مهمات فضائية متميزة في عام 2026

بقيادة الولايات المتحدة والصين واليابان

طموح متزايد لاستكشاف القمر وسبر أغواره
طموح متزايد لاستكشاف القمر وسبر أغواره
TT

مهمات فضائية متميزة في عام 2026

طموح متزايد لاستكشاف القمر وسبر أغواره
طموح متزايد لاستكشاف القمر وسبر أغواره

من السمات الرئيسة المرتبطة بالفضاء، ضرورة تحلي الإنسان المهتم به بالصبر؛ فالكون لا يخضع لمقاييس الزمن الأرضية، والأحداث فيه محكومة بقوانين الفيزياء والهندسة الثابتة. لذا؛ فإن الأمور المتعلقة بالفضاء ستحدث عندما يحين وقتها المناسب - ببساطة، كما كتب كاترينا ميلر ومايكل روستون (*).

بعض الأحيان، يتعين علينا الانتظار لفترة أطول بكثير من المتوقع لوقوع أحداث في نظامنا الشمسي، وما وراءه. وفي مجال رحلات الفضاء، على وجه الخصوص، قد تسمع عن أحداث، ثم تعلم بتأجيلها، وبعد ذلك تسمع عنها من جديد. عام 2026، ثمة أمل في أن يُكافأ هذا الصبر.

صاروخ الإطلاق الحامل لمهمة «أرتميس 2»

مهمة «أرتميس 2»

من المقرر أن ترسل وكالة «ناسا» رواد فضاء من جديد إلى القمر. نعم، الأمر حقيقي هذه المرة. في الواقع، مرّ أكثر من 50 عاماً منذ أن غادر البشر مدار الأرض المنخفض، وداروا حول القمر. ومنذ ذلك الحين، عكفت وكالات الفضاء على بناء مكوك فضائي ومحطات فضائية، لكن ظلت طواقمها على مقربة من الأرض.

مطلع عام 2026، سيعود رواد فضاء من «ناسا» ووكالة الفضاء الكندية إلى القمر، في رحلة ذهاباً وإياباً. ويتألف الطاقم من أربعة أفراد: فيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان، وكريستينا كوتش. ويستعد غلوفر لأن يصبح أول شخص أسود البشرة يصل إلى القمر، وكوتش أول امرأة. أما هانسن، فسيكون أول كندي، وأول شخص غير أميركي، يحقق هذا الإنجاز.

بوجه عام، يبدو أن رحلة Artemis II، التي تستغرق عشرة أيام، ستختلف اختلافاً كبيراً عن رحلة «أبولو 8»، وهي أول رحلة لرواد فضاء «ناسا» حول القمر، في ديسمبر (كانون الأول) 1968. وإذا انطلقت المهمة من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا ثم عادت وهبطت في المحيط الهادئ، فسيثبت ذلك أن كبسولة «أوريون»، مركبة أساسية في البنية التحتية القمرية لـ«ناسا»، آمنة لرواد الفضاء. وقد يحدث ذلك في وقت قريب، ربما فبراير (شباط).

أما هبوط رواد فضاء «ناسا» على سطح القمر، فأمر مختلف تماماً.

سباق جديد نحو القمر

وضعت الصين نصب عينيها هدفاً يتمثل في إنزال رواد فضاء على سطح القمر قبل عام 2030. وفي أغسطس (آب)، أجرت أول اختبار على الأرض لمركبة «لانيو» Lanyue القمرية، مركبة هبوط مخصصة لرواد الفضاء. وتعتزم بكين استخدام هذه المركبة في مهمة شبيهة ببرنامج «أبولو».

في المقابل، خططت وكالة «ناسا» لمهمة أشد تعقيداً، «أرتميس 3». وتعتمد هذه المهمة على مركبة «ستارشيب»، مركبة فضائية عملاقة من الجيل التالي، من تصميم شركة «سبيس إكس»، لإنزال رائدَي فضاء بالقرب من القطب الجنوبي للقمر. وقد صرحت الوكالة في أواخر عام 2024 بأنها ستحقق هذا الإنجاز بحلول منتصف عام 2027.

ومع ذلك، جابهت شركة «سبيس إكس»، المملوكة لإيلون ماسك، صعوبات في اجتياز اختبارات مركبة «ستار شيب»، العام الماضي، وتزايدت الشكوك حول جدوى الجدول الزمني. في نوفمبر (تشرين الثاني)، طلبت «ناسا» مقترحات بديلة لبرنامج «أرتميس 3»، في الوقت الذي وقَّع الرئيس دونالد ترمب أمراً تنفيذياً، في ديسمبر (كانون الأول)، حدَّد فيه الهبوط على سطح القمر عام 2028 هدفاً رئيساً للبلاد.

وينطوي هذا التاريخ على طموح بالغ. وقد يُحدد حدثان خلال عام 2026 مصير إرسال الصين لرواد فضاء إلى القمر قبل عودة الأميركيين.

يتعلق الحدث الأول بتخطيط «سبيس إكس» لاختبار أحدث نسخة من مركبة «ستار شيب» Starship. وإذا نجحت الرحلات التجريبية الأولى، وتمكنت الشركة من إعادة إطلاق مركبة تدور حول الأرض بشكل كامل، فقد تعود خطط الشركة إلى مسارها الصحيح، حتى وإن لم تتمكن من تحقيق هدف الهبوط عام 2028.

أما الحدث الآخر، فيتعلق بشركة «بلو أوريجين»، شركة رحلات الفضاء المملوكة لجيف بيزوس، مؤسس شركة «أمازون». وتخطط الشركة لهبوط آلي على سطح القمر باستخدام نسخة من مركبتها «بلو مون» Blue Moon عام 2026. وإذا تكللت هذه المهمة بالنجاح، فبإمكان «ناسا» أن تدرس بثقة اقتراح شركة «بلو أوريجين» بتقديم مركبة هبوط بديلة أبسط، والتي قد تكون جاهزة قبل مركبة «ستارشيب».

مرصد «فيرا سي. روبين» الفلكي

مرصد «روبين» للنجوم

رصد مرصد «فيرا سي. روبين» الفلكي Vera C. Rubin Observatory، الذي يضم تلسكوباً على جبل في تشيلي، أول ضوء عام 2025، وشارك العالم صوراً خلابة للكون في يونيو (حزيران). ومن المقرر أن يبدأ المرصد مسحه الرسمي للفضاء والزمن، أوائل عام 2026.

على مدى السنوات العشر المقبلة، من المقرر أن يلتقط مرصد «روبين» نحو 1000 صورة للسماء الجنوبية كل ليلة تقريباً، من أحد أحلك الأماكن على وجه الأرض، باستخدام أكبر كاميرا رقمية جرى بناؤها على الإطلاق. وستوضح هذه البيانات الوفيرة كيفية تطور الأجرام السماوية في الكون، مثل الثقوب السوداء والكويكبات، عبر الزمن. وسيساعد هذا كذلك علماء الفلك على فهم طبيعة الطاقة المظلمة بشكل أفضل، وهي قوة غامضة تدفع الكون للتوسع بوتيرة متسارعة، والمادة المظلمة، وهي المادة غير المرئية التي تُشكّل كوننا.

وقد اكتشف «روبين» بالفعل أكثر من 2000 كويكب، ورصد المذنب 3I/ATLAS، وهو زائر بين النجوم من خارج نظامنا الشمسي، والذي أثار ضجة كبيرة على الإنترنت.

مهندسو «ناسا» يفحصون «تلسكوب رومان الفضائي»

عيون الأشعة تحت الحمراء في الفضاء

تستعد وكالة «ناسا» لإطلاق «تلسكوب رومان الفضائي» Roman Space Telescope، الذي اختير اسمه تيمناً بنانسي غريس رومان، أول كبيرة علماء الفلك في الوكالة، في موعد أقصاه مايو (أيار) 2027. إلا أنها تخطط لنقل التلسكوب إلى «مركز كينيدي للفضاء» في فلوريدا خلال الصيف؛ تمهيداً لإطلاقه في الخريف.

سيستخدم علماء الفلك قدرة «تلسكوب رومان» للرؤية بالأشعة تحت الحمراء لرسم خرائط لمليارات المجرات، وهي بيانات ستساعدهم على معرفة المزيد عن الطاقة المظلمة. واكتمل بناء التلسكوب بعد أشهر قليلة من اكتشاف علماء الفلك أدلة على أن الطاقة المظلمة أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد سابقاً.

إضافة إلى ذلك، سيساعد التلسكوب الباحثين في البحث عن الكواكب الخارجية، ودراسة الأقراص الدوامية للمادة الكونية التي تتشكل فيها؛ ما يوسع نطاق معرفتنا بالعوالم الأخرى داخل مجرة درب التبانة. وقد تدور بعض هذه الكواكب ضمن النطاق الصالح للسكن حول نجم، أو ربما تكون قد أصبحت أجساماً منعزلة تماماً، موجودة في المجرة دون ارتباطها بأي نجم مضيف.

الهبوط على قمر مريخي

تخطط كل من الولايات المتحدة والصين لإرسال مركبات فضائية آلية لجمع عينات من المريخ لدراستها على الأرض. ومع ذلك، قد تتفوق اليابان عليهما في هذا المجال، على الأقل نوعاً ما.

جدير بالذكر، أن المريخ يمتلك قمرين صغيرين، فوبوس وديموس، لطالما أثارا فضول العلماء. وتختلف النظريات حول أصولهما. وتقول إحدى النظريات إنهما قطعتان من الكوكب الأحمر، قُذفتا إلى الفضاء جراء اصطدام حدث في بدايات تاريخ النظام الشمسي، بينما تقول نظرية أخرى إنهما كويكبان اجتذبتهما جاذبية المريخ.

وقد تُسهم دراسة هذه الأقمار من كثب، وإحضار عينات منها إلى الأرض، في حلّ هذا اللغز. وتعتزم المهمة الخاصة باليابان، المسماة «استكشاف أقمار المريخ» (MMX)، إنجاز ذلك، مع وصولها إلى المريخ لدراسة قمريه، ثم تحاول الهبوط لفترة وجيزة على القمر الأكبر، «فوبوس»، لجمع العينات.

أحد أقمار المريخ

وقد أنجزت اليابان مهمتين مماثلتين باستخدام مركبتي «هايابوسا» و«هايابوسا 2»، وجلبت المهمة الثانية مواد من الكويكب «ريوغو» إلى الأرض عام 2020. وقد تُحاول اليابان إطلاق مهمة «استكشاف أقمار المريخ» (MMX) في نهاية عام 2026، رغم أن فشل رحلة صاروخ «إتش 3» الياباني حديثاً، قد يؤثر على جدول الإطلاق.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

العالم مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق في الطريق إلى الأرض تختبر القلوب صبرها (ناسا)

13 دقيقة تحبس الأنفاس... عودة «أرتميس 2» من أطول رحلة حول القمر

في تلك اللحظة بالذات، يمكننا أن ندع العواطف تسيطر علينا ونبدأ الحديث عن النجاح...

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في ألمانيا، دليلاً مباشرا على وجود ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة «​​ماركاريان 501» يدوران حول بعضهما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تكنولوجيا أعضاء طاقم مهمة «أرتميس 2»: اختصاصية المهمة كريستينا كوخ (يسار) واختصاصي المهمة جيريمي هانسن (أعلى) والقائد ريد وايزمان (يمين) والطيار فيكتور غلوفر (أسفل) وهم يلتقطون صورة جماعية داخل مركبة أوريون الفضائية (أ.ف.ب) p-circle

مشهد نادر... روّاد «أرتيميس 2» يرصدون ارتطام نيازك بسطح القمر

سنحت لروّاد الفضاء الأربعة الأعضاء في بعثة وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) «أرتيميس 2»، خلال وجودهم على القمر، فرصة رؤية ارتطام نيازك بسطحه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
تكنولوجيا مشهد «غروب الأرض» خلف القمر خلال مهمة «أرتميس 2» التي حطمت الرقم القياسي لبُعد البشر عن الأرض (أ.ف.ب)

40 دقيقة من الصمت… لماذا تفقد «ناسا» الاتصال مع روادها خلف القمر؟

انقطاع الاتصال خلف القمر ظاهرة طبيعية بسبب غياب خط النظر ما يفرض اعتماداً على الأنظمة الذاتية رغم التقدم التكنولوجي.

نسيم رمضان (لندن)

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»