الواقع الافتراضي يفتح أبواب غرف العمليات أمام طلاب الطب

من التعليم التقليدي إلى الفضاء التفاعلي

الواقع الافتراضي يفتح أبواب غرف العمليات أمام طلاب الطب
TT

الواقع الافتراضي يفتح أبواب غرف العمليات أمام طلاب الطب

الواقع الافتراضي يفتح أبواب غرف العمليات أمام طلاب الطب

لم تعد غرف العمليات حكراً على الجراحين ذوي الخبرة، ولا ساحات التدريب مقتصرة على القاعات التقليدية أو المحاكاة الجامدة، ففي السنوات الأخيرة، أخذ الواقع الافتراضي ينقل طلاب الطب إلى قلب المشهد الجراحي، حيث يمكنهم التدرب على أصعب الإجراءات وكأنهم يقفون فعلياً أمام المشرط والطاولة الجراحية.

الواقع الافتراضي لتعزيز المهارات الجراحية

في مطلع عام 2025، نُشرت دراسة علمية محكّمة بعنوان «استخدام الواقع الافتراضي لتعزيز المهارات الجراحية والمشاركة في التعليم الطبي في مجلة أبحاث الإنترنت الطبية (Journal of Medical Internet Research – JMIR)، وهي من أبرز المجلات العالمية في مجال التعليم الطبي الرقمي.

شملت هذه الدراسة مراجعة أكثر من 23 تجربة عشوائية محكمة، شارك فيها 1091 طبيباً وطالب طب، لتقييم مدى فعالية تقنيات الواقع الافتراضي في تطوير المهارات الجراحية مقارنة بأساليب التعليم التقليدية. وكانت النتيجة واضحة: الواقع الافتراضي لا يعلّم فحسب، بل يغيّر طريقة التعلم نفسها. فقد أظهر المشاركون تحسناً ملحوظاً في المهارات العملية والمعرفة النظرية، إلى جانب ارتفاع التفاعل والانخراط في التجربة التعليمية، مقارنة بالطريقة الصفّية أو المحاكاة التقليدية.

ويعكس هذا البحث توجهاً عالمياً متسارعاً نحو دمج تقنيات الواقع الافتراضي في تدريب الأطباء وطلبة الطب على الإجراءات الجراحية المتقدمة، ليس بوصفه وسيلة محاكاة فقط، بل منصّة تفاعلية قادرة على نقل الخبرة الجراحية من غرفة العمليات إلى أي مكان في العالم.

آفاق وتحديات التعليم الجراحي الافتراضي

لقد تجاوزت تقنية الواقع الافتراضي دورها الترفيهي لتصبح اليوم أداةً تعليمية متقدمة في المجال الطبي، تتيح للمتعلمين خوض محاكاة واقعية للإجراءات الجراحية (Surgical Procedure Simulation) دون تعريض المرضى لأي مخاطر.

في السنوات الأخيرة، شهدت الأوساط الأكاديمية والطبية زيادة ملحوظة في الأبحاث التي تربط بين استخدام الواقع الافتراضي وتحسين الأداء الجراحي، سواء من حيث الدقة التقنية أو السرعة والقدرة على اتخاذ القرار.

وفي مراجعة منهجية حديثة نُشرت عام 2025، تبيّن أن الاتجاهات البحثية الحالية تتركز على تطوير أدوات محاكاة أكثر دقة للمهارات الجراحية الدقيقة، خصوصاً في مجالات مثل الجراحة التنظيرية (Laparoscopic Surgery) والجراحة العامة (General Surgery). كما أظهرت المراجعة أن المتدربين الذين استخدموا الواقع الافتراضي اكتسبوا مهارات عملية بسرعة أكبر، واحتفظوا بها لفترة أطول، مقارنةً بالطرق التدريبية التقليدية.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات يجب التعامل معها، مثل اختلاف أنظمة الأجهزة (Hardware Compatibility Issues)، والعبء المعرفي (Cognitive Load) على المتعلمين في المراحل الأولى من استخدام التقنية، بالإضافة إلى تكاليف البنية التحتية ومتطلبات الاتصال عالي السرعة بالإنترنت لضمان بث تفاعلي مستقر.

مشاريع بريطانية وأميركية رائدة

في خضم هذا التحول العالمي السريع في أساليب التعليم الطبي، برزت مبادرة بريطانية جديدة تعكس كيف يمكن للتقنيات الرقمية أن تعيد تشكيل ملامح التدريب الجراحي. فقد أعلن أحد الأساتذة البارزين في بريطانيا الأسبوع الماضي عن مشروع رائد يقوم على البث المباشر للعمليات الجراحية بتقنية الواقع الافتراضي (Live VR Surgical Streaming)، بحيث يتمكن طلاب الطب والمتدربون من مختلف أنحاء العالم من دخول غرفة العمليات افتراضياً ومتابعة تفاصيل الجراحة لحظة بلحظة، كما لو كانوا يقفون بجوار الجراح نفسه.

ما يميز هذه التجربة أنها لا تكتفي بعرض المشهد الجراحي فحسب، بل تتيح للمشاهدين استخدام أدوات الواقع الافتراضي للتفاعل مع المحيط، وتغيير زاوية الرؤية، والاقتراب من موضع العمل الجراحي، بل وحتى طرح الأسئلة على الفريق الطبي أثناء سير العملية. إنها تجربة تعليمية حية تنقل غرفة العمليات من مكانها المادي المحدود إلى فضاء عالمي مفتوح.

هذه المبادرة البريطانية ليست حالة منفردة، بل تأتي ضمن تيار عالمي متصاعد يربط بين التعليم الطبي والابتكار الرقمي، ففي الولايات المتحدة، طورت شركة أميركية متخصصة في تقنيات الجراحة الافتراضية منصة تفاعلية متقدمة تُعرف باسم إيمرتِك (Immertec)، تتيح للأطباء والطلاب دخول غرف عمليات افتراضية (Virtual Operating Rooms) والمشاركة في إجراءات جراحية عن بُعد، دون الحاجة إلى السفر أو الحضور الجسدي، مع توفير تجربة غامرة دقيقة تحاكي الواقع بكل تفاصيله.

كما أطلقت جامعات طبية عريقة مثل ستانفورد وهارفارد برامج تجريبية تستخدم تقنيات الواقع الافتراضي في تدريب طلاب الطب على إجراءات متقدمة في جراحة القلب والعظام، وهي مجالات تتطلب دقة عالية ومهارات متراكمة لا يمكن اكتسابها بسهولة في القاعات الدراسية التقليدية. هذه البرامج تعزز فكرة أن التقنية لم تعد مشروعاً مستقبلياً، بل أصبحت جزءاً فاعلاً من منظومات التعليم الطبي المعاصرة في أرقى المؤسسات الأكاديمية.

أسماء علمية بارزة

ومن بين الأسماء البارزة التي تمثل هذا الاتجاه، يبرز البروفسور شافي أحمد (Professor Shafi Ahmed)، أحد الشخصيات المؤثرة التي تجمع بين الممارسة الجراحية والتعليم الأكاديمي والتقنيات الرقمية الحديثة. يشغل البروفسور أحمد منصب أستاذ في كلية الطب بارتس وكلية طب جامعة كوين ماري في لندن، كما يعمل أستاذاً زائراً في جامعة هارفارد.

وفي مقابلة نُشرت مؤخراً في مجلة الابتكار الطبية الأوروبية (European Medical Journal – EMJ Innov)، استعرض البروفسور أحمد رؤيته لمستقبل التعليم الجراحي، مؤكداً أن الواقع الافتراضي وتقنيات الهولوغرام (Hologram) ستجعل من الممكن نقل الخبرة الجراحية إلى أي مكان في العالم في الزمن الحقيقي، لتتحول العملية الجراحية من حدث محلي إلى منصة تعليمية عالمية تفاعلية.

بهذا التوجه، تتبلور ملامح جيل جديد من التدريب الطبي لا تحده الجغرافيا، ولا تعيقه جدران قاعة أو غرفة عمليات، بل يربط بين الخبرة السريرية والتكنولوجيا في فضاء تعليمي مفتوح للعالم بأسره.

ولم يعد تعليم الطب كما عهدناه في السابق. فقد بدأت جدران القاعات التقليدية تتلاشى أمام زحف تقنيات الواقع الافتراضي، لتتحول غرفة العمليات من فضاء مغلق لا يدخله إلا القلة، إلى عالم رقمي واسع يمكن لأي طالب أن يعبر إليه من أي مكان في العالم. هناك، يقف بجوار الجراح، يراقب أدق الحركات، يسمع التوجيهات الحية، ويشارك في تجربة تعليمية تفاعلية تتجاوز الزمان والمكان.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تحديث في الأدوات، بل تغيير عميق في فلسفة التعليم الطبي ذاتها؛ من التركيز على الحضور الجسدي إلى بناء حضور معرفي تفاعلي، ومن التعلم داخل جدران محدودة إلى فضاءات مفتوحة للعالم كله. إنها نقلة من التعليم الذي يُلقى من منصة، إلى تعليم يُعاش من الداخل، وكأن الطالب يعيش التجربة لا يراقبها فقط.

وفي ظل هذا التسارع العلمي العالمي، يقف العالم العربي أمام مفترق طرق حاسم. فالسؤال لم يعد: هل سنلتحق بالركب؟ بل: هل سنكون من «صانعي هذا التحول؟». تمتلك المنطقة اليوم مقومات قوية من جامعات طبية واعدة، وبُنى رقمية متنامية، ورؤى استراتيجية طموحة، مثل «رؤية السعودية 2030»، التي تجعل من التحول الرقمي أحد أعمدتها الرئيسية. إن الاستثمار في هذه التقنيات لا يعني اللحاق بالآخرين فحسب، بل يعني كتابة فصل جديد بأيدينا في مستقبل التعليم الطبي.

وكما قال أبو العلاء المعري: «وإنّي وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ... لآتٍ بما لم تستطِعْه الأوائلُ» فبالعلم والرؤية والعزيمة، يمكن لطلاب الطب العرب أن يصبحوا جزءاً فاعلاً من ثورة تعليمية عالمية لا تعترف بالحدود، وأن تتحول غرف العمليات الافتراضية إلى جسور تربط العقول، لا المسافات. إنها بداية مرحلة جديدة، حيث لا مكان للمتفرجين... بل للمبادرين الذين يصنعون المستقبل بأدواته، لا ينتظرونه.


مقالات ذات صلة

كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

خاص يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)

كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي ضوابط جديدة للصلاحيات والمساءلة والمراقبة مع ضرورة تتبع القرارات واختبار آليات الإيقاف قبل التشغيل الفعلي.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)

منتدى اليونيسكو في الرياض يبحث أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ومخاطر تسارعه

جاء المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، المنعقد حالياً بالرياض، في وقت يتصاعد فيه الجدل العالمي حول سرعة تطوير هذه التقنية.

عبير حمدي (الرياض)
خاص تدفع متطلبات السيادة على البيانات والامتثال قطاعات منظمة إلى تبني نماذج ذكاء اصطناعي هجينة وخاصة وفق طبيعة المعلومات والأحمال (أدوبي)

خاص المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي في السعودية: معلومات موثوقة وحوكمة أوسع

توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في السعودية يرفع أهمية المعلومات الموثوقة والحوكمة والسيادة على البيانات لتحويل الاستثمار إلى قيمة مؤسسية.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بقدرة السوق على تحويل الحوسبة المتقدمة إلى تطبيقات ذات قيمة اقتصادية فعلية (أدوبي)

خاص «إنتل» لـ«الشرق الأوسط»: التحدي المقبل في السعودية ليس الحوسبة بل تحويلها إلى قيمة اقتصادية

ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بتحويل القدرة الحاسوبية إلى تطبيقات تجارية، وكفاءات محلية، وبنية تقنية قابلة للتصدير.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا يشمل نطاق التعاون مجالات مثل التقنية الحيوية وعلوم المواد والنفط والغاز والتصنيع مع دراسة تقديم الحوسبة عالية الأداء كخدمة متخصصة للقطاعات (هيوماين)

«هيوماين» و«كاوست» تستكشفان إتاحة قدرات الحاسوب العملاق «شاهين 3» عبر السحابة

تستكشف «هيوماين» و«كاوست» إتاحة قدرات «شاهين 3» عبر السحابة لدعم الذكاء الاصطناعي والبحث والتطبيقات كثيفة الحوسبة.

نسيم رمضان (لندن)

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي
TT

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

لسنوات متتالية، حذَّرت منظمات سلامة الذكاء الاصطناعي من أن المختبرات الكبرى تتسابق لتطوير أنظمة أكثر ذكاءً واستقلالية، دون استراتيجية واضحة وواقعية لإدارة المخاطر. وأكد باحثون مستقلون أن الاستثمارات في السلامة والتوافق تتخلف كثيراً عن الاستثمارات في القدرات. وقد استقال موظفون، وتوقع بعض الخبراء وقوع كارثة، ولم يُسهم أي من ذلك في إبطاء هذا السباق.

تحذيرات قوية من الباحثين

لكن خلال الأسابيع القليلة الماضية، بدأت التحذيرات تتخذ منحى مختلفاً؛ إذ باتت تصدر بشكل متزايد من العاملين داخل المختبرات. في الأسبوع الماضي، أعلن باحث الذكاء الاصطناعي جاكوب كوكسون استقالته من شركة «أنثروبيك» في منشور حصد أكثر من 171 مليون مشاهدة على منصة «إكس». وبعد ذلك بوقت قصير، أيَّد إيفان هوبينغر، رئيس قسم علوم التوافق في «أنثروبيك» كوكسون علناً، وكذلك فعل إيثان بيريز، باحث التوافق في «أنثروبيك»، وسامويل ماركس، باحث الإشراف القابل للتوسع. كما أيَّدته جولي ستيل وجاسمين وانغ، باحثتا السلامة في شركة «أوبن إيه آي».

«الذكاء الخارق»... مقامرة بحياة البشر

لماذا الآن؟ يُشير كوكسون في تغريدته إلى جزءٍ واضح من الإجابة: «إنهم يتسابقون نحو الذكاء الخارق المُتطور ذاتياً، ويُقامرون بحياتنا». ويُشير كوكسون هنا إلى مفهوم تقني يُسمى «التحسين الذاتي المُتكرر» (recursive self-improvement)، أو استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية لبناء نماذج جديدة وتحسينها.

الذكاء الاصطناعي بدأ يتحكم

ويُمكن للباحثين الآن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في مراحل كثيرة من عملية تطوير النماذج. يُمكنهم استخدامها لتصميم بنية تحتية حاسوبية جديدة تُوفر قوة حاسوبية وكفاءة وسرعة معالجة أكبر. كما يُمكن استخدامها لإنشاء بيانات تدريب أكثر وأفضل، أو لإدارة وتحسين إطار البرمجيات الذي يُنظم تدريب النموذج. أو يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة وتحسين الشفرة البرمجية التي تُحدد النموذج وتُنفذه.

بعبارة أخرى، لا تكتفي نماذج الذكاء الاصطناعي بالتحسن فحسب؛ بل بدأت تتولى زمام العمل اللازم لتطوير الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي.

مضاعفة إنتاجية البحث

على سبيل المثال، صرَّحت شركة «أوبن إيه آي» أخيراً بأن برامجها تُساهم بالفعل في «تسريع وتيرة البحث العلمي» داخل الشركة. وبحلول منتصف أغسطس (آب) كانت مؤسستها البحثية تستخدم 3.1 يوم عمل للوكلاء الأذكياء لكل يوم عمل بشري، وقالت الشركة إنها وصلت إلى ما تسميه «متدربَ بحث آلياً».

وأكدت شركة «أنثروبيك» بالمثل أن نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة تُسهم الآن في تطوير النماذج اللاحقة لها.

نماذج تولِّد نماذج أذكى

يُعدُّ ابتكار نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تولي هذه المهام أحد الأسباب التي دفعت «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، و«غوغل» إلى التركيز على تطوير مساعدي برمجة الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود كود»، و«كوديكس»، و«أنتيغرافيتي». وقد استغلت أقسام الهندسة في مختلف المؤسسات هذه الأدوات لتسريع تطوير برامجها، ما وفَّر مصدر دخل بالغ الأهمية لمختبرات الذكاء الاصطناعي. ولكن داخل هذه المختبرات، يُمكن استخدام الأنظمة نفسها لتسريع تطوير نماذج ذكاء اصطناعي جديدة.

ومع ازدياد قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء مهامه، تتراكم التحسينات والكفاءات، ما يُؤدي في النهاية إلى نموذج أكثر ذكاءً. ويمكن استخدام هذا النموذج، أو وكلاء الذكاء الاصطناعي التي يُشغّلها، لتطوير البنية التحتية وكتابة الشيفرة المستخدمة في الجيل التالي من النماذج.

التوصل إلى «ذكاء خارق»

وقد تبدأ هذه الحلقة المتكررة بالعمل بوتيرة أسرع فأسرع، مع تولي الذكاء الاصطناعي مزيداً من مراحل عملية التطوير. وبذلك، يُمكن أن يُصبح تطوير النماذج مع التحسين الذاتي المتكرر عملية مستمرة. قد تتحقق المكاسب في مجال الذكاء بشكل أسرع وأوسع، ما يمهد الطريق نحو ذكاء اصطناعي فائق.

انفلات الذكاء الاصطناعي خارج الإشراف البشري

وقد أثارت الحادثة التي وقعت لـشركة «هاغنغ فيس» هذا الصيف مخاوف كبيرة، ومهدت الطريق لإعلان كوكسون الذي انتشر كالنار في الهشيم. فقد خرجت أسراب من وكلاء «أوبن أيه آي» عن السيطرة، وخرجت من بيئة التدريب، ووصلت إلى الإنترنت، واخترقت خوادم الشركة؛ بل واخترقت خوادم «أوبن إيه آي» نفسها. وقد نبهت هذه الحادثة الناس إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تطورت إلى درجة يمكنها معها العمل خارج الإشراف البشري؛ بل وضد مصالح البشر.

بعد 4 أيام من استقالة كوكسون، نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، مقالاً جديداً بعنوان «يجب علينا ضبط وتيرة التقدم في التقنيات الرائدة» We Must Pace the Frontier)) دعا فيه إلى إبطاء وتيرة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً.

ومن جانبها، صرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأنها ستقوم «بإبطاء أو إيقاف» عمليات التطوير أو النشر، في حال كانت مخاطر السلامة غير مقبولة. كما أعرب كبير العلماء في الشركة، جاكوب باتشوك، عن أمله في أن يصبح التباطؤ الطوعي ممارسة شائعة.

وقد دعت «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» الحكومات إلى التدخل وضبط «وتيرة» تطوير الذكاء الاصطناعي.

انعدام الالتزام

ومع ذلك، لم تلتزم أي من الشركتين بإبطاء تطوير ونشر النماذج الجديدة بشكل مستمر. فبالنسبة لهذه المختبرات، لا تُعد عملية الإبطاء أمراً بسيطاً؛ إذ يبرز تساؤل مفاده: ماذا لو أبطأت المختبرات «أ» وتيرتها بينما واصلت المختبرات «ب» السباق نحو الأمام؟

وفي هذا السياق، يدعو ديفيد ساكس -الذي شغل سابقاً منصب مسؤول ملف الذكاء الاصطناعي في إدارة ترمب- مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى ضبط وتيرة عملها ذاتياً. وفي المقابل، يرى الرئيس دونالد ترمب أنه لا مجال لإبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي، نظراً للمنافسة القائمة مع الصين؛ حيث كتب على منصة «تروث سوشيال» يقول: «من يفوز في سباق الذكاء الاصطناعي، يفوز بكل شيء!».

وفي مقاله، دعا أمودي أيضاً إلى «دمج» جهات تقييم مستقلة -مثل مؤسسات: «METR» و«Apollo Research» و«Redwood Research»- داخل هذه المختبرات. وقد أيد سام ألتمان -الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»- هذه الفكرة، وأكد أن شركته ستشارك فيها. وفي الوقت نفسه، يعكف المشرعون -ومعظمهم من الديمقراطيين- على اقتراح تشريعات من شأنها تعزيز دور الحكومة في الإشراف على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة.

كفاءة تقنية أعلى... وإشراف أدنى

إن فهم توقيت هذه التحركات ليس بالأمر الصعب؛ فأنظمة الذكاء الاصطناعي تزداد كفاءة في العمل بأقل قدر من الإشراف البشري، وفي الوقت ذاته، باتت تتولى جزءاً متزايداً من المهام المتعلقة بتطوير الجيل القادم من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولا تكمن المخاوف ببساطة في استمرار ازدياد ذكاء نماذج الذكاء الاصطناعي؛ بل في أن عملية جعلها أكثر ذكاءً قد تتسارع لدرجة تفقد معها البشرية قدرتها -أكثر فأكثر- على مراقبة ما يحدث، أو إبطاء وتيرته، أو فرض معايير السلامة والمواءمة.

* مجلة «فاست كومباني».


كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية
TT

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

لعقود طويلة كان استخدام أجهزة التنقل للأطفال محدوداً بسبب ارتفاع التكاليف، وعوائق التأمين، والحاجة إلى تصنيع متخصص. أما الآن، فمؤسسة «مَيْكْ غود» MakeGood غير الربحية في نيو أورليانز -الحائزة على جائزة الابتكار في التصميم لعام 2026 في مجال التصميم المُيسّر- تستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد (التجسيمية) لتوسيع نطاق الوصول إلى هذه الأجهزة للأطفال الذين يعانون من حالات تجعل الحركة المستقلة صعبة، كما كتبت مارغريت أندرسن(*).

كرسي متحرك بلاستيكي ملون

بدلاً من إنتاج كرسي متحرك يدوي تقليدي، ابتكرت المؤسسة كرسياً متحركاً بلاستيكياً ملوناً سمته «الجهاز التدريبي wheelchair-like mobility trainer» يُشبه الكرسي المتحرك، ومُصمماً للأطفال من عمر سنة إلى ثماني سنوات، الذين يعانون من حالات مثل الشلل الدماغي أو تشقق العمود الفقري (السِّنْسِنَة المشقوقة)، أو الذين قضوا فترات طويلة في العناية المركزة لحديثي الولادة.

تصنيع منزلي

ويمكن تصنيع الكرسي «التدريبي» محلياً ببضع مئات من الدولارات باستخدام طابعات ثلاثية الأبعاد منزلية. وهو مُجمّع من عشرات المكونات الصغيرة باستخدام تقنيات النجارة المستوحاة من النجارة اليابانية، والهياكل الهندسية المتشابكة لإنشاء إطار متين من مطبوعات بحجم سطح المكتب.

وتدير المؤسسة منصة إلكترونية تُسمى 3D-mobility.org تربط أكثر من 1000 متطوع من صانعي الأجهزة حول العالم بالعائلات التي تطلبها. وتقوم المدارس، ومساحات العمل الإبداعية، والمستشفيات، وحتى الأجداد الذين اشتروا طابعات ثلاثية الأبعاد حديثاً، بتجميع هذه الأجهزة التدريبية بالقرب من أماكن سكن الأطفال.

تلبية الاحتياجات الفردية

يقول نعوم بلات، مؤسس «مَيْكْ غود»: «التصميم الجيد المقترن بالطباعة ثلاثية الأبعاد يمنحنا القدرة على تلبية احتياجاتنا دون الحاجة إلى القلق بشأن شركات التأمين. إذا احتجنا إلى جهاز مساعد على الحركة، يُمكننا ببساطة صنعه بأنفسنا».

وتُوسّع المنظمة حالياً مراكز الإنتاج المحلية عالمياً، لا سيما في مناطق أميركا اللاتينية، حيث يرتفع الطلب، بينما يبقى الوصول إلى الطابعات ثلاثية الأبعاد والمواد محدوداً.

* مجلة «فاست كومباني»


جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال
TT

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

كشفت دراسة دولية جديدة عن سبب وراثي لم يكن معروفاً من قبل وراء مجموعة نادرة من الاضطرابات النمائية، بعد أن توصل الباحثون إلى أن الطفرات التي تصيب جيناً يُعرف باسم NPTN تعطل الوظيفة الطبيعية للخلايا العصبية؛ ما قد يؤدي إلى تأخر النمو واضطراب طيف التوحد وفي بعض الحالات الإصابة بالصرع.

اضطرابات عصبية بلا تشخيص محدد

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Genome Medicine في 1 يوليو (تموز) الماضي. وتشير النتائج إلى أن هذا الاكتشاف قد يفتح الباب أمام تشخيص حالات مشابهة ظلت لسنوات من دون تفسير واضح. وبالنسبة إلى كثير من العائلات قد يعني ذلك نهاية رحلة طويلة من البحث عن سبب تأخر نمو الطفل أو معاناته من اضطرابات عصبية من دون الوصول إلى تشخيص محدد.

ورغم ندرة هذه الحالة؛ يرى الباحثون أن تحديد العلاقة بين جين NPTN وهذه الاضطرابات قد يساعد الأطباء على التعرف إلى مرضى آخرين يحملون طفرات مشابهة، ويوفر أساساً لفهم أفضل لكيفية تأثير هذه التغيرات الجينية في نمو الدماغ ووظائف الخلايا العصبية.

8 أطفال... وجين واحد

بدأت القصة مع ثمانية أطفال من دول مختلفة كانوا جميعاً يعانون اضطرابات نمائية لم يتمكن الأطباء من تفسيرها رغم خضوعهم لفحوص وراثية وطبية مكثفة.

وعند تحليل الحمض النووي (دي إن إيه) لهؤلاء الأطفال وجد الباحثون أن جميعهم يحملون تغيرات ضارة في جين NPTN، والأهم من ذلك أن هذه الطفرات لم تُورَّث من الوالدين، بل ظهرت تلقائياً خلال المراحل المبكرة من النمو الجنيني.

وعانى جميع الأطفال تأخراً في النمو أو إعاقات ذهنية، في حين شُخّص سبعة منهم باضطراب طيف التوحد. كما أصيب بعضهم بالصرع أو فقدوا مهارات لغوية سبق أن اكتسبوها، إضافة إلى اضطرابات في الحركة والنوم.

وكان جين NPTN صُنّف سابقاً على أنه «جين مرشح» قد تكون له علاقة باضطرابات النمو، إلا أن هذه الدراسة تقدم أول دليل قوي على أن الطفرات فيه يمكن أن تكون سبباً مباشراً لاضطرابات النمو العصبي والتوحد.

ويقول الدكتور ديرك مونتاغ، من معهد لايبنتس لعلم الأعصاب في ألمانيا وأحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة، تُظهر نتائجنا أن بروتين نيوروبلاستين Neuroplastin يؤدي دوراً أساسياً في عمل الدماغ. فإذا تغير هذا البروتين أو انخفضت كميته تصبح الخلايا العصبية أقل قدرة على معالجة الإشارات بصورة طبيعية.

بروتين يحافظ على تواصل الخلايا العصبية

يحمل جين NPTN التعليمات اللازمة لإنتاج بروتين يُعرف باسم نيوروبلاستين، وهو بروتين يساعد الخلايا العصبية على تنظيم مستويات الكالسيوم داخلها. ويُعد الكالسيوم عنصراً أساسياً لانتقال الإشارات بين الخلايا العصبية، لكن نجاح هذه العملية يعتمد على الحفاظ على مستوياته ضمن حدود دقيقة.

وكشفت الدراسة عن أن الطفرات في بروتين نيوروبلاستين تُضعف عمل مضخات متخصصة تُعرف باسم PMCA، وهي المسؤولة عن التخلص من الكميات الزائدة من الكالسيوم داخل الخلايا. وعندما تصبح هذه المضخات أقل كفاءة يبقى الكالسيوم داخل الخلية لفترة أطول من اللازم؛ ما يؤدي إلى اضطراب نقل الإشارات العصبية وإعاقة تكوين الشبكات العصبية الطبيعية أثناء نمو الدماغ.

ويقدم هذا الاكتشاف تفسيراً بيولوجياً لكيفية تسبب طفرة جينية واحدة في التأثير على التعلم والسلوك والتطور العصبي.

التجارب تؤكد النتائج

وللتأكد من تأثير هذه الطفرات؛ جمع الباحثون بين التحليلات الوراثية وتجارب أُجريت على خلايا عصبية بشرية وفئران وذباب الفاكهة. وأظهرت التجارب اضطراباً واضحاً في إشارات الكالسيوم داخل الخلايا العصبية. كما أدى خفض مستوى بروتين نيوروبلاستين إلى النصف في الفئران إلى انخفاض يقارب 50 في المائة في مستويات مضخات PMCA داخل الدماغ.

ولاحظ الباحثون أيضاً أن الفئران أصبحت أقل ميلاً للتفاعل الاجتماعي، وهو سلوك يشبه بعض السمات المرتبطة باضطراب طيف التوحد. كما أكدت تجارب ذباب الفاكهة أن الطفرات في جين NPTN تؤدي إلى إضعاف وظيفة بروتين نيوروبلاستين؛ ما عزز صحة النتائج.

وقال مونتاغ، تكمن قوة هذه الدراسة في أنها تربط بصورة مباشرة بين الأعراض السريرية لدى الأطفال والآليات الجزيئية التي تحدث داخل الخلايا العصبية.

خطوة نحو تشخيص أدق

ورغم أن الباحثين لم يوثّقوا حتى الآن سوى ثمانية أطفال مصابين بهذه الطفرات، فإنهم يرجحون وجود حالات أخرى حول العالم لم تُشخَّص بعد.

وبالنسبة للعائلات، فإن معرفة السبب الوراثي تمثل خطوة بالغة الأهمية نحو الحصول على تشخيص نهائي وتقديم استشارات وراثية أكثر دقة وفهم أفضل لكيفية تطور الحالة مستقبلاً. كما يضيف الاكتشاف جين NPTN إلى قائمة الجينات المرتبطة باضطرابات النمو العصبي والتوحد؛ ما يعزز أهمية الفحوص الجينية الشاملة للأطفال الذين يعانون تأخر النمو أو اضطرابات عصبية مجهولة السبب.

آفاق مستقبلية

ويعمل الباحثون حالياً على دراسة ما إذا كان بالإمكان استهداف اضطراب إشارات الكالسيوم علاجياً ومعرفة المرحلة التي قد يكون فيها التدخل أكثر فاعلية.

ورغم أن تطوير علاجات جديدة لا يزال يحتاج إلى مزيد من الدراسات، فإن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو فهم الأسباب الجزيئية للاضطرابات النمائية النادرة. فبدلاً من مجرد إضافة جين جديد إلى قائمة الجينات المرتبطة بالأمراض، تكشف الدراسة عن مسار بيولوجي جديد يربط بين اضطراب تنظيم الكالسيوم داخل الخلايا العصبية ونمو الدماغ؛ وهو ما قد يمهد مستقبلاً لتطوير علاجات تستهدف السبب الأساسي للمرض وليس أعراضه فقط.