مهمات فضائية متميزة في عام 2026

بقيادة الولايات المتحدة والصين واليابان

طموح متزايد لاستكشاف القمر وسبر أغواره
طموح متزايد لاستكشاف القمر وسبر أغواره
TT

مهمات فضائية متميزة في عام 2026

طموح متزايد لاستكشاف القمر وسبر أغواره
طموح متزايد لاستكشاف القمر وسبر أغواره

من السمات الرئيسة المرتبطة بالفضاء، ضرورة تحلي الإنسان المهتم به بالصبر؛ فالكون لا يخضع لمقاييس الزمن الأرضية، والأحداث فيه محكومة بقوانين الفيزياء والهندسة الثابتة. لذا؛ فإن الأمور المتعلقة بالفضاء ستحدث عندما يحين وقتها المناسب - ببساطة، كما كتب كاترينا ميلر ومايكل روستون (*).

بعض الأحيان، يتعين علينا الانتظار لفترة أطول بكثير من المتوقع لوقوع أحداث في نظامنا الشمسي، وما وراءه. وفي مجال رحلات الفضاء، على وجه الخصوص، قد تسمع عن أحداث، ثم تعلم بتأجيلها، وبعد ذلك تسمع عنها من جديد. عام 2026، ثمة أمل في أن يُكافأ هذا الصبر.

صاروخ الإطلاق الحامل لمهمة «أرتميس 2»

مهمة «أرتميس 2»

من المقرر أن ترسل وكالة «ناسا» رواد فضاء من جديد إلى القمر. نعم، الأمر حقيقي هذه المرة. في الواقع، مرّ أكثر من 50 عاماً منذ أن غادر البشر مدار الأرض المنخفض، وداروا حول القمر. ومنذ ذلك الحين، عكفت وكالات الفضاء على بناء مكوك فضائي ومحطات فضائية، لكن ظلت طواقمها على مقربة من الأرض.

مطلع عام 2026، سيعود رواد فضاء من «ناسا» ووكالة الفضاء الكندية إلى القمر، في رحلة ذهاباً وإياباً. ويتألف الطاقم من أربعة أفراد: فيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان، وكريستينا كوتش. ويستعد غلوفر لأن يصبح أول شخص أسود البشرة يصل إلى القمر، وكوتش أول امرأة. أما هانسن، فسيكون أول كندي، وأول شخص غير أميركي، يحقق هذا الإنجاز.

بوجه عام، يبدو أن رحلة Artemis II، التي تستغرق عشرة أيام، ستختلف اختلافاً كبيراً عن رحلة «أبولو 8»، وهي أول رحلة لرواد فضاء «ناسا» حول القمر، في ديسمبر (كانون الأول) 1968. وإذا انطلقت المهمة من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا ثم عادت وهبطت في المحيط الهادئ، فسيثبت ذلك أن كبسولة «أوريون»، مركبة أساسية في البنية التحتية القمرية لـ«ناسا»، آمنة لرواد الفضاء. وقد يحدث ذلك في وقت قريب، ربما فبراير (شباط).

أما هبوط رواد فضاء «ناسا» على سطح القمر، فأمر مختلف تماماً.

سباق جديد نحو القمر

وضعت الصين نصب عينيها هدفاً يتمثل في إنزال رواد فضاء على سطح القمر قبل عام 2030. وفي أغسطس (آب)، أجرت أول اختبار على الأرض لمركبة «لانيو» Lanyue القمرية، مركبة هبوط مخصصة لرواد الفضاء. وتعتزم بكين استخدام هذه المركبة في مهمة شبيهة ببرنامج «أبولو».

في المقابل، خططت وكالة «ناسا» لمهمة أشد تعقيداً، «أرتميس 3». وتعتمد هذه المهمة على مركبة «ستارشيب»، مركبة فضائية عملاقة من الجيل التالي، من تصميم شركة «سبيس إكس»، لإنزال رائدَي فضاء بالقرب من القطب الجنوبي للقمر. وقد صرحت الوكالة في أواخر عام 2024 بأنها ستحقق هذا الإنجاز بحلول منتصف عام 2027.

ومع ذلك، جابهت شركة «سبيس إكس»، المملوكة لإيلون ماسك، صعوبات في اجتياز اختبارات مركبة «ستار شيب»، العام الماضي، وتزايدت الشكوك حول جدوى الجدول الزمني. في نوفمبر (تشرين الثاني)، طلبت «ناسا» مقترحات بديلة لبرنامج «أرتميس 3»، في الوقت الذي وقَّع الرئيس دونالد ترمب أمراً تنفيذياً، في ديسمبر (كانون الأول)، حدَّد فيه الهبوط على سطح القمر عام 2028 هدفاً رئيساً للبلاد.

وينطوي هذا التاريخ على طموح بالغ. وقد يُحدد حدثان خلال عام 2026 مصير إرسال الصين لرواد فضاء إلى القمر قبل عودة الأميركيين.

يتعلق الحدث الأول بتخطيط «سبيس إكس» لاختبار أحدث نسخة من مركبة «ستار شيب» Starship. وإذا نجحت الرحلات التجريبية الأولى، وتمكنت الشركة من إعادة إطلاق مركبة تدور حول الأرض بشكل كامل، فقد تعود خطط الشركة إلى مسارها الصحيح، حتى وإن لم تتمكن من تحقيق هدف الهبوط عام 2028.

أما الحدث الآخر، فيتعلق بشركة «بلو أوريجين»، شركة رحلات الفضاء المملوكة لجيف بيزوس، مؤسس شركة «أمازون». وتخطط الشركة لهبوط آلي على سطح القمر باستخدام نسخة من مركبتها «بلو مون» Blue Moon عام 2026. وإذا تكللت هذه المهمة بالنجاح، فبإمكان «ناسا» أن تدرس بثقة اقتراح شركة «بلو أوريجين» بتقديم مركبة هبوط بديلة أبسط، والتي قد تكون جاهزة قبل مركبة «ستارشيب».

مرصد «فيرا سي. روبين» الفلكي

مرصد «روبين» للنجوم

رصد مرصد «فيرا سي. روبين» الفلكي Vera C. Rubin Observatory، الذي يضم تلسكوباً على جبل في تشيلي، أول ضوء عام 2025، وشارك العالم صوراً خلابة للكون في يونيو (حزيران). ومن المقرر أن يبدأ المرصد مسحه الرسمي للفضاء والزمن، أوائل عام 2026.

على مدى السنوات العشر المقبلة، من المقرر أن يلتقط مرصد «روبين» نحو 1000 صورة للسماء الجنوبية كل ليلة تقريباً، من أحد أحلك الأماكن على وجه الأرض، باستخدام أكبر كاميرا رقمية جرى بناؤها على الإطلاق. وستوضح هذه البيانات الوفيرة كيفية تطور الأجرام السماوية في الكون، مثل الثقوب السوداء والكويكبات، عبر الزمن. وسيساعد هذا كذلك علماء الفلك على فهم طبيعة الطاقة المظلمة بشكل أفضل، وهي قوة غامضة تدفع الكون للتوسع بوتيرة متسارعة، والمادة المظلمة، وهي المادة غير المرئية التي تُشكّل كوننا.

وقد اكتشف «روبين» بالفعل أكثر من 2000 كويكب، ورصد المذنب 3I/ATLAS، وهو زائر بين النجوم من خارج نظامنا الشمسي، والذي أثار ضجة كبيرة على الإنترنت.

مهندسو «ناسا» يفحصون «تلسكوب رومان الفضائي»

عيون الأشعة تحت الحمراء في الفضاء

تستعد وكالة «ناسا» لإطلاق «تلسكوب رومان الفضائي» Roman Space Telescope، الذي اختير اسمه تيمناً بنانسي غريس رومان، أول كبيرة علماء الفلك في الوكالة، في موعد أقصاه مايو (أيار) 2027. إلا أنها تخطط لنقل التلسكوب إلى «مركز كينيدي للفضاء» في فلوريدا خلال الصيف؛ تمهيداً لإطلاقه في الخريف.

سيستخدم علماء الفلك قدرة «تلسكوب رومان» للرؤية بالأشعة تحت الحمراء لرسم خرائط لمليارات المجرات، وهي بيانات ستساعدهم على معرفة المزيد عن الطاقة المظلمة. واكتمل بناء التلسكوب بعد أشهر قليلة من اكتشاف علماء الفلك أدلة على أن الطاقة المظلمة أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد سابقاً.

إضافة إلى ذلك، سيساعد التلسكوب الباحثين في البحث عن الكواكب الخارجية، ودراسة الأقراص الدوامية للمادة الكونية التي تتشكل فيها؛ ما يوسع نطاق معرفتنا بالعوالم الأخرى داخل مجرة درب التبانة. وقد تدور بعض هذه الكواكب ضمن النطاق الصالح للسكن حول نجم، أو ربما تكون قد أصبحت أجساماً منعزلة تماماً، موجودة في المجرة دون ارتباطها بأي نجم مضيف.

الهبوط على قمر مريخي

تخطط كل من الولايات المتحدة والصين لإرسال مركبات فضائية آلية لجمع عينات من المريخ لدراستها على الأرض. ومع ذلك، قد تتفوق اليابان عليهما في هذا المجال، على الأقل نوعاً ما.

جدير بالذكر، أن المريخ يمتلك قمرين صغيرين، فوبوس وديموس، لطالما أثارا فضول العلماء. وتختلف النظريات حول أصولهما. وتقول إحدى النظريات إنهما قطعتان من الكوكب الأحمر، قُذفتا إلى الفضاء جراء اصطدام حدث في بدايات تاريخ النظام الشمسي، بينما تقول نظرية أخرى إنهما كويكبان اجتذبتهما جاذبية المريخ.

وقد تُسهم دراسة هذه الأقمار من كثب، وإحضار عينات منها إلى الأرض، في حلّ هذا اللغز. وتعتزم المهمة الخاصة باليابان، المسماة «استكشاف أقمار المريخ» (MMX)، إنجاز ذلك، مع وصولها إلى المريخ لدراسة قمريه، ثم تحاول الهبوط لفترة وجيزة على القمر الأكبر، «فوبوس»، لجمع العينات.

أحد أقمار المريخ

وقد أنجزت اليابان مهمتين مماثلتين باستخدام مركبتي «هايابوسا» و«هايابوسا 2»، وجلبت المهمة الثانية مواد من الكويكب «ريوغو» إلى الأرض عام 2020. وقد تُحاول اليابان إطلاق مهمة «استكشاف أقمار المريخ» (MMX) في نهاية عام 2026، رغم أن فشل رحلة صاروخ «إتش 3» الياباني حديثاً، قد يؤثر على جدول الإطلاق.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«ناسا» تؤجل أول رحلة مأهولة للقمر ضمن برنامج «أرتيميس» بسبب البرودة

علوم «ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)

«ناسا» تؤجل أول رحلة مأهولة للقمر ضمن برنامج «أرتيميس» بسبب البرودة

أجلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) رحلة رواد الفضاء المقبلة إلى القمر، بسبب توقعات بانخفاض درجات الحرارة إلى ما يقارب الصفر في موقع الإطلاق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم اختراقات 2026 العلمية

اختراقات 2026 العلمية

انطلاق البرمجة التوليدية وتصاميم لبطاريات مطورة وإحياء الكائنات المنقرضة

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق شهدت الجلسة مشاركة مسؤولين من السعودية والهند والصين والأمم المتحدة (وكالة الفضاء السعودية)

السعودية: مؤتمر «حطام الفضاء» يحذر من المخاطر المتزايدة على مهمات الاستكشاف إلى القمر والمريخ

أكدد عدد من الخبراء والمسؤولين الدوليين، الثلاثاء، في العاصمة السعودية الرياض، على ضرورة التعاون الدولي وتبادل البيانات لتعزيز سلامة مهمات استكشاف الفضاء

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق قد تكون الحياة أكثر جرأة مما نظنّ (أ.ف.ب)

كواكب جديدة قد تحتضن حياة كائنات فضائية خارج «المنطقة الآمنة»

ربما يفوق عدد الكواكب التي تصلح لحياة الكائنات الفضائية ما كنا نعتقده في السابق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم يأتي المؤتمر بدعم من المكتب الأممي لشؤون الفضاء الخارجي وشراكة مع الاتحاد الدولي للاتصالات (وكالة الفضاء السعودية)

مؤتمر دولي في الرياض يبحث استدامة المدارات الأرضية

انطلقت في الرياض أعمال النسخة الثانية من مؤتمر «حطام الفضاء 2026»، الذي تنظمه على مدى يومين «وكالة الفضاء» السعودية وسط مشاركة دولية رفيعة المستوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«ناسا» تؤجل أول رحلة مأهولة للقمر ضمن برنامج «أرتيميس» بسبب البرودة

«ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)
«ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)
TT

«ناسا» تؤجل أول رحلة مأهولة للقمر ضمن برنامج «أرتيميس» بسبب البرودة

«ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)
«ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)

أجلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) رحلة رواد الفضاء المقبلة إلى القمر، بسبب توقعات بانخفاض درجات الحرارة إلى ما يقارب الصفر في موقع الإطلاق.

وتم تحديد موعد أول رحلة مأهولة إلى القمر ضمن برنامج «أرتيميس» الآن في توقيت لا يتجاوز 8 فبراير (شباط)، متأخرة يومين عن الموعد الأصلي، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وكانت وكالة «ناسا» على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» القمرية، البالغ طوله 322 قدماً (98 متراً)، بالوقود، غداً السبت، لكنها ألغت كل شيء في وقت متأخر، أمس الخميس، بسبب الطقس البارد المتوقع.

والآن، تم تحديد موعد «الاختبار النهائي بالغ الأهمية»، يوم الاثنين المقبل، إذا سمحت ظروف الطقس.

ويعني هذا التغيير أن أمام «ناسا» ثلاثة أيام فقط في فبراير (شباط) لإرسال أربعة رواد فضاء في رحلة حول القمر والعودة، قبل أن تمتد المهمة إلى مارس (آذار).


الأولوية للإنسان المبدع... عند اختيار مهمات الذكاء الاصطناعي

الأولوية للإنسان المبدع... عند اختيار مهمات الذكاء الاصطناعي
TT

الأولوية للإنسان المبدع... عند اختيار مهمات الذكاء الاصطناعي

الأولوية للإنسان المبدع... عند اختيار مهمات الذكاء الاصطناعي

نشهد اليوم طفرة غير مسبوقة في القدرات الإبداعية؛ إذ تُزيل الواجهات الصوتية الحواجز أمام مليارات الأشخاص الذين يجدون لوحات المفاتيح مُرهقة، بينما تستطيع مولدات الصور المدعومة بالذكاء الاصطناعي محاكاة أي توجُّه إبداعي تقريباً على الفور. وهكذا تتلاشى القيود التقنية التي كانت تُحدد العمل الإبداعي، كما كتب كاميرون آدامز(*).

ومع ذلك، تُثير هذه الوفرة تحدياً جديداً: عندما يصبح كل شيء ممكناً، تُصبح الاحتمالات مُربكة. عندها، تكمن القيمة الحقيقية في معرفة ما يستحق الصنع والتنفيذ.. وما لا يستحق.

وأتوقع أنه في عام 2026، سيُصبح السؤال: «هل يجب أن نبني هذا؟» أكثر أهمية من السؤال «هل نستطيع بناء هذا؟».

فائض القدرات

يدور نقاش الذكاء الاصطناعي حول القدرات؛ ما يُمكنك صنعه. سرعة إنجازه. ما هو مُمكن الآن. لكن ثمة فجوة تتسع بين ما يُمكننا ابتكاره وما ينبغي علينا ابتكاره.

يكشف تقرير ماكينزي لحالة الذكاء الاصطناعي الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 عن مفارقة لافتة: 88 في المائة من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي حالياً في وظيفة تجارية واحدة على الأقل، ومع ذلك، فإن نسبة 39 في المائة فقط تُبلغ عن تأثيره المالي على مستوى المؤسسة. إنها تُحقق قيمة في حالات استخدام مُحددة، لكنها تُعاني في ترجمة ذلك إلى نمو طويل الأجل أو تحسين هوامش الربح.

الخلل يكمن في معرفة المواضع التي يمكن فيها تطبيقه، وكيفية إنشاء إطار عمل يُمكّنه من إحداث تأثير فعلي.

المهارات التي يُمكن للجميع صقلها في عام 2026

يُتيح هذا التحوّل فرصة حقيقية لكل مُبدع، ومُحترف، وكل من يهتم بتطوير مهاراته وتوسيع نطاق تأثيره.

عندما يُصبح التنفيذ الإبداعي مُتاحاً للجميع، تبرز ثلاثة عوامل مهمة:

البدء بطرح أسئلة أفضل: «كيف يُمكننا تحقيق أكبر تأثير؟ ما القرارات التي يجب أن تبقى بيد الإنسان؟ أين تُؤدي الأتمتة إلى الهشاشة؟». هذه ليست قيوداً، بل أُطر عمل تمنع الإرهاق المعرفي عندما يكون كل شيء مُمكناً تقنياً.

• تطوير الذوق من خلال التكرار: كما حدث مع الآلات الحاسبة، فإنها لم تُلغِ الحاجة إلى الفهم الرياضي. وكذلك فإن الذكاء الاصطناعي لا يُلغي الحاجة إلى الأسس الإبداعية. ولكن ما يتغير هو أن القدرة على التكرار السريع باستخدام الذكاء الاصطناعي تُسرّع في الواقع من تطوير الذوق. ستحصل على المزيد من المحاولات، ودورات تغذية راجعة أكثر دقة، وتعلّم أسرع. أنت تُنمّي أحكامك من خلال اتخاذ المزيد من القرارات، لا أقل.

• تحديد موعد النشر والمشاركة: عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي توليد عدد لا يُحصى من التنويعات فوراً، يصبح الضغط على زر مشاركة شيء ما مع شخص ما هو الفعل الإبداعي الأساسي. إن ما تُرسله، ومتى تُرسله، ومَن يتسلمه قرارات تشكل هويتك ورسالتك بطرق لا يستطيع التوليد وحده، تحقيقها.

الأدوات والمنصات الشركاء في الإبداع

إذا كانت معرفة ما يجب صنعه هي المهارة الجديدة، فإن الأدوات التي تُساعدنا على تطوير هذه المهارة لن تكون مجرد أدوات مُطيعة؛ إذ إن أدوات الذكاء الاصطناعي الأكثر قيمة لن تكون تلك التي تُنفّذ رؤيتك فحسب، بل تلك التي تعمل شركاء في الإبداع. أتوقع ظهور أدوات تُوفّر القدر المناسب من التحدي لدفع أفكارك الإبداعية قُدُماً.

سيتغير دور المنصات الإبداعية من مجرد توفير الإمكانيات إلى توفيرها مع دعمٍ مُدمجٍ في المنتج نفسه. وهذا يعني:

أدوات تُحفّز التفكير الإبداعي بدلاً من مجرد تنفيذ الأفكار

• واجهات تُدرك متى تتوقف عن الإزعاج بدلاً من المقاطعة المستمرة (إشعارات أقل، قرارات أقل، مقاطعات أقل)

• ميزات تُساعد المستخدمين على فهم سبب نجاح خيارٍ ما، وليس مجرد نجاحه

الطيف الإبداعي الجديد: إنساني واصطناعي وهجين.

نتجه الآن نحو أنماط إبداعية متعددة وفعّالة: إبداع بشري خالص، إبداع ذكاء اصطناعي خالص، إبداع ذكاء اصطناعي مُدمج مع إبداع بشري (أحياناً مُعلن، وأحياناً خفيّ). وبدلاً من هيمنة نهجٍ واحد، سيُنتج هذا الطيف أنواعاً مختلفة من الأعمال ونقاشاتٍ مُختلفة حول الإبداع. سنرى إعلانات «غير مُصمَّمة باستخدام الذكاء الاصطناعي» تتعايش مع دمج الذكاء الاصطناعي في الخفاء بوصفه ممارسة قياسية.

يعكس هذا توسعاً في الإمكانيات. سيتمكن عددٌ أكبر من الناس من الوصول إلى الأدوات الإبداعية أكثر من أي وقتٍ مضى. السؤال هو: هل سيُطورون القدرة على استخدامها بشكلٍ جيد؟

جوهر الذكاء الاصطناعي يكافئ مطوري مهارات التفكير النقدي

كيف يبدو النجاح الآن؟ لا يكمن التفاؤل في عام 2026 بأن يجعل الذكاء الاصطناعي الإبداع سهلاً. يكمن جوهر الذكاء الاصطناعي في إتاحة الإبداع للجميع، ثم مكافأة مَن يطورون مهارات التفكير النقدي ضمن هذا النطاق.

يتمتع مليارات الأشخاص اليوم بإمكانية الوصول إلى أدوات إبداعية احترافية؛ فهل سنغرق في فيديوهات التزييف العميق للمشاهير، أم سنشهد ظهور جيل جديد من الفنانين المعاصرين؟ يعتمد هذا على مدى جودة دمجنا «أطر التفكير النقدي» في أدوات الذكاء الاصطناعي التي نستخدمها وفي أساليب عملنا. علينا استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بحكمة، ولكننا نحتاج أيضاً إلى محاسبة أنفسنا على التفكير العميق قبل النشر.

أكثر المهنيين المطلوبين للعمل

سيكون الطلب أكثر على المحترفين القادرين على إعادة صياغة الأسئلة المعقدة، وتفنيد الافتراضات الخاطئة، وتحديد ما لا يحتاج إلى تحسين. لماذا؟ لأنه عندما تتوفر للجميع أدوات توليد المحتوى ذاتها، يرتفع مستوى جودة المخرجات، ولكن يزداد أيضاً حجم الأعمال المتوسطة التي تبدو احترافية، ولكنها تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية.

نشهد بالفعل عواقب الاعتماد على القدرات دون تمييز: حملات تسويقية مصقولة تقنياً ولكنها غير متماسكة استراتيجياً، وتصاميم تتبع الصيحات دون تلبية احتياجات المستخدمين، وبرمجيات تعمل ولكنها تُراكم ديوناً تقنية.

حملات إعلانية «ذكية بلا روح»

كانت حملة «كوكاكولا» لموسم الأعياد لعام 2024، التي تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي، مصقولة تقنياً، ولكنها بدت «خالية من الروح» للجمهور الذي توقع دفء العلامة التجارية المعهود، بينما تم سحب إعلان «ماكدونالدز» في هولندا، الذي تم إنشاؤه باستخدام الذكاء الاصطناعي، بعد ثلاثة أيام فقط من إطلاقه، إثر ردود فعل غاضبة.

وفي مجال البرمجة، وجد تحليلGitClear» » لعام 2024 لـ211 ​​مليون سطر، أن كتل التعليمات البرمجية المنسوخة والملصقة زادت ثمانية أضعاف؛ ما أدى إلى توليد تعليمات برمجية تعمل ولكنها تُراكم «ديوناً تقنية» لتُسبب مشاكل مستقبلية.

مبدعون فائزون

الفائزون في هذا المشهد الجديد - سواء أكانوا مبدعين أو منصات - هم مَن يستطيعون تمييز ما هو مهم وسط الزحام.. مَن يطورون المهارة البشرية لمعرفة المشكلات الجديرة بالحل.. من يدركون أن الإمكانيات غير المحدودة لا تعني بالضرورة أن كل إمكانية قيّمة. يتحول معيار التنافس من «أستطيع فعل هذا» إلى «أعلم أن هذا يستحق العناء».

* مجلة «فاست كومباني»


الذكاء الاصطناعي يفكّ شفرة الجينوم البشري

«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي
«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي
TT

الذكاء الاصطناعي يفكّ شفرة الجينوم البشري

«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي
«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي

عام 2024، تقاسم عالمان من «غوغل ديب مايند» جائزة نوبل في الكيمياء عن برنامج الذكاء الاصطناعي المسمى «ألفا فولد 2».

وفي حين كان العلماء يجاهدون لعقود، لفهم كيفية طي سلاسل الوحدات البنائية الجزيئية التي تكون البنى ثلاثية الأبعاد المعقدة للبروتينات، قام ديميس هاسابيس وجون غامبر وزملاؤهما في «ديب مايند» بتدريب برنامج للتنبؤ بأشكال هذه البروتينات. وعندما طُرح برنامج «ألفا فولد 2» في عام 2020، حقق أداءً متميزاً في هذه المهمة، مما دفع العلماء حول العالم إلى اعتماده.

ويقول أليكس بالازو، عالم الوراثة في جامعة تورنتو: «الجميع يستخدم (ألفا فولد 2). وقد استخدم العلماء البرنامج لدراسة كيفية عمل البروتينات بشكل طبيعي، وكيف يمكن أن يؤدي خلل وظيفتها إلى الإصابة بالأمراض. وقد ساعدهم البرنامج في بناء بروتينات جديدة كلياً، سيخضع بعضها قريباً لتجارب سريرية».

«ألفا فولد» لدراسة إنتاج البروتينات

مشروع «ألفا جينوم»

والآن، يحاول فريق آخر من الباحثين في «ديب مايند» تطبيق ما فعلته الشركة مع البروتينات، على الحمض النووي «دي إن إيه»، فقد كشف الباحثون النقاب يوم أمس الأربعاء، عن برنامج «ألفا جينوم» AlphaGenome في مجلة «نتشر» Nature بعد أن درّبوا ذكاءهم الاصطناعي على كم هائل من البيانات الجزيئية، ما مكّنه من التنبؤ بآلاف الجينات.

التنبؤ بنشاط الطفرات الجينية

على سبيل المثال، يستطيع «ألفا جينوم» التنبؤ بما إذا كانت طفرة ما ستؤدي إلى تعطيل جين أو تنشيطه في وقت غير مناسب، وهو سؤال بالغ الأهمية لفهم السرطان وأمراض أخرى.

وقال الدكتور بيتر كو، عالم الأحياء الحاسوبية في مختبر «كولد سبرينغ هاربور» بنيويورك الذي لم يشارك في المشروع، إن برنامج «ألفا جينوم» يُمثل خطوةً هامةً نحو الأمام في تطبيق الذكاء الاصطناعي على الجينوم. وأضاف: «إنه إنجاز هندسي رائع». لكن كو وخبراء آخرين من خارج الفريق حذروا من أن هذا البرنامج ليس سوى خطوة واحدة على طريق طويل. وقال مارك غيرستين، عالم الأحياء الحاسوبية في جامعة ييل: «هذا ليس برنامج ألفافولد... ولن يفوز بجائزة نوبل».

شكوك علمية في فائدته

وفي الواقع سيكون برنامج ألفا جينوم مفيداً. وقال الدكتور غيرستين إنه سيضيفه على الأرجح إلى أدواته لاستكشاف الحمض النووي، ويتوقع آخرون أن يحذوا حذوه. لكن لا يبدو أن كل العلماء يثقون ببرامج الذكاء الاصطناعي مثل «ألفا جينوم» لمساعدتهم في فهم الجينوم.

فقد صرح ستيفن سالزبيرغ، عالم الأحياء الحاسوبية في جامعة جونز هوبكنز: «لا أرى أي قيمة لها على الإطلاق في الوقت الحالي. أعتقد أن هناك الكثير من الأذكياء يُضيعون وقتهم عليه».

قبل عصر الحواسيب، أجرى علماء الأحياء تجارب دقيقة لكشف القواعد التي تحكم جيناتنا. وكان أن اكتشفوا أن الجينات تُكتب بأبجدية جينية رباعية الأحرف تُسمى القواعد. ولإنتاج بروتين، تقرأ الخلية التسلسل الموجود في الجين، الذي قد يمتد لآلاف القواعد.

الخلايا وأخطاء إنتاج البروتينات من الجينات

لكن كلما تعمق العلماء في دراسة الجينوم البشري، ازداد تعقيده وتشابكه. ورأوا أنه عندما تقرأ الخلايا جيناً ما، على سبيل المثال، غالباً ما تتجاوز أجزاءً من تسلسله. ومن خلال هذه العملية تستطيع الخلايا إنتاج مئات البروتينات المختلفة من جين واحد. ولكن يحدث عدد من الأمراض عندما تتعامل الخلايا مع جيناتها بشكل خاطئ. ولا توجد بصمة بسيطة للمواقع في الجينات التي يجب أن يتم على الخلايا التعامل معها، لذا أمضى العلماء عقوداً في بناء فهرس لها.

ومن الأسئلة المهمة الأخرى المتعلقة بالجينوم، كيفية اختيار الخلايا الجينات التي تستخدمها لإنتاج البروتينات، إذ اكتشف العلماء جزيئات خاصة ترتبط بالحمض النووي «دي إن إيه» وتمدده في حلقات معقدة. في بعض الحالات، تُعرّض الحلقات الجين لآلية تصنيع البروتين في الخلية. وفي حالات أخرى، ينتهي المطاف بالجين مُخبأً داخل لولب.

جمع مليارات البيانات

في عام 2019، شرَّع باحثون في «غوغل ديب مايند» في مشروع تطور لاحقاً إلى «ألفا جينوم». بحلول ذلك الوقت، كان علماء الأحياء قد جمعوا كميات هائلة من البيانات، فإضافة إلى ثلاثة مليارات زوج من القواعد في الجينوم البشري، جمعوا أيضاً نتائج آلاف التجارب التي تقيس نشاط الجينات في أنواع عديدة من الخلايا.

وكان الباحثون في «ديب مايند» يأملون، من خلال تدريب الذكاء الاصطناعي على هذه النتائج الموجودة، في تطوير برنامج قادر على التنبؤ بدقة بأجزاء من الحمض النووي لم يسبق لهم رؤيتها. وقال زيغا أفسيك، الباحث العلمي في «ديب مايند»: «كان هذا هو الهدف الأمثل لنا».

توظيف الذكاء الاصطناعي

في عام 2021، كشف الدكتور أفسيك وزملاؤه عن نموذج أولي للذكاء الاصطناعي يُدعى «إنفورمر» Enformer، الذي قاموا بتطويره لاحقاً إلى «ألفا جينوم». وقد درّبوا البرنامج على نطاق أوسع من البيانات البيولوجية. وقال الدكتور غيرستين: «إنه حقاً يعمل على نطاق صناعي».

التنبؤ بـ11 عملية داخل الجينوم

يتناول العديد من برامج الذكاء الاصطناعي المصممة لدراسة الجينوم جانباً واحداً فقط منه، مثل عملية تعامل الخلايا مع الجينات. لكن «ألفا جينوم» دُرِّب على التنبؤ بـ11 عملية مختلفة. وفي التقرير الصادر أمس الأربعاء، أشار الدكتور أفسيك وزملاؤه إلى أن أداء «ألفا جينوم» كان مماثلاً أو أفضل من أداء البرامج الأخرى في جميع الجوانب.

التعامل مع الطفرات وآثارها

وقالت الدكتورة كاثرين بولارد، عالمة البيانات في معاهد غلادستون، وهي منظمة بحثية في سان فرانسيسكو، التي لم تشارك في الدراسة: «إنها تقنية متطورة للغاية». وأوضحت بولارد وباحثون آخرون أن برنامج «ألفا جينوم» يتمتع بقدرة فائقة على التعامل مع الطفرات، وقادر على التنبؤ بآثارها، مثل تعطيل جين مجاور.

رصد دور أحد الجينات في حدوث اللوكيميا

في إحدى اختبارات الأداء، أضاف الباحثون طفرات إلى جزء من الحمض النووي «دي إن إيه» الذي يتضمن جيناً يُسمى TAL1.

في الأشخاص الأصحاء، يساعد جين TAL1 خلايا المناعة على النضوج حتى تتمكن من مكافحة مسببات الأمراض. وبمجرد اكتمال نمو الخلايا، يتوقف عمل الجين. لكن العلماء اكتشفوا أن الطفرات في جين TAL1 يمكن أن تؤدي إلى تنشيط الجين بشكل دائم. وهذا التغيير قد يتسبب في نهاية المطاف في تكاثر خلايا المناعة بشكل خارج عن السيطرة، مما يؤدي إلى الإصابة بسرطان الدم (اللوكيميا).

ووجد الدكتور أفسيك وزملاؤه أن برنامج «ألفا جينوم» قد تنبأ بدقة بتأثير هذه الطفرات على جين TAL1، وقال: «لقد كان من المثير حقاً رؤية نجاح هذه النماذج. إنه أشبه بالسحر أحياناً».

أداة تنبؤية تحتاج إلى تجارب مختبرية

وشارك باحثو «ألفا جينوم» توقعاتهم بشأن جين TAL1 مع الدكتور مارك منصور، اختصاصي أمراض الدم في جامعة «يونيفرسيتي كوليدج لندن»، الذي أمضى سنوات في الكشف عن الطفرات المسببة لسرطان الدم من خلال التجارب المختبرية.

وقال الدكتور منصور: «لقد كان الأمر مذهلاً حقاً، فقد أظهر مدى قوة هذه التقنية»، لكنه أشار إلى أن قدرة «ألفا جينوم» على التنبؤ تتضاءل كلما ابتعدت دراسته عن جين معين. ويستخدم منصور الآن «ألفا جينوم» في أبحاثه حول السرطان، لكنه لا يقبل نتائجه دون تمحيص. وأضاف: «هذه الأدوات التنبؤية تبقى مجرد أدوات تنبؤية، وما زلنا بحاجة إلى إجراء التجارب المختبرية».

ثقة مبالغ فيها

أما الدكتور سالزبيرغ من جامعة جونز هوبكنز، فهو أقل تفاؤلاً بشأن «ألفا جينوم»، ويعود ذلك جزئياً إلى اعتقاده بأن مطوريها يبالغون في الثقة بالبيانات التي دُرّبت عليها. فالعلماء الذين يدرسون مواقع الربط الجيني لا يتفقون على تحديد المواقع الحقيقية، من المواقع التي تُعدّ مجرد أوهام جينية. ونتيجة لذلك، أنشأوا قواعد بيانات تحتوي على فهارس مختلفة لمواقع الربط الجيني.

وقال الدكتور سالزبيرغ: «يعمل المجتمع العلمي منذ 25 عاماً على محاولة تحديد جميع مواقع الربط في الجينوم البشري، وما زلنا بعيدين عن تحقيق ذلك. ليس لدينا معيار ذهبي متفق عليه».

كما حذَّر الدكتور بولارد أيضاً من أن برنامج «ألفا جينوم» لا يزال بعيداً كل البعد عن أن يكون أداةً يستخدمها الأطباء لفحص جينومات المرضى بحثاً عن أي مخاطر صحية. فهو يتنبأ فقط بتأثير طفرة واحدة على جينوم بشري قياسي واحد.

وفي الواقع، يمتلك أي شخصين ملايين الاختلافات الجينية في حمضهما النووي. ولا يزال تقييم تأثير كل هذه الاختلافات في جسم المريض يتجاوز بكثير قدرات برنامج «ألفا جينوم» الصناعية. وأضاف الدكتور بولارد: «إنها مشكلة أصعب بكثير».

خدمة «نيويورك تايمز»