ابتكار علمي يُخفض استهلاك الطاقة في معالجة البيانات

سبيكة مطوَّرة لشرائح الذاكرة تقلله عشرة أضعاف مقارنة بالمواد التقليدية

المادة الجديدة فائقة الرقة تدمج قوى مغناطيسية متعاكسة لتقليل استهلاك شرائح الذاكرة عشرة أضعاف (جامعة تشالمرز للتكنولوجيا)
المادة الجديدة فائقة الرقة تدمج قوى مغناطيسية متعاكسة لتقليل استهلاك شرائح الذاكرة عشرة أضعاف (جامعة تشالمرز للتكنولوجيا)
TT

ابتكار علمي يُخفض استهلاك الطاقة في معالجة البيانات

المادة الجديدة فائقة الرقة تدمج قوى مغناطيسية متعاكسة لتقليل استهلاك شرائح الذاكرة عشرة أضعاف (جامعة تشالمرز للتكنولوجيا)
المادة الجديدة فائقة الرقة تدمج قوى مغناطيسية متعاكسة لتقليل استهلاك شرائح الذاكرة عشرة أضعاف (جامعة تشالمرز للتكنولوجيا)

مع الارتفاع الهائل في حجم البيانات الرقمية والتوسع المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يزداد الضغط على أنظمة تخزين ومعالجة المعلومات بشكل غير مسبوق. وتشير تقديرات علمية إلى أن تشغيل مراكز البيانات وشبكات الحوسبة المتقدمة قد يصل، خلال العقود القليلة المقبلة، إلى نحو 30 في المائة من إجمالي استهلاك الطاقة العالمي.

هذا الواقع يطرح تساؤلاً محورياً: هل يمكن أن يشكّل استهلاك الطاقة عقبة حقيقية أمام مستقبل الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات المتطورة؟

يرتبط الجواب بالقدرة على تطوير تقنيات أكثر كفاءة في التعامل مع المعلومات؛ إذ تُعد شرائح الذاكرة القلب النابض لكل الأجهزة الذكية، بدءاً من الهواتف المحمولة والحواسيب وصولاً إلى السيارات ذاتية القيادة والمعدات الطبية. غير أن هذه الشرائح تعتمد على مواد تقليدية تستهلك طاقة كبيرة عند تبديل اتجاهات الإلكترونات لتخزين البيانات، وهو ما يفتح المجال أمام أبحاث مكثفة لإيجاد بدائل تحقق الكفاءة ذاتها بسرعة أعلى وبطاقة أقل.

اختراق علمي

في السياق، برز اختراق علمي من جامعة تشالمرز للتكنولوجيا في السويد، حيث طوّر الباحثون مادة ثنائية الأبعاد فائقة الرقة تجمع بين قوتين مغناطيسيتين متعاكستين داخل بلورة واحدة. وبحسب الفريق البحثي، فإن المادة الجديدة، وهي سبيكة مكوّنة من عناصر مغناطيسية وغير مغناطيسية (الكوبالت والحديد والجرمانيوم والتيلوريوم)، قادرة على دمج حالتي المغناطيسية الحديدية والمغناطيسية المضادة في بنية بلورية ثنائية الأبعاد واحدة.وأوضح الباحثون أن هذه الميزة النادرة تولّد ما أطلقوا عليه «المغناطيسية المائلة»، حيث تنشأ قوة تبادل داخلية تسمح للإلكترونات بتغيير اتجاهها بسهولة وسرعة من دون الحاجة إلى مجالات مغناطيسية خارجية. وكانت النتيجة انخفاضاً في استهلاك الطاقة داخل شرائح الذاكرة بمعدل يصل إلى عشرة أضعاف مقارنة بالمواد التقليدية، ونُشرت النتائج بعدد 29 سبتمبر (أيلول) 2025 من دورية (Advanced Materials).

يقول الدكتور بينغ تشاو، الباحث الرئيسي بالدراسة من قسم تكنولوجيا النانو والعلوم الدقيقة في جامعة تشالمرز للتكنولوجيا، إن المغناطيس يلعب دوراً جوهرياً في الشرائح الإلكترونية، وخاصة في الذاكرة، إذ يعتمد عملها على حركة الإلكترونات واتجاهها؛ فعندما تصطف الإلكترونات في اتجاه واحد (كما في حالة المغناطيسية الحديدية)، يمكن استخدام ذلك لتخزين المعلومات في الحواسيب.

وأوضح: «من خلال التحكم في هذه الاتجاهات باستخدام مجالات مغناطيسية أو تيارات كهربائية، تستطيع الشرائح تخزين البيانات واسترجاعها بسرعة وكفاءة، مما يجعل المغناطيس الأساس الذي يسمح بتحويل الظواهر الفيزيائية إلى بيانات رقمية قابلة للاستخدام».

وأشار تشاو إلى أن ما توصّل إليه الفريق البحثي يمثل مساراً جديداً كلياً في تصميم شرائح الذاكرة، من خلال دمج قوتين مغناطيسيتين متعاكستين (المغناطيسية الحديدية والمغناطيسية المضادة) داخل بلورة ذرية رقيقة ثنائية الأبعاد.

الشرائح والذكاء الاصطناعي

وعلى خلاف الأنظمة التقليدية متعددة الطبقات، التي تتطلب تصنيعاً معقداً وتعاني غالباً من مشكلات في نقاط التقاء الطبقات، فإن المادة الجديدة تبسّط عملية الإنتاج وتوفر موثوقية أعلى بكثير. والأهم أنها تتيح تقليل استهلاك الطاقة في أجهزة الذاكرة بمعدل يصل إلى عشرة أضعاف، وهو ما قد يغيّر مستقبل تكنولوجيا الذاكرة بجعل الشرائح أسرع وأكثر كفاءة واستدامة، مع انعكاسات مباشرة على الحواسيب، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، والهواتف الذكية.

ونوه تشاو بأن بساطة عملية التصنيع تُعد ميزة إضافية بارزة، إذ إن تجنّب التكديس متعدد الطبقات ومشكلاته يسمح بتسريع تبني التقنية صناعياً وخفض تكاليف الإنتاج. كما أن الخصائص المغناطيسية الفريدة للمادة قد تفتح الباب أمام تطبيقات جديدة تتجاوز حدود الذاكرة التقليدية، مثل تطوير أجهزة كمومية، وحساسات متقدمة، وهياكل حوسبة مبتكرة.

ويرى الباحث بقسم تكنولوجيا النانو والعلوم الدقيقة في جامعة تشالمرز للتكنولوجيا، أن كفاءة استخدام الطاقة عامل أساسي لاستمرار النمو السريع للذكاء الاصطناعي، في ظل النمو المتسارع للبيانات الرقمية، ومن دون ابتكارات في تكنولوجيا الذاكرة الموفرة للطاقة، سيواجه التوسع السريع في الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة والتقنيات المعتمدة على البيانات تحديات استدامة كبيرة، وبالتالي، فإن خفض استهلاك الطاقة في أجهزة الذاكرة يعد شرطاً ضرورياً لضمان استمرارية تطور هذه المجالات.

ويضيف تشاو أن نهج خفض استهلاك الطاقة في الذاكرة يمثل استجابة مباشرة لأحد أكبر التحديات في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو الطلب الهائل على الطاقة، وإذا ما جرى تطبيق هذه المواد على نطاق واسع، فإنها ستؤدي لتقليص كبير في احتياجات الطاقة للبنية التحتية الحاسوبية المستقبلية، وهذا لن يجعل نمو الذكاء الاصطناعي أكثر استدامة فحسب؛ بل سيسمح أيضاً بانتشاره على نطاق أوسع وبقدرات أقوى، من دون أن يشكّل استهلاك الطاقة ضغطاً على النظم العالمية.


مقالات ذات صلة

الرياض تشهد انطلاق أكبر هاكاثون عالمي لتطوير حلول تقنيّة مبتكرة

يوميات الشرق 4 آلاف مواطن ومواطنة من مختلف أنحاء السعودية يشاركون في الهاكاثون لمدة 3 أيام (واس)

الرياض تشهد انطلاق أكبر هاكاثون عالمي لتطوير حلول تقنيّة مبتكرة

شهدت العاصمة السعودية، الخميس، انطلاق أكبر هاكاثون في العالم «أبشر طويق»، ضمن فعاليات «مؤتمر أبشر 2025»، بمشاركة أكثر من 4 آلاف مواطن ومواطنة ولمدة 3 أيام.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا «Vy» مساعد ذكي ينفّذ مهام الحاسوب عبر فهم الشاشة والتفاعل المباشر مع التطبيقات (vy)

وكيل الذكاء الاصطناعي «Vy»... خطوة متقدّمة نحو حواسيب تنفذ مهامها ذاتياً

تشهد تقنيات الأتمتة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تطوراً متسارعاً، من بينها نظام «Vy» الذي طوّرته شركة «فيرسبت» (Vercept) خلال العامين الماضيين.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تكامل جديد يعزز الإبداع الذكي (جيمناي)

لأول مرة... «أدوبي» تتيح أدواتها داخل «تشات جي بي تي»

التكامل الجديد يتيح للمستخدم تنفيذ أعمال تحرير الصور وتحسين جودتها عبر الأوامر النصية والقدرة على تحرير ملفات «PDF» ودمجها وإنشاء تصاميم جاهزة لشبكات التواصل.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص تحوّلت «رحلة من نور» في «أوترنت» لندن إلى نموذج جديد للسرد الثقافي باستخدام التكنولوجيا الغامرة (Outernet)

خاص «رحلة من نور» تنقل الدرعية إلى لندن عبر تجربة رقمية غامرة

تجربة «رحلة من نور» استخدمت تقنيات رقمية غامرة في «أوترنت لندن» لإعادة تقديم الدرعية بلغة معاصرة محوّلة التراث إلى تجربة حية لجمهور عالمي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص يتسارع نمو البيانات في الشرق الأوسط مدفوعاً بالتحول الحكومي والذكاء الاصطناعي والقطاعات الرقمية كثيفة البيانات (غيتي)

خاص هل تصبح البيانات أساس المرحلة المقبلة من التحول الرقمي في الشرق الأوسط؟

يتسارع نمو البيانات في الشرق الأوسط، ما يجعل البنية التحتية للتخزين وإدارة البيانات عاملاً حاسماً في نجاح التحول الرقمي ودعم الذكاء الاصطناعي بكفاءة واستدامة.

نسيم رمضان (لندن)

هل تجد البشرية نفسها في «مسار تصادمي» مع الذكاء الاصطناعي؟

سواريس أثناء فعاليات «قمة الأفكار التي تُغير العالم»
سواريس أثناء فعاليات «قمة الأفكار التي تُغير العالم»
TT

هل تجد البشرية نفسها في «مسار تصادمي» مع الذكاء الاصطناعي؟

سواريس أثناء فعاليات «قمة الأفكار التي تُغير العالم»
سواريس أثناء فعاليات «قمة الأفكار التي تُغير العالم»

أعرب باحثون في طليعة أبحاث الذكاء الاصطناعي، وقادة العديد من المنصات الرئيسية - من جيفري هينتون إلى يوشوا بنجيو، وديميس هاسابيس، وسام ألتمان، وداريو أمودي، وإيلون ماسك - عن مخاوفهم من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى فناء البشرية، كما كتبت آنا لويز جاكسون (*).

كتاب «إذا بناه أحد، سيموت الجميع»

كتاب جديد عن احتمالات نهاية العالم

غير أن هذه الاحتمالات التي ذكرها بعض خبراء الذكاء الاصطناعي هؤلاء، والتي تصل فيها احتمالية وقوع نهاية العالم إلى نسبة 25 في المائة، لا تزال «متفائلة بشكل مفرط»، كما يقول نايت سواريس، رئيس معهد أبحاث الذكاء الآلي، (MIRI)، المؤلف المشارك لكتاب «إذا بناه أحد، سيموت الجميع» If Anyone Builds It, Everyone Dies الذي حقق أعلى المبيعات أخيراً.

ويجادل سواريس بأن المسار الذي نسلكه مع الذكاء الاصطناعي يتجه نحو كارثة، ما لم يتغير شيء جذرياً.

تصرفات وسلوكيات غير متوقعة

يستكشف الكتاب، الذي شارك في تأليفه الباحث إيليزر يودكوفسكي، التهديدات المحتملة التي يشكلها «الذكاء الخارق»، أو أنظمة الذكاء الاصطناعي النظرية التي تفوق ذكاء البشر.

وصرح سواريس في فعاليات «قمة الأفكار التي تُغير العالم»، التي استضافتها مجلة «فاست كومباني» وجامعة جونز هوبكنز في واشنطن العاصمة الشهر الماضي: «نحن نُنمّي نوعاً ما أنظمة ذكاء اصطناعي تتصرف بطرق لم يطلبها أحد، ولديها دوافع وسلوكيات ناشئة لم يتوقعها أحد».

وأضاف: «إذا حصلنا على أنظمة ذكاء اصطناعي فائقة الذكاء تسعى لتحقيق غايات لم يرغب بها أحد، فأعتقد أن النتيجة الحتمية هي هلاك جميع سكان الأرض».

أهمية التأمل في النتائج السلبية

شبَّه سواريس عمل بعض رواد الذكاء الاصطناعي ببناء طائرة أثناء تحليقها من دون عجلات هبوط، وقال إنه لا يتم إيلاء الاهتمام الكافي للنتائج السلبية المحتملة لهذه التقنية. مؤكداً أن حجم الاستثمارات العالمية التي تُضخ في الذكاء الاصطناعي يُظهر أن الناس يراهنون على أنه لن يكون «فشلاً ذريعاً».

خياران مجنونان

لكن هناك خياران «مجنونان» آخران: إما أن يُؤتْمِت الذكاء الاصطناعي العمل البشري بالكامل بشكل جذري، مما يؤدي إلى سيطرة فئة قليلة جداً على الاقتصاد، أو أن يصبح فائق الذكاء ويقضي على الجميع.

وأضاف سواريس: «لم يستوعب العالم بعد مدى خطورة هذا الذكاء الاصطناعي».

التعبير عن المخاوف يعزز التفاؤل

لكن هناك بعض الأسباب للتفاؤل، كما قال سواريس، إذ ما إن يشعر الكثيرون بالقلق حيال مستقبل الذكاء الاصطناعي ويعبرون عن مخاوفهم، فإن هذا يُنذر بوضع «هش» (في مجالات تطويره).

«ربما إذا تساءل عدد كافٍ من الناس: لحظة، ماذا نفعل الآن؟ ما هذا بحق الجحيم؟»، كما يشير سواريس. ويضيف: «ربما يُزلزل ذلك العالم بأسره ويجعله يقول: يا إلهي، لنغير مسارنا».

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


من هارفارد إلى منهاتن… خريطة طريق جديدة لعكس المرض ومكافحة الشيخوخة

دراسة ترابط الدماغ والقلب والميتوكوندريا... لفهم الشيخوخة
دراسة ترابط الدماغ والقلب والميتوكوندريا... لفهم الشيخوخة
TT

من هارفارد إلى منهاتن… خريطة طريق جديدة لعكس المرض ومكافحة الشيخوخة

دراسة ترابط الدماغ والقلب والميتوكوندريا... لفهم الشيخوخة
دراسة ترابط الدماغ والقلب والميتوكوندريا... لفهم الشيخوخة

في قلب منهاتن، التقت «الشرق الأوسط» حصرياً، مع أحد أبرز العقول التي تعيد رسم مستقبل الطب: الدكتور صلاح الدين هلسة البروفسور في جامعة هارفارد، الذي جاء إلى نيويورك ليكشف لنا ملامح كتابٍ أثار اهتمام العالم الطبي، كتاب لا يكتفي بطرح أفكار جديدة، بل يقدّم ما يشبه «خريطة طريق» لإعادة كتابة علاقة الإنسان بمرضه وزمنه وعمره البيولوجي.

البروفسور صلاح الدين هلسة داخل مختبره أثناء شرحه آليات تحليل العمر البيولوجي

قراءة إيقاع العمر

هذا العمل الذي شارك في تأليفه أربعة من كبار الأطباء العالميين - لا يَعِد بمعجزة، ولا يبيع وهماً؛ بل يقدّم منهجاً علمياً متماسكاً، قائماً على فهمٍ أعمق للأيض الخلوي، وتجديد الأنسجة، وقراءة إيقاع العمر في داخل الجسم. وهو كتاب يستعين بالذكاء الاصطناعي لا بوصفه تقنية مساعدة، بل كنافذة جديدة يرى من خلالها الطبيب ما كان يختبئ خلف أعراض صامتة، وما كان يبدأ قبل سنوات من لحظة التشخيص.

الأمراض المزمنة ليست ألغازاً... إنها تبدأ من نقطة واحدة

وفي حديثه بدأ البروفسور صلاح الدين هلسة بقوله: «الأمراض المزمنة ليست ألغازاً معقدة. إنها تبدأ من نقطة واحدة: خلل مبكر في طريقة تواصل خلايا الجسم. وإذا أمكن قراءة هذا الخلل في الزمن المناسب... يمكن إيقاف المرض، بل وعكس مساره».

لم تكن هذه الكلمات مجرد افتتاح، بل كانت المفتاح الفكري الذي يقوم عليه الكتاب كله. فعالم الطب، كما يوضح هلسة، ظلّ لعقود طويلة يتعامل مع المرض عندما يصبح صارخاً وواضحاً: السكري بعد أن يرتفع السكر، ارتفاع ضغط الدم بعد أن يتصاعد الضغط، هشاشة بعد أن يحدث الكسر. لكن ما يكشفه العلم الحديث اليوم هو أن البدايات الفعلية للمرض تتشكّل قبل سنوات من لحظة التشخيص، وأن الخلايا ترسل إشارات خافتة لا يسمعها الطبيب إلا إذا امتلك الأدوات التي تكشف ما تحت السطح وما وراء الأعراض.

البداية من الخلية... لا من العَرَض

يوضّح البروفسور هلسة أن الطريق إلى فهم المرض لا يبدأ من الأعراض التي يراها الطبيب، بل من الخلية نفسها؛ تلك الوحدة الصغيرة التي تحمل داخلها سرّ الصحة وسرّ الانهيار في آنٍ واحد. ويشير إلى أن نحو 80 في المائة من الأمراض المزمنة - من السكري إلى أمراض القلب والسرطان - تشترك في خيط بيولوجي واحد يبدأ بالضغط الخلوي (Cell Stress)، واضطراب عمل الميتوكوندريا المسؤولة عن إنتاج الطاقة، ثم يتطور بصمت عبر تراكم الالتهابات الخفية التي تعمل لسنوات دون أن يشعر بها المريض.

وفي لقائه، يلخّص البروفسور هذه الرؤية بكلمات لافتة: «الخلية هي وحدتنا الأولى. فإذا فُهمت جيداً، فُهم كل شيء بعدها».

هذه العبارة - كما يصفها - ليست مجازاً علمياً، بل قاعدة ذهبية لفهم كيف ينشأ المرض وكيف يمكن إيقافه قبل أن يتحوّل إلى معاناة واضحة تُجبر الطبيب على التدخل.

غلاف الكتاب الجديد

الذكاء الاصطناعي... الطبيب الذي يرى ما لا نراه

لم تعد التقنيات الحديثة تقتصر على تحليل صور الأشعة أو قراءة السجلات الطبية؛ فقد بات الذكاء الاصطناعي قادراً على:

- بناء عمر بيولوجي لكل عضو على حدة.

- اكتشاف الأمراض قبل 5 إلى 10 سنوات من ظهورها.

- التنبؤ بأنماط الشيخوخة وتسارعها.

- تصميم بروتوكولات علاجية شخصية لكل مريض.

ويقول هلسة في حديثه: «الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الطبيب، بل يعطيه عيوناً جديدة».

من الوقاية... إلى الوقاية الاستباقية

يشرح البروفسور هلسة أن الوقاية لم تعد فحوصاً سنوية روتينية، بل منظومة متكاملة تشمل: تحليل الدم المتقدم، وقياس المؤشرات الالتهابية الخفية، وقراءة الميكروبيوم، وتقييم الأداء الخلوي، وتتبع النوم والإجهاد، ثم دمج كل هذه البيانات في خوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على التنبؤ بخطر المرض قبل ظهوره.

هل يمكن إبطاء الشيخوخة؟

يُوضّح البروفسور هلسة أن الحديث عن الشيخوخة لم يعد خيالاً علمياً، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن إيقاف الزمن، بل عن تحسينه. فهناك اليوم أدلة واضحة على أن بعض المسارات البيوكيميائية يمكن إعادة ضبطها. نحن لا نطيل العمر فقط... بل نعيد جودة الحياة إلى مركزه». وهذه الرؤية، كما يشرح: تُحوّل الشيخوخة من قدر محتوم إلى عملية يمكن توجيهها وتعديل سرعتها.

«المريض الكامل»... رؤية جديدة

يقدّم الكتاب الذي نشر بعنوان The Metabolic Codex (المدوّنة الأيضية)، نموذج «المريض الكامل» الذي يرى الإنسان كمنظومة مترابطة؛ فكل عضو يؤثر في الآخر: القلب بالنوم، والدماغ بالغذاء، والمناعة بالحالة النفسية، والشيخوخة بإيقاع الميتوكوندريا.

ويوجز البروفسور هلسة هذه الفكرة بعبارة لافتة: «لا يوجد مرض منفصل. يوجد إنسان واحد».

من هارفارد إلى العالم العربي

وفي تصريحه الخاص بـ«الشرق الأوسط»، يشيد البروفسور هلسة بالدور المتنامي للمنطقة في تبنّي الطب المستقبلي، قائلاً: «الشرق الأوسط يمتلك طاقة بشرية وصحية هائلة، وما تقوم به السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي والطب الوقائي قد يجعلها في مقدمة الدول القادرة على تطبيق هذا النموذج الجديد. وهذه المنطقة - بخططها الطموحة واستثماراتها في التقنيات الطبية - قادرة على أن تتحول إلى منصة عالمية لإعادة تعريف مفهوم الصحة».

ويضيف أن البيئة البحثية في المملكة، وما تشهده من مبادرات في البيانات الصحية، والطب الدقيق، والتوأم الرقمي، تؤهلها لتكون من أوائل الدول التي تنقل هذا العلم من المختبرات إلى الحياة اليومية للمرضى

تطلعات المستقبل

هذا الكتاب ليس مجرد تأليف أكاديمي، بل إعلان بداية مرحلة جديدة من الطب: طبّ ذكي، وشفاف، واستباقي، وشخصي... طبّ لا ينتظر المرض ليظهر، بل يعترضه قبل أن يولد. رؤيةٌ تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وعمره البيولوجي، وتفتح باباً كان مغلقاً لعقود أمام فكرة «عكس المرض» بدل الاكتفاء بإدارته.

وفي ختام اللقاء، عبَّر البروفسور هلسة عن تطلّعه - مع فريق مؤلفي الكتاب - لزيارة الشرق الأوسط، ولا سيما السعودية، لبحث فرص التعاون في تحويل هذه المفاهيم العلمية إلى برامج عملية؛ من الطب الوقائي إلى الذكاء الاصطناعي الصحي، ومن العيادات الذكية إلى منصات العمر البيولوجي. وأضاف: «نحن مستعدون للعمل مع المنطقة لخلق نموذج صحي جديد... يبدأ من هنا، ويصل أثره إلى العالم».


«ناسا» تفقد الاتصال بالمركبة «مافن» التي تدور حول المريخ منذ عقد

المركبة «مافن» (أ.ب)
المركبة «مافن» (أ.ب)
TT

«ناسا» تفقد الاتصال بالمركبة «مافن» التي تدور حول المريخ منذ عقد

المركبة «مافن» (أ.ب)
المركبة «مافن» (أ.ب)

فقدت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) الاتصال بمركبة فضائية كانت تدور حول المريخ منذ أكثر من عقد.

ووفقاً لوكالة الأنباء الألمانية، توقفت المركبة «مافن» فجأة عن التواصل مع المحطات الأرضية خلال مطلع الأسبوع. وقالت وكالة ناسا، هذا الأسبوع، إن المركبة كانت تعمل بشكل طبيعي قبل أن تختفي خلف الكوكب الأحمر، وعندما عادت للظهور، لم يكن هناك سوى الصمت.

وبعد إطلاقها في 2013، بدأت المركبة «مافن» دراسة الغلاف الجوي العلوي للمريخ، وتفاعله مع الرياح الشمسية، وذلك بمجرد وصولها إلى الكوكب الأحمر في العام التالي.

وتوصل العلماء في نهاية الأمر إلى تحميل الشمس مسؤولية فقدان المريخ لمعظم غلافه الجوي في الفضاء عبر العصور، ما حوّله من كوكب رطب ودافئ إلى الكوكب الجاف والبارد الذي هو عليه الآن.

وعملت مركبة «مافن» أيضاً كحلقة وصل للاتصالات لعربتي «ناسا» الاستكشافيتين على المريخ؛ «كيوريوسيتي» و«بيرسيفيرانس». وقالت وكالة ناسا إن تحقيقات هندسية تجري حالياً.