حين دخل الذكاء الاصطناعي قاعات طب الأسنان البريطانية... تغيَّر المشهد بالكامل

«الشرق الأوسط» في حوار طبي مع قادة القطاع الطبي في «المؤتمر البريطاني لطب الأسنان ومعرض طب الأسنان 2026»

الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام
الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام
TT

حين دخل الذكاء الاصطناعي قاعات طب الأسنان البريطانية... تغيَّر المشهد بالكامل

الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام
الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام

داخل قاعات «المؤتمر البريطاني لطب الأسنان ومعرض طب الأسنان 2026» (British Dental Conference and Dentistry Show 2026) في مدينة برمنغهام البريطانية، بدا واضحاً هذا العام أن طب الأسنان العالمي لا يعيش مجرد تطور تقني عابر؛ بل يقف أمام لحظة تحوّل تاريخية قد تغيّر شكل المهنة لعقود قادمة.

من مؤتمر مهني إلى نافذة على مستقبل الطب

الذكاء الاصطناعي لم يعد عنواناً جانبياً في بعض المحاضرات التقنية، ولا فكرة مستقبلية تُناقَش بحذر داخل الجامعات ومراكز البحوث؛ بل أصبح الحضور الأكثر كثافة داخل المعرض والمؤتمر معاً، من منصات الشركات العالمية إلى القاعات العلمية، وصولاً إلى الأحاديث اليومية بين أطباء الأسنان أنفسهم.

وفي أروقة المؤتمر، كان المشهد يوحي بأن العيادة السِّنية تدخل تدريجياً عصراً مختلفاً، تتحول فيه من مساحة تعتمد بالكامل على الخبرة البشرية التقليدية، إلى بيئة رقمية هجينة تتشارك فيها الخوارزميات مع الطبيب في التحليل والتخطيط واتخاذ القرار السريري.

واستقطب المؤتمر الذي يُعد أكبر تجمع مهني لطب الأسنان في المملكة المتحدة، آلاف الأطباء والأكاديميين وخبراء التكنولوجيا الصحية، وسط حضور واسع لشركات عالمية متخصصة في الذكاء الاصطناعي الطبي والتصوير الرقمي والأنظمة السريرية الذكية.

لكن اللافت هذا العام لم يكن فقط حجم التقنية المعروضة؛ بل الشعور المتزايد بأن الذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر تعريف الممارسة الطبية نفسها، وأن طبيب الأسنان القادم قد لا يُقاس فقط بمهارته اليدوية وخبرته السريرية؛ بل بقدرته أيضاً على فهم الأنظمة الذكية التي ستشاركه قراءة البيانات وصناعة القرار.

جلسات الذكاء الاصطناعي تستقطب اهتمام أطباء الأسنان في مؤتمر برمنغهام البريطاني

العيادة الذكية لم تعد خيالاً

في أروقة المعرض، ظهرت أنظمة قادرة على قراءة الأشعة السنية خلال ثوانٍ معدودة، وتحليل احتمالات التسوس وأمراض اللثة بدقة متزايدة، والمساعدة في تخطيط الزراعة والتقويم، إضافة إلى منصات ذكية توثق السجلات الطبية، وتكتب الملاحظات السريرية تلقائياً أثناء حديث الطبيب مع المريض.

وفي بعض الأجنحة، بدا المشهد أقرب إلى مختبرات المستقبل منه إلى عيادات الأسنان التقليدية: شاشات عملاقة تعرض تحليلات فورية مدعومة بالأنظمة الذكية، وأنظمة رقمية تتوقع المشكلات السنية قبل ظهورها سريرياً، وتقنيات قادرة على دمج الصور الشعاعية والفحوصات الرقمية والتاريخ المرضي للمريض، داخل نموذج تحليلي واحد يساعد الطبيب على اتخاذ القرار بسرعة ودقة أكبر.

كما خُصصت جلسات علمية كاملة لمناقشة دور الذكاء الاصطناعي في تقليل الأخطاء التشخيصية، وتحسين كفاءة العمل السريري، وتسريع تحليل البيانات الطبية، وإعادة تشكيل تجربة المريض داخل العيادة، بدءاً من لحظة التشخيص وحتى التخطيط العلاجي والمتابعة طويلة المدى.

تحول عميق في الممارسة الطبية

لكن اللافت أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بسرعة التقنية أو دقتها؛ بل بطبيعة التحول العميق الذي بدأ يصيب مفهوم الممارسة الطبية نفسها.

فالذكاء الاصطناعي لا يغيّر الأدوات فقط؛ بل يغيّر طريقة وصول الطبيب إلى المعرفة واتخاذ القرار. ففي الماضي، كانت الخبرة السريرية تتراكم ببطء داخل عقل الطبيب، عبر سنوات طويلة من الممارسة والتجربة. أما اليوم، فقد أصبحت النماذج التحليلية قادرة على الوصول خلال ثوانٍ إلى أنماط وتحليلات تستند إلى ملايين الصور والبيانات الطبية المتراكمة حول العالم.

وهنا يبدأ السؤال الأكثر عمقاً داخل طب الأسنان الحديث: إذا أصبحت الآلة قادرة على المساعدة في التشخيص والتنبؤ والتحليل... فما الذي سيبقى جوهراً إنسانياً خالصاً في مهنة الطب؟

الدكتور إيدي كراوتش رئيس جمعية طب الأسنان البريطانية

رئيس جمعية طب الأسنان البريطانية: التحدي لم يعد تقنياً

وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، قال الدكتور إيدي كراوتش، رئيس المؤتمر ورئيس جمعية طب الأسنان البريطانية (British Dental Association)، إن الذكاء الاصطناعي «سيفرض تحولاً عميقاً على مستقبل طب الأسنان بوتيرة أسرع مما يتوقعها كثيرون»، مؤكداً أن السؤال لم يعد متعلقاً بوجود التقنية ولا غيابها؛ بل بمدى جاهزية المؤسسات الطبية والتعليمية للتعامل مع هذا التحول المتسارع بطريقة آمنة وأخلاقية.

وأوضح كراوتش أن الجامعات البريطانية بدأت بالفعل إعادة النظر في مناهج تعليم طب الأسنان؛ لأن «طبيب المستقبل لن يحتاج فقط إلى المهارة السريرية؛ بل إلى فهم عميق للأنظمة الذكية، وآليات اتخاذها للقرار، ونقاط ضعفها العلمية أيضاً».

استقلالية القرار السريري

وأضاف أن القضية لم تعد تقنية بحتة؛ بل أصبحت مرتبطة بطبيعة العلاقة الجديدة بين الطبيب والخوارزمية، وكيف يمكن الحفاظ على استقلالية القرار السريري في عصر تزداد فيه قدرة الأنظمة الذكية على التحليل والتوصية والتنبؤ.

وأكد وجود اهتمام متنامٍ بتطوير التعاون العلمي والأكاديمي بين المؤسسات البريطانية والجهات السعودية المماثلة، لا سيما في مجالات التعليم الطبي الرقمي، والذكاء الاصطناعي السريري، وحوكمة التقنيات الصحية الحديثة.

وفي كواليس المؤتمر، بدا واضحاً أن كثيراً من النقاشات العلمية لم تعد تركز فقط على ما تستطيع الأنظمة الذكية فعله؛ بل على نوع الطبيب الذي سيظهر في المرحلة القادمة. فالمهنة التي اعتمدت عقوداً طويلة على تراكم الخبرة البشرية التقليدية، بدأت اليوم تواجه واقعاً جديداً، يصبح فيه فهم الخوارزميات جزءاً من الثقافة الطبية الأساسية، تماماً كما كانت دراسة التشريح وعلم الأمراض جزءاً من تكوين الطبيب في الماضي.

الدكتور جيسون وونغ كبير أطباء الأسنان في الحكومة البريطانية

مركزية القرار البشري

* جيسون وونغ: القرار البشري يجب أن يبقى في المركز.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، قال الدكتور جيسون وونغ (Jason Wong)، كبير أطباء الأسنان في الحكومة البريطانية (Chief Dental Officer for England)، إن الذكاء الاصطناعي «لن يلغي دور طبيب الأسنان، ولكنه سيعيد تعريف طبيعة الممارسة الطبية بالكامل خلال السنوات المقبلة».

وأوضح أن الأنظمة الذكية أصبحت قادرة على تقديم دعم تشخيصي مذهل، وتحليل كميات هائلة من البيانات الطبية بسرعة تفوق القدرات البشرية، ولكنها «لا تستطيع فهم الإنسان بكل تعقيداته النفسية والاجتماعية والإنسانية»، ولهذا يجب أن يبقى القرار البشري في قلب العملية الطبية مهما تطورت البرمجيات الطبية الحديثة.

وأضاف أن قيمة الطبيب لا تكمن في قراءة الأشعة أو تحليل النتائج فقط؛ بل في القدرة على فهم المريض كإنسان يعيش القلق والخوف والألم، وهي أمور لا تستطيع الأنظمة الذكية استيعابها بالطريقة التي يفهمها البشر.

تجارب السعودية

وأشار وونغ إلى أن التجارب السعودية الحديثة في تحديث القطاع الصحي واستخدام الأنظمة الذكية بدأت تلفت الانتباه داخل المؤسسات الصحية البريطانية؛ خصوصاً في مجالات تطوير البنية الصحية الإلكترونية، وربط البيانات الطبية، ودمج الأنظمة الذكية داخل الخدمات العلاجية.

كما شدد على أهمية بناء شراكات دولية في مجالات تدريب الكوادر الصحية ورفع مستوى «الوعي الخوارزمي الطبي»، بحيث لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على الجانب التقني فقط؛ بل يمتد إلى الفهم الأخلاقي، والمسؤولية السريرية، ومعرفة الحدود التي يجب أن تتوقف عندها الآلة ويبقى القرار فيها للإنسان.

وفي ظل هذا التحول المتسارع، بدا واضحاً داخل المؤتمر أن مستقبل الطب لن يكون صراعاً بين الطبيب والآلة؛ بل ستكون بينهما علاقة أكثر تعقيداً، يصبح فيها الطبيب مطالباً بأن يفهم التكنولوجيا، من دون أن يفقد إنسانيته أمامها.

القلق الصامت داخل المهنة

لكن خلف هذا الحماس التقني الكبير، برز داخل المؤتمر نوع من القلق المهني الصامت، وكأن كثيراً من أطباء الأسنان يدركون أن المهنة تدخل مرحلة جديدة أسرع من قدرة المؤسسات التعليمية على مواكبتها.

فكلما ازدادت دقة الأنظمة الذكية، ارتفع احتمال أن يتحول الطبيب تدريجياً من صانع قرار سريري إلى مراقب يعتمد نفسياً على توصيات الخوارزمية؛ خصوصاً مع قدرة هذه الأنظمة على تحليل الصور والبيانات بسرعة ودقة مذهلتين.

ولهذا خُصصت جلسات علمية عدة لمناقشة ما بات يُعرف عالمياً باسم «الوعي الخوارزمي السريري»، أي قدرة الطبيب على فهم طريقة عمل الأنظمة الذكية، ومعرفة اللحظة التي يجب أن يثق فيها بالخوارزمية، واللحظة التي ينبغي أن يعترض فيها عليها.

وكانت إحدى القضايا اللافتة داخل النقاشات العلمية، أن أعداداً كبيرة من أطباء الأسنان الحاليين لم يتلقوا أصلاً أي تعليم منهجي حول الذكاء الاصطناعي خلال دراستهم الجامعية؛ لأن معظمهم تخرّج قبل دخول هذه التقنيات إلى الممارسة اليومية.

ولهذا بدأ يظهر قلق متزايد من اتساع الفجوة بين سرعة تطور الأنظمة الذكية، وبين مستوى فهم بعض الممارسين لطبيعة عملها وحدودها ومخاطرها المحتملة.

المشكلة لم تعد في استخدام الذكاء الاصطناعي فقط؛ بل في استخدامه من دون وعي كافٍ بطريقة تفكير النماذج التحليلية، أو فهم كيفية وصولها إلى التوصيات والنتائج التي تعرضها على الطبيب.

وهنا تكمن المفارقة الأعمق: فالخطر الحقيقي قد لا يكون في ذكاء الآلة؛ بل في الطاعة البشرية المفرطة لها.

إن الخوارزمية تستطيع تحليل ملايين الصور والبيانات بسرعة مذهلة، ولكنها لا تشعر بالخوف الذي يحمله المريض، ولا تفهم القلق الإنساني المختبئ خلف الصمت، ولا تدرك الظروف النفسية والاجتماعية التي قد تغيّر القرار الطبي بالكامل.

ولهذا بدا واضحاً داخل المؤتمر أن مستقبل طب الأسنان لن يعتمد فقط على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً؛ بل على إعداد طبيب أكثر وعياً بحدود الذكاء الاصطناعي، وأكثر قدرة على الحفاظ على استقلالية الحكم السريري في عصر الخوارزميات.

بين عصرين مختلفين

ومن أكثر المشاهد رمزية داخل المعرض، ذلك التناقض الواضح بين الأدوات السنية التقليدية المعروضة في بعض الأجنحة، والشاشات العملاقة التي تعرض تحليلات فورية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

ففي الوقت الذي ما زالت فيه كثير من أدوات طب الأسنان التقليدية تمثل جوهر العمل السريري اليومي، كانت الأنظمة الذكية في الجهة المقابلة قادرة على قراءة الصور الشعاعية، وتحليل البيانات الطبية، واقتراح خطط علاجية خلال ثوانٍ معدودة. وكان واضحاً أن طب الأسنان لا يمر فقط بمرحلة تحديث تقني؛ بل بمرحلة تغيّرت فيها طريقة ممارسة المهنة نفسها.

وعلى مدى عقود طويلة، كانت الخبرة السريرية تُبنى تدريجياً داخل عقل الطبيب عبر الدراسة والممارسة والتجربة المباشرة مع المرضى. أما اليوم، فأصبحت الأنظمة الذكية قادرة على الوصول بسرعة هائلة إلى أنماط وتحليلات تستند إلى ملايين الصور والبيانات الطبية المتراكمة حول العالم.

لكن هذا التطور يطرح في المقابل أسئلة مهنية وأخلاقية متزايدة حول طبيعة دور الطبيب في المستقبل، وحدود الاعتماد على الأنظمة الذكية داخل العيادة.

ولهذا، لم يعد السؤال الحقيقي داخل مؤتمرات طب الأسنان العالمية، هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل العيادة؛ لأن ذلك يحدث بالفعل بصورة متسارعة؛ بل كيف يمكن للطبيب أن يحافظ على استقلالية قراره السريري وإنسانيته المهنية، في عصر أصبحت فيه الخوارزميات جزءاً أساسياً من الممارسة الطبية اليومية.

وفي برمنغهام، بدا واضحاً أن معركة المستقبل لن تكون بين الطبيب والآلة؛ بل بين الطبيب الذي يفهم الخوارزمية، والطبيب الذي يطيعها دون وعي.


مقالات ذات صلة

الأسهم الأوروبية تهبط لأدنى مستوياتها في أسبوعين بضغط من توترات الشرق الأوسط

الاقتصاد رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرنكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية تهبط لأدنى مستوياتها في أسبوعين بضغط من توترات الشرق الأوسط

تراجع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي إلى أدنى مستوياته خلال أسبوعين، الاثنين، متأثراً بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط وعمليات بيع واسعة لأسهم شركات الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«إنفيديا» ورئيس مجلس إدارة مجموعة «إس كيه» لدى وصولهما إلى مقر المجموعة في سيول (إ.ب.أ)

«إنفيديا» تبرم صفقات مع شركات كورية جنوبية عملاقة لتعزيز طفرة الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «إنفيديا» يوم الاثنين إبرام سلسلة من الصفقات في كوريا الجنوبية مع شركات تكنولوجيا عملاقة تشمل «إس كي هاينكس» و«نافير».

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد عمال يقومون بتجميع روبوت في مصنع للذكاء الاصطناعي المجسد خلال جولة إعلامية في مدينة بكين الإلكترونية على مشارف بكين (أ.ب)

أسهم التكنولوجيا تهوي مع زعزعة مخاوف الفائدة لطفرة الذكاء الاصطناعي

واصلت الأسواق الآسيوية موجة البيع الحادة التي بدأتها الأسبوع الماضي، حيث تلقت أسهم أشباه الموصلات ذات الارتفاعات القياسية الضربة الأكبر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
تكنولوجيا شعار مؤتمر «أبل» للمطورين الذي سيُعقَد يوم الاثنين تحت شعار «كل الأنظمة تتألق» (الشرق الأوسط)

«أبل» تتطلع لنسخة جديدة من الذكاء الاصطناعي في «مؤتمر المطورين»

تتَّجه أنظار قطاع التقنية العالمي إلى مؤتمر المطورين العالمي لشركة «أبل»، الذي ينطلق الاثنين، مع ترقب لما يمكن أن تكشف عنه الشركة في مجال الذكاء الاصطناعي.

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد ترمب خلال اجتماعه مع قادة التكنولوجيا الأميركية في البيت الأبيض سبتمبر 2025 لتعزيز هيمنة الذكاء الاصطناعي الأميركية (البيت الأبيض)

ترمب يفتح ملف ملكية الذكاء الاصطناعي: مَن يربح ثروة المستقبل؟

يرى البعض في الولايات المتحدة أن «تأميم» جزء من الذكاء الاصطناعي قد يسرّع اندماج الحكومة مع قوة الشركات، مما يزيد الخطر على النظام الرأسمالي الأميركي.

إيلي يوسف (واشنطن)

حين يستقبلك «الهولوغرام»... قبل الطبيب

TT

حين يستقبلك «الهولوغرام»... قبل الطبيب

هل يأتي يوم يدخل فيه المريض إلى العيادة فيستقبله شخص يبدو بشرياً، يجيب عن أسئلته، ويساعده في حجز موعده، ويوجهه إلى الخدمة المناسبة، قبل أن يلتقي موظف الاستقبال أو الطبيب؟

الدكتور كيانور شاه مؤسس منصة «ون هولو»

«خيال علمي» في قاعة الانتظار

هذا السؤال لم يعد ينتمي إلى عالم الخيال العلمي بالكامل. ففي الأول من يونيو (حزيران) 2026، أُعلن في ولاية كاليفورنيا الأميركية عن الإطلاق التجريبي لمنصة «ون هولو» (OneHolo.ai)، وهي منصة جديدة تجمع بين الذكاء الاصطناعي وتقنيات «الهولوغرام» (الصور المجسمة ثلاثية الأبعاد) بهدف تطوير جيل جديد من الأنظمة الرقمية القادرة على التفاعل مع المرضى والزبائن وإدارة عدد من المهام التشغيلية داخل المؤسسات الصحية والخدمية.يأتي هذا الإطلاق ضمن مرحلة تجريبية تهدف إلى اختبار النماذج التشغيلية والسريرية للمنصة في بيئات رعاية صحية حقيقية، وقياس مؤشرات الأداء المتعلقة بسرعة الاستجابة وتحسين تجربة المرضى وتقليل العبء الإداري على الكوادر البشرية.

• ماذا تفعل منصة «ون هولو»؟ صُممت المنصة للعمل عبر قنوات متعددة تشمل الهاتف والرسائل النصية والمواقع الإلكترونية والشاشات التفاعلية والواجهات المجسمة ثلاثية الأبعاد. وتهدف إلى المساعدة في الإجابة عن الأسئلة الشائعة، وحجز المواعيد، وتقديم المعلومات المعتمدة، وتوجيه الحالات التي تحتاج إلى تدخل بشري إلى الموظفين المختصين.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، قال الدكتور كيانور شاه Dr. Kianor Shah، مؤسس منصة «ون هولو»: «لا نطوّر مجرد موظف استقبال رقمي، بل نسعى إلى بناء فئة جديدة من الأنظمة الذكية التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي والحضور البصري المجسم وإدارة سير العمل في منصة واحدة».اف: «نحن الآن في مرحلة الإطلاق التجريبي، حيث سنبدأ اختبار المنصة في بيئات تشغيل حقيقية داخل مؤسسات صحية مختارة. هدفنا ليس استبدال الإنسان، بل تمكينه من التركيز على المهام التي تتطلب الخبرة والحكم البشري». وأوضح أن المنصة تعتمد على دمج نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة مع تقنيات التعرف الصوتي ومعالجة اللغة الطبيعية، وربطها بأنظمة العمل المختلفة، مع المحافظة على متطلبات الخصوصية والأمان، وإمكانية إحالة الحالات الحساسة أو المعقدة إلى الموظفين المختصين.

عصر الوكلاء الأذكياء: الإنسان والآلة يعملان جنباً إلى جنب

السعودية أول محطة دولية

كشف الدكتور شاه لـ«الشرق الأوسط»، أن المملكة العربية السعودية ستكون أول دولة خارج الولايات المتحدة الأميركية يُخطط لتجربة المنصة فيها.

وقال: «ننظر إلى المملكة العربية السعودية بوصفها واحدة من أكثر الدول تقدماً في تبني الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي. كما أن رؤية السعودية 2030 خلقت بيئة استثنائية للابتكار والتحول الرقمي، ولذلك نرى أن السعودية تمثل الشريك المثالي للمرحلة الدولية الأولى من المشروع».

وأضاف أن المنصة صُممت لتكون قادرةً على التواصل بلغات متعددة، من بينها اللغة العربية، إلى جانب عدد كبير من اللغات العالمية الأخرى، بما يسمح بتكييفها مع الاحتياجات اللغوية والثقافية المختلفة للمؤسسات الصحية والخدمية حول العالم.

حين يستقبلك الهولوغرام قبل الطبيب

«الهولوغرام» يدخل عالم الرعاية الصحية

يأتي إطلاق «ون هولو» في وقت بدأت فيه تقنيات «الهولوغرام» تجد طريقها إلى التطبيقات الصحية الفعلية. ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الرعاية الصحية» (Healthcare)، قادت الباحثة الدكتورة ماريا باجوا Maria Bajwa، وفريقها من كلية الطب بجامعة أديلايد (University of Adelaide) في أستراليا دراسة حول استخدام بيئات «الهولوغرام» التفاعلية في تدريب الفرق الصحية متعددة التخصصات.وأظهرت النتائج أن تقنيات «الهولوغرام» عزّزت من مستوى التفاعل والانغماس البصري. وخلص الباحثون إلى أن «الهولوغرام» قد يمثل أداة واعدة لتطوير التعليم الطبي والتواصل السريري خلال السنوات المقبلة.وأشار الباحثون إلى أن هذه التقنية قد تسهم مستقبلاً في تحسين التعليم الطبي والتواصل بين الفرق السريرية والمرضى.

خصوصاً مع تطور تقنيات الواقع الممتد والذكاء الاصطناعي.

هل يولد جيلٌ جديدٌ من القوى العاملة الرقمية؟ ورغم أن منصة «ون هولو» لا تقدم تشخيصاً طبياً، ولا تتخذ قرارات علاجية، فإنها تعكس اتجاهاً متنامياً نحو ما يُعرف بـ«الوكلاء الأذكياء» (AI Agents)، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ مهام تشغيلية متقدمة بصورة مستقلة نسبياً مع بقاء الإنسان مسؤولاً عن القرارات النهائية.

ويرى شاه أن التحديات التي تواجه المؤسسات الصحية، اليوم، مثل نقص الكوادر وضياع الاتصالات وتفاوت جودة الخدمة، لا تختلف كثيراً عن التحديات التي تواجه قطاعات أخرى مثل الضيافة والتعليم والخدمات الحكومية. ولذلك يصف «ون هولو» بأنه خطوة نحو بناء قوة عمل رقمية قادرة على التفاعل مع المرضى والزبائن على مدار الساعة مع الحفاظ على الطابع الإنساني للتواصل.

الهولوغرام الطبي: فصل جديد في تدريب الكوادر الصحية

بين دقة الخوارزمية ودفء الإنسان

لكن الأهمية الحقيقية لمشروعات مثل «ون هولو» قد لا تكمن في قدرتها على الإجابة عن الأسئلة، أو حجز المواعيد، بل في أنها تكشف عن التحول العميق الذي تشهده العلاقة بين الإنسان والآلة في قطاع الرعاية الصحية.

فخلال السنوات المقبلة قد لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تعمل خلف الكواليس، بل واجهة أولى يتفاعل معها المريض قبل أن يرى الطبيب أو موظف الاستقبال. وقد تتحول العيادات والمستشفيات تدريجياً إلى بيئات هجينة يعمل فيها البشر والوكلاء الأذكياء جنباً إلى جنب، يتقاسمون المهام والمسؤوليات وفق حدود مهنية وأخلاقية واضحة.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه التقنيات في تقديم الكفاءة والسرعة التي تعد بها من دون أن تفقد الرعاية الصحية جوهرها الإنساني؟ فبينما تتطور الخوارزميات و«الهولوغرام» بوتيرة متسارعة، ستبقى قيمة الطب الحقيقية في قدرته على الجمع بين دقة التكنولوجيا... ودفء الإنسان.

ولعل اختيار السعودية لتكون أول محطة دولية للمشروع خارج الولايات المتحدة يعكس المكانة المتنامية التي أصبحت تحتلها المملكة في مشهد الذكاء الاصطناعي الطبي عالمياً، في ظل التحولات المتسارعة التي تقودها «رؤية 2030» نحو بناء منظومة صحية رقمية متقدمة.

تؤدي مهمات الحضور البصري المجسم وتنفيذ العمل... والسعودية أول وجهة دولية لها


الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر
TT

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

على مدى عقود ظل الدماغ المتقدم في العمر أشبه بقارة مجهولة بالنسبة للعلماء، فبينما تظهر آثار الشيخوخة بوضوح على الجسد بقيت التغيرات الدقيقة التي تحدث داخل مليارات الخلايا العصبية لغزاً يصعب تتبعه.

واليوم نجح باحثون في جامعة روكفلر الأميركية في الاقتراب أكثر من هذا العالم الخفي عبر تطوير تقنيات جينية متطورة تتيح مراقبة ملايين الخلايا الدماغية في وقت واحد، ورصد كيفية تواصلها، وتغير نشاطها مع مرور الزمن. ويأمل العلماء أن تقود هذه الاكتشافات إلى فهم أعمق للشيخوخة وأمراض التنكس العصبي، وربما تمهد الطريق مستقبلاً لاستراتيجيات جديدة تحافظ على صحة الدماغ وتؤخر تدهوره.

قراءة الدماغ بطريقة مختلفة

يقود هذه الأبحاث العالم جونيو كاو من مختبر علم جينوم الخلية المفردة وديناميات السكان جامعة روكفلر نيويورك المتخصص في تقنيات تحليل الخلايا المفردة. وقد طور فريقه أداتين جديدتين تحملان اسم «IRISeq» و«EnrichSci» صُممتا لدراسة الشيخوخة من زاويتين مختلفتين.

التقنية الأولى التي سميت «إعادة بناء الصور باستخدام التسلسل المفهرس» IRISeq Imaging Reconstruction using Indexed Sequencing نشرت في مجلة Nature Neuroscience في 12 مايو (أيار) 2026، تعتمد على فكرة مبتكرة هي استخدام الحمض النووي «دي إن إيه» نفسه كخريطة لتحديد مواقع الخلايا وعلاقاتها ببعضها داخل أنسجة الدماغ من دون الحاجة إلى المجاهر التقليدية.

وبدلاً من التقاط صور للخلايا تستخدم التقنية ملايين الجزيئات المشفرة وراثياً لجمع معلومات حول الخلايا المتجاورة وطريقة تفاعلها. ومن خلال هذه البيانات يستطيع الباحثون إعادة بناء خريطة دقيقة للنسيج الدماغي، وفهم كيفية تواصل الخلايا مع بعضها في أثناء الشيخوخة.

ويصف الباحثون هذه الطريقة بأنها أشبه بتحويل تقنيات التسلسل الجيني إلى وسيلة جديدة «لرؤية» الأنسجة البيولوجية، ولكن بتكلفة أقل وقدرة أكبر على دراسة عينات ضخمة.

وقد اكتشف العلماء أمراً لافتاً عند تطبيق التقنية الجديدة على أدمغة متقدمة في العمر وجود مناطق التهابية خفية داخل الدماغ؛ لأن بعض أنواع الخلايا المرتبطة بالالتهاب لا تنتشر بشكل عشوائي، بل تتجمع في «أحياء خلوية» محددة داخل المادة البيضاء للدماغ.

وشملت هذه التجمعات خلايا مناعية وخلايا داعمة للأعصاب تتفاعل مع بعضها بطريقة قد تعزز الالتهاب المزمن المرتبط بالتقدم في السن.

كما كشفت الدراسة أن بعض الخلايا المناعية المعروفة باسم الخلايا اللمفاوية تنشط بشكل مكثف في مناطق محددة قرب تجاويف الدماغ المملوءة بالسائل الدماغي. ويرى الباحثون أن هذا النشاط الموضعي ربما كان سيبقى غير مكتشف لولا القدرة الجديدة على رصد المواقع الدقيقة للخلايا داخل النسيج.

وتشير النتائج إلى أن هذه المناطق قد تكون من أكثر أجزاء الدماغ عرضة للتدهور المرتبط بالعمر؛ ما يجعلها أهدافاً محتملة للعلاجات المستقبلية.

تغيرات أعمق من الجينات نفسها

أما التقنية الثانية «إثراء الخلايا المستهدفة الموجهة بالنسخ لتسلسل الحمض النووي الريبي (آر إن إيه) RNA أحادي الخلية القابل للتطوير» EnrichSci Transcript-guided Targeted Cell Enrichment for Scalable Single-Cell RNA Sequencing فتركز على دراسة أنواع نادرة من الخلايا التي يعتقد أنها الأكثر تأثراً بالشيخوخة، وقد نُشرت في مجلة Cell Genomics في 11 مارس (آذار) 2026، وباستخدام هذه الأداة تمكن الباحثون من عزل مجموعات خلوية محددة داخل أدمغة الفئران المسنة، وتحليل نشاطها الجيني بدقة عالية.

وكانت المفاجأة أن بعض التغيرات المهمة لم تظهر في مستوى نشاط الجينات نفسها، بل في أجزاء أصغر تُعْرف باسم «الإكسونات» exons (الإكسونات هي أجزاء من الجينات التي تُكوّن نسخ الحمض النووي الريبي RNA الناضجة والتي تُترجم إما إلى بروتينات، أو تؤدي وظائف بيولوجية أخرى).

ووجد العلماء أن هذه التغيرات ترتبط بعملية تُعرف باسم «التضفير البديل» post-transcriptional regulation، وهي آلية تسمح للجين الواحد بإنتاج عدة أشكال مختلفة من البروتينات. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة؛ لأن اضطرابات التضفير البديل ارتبطت سابقاً بأمراض عديدة من بينها أمراض التنكس العصبي وبعض أنواع السرطان.

ويعتقد الباحثون أن فهم هذه التغيرات قد يساعد في تطوير علاجات تستهدف المراحل المبكرة من التدهور العصبي المرتبط بالعمر.

نافذة جديدة لفهم الدماغ

ورغم أن التركيز الحالي ينصب على فهم الشيخوخة فإن تطبيقات هذه التقنيات قد تمتد إلى مجالات أوسع كثيراً؛ فالتقنية الأولى يمكن أن تساعد في دراسة كيفية تفاعل الخلايا المناعية مع الأورام السرطانية، بينما قد تسهم التقنية الثانية في كشف التغيرات الجينية الدقيقة التي ترافق تطور العديد من الأمراض المزمنة.

ويرى العلماء أن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات تكمن في قدرتها على دراسة الخلايا ضمن بيئتها الطبيعية بدلاً من تحليلها بمعزل عن محيطها.

تكشف هذه الدراسات أن الشيخوخة ليست مجرد تراجع تدريجي في وظائف الجسم، بل عملية معقدة تشمل شبكة واسعة من التفاعلات بين الخلايا والتغيرات الجينية الدقيقة.

ومع تطور أدوات التحليل الجيني يقترب العلماء أكثر من فك شيفرة ما يحدث داخل الدماغ مع التقدم في العمر، وقد لا يساعد ذلك فقط في فهم الشيخوخة، بل أيضاً في تطوير علاجات جديدة تحافظ على صحة الدماغ، وتؤخر ظهور الأمراض العصبية التي تزداد انتشاراً مع ارتفاع متوسط العمر حول العالم.


هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟

هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟
TT

هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟

هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟

يمر على جانبي العنق زوج من الألياف المدهشة، التي يسميها العلماء «العصب المبهم». وبعض الأحيان، يُطلق على هذا العصب تعبير «منظم ضربات للدماغ»؛ إذ إنه يربط الدماغ بمعظم الأجهزة العضوية الرئيسة في الجسم.

نصائح الإنترنت الملتبسة

على مدار مئات السنين، عمل العصب المبهم في هدوء شبه تام. إلا أنه نال حديثاً مكانة شبه أسطورية بين مقدمي «البودكاست» ومؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرهم من المعنيين بمجال الصحة والعافية.

شخص لا يستطيع النوم؟ عالجوه بالكهرباء... شخص متوتر؟ استمروا في التنبيه الكهربائي... ضباب ذهني، التهابات، مشكلات هضمية؟ الحل المزعوم نفسه.

في هذا الصدد، قال الدكتور كيفن تريسي، جراح الأعصاب ورئيس معاهد فاينستاين للبحوث الطبية في نورثويل هيلث: «هناك مليارات الانطباعات، والمنشورات على الويب، حول العصب المبهم. الكثير من ذلك يقوده مؤثرون يقولون: (فقط افعل هذا لمحاكاة العصب المبهم، وستُحل كل مشكلات حياتك)». وأشاد مشاهير ومؤثرون معنيون بالمجال الصحي، بفوائد تحفيز العصب المبهم. وفي الواقع، فإن بعض النصائح المطروحة على هذا الصعيد غير مؤذية، مثل التنهّد أو تقنيات التنفس العميق.

إلا أن الكثير من المؤثرين ذهبوا أبعد من ذلك، وروَّجوا لأجهزة تُلبس حول العنق أو الأذنين ترسل نبضات كهربائية. ويتوقع بعض المحللين أن صناعة تحفيز العصب المبهم، قد تصل قيمتها إلى مليار دولار بحلول 2030.

جدير بالذكر هنا، أن بعض محفزات العصب المبهم تعدّ أجهزة طبية حقيقية، نالت موافقة الحكومة الفيدرالية لحالات محدودة. في المقابل، نجد أن الكثير من الأجهزة التي قد تصادفها على الإنترنت لا تعمل في الواقع، حسب تريسي، وتستغل ببساطة مصداقية أجهزة التحفيز الطبي - المتاحة فقط عبر الجراحة أو بوصفة طبية.

بمعنى آخر، فإن تحفيز العصب المبهم قائم على علم كافٍ ليبدو جدياً، ومحاط بقدر كافٍ من الغموض ليبدو دونما حدود، كما قال تريسي.

شكل تصويري لجهاز تحفيز العصب المبهم لعلاج الصرع

تحفيز العصب المبهم

• ما العصب المبهم؟ يشكل العصب المبهم vagus nerve أحد الطرق الرئيسة لنقل المعلومات في الجسم، ويحتوي على قرابة 200000 ليف يصل من الدماغ إلى القلب والرئتين والمعدة وغيرها، قبل أن ينتهي عند القولون. وحسب ما أوضحه تريسي، فإن ما يقرب من 80 في المائة من هذه الألياف، ينقل تحديثات لحظية من جسمك إلى الدماغ، بينما ينقل الباقي أوامر من الدماغ إلى الخارج. وتتيح هذه الوظيفة المزدوجة للدماغ مراقبة وتنظيم الكثير من الوظائف، التي نادراً ما تشغل تفكيرك، مثل معدل ضربات القلب والتنفس والهضم. كما أنها القناة الرئيسة الرئيس للجهاز العصبي اللاودي (الباراسمبثاوي)، الذي يساعد في هضم الطعام، وتنظيم الالتهابات وتهدئة الأعصاب.

• ما تأثير تحفيز العصب المبهم فعلياً؟ تستخدم الأعصاب نبضات كهربائية للتواصل؛ لذا وعن طريق توصيل صدمات إليها يمكن للعلماء التأثير على الإشارات التي ترسلها. وبما أن العصب المبهم يلامس الكثير من الأعضاء، يأمل الباحثون أن يتيح لهم هذا النهج تطوير علاجات لمجموعة من المشكلات الطبية، حسب تريسي سنتاني، عالمة الأعصاب في جامعة فلوريدا.

• أجهزة تحفيز العصب المبهم. من جهتها، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على أجهزة تحفيز العصب المبهم، لعلاج أنواع معينة من الصرع، والاكتئاب المقاوم للعلاج، والتعافي من السكتة الدماغية، وحديثاً التهاب المفاصل الروماتويدي. وتُزرع هذه الأجهزة جميعها جراحياً في العنق، أو تحت جلد الصدر، لتحفز العصب مباشرة.

كما سمحت إدارة الغذاء والدواء ببعض الأجهزة غير الجراحية بوصفة طبية، وإن كانت تخضع لمعايير سلامة وفاعلية أدنى. وأحد هذه الأجهزة، المسمى «غاما كور gammaCore»، مخصص لعلاج الصداع العنقودي والشقيقة. وهناك أجهزة عدة ـ «إن إس إس ـ 2 بريدج NSS-2 Bridge» و«درغ ريليف Drug Relief» و«سبارو Sparrow» و«نيت NET» قد تساعد في تقليل أعراض الانسحاب عند التوقف عن تناول المواد الأفيونية.

تشير بعض الدراسات الأولية إلى أن هذه الأنواع من الأجهزة قد تساعد في علاج القلق، الأرق والالتهاب، وفقاً لما أوضحته سنتاني. ورغم الحاجة إلى مزيد من الأدلة، لم يمنع ذلك الشركات من إطلاق ادعاءات مُبالغ فيها عبر الإنترنت.

أجهزة استهلاكية خادعة

ينبغي توخي الحذر إذا حصلت على جهاز لتحفيز العصب المبهم دون جراحة أو وصفة طبية، خاصة وأن هذه الأجهزة الاستهلاكية تخضع لرقابة ضعيفة، ولا يشترط عليها إثبات فاعليتها أمام مسؤولي إدارة الغذاء والدواء، حسب ما أفادته الدكتورة كريستل فونك، طبيبة أعصاب في جامعة جنت في بلجيكا. وفي الغالب تشبه هذه الأجهزة نظيراتها الموصوفة طبياً، ويجري ارتداؤها في الأذن أو حول العنق. وفي أثناء استخدامها، قد تشعر ببعض الوخز، أو صدمة كهربائية طفيفة، بل وربما حتى تغير في معدل ضربات القلب، وفقاً لما ذكره مايكل كيلغارد، مدير مركز تكساس للأجهزة الطبية الحيوية، في جامعة تكساس في دالاس. إلا أن هذا أمر طبيعي عند مرور الكهرباء عبر الجلد، ولا يدل بالضرورة على أنها تؤثر فعلياً في العصب المبهم نفسه. وعبَّر كيلغارد عن اعتقاده بأن: «غرابة الإحساس تكفي لتثير شعوراً بالإزعاج»، إلى حد يجعل الناس يشعرون أن الجهاز أنجز شيئاً بالفعل، لكن الإحساس ليس مؤلماً للغاية.

في الواقع، فإنه لا تتوفر بيانات تُذكر تدعم فاعلية هذه الأجهزة. من ناحيتها، تُطلق الشركات المُسوّقة لها ادعاءات مبهمة بأنها تُعزز الطاقة، وتُحسّن النوم، وتُدعم التواصل بين الدماغ والأمعاء، وتُحسّن الذاكرة، وتُعزز التعلّم، وتُعيد التوازن، وغيرها. وفي أغلب الحالات، لا تعدو هذه الأجهزة كونها مُجرد دواء وهمي، مُغلّف بغطاء علم الأعصاب، حسبما يرى كيلغارد.

وأوضحت فونك أن الكثير من هذه الأجهزة «منخفضة المخاطر»، يُمكنها تجاوز المراجعة اللازمة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، من خلال طرح ادعاءات صحية مبهمة، بدلاً من تقديم أدلة على فوائد صحية مُحددة وقابلة للتحقق. وأضافت أن بعض الشركات تُجري دراسات محدودة وضعيفة الجودة لدعم أجهزتها، وأن الكثير منها يكتفي باستخدام مصطلحات البحث العلمي الموثوق بعَدّ ذلك حيلة تسويقية.

إذن، ما الضرر؟ شرحت فونك بأن أجهزة التحفيز التي يُمكن شراؤها عبر الإنترنت، قد تُسبب بعض الاحمرار أو الوخز، ولكن من غير المحتمل أن تُسبب أي ضرر حقيقي./*-8975/

وبشكل عام، فإن بطارياتها صغيرة للغاية، بحيث لا تُسبب حروقاً للجلد، كما قال كيلغارد. وأضاف أن القلق الأكبر يكمن في الأمل الزائف، مشيراً إلى أنه رأى الكثير من المرضى يشترون جهازاً لا يفعل شيئاً سوى تأخير تحولهم نحو العلاجات الفعّالة. وأضاف: «يشعرون بتحسن فوري بمستوى لم يسبق لهم أن شعروا به من قبل. وأعتقد أن الكثيرين منهم يخدعون أنفسهم».

* خدمة «نيويورك تايمز»