هل توجد حياة بعد الموت… على المستوى الخلوي؟

أبحاث جديدة تكشف عن «حالات وسطى» وتعيد تعريف الهوية البيولوجية

شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
TT

هل توجد حياة بعد الموت… على المستوى الخلوي؟

شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
شكل تصويري للخلايا البشرية الحية

ارتبط مفهوم الحياة في أذهاننا ببداية واضحة ونهاية حاسمة: نولد ونعيش ثم نموت. غير أن الاكتشافات العلمية الحديثة بدأت تُحدث شرخاً في هذا التصور التقليدي، خصوصاً عندما ننتقل من مستوى الكائن الحي إلى مستوى الخلية.

«الحالة الثالثة»

وتشير دراسات متزايدة إلى أن بعض الخلايا لا تتوقف عن العمل فور موت الكائن الذي جاءت منه، بل قد تستمر في النشاط والتكيّف؛ ما يفتح الباب أمام مفهوم جديد يُعرف بـ«الحالة الثالثة» بين الحياة والموت.

يتكوّن جسم الإنسان من نحو 30 تريليون خلية تعمل بتناغم مذهل للحفاظ على الحياة. وكان الاعتقاد السائد أن هذه الخلايا تفقد وظيفتها سريعاً بعد الوفاة، إلا أن أبحاثاً حديثة أظهرت أن بعض الخلايا تمتلك قدرة لافتة على إعادة التنظيم والتكيّف خارج السياق البيولوجي المعتاد.

خلايا تعيد تعريف الحياة

* «خلايا حية اصطناعية». ومن أبرز الأمثلة على هذا السلوك ما يُعرف بـ الزينوبوتات Xenobots، وهي تراكيب مجهرية متعددة الخلايا جرى تصميمها بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي انطلاقاً من خلايا ضفادع. وقد استُمد اسمها من الضفدع ذي المخالب Xenopus laevis؛ إذ تُعد كائنات حية اصطناعية صُمِّمت حاسوبياً لأداء وظائف محددة، ويتم بناؤها عبر دمج أنسجة بيولوجية مختلفة. والمثير في هذه الكائنات أن خلاياها لا تؤدي وظائفها الأصلية، بل تعيد تنظيم نفسها لتتحرك أو تُصلح أضراراً أو تتفاعل مع بيئتها بطرق غير متوقعة.

وفي مقال نُشر في 12 سبتمبر (أيلول) 2024 على موقع The Conversation، وصف العالمان بيتر نوبل الباحث في المعلوماتية الحيوية بجامعة ألاباما وأليكس بوزهيتكوف من جامعة واشنطن هذا السلوك بأنه دليل على وجود حالة وسطى لا تكون فيها الخلايا حية بالمعنى التقليدي ولا ميتة بالكامل؛ ما يفتح تساؤلات علمية وفلسفية جديدة حول حدود الحياة ذاتها.

روبوتات من خلايا بشرية حية

* روبوتات من خلايا بشرية. ولم يقتصر هذا الاكتشاف على خلايا غير بشرية فحسب؛ إذ لوحظ سلوك مشابه في خلايا بشرية أُطلق عليها اسم الأنثروبوتات Anthrobots؛ ما عزّز الفكرة القائلة بأن الخلايا قد تمتلك قدرات كامنة لا تظهر إلا عند خروجها من بيئتها الطبيعية. ففي دراسة سابقة نُشرت في مجلة Advanced Science بتاريخ 3 ديسمبر (كانون الأول) 2023، تمكّن العلماء من تطوير روبوتات بشرية مجهرية انطلاقاً من خلايا رئة بشرية بالغة وجرى توصيف خصائصها الوظيفية. وأظهرت هذه الروبوتات قدرة على الحركة داخل أطباق زراعة الخلايا، إضافة إلى تحفيز عملية التئام الجروح في الخلايا العصبية البشرية المزروعة في خطوة تفتح آفاقاً جديدة لفهم سلوك الخلايا وإمكاناتها العلاجية المستقبلية.

هل الخلايا واعية؟

وأعادت هذه النتائج سؤالاً فلسفياً وعلمياً قديماً إلى الواجهة: هل تمتلك الخلايا شكلاً بدائياً من الوعي؟ يرى بعض العلماء أن السلوك الموجّه واتخاذ قرارات بسيطة يوحيان بدرجة من الإدراك الخلوي. في المقابل، يحذّر باحثون آخرون من المبالغة، مؤكدين أن هذه الظواهر يمكن تفسيرها بآليات كيميائية وفيزيائية معروفة دون الحاجة إلى افتراض الوعي.

ورغم الخلاف، يتفق الجميع على أن هذه الاكتشافات قد تُحدث ثورة في الطب التجديدي من خلال تطوير علاجات تعتمد على إعادة برمجة خلايا المريض نفسه.

خلايا ليست من جيناتنا

وبالتوازي مع هذه الأبحاث، تكشف دراستان حديثتان نُشرتا أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، الأولى في مجلة Popular Mechanics بتاريخ 17 ديسمبر والأخرى في مجلة Nature بتاريخ 31 ديسمبر، عن حقيقة علمية مدهشة، مفادها أن أجسامنا لا تتكوّن فقط من خلايانا الخاصة. إذ أظهرت الدراستان أن داخل كل إنسان توجد أعداد ضئيلة جداً من خلايا تعود لشخص آخر، غالباً الأم أو الطفل، وهي ظاهرة بيولوجية تُعرف باسم «التخليق الجزيئي» Microchimerism؛ ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم الهوية الجسدية والعلاقة المعقّدة بين الأم والجنين.

ويُعدّ التخلق الجزئي الجنيني الأمومي الشكل الأكثر شيوعاً لهذا التبادل، ويحدث أثناء الحمل عندما تمر خلايا الجنين عبر المشيمة وتدخل مجرى دم الأم. ويبدأ هذا التبادل عادة بين الأسبوعين الرابع والسادس من الحمل، وقد تستمر بعض هذه الخلايا في جسم الأم لعقود بعد الولادة. بالمقابل، يمكن أيضاً أن تهاجر خلايا الأم إلى الجنين.

ولا يقتصر التخلق الجزئي على فترة الحمل فقط، بل يمكن أن يحدث أيضاً من مصادر أخرى، مثل عمليات زرع الأعضاء أو نقل الدم أو الولادات المتعددة، كما في حالة التوائم الذين يتشاركون الرحم. ففي هذه الحالات يمكن لخلايا أحد الأفراد أن تندمج وتستقر في أنسجة فرد آخر؛ ما يجعل أجسامنا تحتوي على خلايا أجنبية بصورة طبيعية أحياناً.

أدوار غير متوقعة

وتشير الأبحاث إلى أن هذه الخلايا «الضيفة» ليست خاملة، بل قد تسهِم في التئام الجروح أو دعم الجهاز المناعي. ففي الأطفال، يُعتقد أن خلايا الأم تساعد جهازهم المناعي على التعلّم المبكر وكأنها تنقل خبرة بيولوجية عبر الأجيال.

لكن هذه الظاهرة تطرح أيضاً أسئلة معقّدة حول أمراض المناعة الذاتية؛ إذ وُجدت أعداد أكبر من هذه الخلايا لدى بعض المرضى دون حسم ما إذا كانت سبباً أم نتيجة للمرض.

هوية أكثر تعقيداً

تتحدى هذه الاكتشافات الفكرة التقليدية عن الفرد المستقل بيولوجياً. فإذا كنا نحمل خلايا أشخاص آخرين طوال حياتنا، فهل نحن حقاً كيان واحد؟ وهل بقاء خلايانا في أجساد أحبائنا بعد موتنا يمثّل شكلاً من أشكال الاستمرار؟

رغم أن العلم ما زال في بداياته، فإن الرسالة باتت واضحة، هي أن الحياة ليست حالة ثنائية بسيطة بين الوجود والعدم والحدود بين الحياة والموت وبين «الذات» و«الآخر» أكثر مرونة وتعقيداً مما كنا نتصور. إذ إن أصغر وحدات الحياة قد تحمل مفاتيح فهم أعمق للصحة والهوية، وربما لمعنى الوجود ذاته.

حقائق

30

تريليون خلية تقريباً توجد في جسم الإنسان


مقالات ذات صلة

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

علوم الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

عوامل وراثية، وبيئية، وصحية تترك بصمات جزيئية دائمة في الجسم

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم حذف جينات محددة يسهّل العلاج المناعي للسرطان

حذف جينات محددة يسهّل العلاج المناعي للسرطان

دراستان علميتان حديثتان كشفتا عن أن فقدان جينات بعينها داخل الخلايا السرطانية قد يجعل الأورام أكثر هشاشة أمام هجوم الجهاز المناعي

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم «ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي

الذكاء الاصطناعي يفكّ شفرة الجينوم البشري

آلية عمل الحمض النووي «دي إن إيه» الدقيقة لا تزال غامضة إلى حد كبير

كارل زيمر (نيويورك)
علوم اختلافات جينية لدى الأمهات قد تفسّر شيوع الإجهاض

اختلافات جينية لدى الأمهات قد تفسّر شيوع الإجهاض

تحدد مسارات بيولوجية واضحة تسهِم في تطوير أدوية لدرء حدوثه

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

علم التخلق هو مصطلح شامل يصف كيفية تفاعل مجموعة واسعة من الجزيئات مع الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبوزي (RNA) للتأثير في نشاط الجينات.


أهم 5 دروس في الذكاء الاصطناعي لعام 2025

أهم 5 دروس في الذكاء الاصطناعي لعام 2025
TT

أهم 5 دروس في الذكاء الاصطناعي لعام 2025

أهم 5 دروس في الذكاء الاصطناعي لعام 2025

مع نضوج الذكاء الاصطناعي خلال عام 2025، استخلصت الشركات في مختلف القطاعات دروساً بالغة الأهمية حول قابلية التوسع، والكفاءة، والموثوقية، والتطبيق العملي. فبدلاً من السعي وراء اختراقات تكنولوجية هائلة أو نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة، ركز العديد من المؤسسات على البنية التحتية، والقدرة على التنبؤ، وحل المشكلات التي من شأنها أن تسمح للذكاء الاصطناعي بالتوسع بشكل موثوق وفعَّال في الواقع، كما كتب كولاولي صموئيل أديبايو(*).

تحديات المرحلة وقدرات التكيّف

وقد أبرزت هذه الدروس التحديات المتنامية والتحولات في الاستراتيجية مع تكيف القطاع مع التحديات العملية بدلاً من الانسياق وراء الضجة الإعلامية المحيطة بالإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي.

1. البنية التحتية أولاً. كان أهم ما تم استخلاصه في عام 2025 هو الحاجة إلى بنية تحتية قوية للذكاء الاصطناعي.

وهذا هو مثال ليئور بوزين، الرئيس التنفيذي لشركة AutoDS، وهي منصة لأتمتة التجارة الإلكترونية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، الذي تعلَّم هذا الدرس بشكل مباشر. في البداية، أعطت شركته الأولوية للتوظيف السريع للذكاء الاصطناعي، معتقدةً أن السرعة هي مفتاح النجاح. مع ذلك، ومع نمو الشركة، اتضح جلياً أنه من دون حوكمة سليمة، وتنظيم بيانات فعَّال، وبنية تحتية متينة، لن تتمكن تقنيات الذكاء الاصطناعي من التوسع بكفاءة. لذا، حوَّلت الشركة تركيزها إلى إرساء الأساس الصحيح - بناء طبقات بيانات مشتركة وهياكل ملكية أكثر وضوحاً - ما سمح لميزات الذكاء الاصطناعي بأن تصبح جزءاً لا يتجزأ من عملياتها التجارية.

وبالمثل، واجهت شركة RavenDB، المتخصصة في قواعد البيانات، صعوبة في دمج الذكاء الاصطناعي بسبب ضعف البنية التحتية التي جعلت تدفق البيانات معقداً وغير موثوق. بوعد فشل تعاونها مع «مايكروسوفت» لبناء مساعد ذكاء اصطناعي للتوثيق، عمدت هذه الشركة إلى دمج الذكاء الاصطناعي بشكل أعمق في نظام قاعدة بياناتها، ما يضمن عمل النماذج بالقرب من البيانات التي تعتمد عليها، وبالتالي زيادة القدرة على التنبؤ والموثوقية.

وقد أدركت هذه الشركات أن الإمكانات الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا يمكن إطلاقها إلا عند دمجه بسلاسة في الأنظمة القائمة ذات الأسس المتينة للبيانات.

الكفاءة أم القدرات العالية؟

2. كفاءة الذكاء الاصطناعي تفوق أهمية «القدرة الخام» له. بينما استمر العديد من العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي في السعي وراء نماذج أكبر وموارد حوسبة أقوى، اتخذت شركات مثل Oculeus، وهي شركة برمجيات لقطاع الاتصالات، نهجاً مختلفاً، إذ أولى الرئيس التنفيذي أرند بارانوفسكي الأولوية لكفاءة أنظمة الذكاء الاصطناعي بدلاً من التركيز على قدرتها الحاسوبية.

في قطاع الاتصالات، حيث يُعدّ الكشف الفوري عن الاحتيال والكشف عن الحالات الشاذة أمراً بالغ الأهمية، تُعتبر الموثوقية والاتساق أساسيين. بالنسبة لبارانوفسكي، لم تكن «القدرة الخام» هي الحل، بل كان المهم: القدرة على التنبؤ والمخرجات المحددة. كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تُنتج نتائج متسقة أكثر قيمة بكثير من تلك القادرة على توليد مخرجات عشوائية.

وبالمثل، ردد مؤسس RavenDB، أورين إيني، هذا الرأي، مؤكداً أن الهدف لم يكن إنشاء ذكاء اصطناعي «أذكى»، بل بناء ذكاء اصطناعي قادر على التعامل مع المهام الروتينية بسلاسة. اكتسب هذا التركيز على الموثوقية والكفاءة بدلاً من قدرات الذكاء الاصطناعي الخام زخماً مع إدراك الشركات للتكاليف الباهظة للحوسبة واستهلاك الطاقة. ومع تزايد الطلب على الذكاء الاصطناعي الموفر للطاقة، ستأتي الموجة التالية من النجاح من أولئك القادرين على تحقيق أقصى أداء للذكاء الاصطناعي دون تكاليف إضافية غير ضرورية.

--------

* * مفتاح النجاح في عام 2025 لم يتمثل في الإنجازات البراقة بل التحسينات الحقيقية التي يمكن تطبيقها بفعالية على جميع العمليات * *

-------

حدود الثقة وأهمية الرقابة

3. الثقة تتطلب حدوداً. كان على صناعة الذكاء الاصطناعي في عام 2025 أيضاً أن تتعامل مع مسألة الثقة، إذ تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد في خدمة العملاء والمعاملات واتخاذ القرارات، غير أنها تفتقر إلى المساءلة التي يتمتع بها الموظفون البشريون.

وقد سلَّطت قضية روبوت الدردشة التابع لشركة طيران كندا، الذي وعد بخصم وهمي على تذاكر السفر في حالات الوفاة، الضوء على مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي غير الخاضعة للرقابة. ولمعالجة هذه المشكلة، وضعت شركات مثل AutoDS وRavenDB ضوابط وإجراءات لضمان دقة وموثوقية وأمان مخرجات الذكاء الاصطناعي. فعلى سبيل المثال، شكَّلت الشركة الأولى فريقاً للتحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي، بينما طبقت الثانية سلسلة من إجراءات الموافقة للحد مما يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي وعده.

أكد هذا الدرس على حقيقة أنه يجب التعامل مع الذكاء الاصطناعي، على الرغم من قوته، كأداة تتطلب ضوابط وإشرافاً وإدارة دقيقة. وتزداد الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي عندما تحدد الشركات توقعات واضحة، وتضمن الشفافية. في عام 2026، ستحتاج الشركات إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي كقضية ثقة، لضمان أن تكون تطبيقات الذكاء الاصطناعي قائمة على حوكمة مسؤولة.

خطوات صغيرة... لا من برامج طموحة

4. حلول بسيطة تتفوق على المشاريع الطموحة. بينما كان قطاع الذكاء الاصطناعي لا يزال مفتوناً بالطموحات الكبيرة كالذكاء الاصطناعي العام (AGI) والمركبات ذاتية القيادة، ركزت الشركات التي حققت تقدماً ملموساً على حل المشكلات الصغيرة اليومية على نطاق واسع.

تمثلت الفكرة الرئيسية لعام 2025 في أن التحسينات التدريجية يمكن أن تؤدي إلى تغييرات جذرية. ففي شركة RavenDB، أتاحت فرص تمكين الموظفين العاديين من تطوير ميزات الذكاء الاصطناعي في غضون أيام - بدلاً من الاعتماد على كبار المهندسين - للشركة، تحقيق تقدم مستمر. وبالمثل، ركزت شركة AutoDS على جعل الموظفين أسرع وأكثر كفاءة، بدلاً من السعي وراء مشروعات مبهرة ولكنها غير قابلة للتوسع.

وكما قال أورين إيني، فإن إصلاح العديد من المشكلات الصغيرة يمكن أن يؤدي إلى تقدم شامل أكبر من محاولة حل تحدٍ واحد هائل. ومثلما أحدثت تقنيات مثل أجهزة الصراف الآلي ونقاط الدفع الذاتي ثورة في المهام اليومية، فإن حل المشكلات الصغيرة المزعجة باستخدام الذكاء الاصطناعي له تأثير تحويلي تراكمي.

لم يكن مفتاح النجاح في عام 2025 هو الإنجازات البراقة، بل التحسينات الحقيقية القابلة للقياس والتي يمكن تطبيقها بفعالية على جميع العمليات.

الاستعداد استباقاً للتطورات

5. الاستعداد أهم من رد الفعل. كشف الصعود السريع للذكاء الاصطناعي في عامي 2024 و2025 عن مدى عدم استعداد العديد من القطاعات لهذه التقنية الجديدة. لاحظ ستيف بريرلي، الرئيس التنفيذي لشركة الحوسبة الكمومية «ريفرلين»، كيف سارعت الشركات للتكيف مع أدوات الذكاء الاصطناعي مثل «تشات جي بي تي»، مما أجبرها على مواجهة تحديات تتعلق بالتنظيم، وقابلية التوسع، وجاهزية البيانات، وتدريب القوى العاملة. وكانت خلاصة رأيه أن على القطاعات أن تتعلم استباق التقنيات الناشئة كالذكاء الاصطناعي، بدلاً من انتظار رد الفعل بعد ظهور تأثيرها.

كما برزت الحاجة إلى استعداد أفضل في تنظيم الذكاء الاصطناعي. فمع دخول قوانين الذكاء الاصطناعي حيز التنفيذ في عام 2025، كافحت الشركات لترجمة المتطلبات القانونية إلى تغييرات تشغيلية قابلة للتنفيذ. وكانت المعايير الدولية لحوكمة الذكاء الاصطناعي ضرورية لتعزيز الثقة وضمان سلامة نشر الذكاء الاصطناعي من الناحيتين الأخلاقية والقانونية. وكانت الشركات التي استثمرت في الاستعداد لهذه التحديات مسبقاً أكثر قدرة على التعامل مع التعقيدات التي ظهرت لاحقاً.

نظرة مستقبلية

تُبرز الدروس المستفادة في عام 2025 قطاعاً للذكاء الاصطناعي أصبح أكثر رسوخاً في الواقع العملي. تركز الشركات حالياً على بناء بنية تحتية موثوقة، ووضع ضوابط، وحل مشكلات واقعية. مع ذلك، ومع ازدياد اندماج الذكاء الاصطناعي في المجتمع، تبرز تحديات جديدة، لا سيما في مجالي الأمن السيبراني والأخلاقيات، إذ يتزايد استغلال مجرمي الإنترنت لقدرات الذكاء الاصطناعي، مما يستدعي تعزيز إجراءات الحماية وأطر الحوكمة.

في عام 2026، سيتجاوز تطور الذكاء الاصطناعي مرحلة الإعجاب والضجة الأولية، ليصبح أداة موثوقة وشفافة، لا ابتكاراً ثورياً بقدر ما هو شريك هادئ يندمج بسلاسة في العمل اليومي. وسيتمحور مستقبل الذكاء الاصطناعي حول الاتساق والكفاءة والحلول العملية، بدلاً من السعي وراء مشروعات طموحة أو أحلام مثالية.

والشركات الناجحة هي تلك التي تفهم هذا الواقع الجديد وتتكيف معه.

* مجلة «فاست كومباني».


الصمت… بوصفه فضيلة طبية للخوارزميات

حين تختار الخوارزمية الصمت
حين تختار الخوارزمية الصمت
TT

الصمت… بوصفه فضيلة طبية للخوارزميات

حين تختار الخوارزمية الصمت
حين تختار الخوارزمية الصمت

في الطب التقليدي، كان الصمت قراراً بشرياً يتخذه الطبيب حين يرى أن الإفراط في التفسير قد يربك المريض أكثر مما ينفعه.

أما اليوم، وفي عصر الذكاء الاصطناعي الطبي، فقد أصبح السؤال أعمق: هل يمكن أن يكون الصمت جزءاً من هندسة الخوارزمية نفسها؟ وهل ينبغي أن نُعلّم الآلة أن تمتنع عن الكلام حين يكون كلامها مؤذياً؟

بين الشكّ البشري والثقة الرقمية

بحث 2026: الاعتراف بعدم اليقين

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر الباحث محمد رشاد الإسلام (Md Rashadul Islam) من قسم هندسة علوم الحاسوب في جامعة دافوديل الدولية (Daffodil International University) في دكا، بنغلاديش، دراسة على منصة «أركايف» (arXiv) بعنوان: «إطار الامتناع الانتقائي للذكاء الاصطناعي الواعي بعدم اليقين في تصوير السكتة الدماغية الحادة».

تناولت الدراسة تحدياً معروفاً في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبي، وهو أن النماذج - حتى الأكثر دقة - تُجبر على إصدار حكم تشخيصي في جميع الحالات، حتى عندما تكون درجة الثقة منخفضة.

لذا؛ اقترح الباحث إطاراً يدمج تقدير «عدم اليقين الاحتمالي» داخل نموذج تحليل صور السكتة الدماغية الحادة. وعندما تنخفض درجة الثقة عن حد معين، يمتنع النظام صراحةً عن إصدار توصية، ويُحيل القرار إلى الطبيب.

وأظهرت النتائج الأولية انخفاضاً في الأخطاء بالحالات الحدّية وارتفاعاً في أمان القرار السريري مقارنة بالنماذج التقليدية. ورغم أن الدراسة لا تزال منشورة بحثاً أولياً لم يخضع بعد للتحكيم النهائي، فإنها تعكس اتجاهاً بحثياً واضحاً نحو «ذكاء واعٍ بحدوده».

بين القدرة على التنبؤ وأخلاقيات الإفصاح

الذكاء الاصطناعي اليوم قادر على التنبؤ بمخاطر أمراض قبل سنوات من ظهورها، وقراءة الصور الشعاعية بدقة تتجاوز أحياناً العين البشرية. لكن السؤال لم يعد: هل يستطيع أن يتنبأ؟ بل: هل ينبغي أن يُعلن كل ما يتنبأ به؟

تخيّل نظاماً يخبر مريضاً باحتمال متوسط للإصابة بمرض خطير خلال عشر سنوات. الاحتمال غير حاسم، والتدخل غير مؤكد، لكن كلمة «خطر» وحدها قد تغيّر نظرته إلى ذاته ومستقبله. هنا تتحول المعلومة من رقم إحصائي إلى عبء نفسي.

ليس كل تنبؤ يستحق أن يتحول إنذاراً.

خطر الضجيج العلاجي

الأنظمة الذكية مصممة بطبيعتها لإنتاج نتائج. والنموذج الذي لا يُخرج توصية يُعدّ ناقصاً تقنياً. لكن الطب ليس سباقاً في عدد التنبيهات، بل مسؤولية في وزن العواقب.

وقد يقود الإفراط في الإنذار إلى فحوص غير ضرورية، وتشخيص زائد، وقلق مزمن. ومع إدماج الخوارزميات في السجلات الطبية الإلكترونية، تتحول التوصية إلى «خيار موصى به» تلقائياً، ويصبح الخروج عنه في حاجة إلى تبرير. هنا يحدث ما يمكن تسميته بالانزياح الصامت للمسؤولية؛ لا تُلغى حرية الطبيب، لكنها تُثقل تحت ضغط الثقة الرقمية.

مبدأ الصمت الخوارزمي

من هنا يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه فضيلة طبية ناشئة. وهو لا يعني إخفاء الحقيقة، بل ترشيحها عبر ميزان التناسب. فإذا كان التنبؤ عالي الدقة، والتدخل المبكر ينقذ حياة، فالإفصاح واجب. أما إذا كان الاحتمال متوسطاً، والفائدة غير محسومة، والضرر النفسي متوقعاً، فقد تكون المراقبة أكثر أخلاقية من الإنذار.

الفرق هنا بين القدرة على التنبؤ والحق في التدخل.

ضجيج الإنذارات

الشكّ المهني في عصر الخوارزميات

أحد أعمدة الطب هو الشكّ البنّاء، فالطبيب المتمرّس يعرف متى يتدخل ومتى ينتظر. لكن الخوارزمية، إن لم تُصمَّم بعناية، قد تُضعف هذا الشك؛ لأنها تعرض توصياتها بثقة رقمية تبدو عقلانية ومحايدة.

ومع الاعتياد، يتحول النظام مرجعيةً غير مُساءلة، لا لأنه يفرض نفسه، بل لأننا نعتاد عليه. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

نحو ذكاء أكثر تواضعاً

الطب لا يحتاج إلى ذكاء أعلى فحسب، بل إلى ذكاء أكثر تواضعاً؛ ذكاء يعترف بدرجة عدم يقينه، ويُظهر حدوده بوضوح، ويمتنع عن الكلام حين يكون الكلام ضرراً.

فالخوارزمية لا ترى القلق في عيني المريض، ولا تتحمل تبعات القرار، ولا تعيش أثر الكلمة. الطبيب وحده من يزن الاحتمال في ضوء الإنسان الجالس أمامه.

ليست المشكلة أن تتكلم الخوارزمية، بل أن تتكلم حين لا ينبغي لها أن تفعل. فالذكاء الحقيقي لا يُقاس بعدد ما يقول، بل بقدر ما يعرف أن يمتنع.

ومستقبل الرعاية الصحية لن يُقاس بعدد ما تقوله الأنظمة الذكية، بل بقدرتها على معرفة متى تتراجع خطوة، وتترك للإنسان الكلمة الأخيرة.


الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا
TT

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

كشفت دراسة علمية حديثة أن الاختلاف الكبير في استجابة الناس للأمراض المعدية يعود إلى تفاعل معقّد بين الجينات التي نرثها، وتجارب الحياة التي ممرنا أو نمرّ بها، مثل العدوى السابقة، واللقاحات، والعوامل البيئية. وأظهرت الدراسة أن هذه العوامل تترك بصمات جزيئية دائمة على خلايا الجهاز المناعي تتحكم في كيفية عمل الجينات، واستجابة الجسم للأمراض.

فهرس «غير جيني» لخلايا المناعة البشرية

ُشرت الدراسة التي أجراها باحثون من معهد سالك للأبحاث في كاليفورنيا الولايات المتحدة في مجلة «Nature Genetics» في 27 يناير (كانون الثاني) 2026 حيث قدّم العلماء أول فهرس غير جيني مفصّل لخلايا المناعة البشرية، ما يفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر دقة، وتخصيصاً لكل فرد.

وتبرز أهمية هذه النتائج بوضوح بعد أن أظهرت جائحة كوفيد-19 حقيقة لافتة هي أن الأشخاص المصابين بالفيروس نفسه قد يمرّون بتجارب صحية مختلفة تماماً. فبينما يعاني بعضهم أعراضاً خفيفة، يصاب آخرون بمضاعفات خطيرة. وهذا ما أعاد طرح سؤال جوهري ألا وهو لماذا تؤثر العدوى نفسها على الناس بطرق متباينة؟

الطبقة الخفية وراء الحمض النووي

رغم أن جميع خلايا الجسم تحمل الحمض النووي «دي إن إيه» نفسه، فإنها لا تؤدي الوظائف نفسها. فالخلية الجلدية تختلف تماماً عن الخلية المناعية. ويعود هذا الاختلاف إلى ما يُعرف بـاللاجينوم Epigenome.

واللاجينوم عبارة عن علامات كيميائية صغيرة ترتبط بالحمض النووي، وتعمل بوصفها مفاتيح تشغيل أو إيقاف للجينات. وهي لا تغيّر الشيفرة الوراثية نفسها، لكنها تتحكم في طريقة عمل الخلايا.

وعلى عكس الجينات يتميز اللاجينوم بالمرونة، إذ تُورَّث بعض علاماته، بينما تتشكل أخرى نتيجة التعرض للعدوى، واللقاحات، والعوامل البيئية عبر مراحل الحياة.

الطبيعة والتجربة داخل خلايا المناعة

ولفهم تأثير الجينات، وتجارب الحياة على الجهاز المناعي، حلّل فريق البحث بقيادة جوزيف إيكر من مختبر التحليل الجينومي معهد سالك للدراسات البيولوجية في الولايات المتحدة الأميركية عينات دم من 110 أشخاص ذوي خلفيات متنوعة. وشملت هذه العينات أشخاصاً تعرضوا لعدوى مختلفة، مثل الإنفلونزا، وكوفيد-19، وفيروس نقص المناعة البشرية، إضافة إلى تلقي بعضهم لقاحات، والتعرض لمواد كيميائية بيئية.

وركّز الباحثون على أربعة أنواع رئيسة من خلايا المناعة هي: الخلايا التائية T cells، والخلايا البائية B cells التي تحتفظ بذاكرة طويلة الأمد للعدوى السابقة، ثم الخلايا الوحيدة Monocytes، والخلايا القاتلة الطبيعية natural killer cells التي تستجيب بسرعة، وبصورة أوسع.

ثم قاموا برسم خريطة للتغيرات اللاجينية، خاصة أنماط مثيلة الحمض النووي داخل كل نوع من هذه الخلايا.

نوعان من البصمات اللاجينية

وكشفت الدراسة عن وجود نوعين واضحين من التغيرات اللاجينية هي تغيرات مرتبطة بالوراثة الجينية، وتغيرات ناتجة عن تجارب الحياة، والتعرض البيئي.

وتبيّن أن هذين النوعين يظهران في مناطق مختلفة من الجينوم. إذ تترك التأثيرات الوراثية بصمتها في مناطق مستقرة، خاصة في الخلايا المناعية طويلة العمر، مثل الخلايا التائية، والبائية. في المقابل تظهر تأثيرات التجارب الحياتية في مناطق تنظيمية أكثر مرونة تساعد الخلايا على الاستجابة السريعة للتهديدات.

وتشير هذه النتائج إلى أن الجينات تضع الأساس طويل الأمد لعمل الجهاز المناعي، بينما تعدّل التجارب الحياتية الاستجابة المناعية بحسب الظروف.

ربط خطر الأمراض بخلايا مناعية محددة

وأوضحت الدراسة أن بعض الاختلافات الجينية المرتبطة بالأمراض لا تُسبب المرض بشكل مباشر، بل تعمل من خلال التأثير على «مفاتيح» كيميائية دقيقة تتحكم في نشاط الجينات داخل أنواع معيّنة من خلايا الجهاز المناعي. ويساعد هذا الفهم العلماء على معرفة أيّ الخلايا تبدأ منها الأمراض، وكيف تتطور على المستوى الجزيئي، ما يمهّد الطريق لتشخيص أدقّ، وعلاجات أكثر استهدافاً بدل التأثير في الجهاز المناعي بأكمله.

نحو طب مناعي شخصي

من أبرز آفاق هذا البحث إمكانية استخدام الخرائط اللاجينية للتنبؤ بكيفية استجابة الأشخاص للعدوى. فمع توفر عدد أكبر من البيانات قد يصبح بالإمكان تحليل بصمة الشخص المناعية، وتوقع شدة المرض لديه، وربما حتى قبل التعرض للعدوى.

وفي المستقبل قد يستخدم الأطباء هذه التواقيع اللاجينية لتحديد الأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات، وتصميم استراتيجيات وقائية أو علاجية مخصصة لهم.

خريطة طريق للمستقبل

يوفّر هذا الأطلس اللاجيني الجديد لخلايا المناعة مورداً علمياً بالغ الأهمية لدراسة الأمراض المعدية والوراثية على حد سواء. ومن خلال كشف كيفية تفاعل الجينات، وتجارب الحياة داخل خلايا المناعة، تقرّب هذه الدراسة الطب من مفهوم العلاج الشخصي الحقيقي.

ومع توسّع هذا الفهرس في السنوات المقبلة قد يساعد الأطباء ليس فقط على فهم أسباب المرض، بل أيضاً على حماية المرضى بطرق أكثر فاعلية، ودقة.