدوع، قد تمر مئات بل آلاف السنين بين الزلازل الكبيرة. وهذا يتيح وقتاً للمدن للنمو وللناس لفقدان ذاكرة الأجداد عن الزلازل الماضية.

الحزام الهائل من الجبال الذي يمتد من جبال أطلس في شمال أفريقيا إلى جبال البيرينيه والألب ومعظم الجبال عبر جنوب أوروبا والشرق الأوسط هو نتاج تصادم الصفائح. ومع ذلك، وبسبب أن حركات هذه الصفائح بطيئة بالقرب من المغرب، فإن الزلازل الكبيرة ليست متكررة جداً مقارنةً بأفغانستان مثلاً التي تقع فوق عديد من الصدوع الناتجة عن تصادم صفائح الهند مع أوراسيا. فالصفيحة الهندية، العتيقة والصلبة، كانت تصطدم بالحافة الجنوبية لأوراسيا على مدى الأربعين مليون سنة الماضية.

السكان يمرون بجوار مبنى منهار بعد زلزال ضرب مدينة جنرال سانتوس في الفلبين (أ.ب)

حزام الزلازل

تُعرِّف الموسوعة البريطانية حزام الزلازل بأنه منطقة جغرافية ضيقة على سطح الأرض يتركز على طولها معظم النشاط الزلزالي. وتتكون الطبقة الخارجية للأرض (الغلاف الصخري) من عدة صفائح تكتونية كبيرة. الحواف التي تتحرك عندها هذه الصفائح بعضها باتجاه بعض هي موقع الزلازل.

ويعد الحزامان الزلزاليان الرئيسيان هما الحزام المحيط بالهادئ (Circum-Pacific Belt)، الذي يحيط بالمحيط الهادئ، والحزام الألبي (Alpide Belt)، الذي يمتد من جزر الأزور عبر البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط إلى جبال الهيمالايا وإندونيسيا، حيث يلتقي مع الحزام المحيط بالهادئ.

أكثر الدول تعرضا للزلازل

إليك أكثر 10 دولا معرضة للزلازل بسبب وجودها على أحزمة زلازل، وفقاً لموقع «هاو ستف وركس»:

طفل ينام خارج منازل متضررة من الزلزال في كاتيا لا مار بفنزويلا (أ.ب)

1- اليابان: الدولة الأكثر تعرضاً للزلازل

تُعد اليابان شديدة التعرض للزلازل، إذ تمتلك شبكة كثيفة من أجهزة الرصد تكتشف حتى عن الهزات الصغيرة. تقع اليابان فوق أربع صفائح تكتونية، مما يجعلها واحدة من أكثر المناطق اضطرابا في العالم.

يحدث ما بين 10 و20 في المائة من جميع الزلازل التي تبلغ قوتها 6 درجات أو أكثر في اليابان أو بالقرب منها.

2- إندونيسيا: نشاط زلزالي مستمر

تقع إندونيسيا على طول حزام النار في المحيط الهادئ وتشهد زلازل متكررة، بما في ذلك زلازل كبرى بقوة تزيد على 6 درجات كل عام تقريباً.

في السنوات الأخيرة، سجلت آلاف الهزات سنوياً، مما يجعلها واحدة من أكثر المناطق نشاطاً في العالم.

3- الصين: تاريخ طويل من الزلازل المدمرة

تمتلك الصين تاريخاً طويلاً من الزلازل الكارثية، بما في ذلك بعض أكثر الكوارث الطبيعية دموية في التاريخ الحديث.

أحداث مثل زلزال تانغشان عام 1976 وزلزال مقاطعة سيتشوان عام 2008، تسببت في دمار هائل وخسائر بشرية فادحة.

4- الفلبين: زلازل وبراكين متكررة

تقع الفلبين على طول حدود صفائح رئيسية في حزام النار بالمحيط الهادئ، مما يجعلها شديدة التعرض للزلازل. وتشهد بانتظام نشاطاً زلزالياً إلى جانب نشاط بركاني، مما يزيد من المخاطر الإجمالية.

صورة من الجو تظهر مبان مدمرة بالكامل في لاغوايرا بفنزويلا عقب زالزلين مدمرين (أ.ف.ب)

5- المكسيك: نشاط على طول ساحل المحيط الهادئ

موقع المكسيك على طول الساحل الغربي يضعها مباشرةً في منطقة زلزالية كبرى. وتسجل باستمرار عدداً كبيراً من الزلازل كل عام.

6- إيران: خطوط صدع متعددة

تقع إيران على عدة خطوط صدع نشطة حيث تلتقي الصفائح التكتونية، مما يؤدي إلى زلازل متكررة. تجعلها جغرافيتها واحدة من أكثر الدول عرضة للزلازل في الشرق الأوسط.

7- تركيا: مناطق صدع رئيسية

تقع تركيا بالقرب من خطوط صدع رئيسية بين الصفائح التكتونية، مما يؤدي إلى نشاط زلزالي منتظم وزلازل مدمرة عرضية. تسببت هذه الزلازل في أضرار واسعة النطاق للمدن والبنية التحتية.

8- الولايات المتحدة: مناطق زلزالية متنوعة

تشهد الولايات المتحدة زلازل في عدة مناطق، خصوصاً على طول صدع سان أندرياس في كاليفورنيا وفي ألاسكا. تُنتج هذه المناطق زلازل صغيرة وأخرى كبيرة يمكن أن تؤثر على أعداد كبيرة من السكان.

9- بيرو: نشاط على طول حزام النار

تقع بيرو على طول حزام النار في المحيط الهادئ وتشهد زلازل متكررة بسبب مناطق الانغراز، معظمها هزات صغيرة، لكن المنطقة قادرة على إنتاج زلازل كبرى.

10- إيطاليا: نشاط زلزالي في أوروبا

تُعد إيطاليا واحدة من أكثر الدول الأوروبية عرضة للزلازل بسبب موقعها على عدة خطوط صدع. تشهد زلازل دورية تؤثر على المدن التاريخية والبنية التحتية الحديثة.

أشخاص يبحثون عن ناجين تحت أنقاض مبنى منهار بعد زلزال ضرب سينديرجي في مقاطعة باليكسير غربي تركيا، أغسطس 2025 (رويترز)

وقال موقع المسح الجيولوجي الأميركي إنه وفقاً للسجلات طويلة المدى (منذ نحو عام 1900)، يتوقع حدوث نحو 16 زلزالاً كبيراً في أي سنة معينة. يشمل ذلك 15 زلزالاً في نطاق قوة 7 درجات، وزلزالاً واحداً بقوة 8 درجات أو أكثر. وأضاف: «في السنوات الأربعين إلى الخمسين الماضية، تُظهر سجلاتنا أننا تجاوزنا المتوسط طويل الأجل لعدد الزلازل الكبيرة نحو اثنتي عشرة مرة».

كان العام الذي شهد أكبر عدد إجمالي هو عام 2010، إذ بلغ عدد الزلازل الكبيرة 23 زلزالاً (بقوة تساوي أو تزيد على 7 درجات). وفي سنوات أخرى، كان الإجمالي أقل بكثير من المتوسط السنوي طويل الأجل البالغ 16 زلزالاً كبيراً. ففي عام 1989، لم يحدث سوى 6 زلازل كبيرة، وفي عام 1988 لم يحدث سوى 7 زلازل فقط.


اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة
TT

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

تمكن فريق دولي من العلماء من تحديد اضطراب وراثي لم يكن معروفاً من قبل، يتسبب في مرض رئوي شديد يبدأ منذ الطفولة المبكرة. وجاء ذلك في اكتشاف يسلط الضوء على أحد الأسباب الخفية للفشل التنفسي لدى الأطفال، ويفتح آفاقاً جديدة للتشخيص والعلاج.

اكتشاف جيني

نُشرت نتائج الدراسة في مجلة «American Journal of Human Genetics» في 8 يونيو (حزيران) 2026، حيث أظهرت أن المرض الرئوي ينجم عن طفرات تؤدي إلى فقدان وظيفة جين يُعرف باسم TMEM63B. وكشف الباحثون من كلية بايلور للطب الأميركية ومستشفى تكساس للأطفال بالتعاون مع مؤسسات بحثية في آسيا وأوروبا، عن أن الأطفال الذين يرثون نسختين معطوبتين من هذا الجين يعانون مشكلات تنفسية خطيرة منذ الأشهر الأولى من الحياة، إضافة إلى تأخر في النمو.

ويُعدّ هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو فهم أحد الأمراض الوراثية النادرة التي ظلت أسبابها مجهولة لسنوات طويلة.

• رحلة الاكتشاف. بدأت رحلة الاكتشاف مع طفل التحق ببرنامج الشبكة الأميركية للأمراض غير المشخّصة (UDN) في كلية بايلور للطب ومستشفى تكساس للأطفال. وكان الأطباء يحاولون تفسير أعراض تنفسية حادة عنده، لم تنجح الفحوص التقليدية في تحديد سببها.

وأظهرت التحاليل الجينية وجود طفرات نادرة في جين TMEM63B. وبعد نشر هذه الملاحظات عبر شبكة الأمراض غير المشخّصة، تمكن الباحثون من العثور على أربعة مرضى آخرين من ثلاث عائلات غير مرتبطة يحملون طفرات مشابهة ويعانون أعراضاً متقاربة.

وبذلك تم التعرف على أول خمس حالات معروفة لهذا الاضطراب الوراثي الجديد.

• أعراض متشابهة. وقد عانى جميع الأطفال ضيق تنفس ومشكلات رئوية ظهرت في وقت مبكر من الحياة، كما أظهرت الفحوص وجود تغيرات غير طبيعية في أنسجة الرئة وتأخر في النمو والتطور. ومن اللافت أن المرضى لم يعانوا نوبات صرع رغم أن طفرات أخرى في الجين نفسه كانت قد ارتبطت سابقاً باضطرابات عصبية تشمل الصرع وتأخر النمو.

جين واحد ومرضان مختلفان

يحمل جين TMEM63B تعليمات إنتاج بروتين يعمل كقناة أيونية، وهي بوابات مجهرية تسمح بمرور الأيونات عبر أغشية الخلايا وتؤدي دوراً مهماً في وظائف الكثير من الأعضاء، بما في ذلك الدماغ والرئتان.

وكانت دراسات سابقة قد أظهرت أن بعض الطفرات تجعل هذه القنوات مفرطة النشاط، أي تبقى مفتوحة عندما يفترض أن تكون مغلقة. وقد ارتبط هذا النوع من الطفرات باضطرابات عصبية وظهور نوبات صرع.

أما في الدراسة الحالية، فقد اكتشف الباحثون نوعاً مختلفاً تماماً من الطفرات يؤدي إلى اختفاء القناة الأيونية أو فقدانها وظيفتها بالكامل بسبب وراثة نسختين معطوبتين من الجين واحدة من كل والد. وأكدت التجارب المختبرية أن هذه الطفرات تؤدي بالفعل إلى فقدان كامل لوظيفة البروتين.

• لماذا تتضرر الرئتان أكثر من الدماغ؟ وأحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الدراسة هو أن فقدان وظيفة الجين TMEM63B يؤثر بشدة في الرئتين بينما يبدو أن تأثيره على الدماغ أقل حدة.

ويرجح الباحثون أن الدماغ يمتلك قنوات أيونية أخرى قادرة على تعويض غياب الجين جزئياً في حين لا تملك الرئتان آليات تعويض مماثلة. وبالتالي، يؤدي غياب هذه القناة إلى اضطراب عمليات حيوية ضرورية للحفاظ على وظائف الرئة الطبيعية؛ ما يفسر ظهور الفشل التنفسي الحاد لدى الأطفال المصابين.

كما تتوافق هذه النتائج مع دراسات سابقة على الفئران التي عُدلت وراثياً لتفتقر إلى الجين نفسه، حيث عانت الحيوانات فشلاً تنفسياً شديداً بعد الولادة مباشرة.

• سبب جديد لأمراض الرئة النادرة. يرى الباحثون أن الطفرات في جين TMEM63B قد تمثل سبباً جديداً وغير معروف سابقاً لبعض أنواع أمراض الرئة الخلالية interstitial lung disease لدى الأطفال، وهي مجموعة من الأمراض النادرة التي تؤثر في الأنسجة الدقيقة للرئتين وتعيق عملية التنفس.

وغالباً ما ترتبط هذه الأمراض بخلل في إنتاج أو وظيفة المادة الخافضة للتوتر السطحي الرئوية surfactant، وهي مادة تساعد الرئتين على التمدد والانكماش بسهولة أثناء التنفس.

وقالت الدكتورة كيرين ماشول، قسم علم الوراثة الجزيئية والبشرية كلية بايلور للطب هيوستن تكساس الباحثة المشاركة في الدراسة، إن التعرف على الجين TMEM63B بوصفه سبباً لهذه الحالات قد يساعد الأطباء على تشخيص المرض مبكراً وتقديم الرعاية المناسبة للمرضى وأسرهم.

• أهمية التشخيص الجيني. ومن المتوقع أن تؤثر هذه النتائج في استراتيجيات الفحص الجيني للأطفال الذين يعانون أمراضاً تنفسية مجهولة السبب. فحتى الآن كان هذا الجين معروفاً أساساً بدوره في بعض الاضطرابات العصبية، لكن الدراسة الجديدة أظهرت أن نوع الطفرة نفسها هو ما يحدد طبيعة المرض، سواء كان عصبياً أو رئوياً.

وقد يساعد ذلك المختبرات والأطباء على التعرف على هذا الاضطراب بشكل أسرع وتقديم تشخيص أكثر دقة للحالات المشابهة مستقبلاً.

ويؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف ما كان ليتحقق لولا التعاون الدولي وتبادل البيانات بين المراكز الطبية والبحثية حول العالم. فالحالات النادرة غالباً ما تكون موزعة بين دول مختلفة؛ ما يجعل الربط بينها أمراً صعباً. لكن مشاركة المعلومات الجينية والسريرية سمحت للعلماء بجمع الأدلة اللازمة لإثبات العلاقة بين طفرات الجين TMEM63B والمرض الرئوي الشديد.

ورغم أن كثيراً من الأسئلة ما زالت في حاجة إلى إجابات، فإن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو فهم أفضل للأمراض الوراثية النادرة التي تصيب الجهاز التنفسي، ويمنح الأمل لعائلات ظلت لسنوات تبحث عن تفسير لمعاناة أطفالها.