طرق علمية لتطوير ألواح شمسية اقتصادية وخفيفة الوزن

«غراء جزيئي» يعزز تماسك بنيتها التصميمية ويزيد كفاءتها

وحدة مصغرة من خلايا البيروفسكايت الشمسية المبتكرة (جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا)
وحدة مصغرة من خلايا البيروفسكايت الشمسية المبتكرة (جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا)
TT

طرق علمية لتطوير ألواح شمسية اقتصادية وخفيفة الوزن

وحدة مصغرة من خلايا البيروفسكايت الشمسية المبتكرة (جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا)
وحدة مصغرة من خلايا البيروفسكايت الشمسية المبتكرة (جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا)

تتسارع الأبحاث العلمية حول خلايا البيروفسكايت الشمسية بصفتها واحدة من أكثر تقنيات الطاقة المتجددة وعداً؛ نظراً لما تتمتع به من قدرة عالية على امتصاص الضوء وتحويله كهرباء بكفاءة كبيرة، إضافة إلى انخفاض تكلفة تصنيعها مقارنة بالألواح الشمسية التقليدية المصنوعة من السيليكون.

وتعتمد هذه الخلايا على مركبات كيميائية بلورية تُعرف باسم «بيروفسكايت»، ويمكن إنتاجها على أسطح مرنة وخفيفة الوزن؛ ما يتيح تطبيقها في أشكال وتصاميم متنوعة. ورغم مرونتها وسهولة تصنيعها، لا تزال كفاءتها التشغيلية أقل من الألواح السيليكونية المتقدمة. ويُعدّ الاستقرار طويل الأمد أحد التحديات الرئيسية أمام اعتمادها التجاري على نطاق واسع. ومع ذلك، تواصل التحسينات الحديثة في الكفاءة والمتانة تقريب هذه التقنية من الواقع التجاري بسرعة كبيرة.

عينة من خلايا البيروفسكايت التي طورتها جامعة مانشستر (جامعة مانشستر)

«غراء جزيئي»

في هذا السياق، كشفت دراسة قادها باحثون من جامعة مانشستر البريطانية عن مقاربة جزيئية مبتكرة أسهمت في رفع كفاءة خلايا البيروفسكايت وتعزيز متانتها؛ ما أعاد تسليط الضوء على الاستراتيجيات العلمية التي يعتمدها الباحثون حول العالم لتحسين أداء هذه الخلايا. وتوصل الفريق إلى حل مبتكر من خلال الضبط الدقيق للجزيئات التي تغلف أسطح البيروفسكايت، باستخدام جزيئات صغيرة تعمل كنوع من «الغراء الجزيئي»، تثبّت بنية البيروفسكايت وتعزز تماسكها، وفقاً لنتائج الدراسة المنشورة في 12 يناير (كانون الثاني) 2026 بدورية «Science».

وتكوّن هذه الجزيئات غلافاً واقياً أملس ومستقراً، يمنع تشكّل العيوب المجهرية، ويسمح بتدفق الشحنات الكهربائية بكفاءة أعلى، كما يقلل من تدهور الخلايا بفعل الحرارة أو التعرض المستمر للضوء. وبفضل هذا النهج، تمكن الفريق من تصنيع خلايا شمسية حققت كفاءة تحويل للطاقة بلغت 25.4 في المائة، مع احتفاظها بأكثر من 95 في المائة من أدائها بعد 1100 ساعة من التشغيل المستمر عند درجة حرارة 85 مئوية وتحت أشعة الشمس المباشرة.

يقول الدكتور توماس أنثوبولوس، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة مانشستر، إن الدراسة ركزت على تطوير الهيكل الهجين ثنائي/ ثلاثي الأبعاد لخلايا البيروفسكايت، الذي أصبح عنصراً أساسياً في أحدث الخلايا الشمسية من هذا النوع.

وأضاف أن فهم التفاعلات بين جزيئات الروابط مكّن الباحثين من تحديد الجزيئات المثالية لتطوير خلايا شمسية عالية الكفاءة ومستقرة. وأشار إلى أن كفاءة خلايا البيروفسكايت لا تزال أقل من الألواح السيليكونية المتقدمة، إلا أن أدائها يتحسَّن بشكل مستمر، وهناك أسباب قوية للاعتقاد بأن الكفاءة العالية التي تحققت في المختبر ستتجاوز قريباً كفاءة الألواح التقليدية.

وأكد أن وتيرة التحسينات في الكفاءة والاستقرار التشغيلي خلال السنوات الأخيرة تقرّب هذه التقنية أكثر من الانتشار التجاري الواسع، مع توقع أن تترك خلايا البيروفسكايت الشمسية أثراً ملموساً على مجتمعنا المستقبلي، مشدداً على أهمية تطوير حلول تقلل التأثير البيئي وتستخدم مواد أقل سمية لضمان إنتاج طاقة نظيفة ومستدامة للأجيال المقبلة.

خلايا شمسية ترادفية من السيليكون والبيروفسكايت منتجة بالطريقة الجديدة (جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية)

محاولات لتحسين الأداء

تعددت المحاولات البحثية لرفع كفاءة خلايا البيروفسكايت الشمسية وتحسين استقرارها. ففي سبتمبر (أيلول) 2025، نجح فريق دولي يضم باحثين من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في السعودية، ومعهد فراونهوفر لأنظمة الطاقة الشمسية وجامعة فرايبورغ الألمانية، في تطوير تقنية مبتكرة لمعالجة سطح الخلايا الشمسية الترادفية المصنوعة من البيروفسكايت والسيليكون؛ ما عزز كفاءتها واستقرارها بشكل ملحوظ. وتعتمد هذه الطريقة على ترسيب مركب كيميائي مبتكر يُعرف باسم (PDAI)، حسّن التوصيل الكهربائي لطبقة البيروفسكايت بالكامل، وليس السطح فقط؛ ما رفع الأداء الكلي للخلية.

وتتكون الخلايا الشمسية الترادفية من طبقتين، إحداهما من البيروفسكايت والأخرى من السيليكون، بينما تتألف الخلايا الشمسية التقليدية المنتشرة تجارياً من طبقة واحدة من السيليكون. وأظهرت التجارب أن الخلايا المعالَجة بهذه التقنية حققت كفاءة تحويل قياسية بلغت 33.1 في المائة، وجهداً كهربائياً مفتوح الدارة بلغ 2.01 فولت، مع الحفاظ على أداء مستقر عند حرارة تتجاوز 40 مئوية لمدة تزيد على 1500 ساعة.

ويُعدّ هذا الأداء أعلى من الحد الطبيعي للخلايا السيليكونية التقليدية، ويتيح التقاط أكبر قدر من الطاقة الشمسية من خلال الجمع بين طبقة البيروفسكايت والخلية السيليكونية في تصميم مترابط.

وفي يونيو (حزيران) 2025، تمكن فريق دولي بقيادة جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا الصينية من بناء خلايا شمسية ترادفية تعتمد بالكامل على مادة «البيروفسكايت»، وحققت كفاءة قياسية بلغت 29.5 في المائة، بفضل معالجة مبتكرة للواجهات الداخلية للخلايا باستخدام هيكل نانوي معدّل كيميائياً لتعزيز التفاعل بين طبقات الخلية؛ ما أسهم في القضاء على الفجوات المجهرية، والحد من أكسدة القصدير، وتحسين انتقال الشحنات الكهربائية.

وأظهرت الاختبارات أن هذه الخلايا تتمتع بثبات حراري وتشغيلي أفضل مقارنة بالخلايا التقليدية، حيث احتفظت الخلايا الترادفية بنسبة 82 في المائة من كفاءتها بعد 150 ساعة عند 85 مئوية، وحافظت على 93 في المائة من أدائها بعد 450 ساعة من التشغيل المستمر.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تفتح المجال لتوسيع إنتاج خلايا البيروفسكايت عالية الكفاءة على نطاق صناعي، وتتيح تطبيقاتها في أجهزة إلكترونية ضوئية أخرى مثل الكواشف الضوئية والمصابيح (LED).

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، نجح باحثون بجامعة نورث وسترن الأميركية في تطوير طبقة حماية جديدة لخلايا «البيروفسكايت»؛ ما ضاعف عمرها الافتراضي وجعلها أكثر ملاءمة للاستخدام خارج المختبر. وتعتمد هذه التقنية على استبدال الطبقات التقليدية القائمة على الأمونيوم بمركبات «أميدينيوم» أكثر استقراراً، قادرة على مقاومة الحرارة والرطوبة لفترات أطول دون تحلل. وأظهرت التجارب أن الخلايا الجديدة حافظت على 90 في المائة من كفاءتها الأولية بعد 1100 ساعة من التعرض للظروف القاسية، أي أن عمرها تضاعف ثلاث مرات مقارنة بالتصاميم السابقة، مع تسجيل كفاءة تحويل طاقة عالية بلغت 26.3 في المائة؛ ما يجعلها منافساً قوياً لخلايا السيليكون الشمسية الأعلى تكلفة.


مقالات ذات صلة

ما الخيارات البديلة لـ«الإغلاق المبكر» في مصر؟

تحليل إخباري جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

ما الخيارات البديلة لـ«الإغلاق المبكر» في مصر؟

تدفع توجهات الحكومة المصرية نحو تخفيف قرارات «الإغلاق المبكر» مؤقتاً خلال أعياد المسيحيين تساؤلات حول ما إذا كان بإمكانها اتخاذ قرارات بديلة لترشيد الطاقة.

أحمد جمال (القاهرة)
الاقتصاد يواجه مطورو مشاريع طاقة الرياح اضطرابات متكررة في عهد ترمب الذي صرح بأنه يجد توربينات الرياح «قبيحة ومكلفة وغير فعالة» (إكس)

واشنطن تدرس تسوية بمليار دولار مع «توتال» لتخليها عن مزارع رياح

ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، الثلاثاء، أن مسؤولين أميركيين يعملون على صياغة اتفاقيات لدفع مليار دولار لشركة «توتال إنرجيز» تعويضاً عن إلغاء عقود مزارع رياح.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد وقفة حداد بمناسبة في العاصمة اليابانية طوكيو في ذكرى زلزال مدمر أسفر عن تسونامي وكارثة نووية (أ.ب)

أزمة الشرق الأوسط تكشف عن هشاشة أمن الطاقة في اليابان

تواجه اليابان اختباراً جديداً لأمنها الطاقي مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتعطل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مبنى «أكوا» في السعودية (موقع الشركة)

«أكوا» السعودية تعيّن سمير سرحان رئيساً تنفيذياً اعتباراً من أول مارس

أعلنت شركة «أكوا»، أكبر شركة خاصة في مجال تحلية المياه في العالم، يوم الأحد، تعيين سمير سرحان رئيساً تنفيذياً للشركة اعتباراً من أول مارس 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)

العراق: 5 % رسوماً على مستلزمات الطاقة الشمسية

حددت الهيئة العامة للجمارك العراقية، الأحد، نسبة الرسوم على مستلزمات الطاقة الشمسية عند 5 % فقط، وذلك لتشجيع المواطنين على استخدام الطاقة النظيفة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟