الواقع الافتراضي يفتح أبواب غرف العمليات أمام طلاب الطب

من التعليم التقليدي إلى الفضاء التفاعلي

الواقع الافتراضي يفتح أبواب غرف العمليات أمام طلاب الطب
TT

الواقع الافتراضي يفتح أبواب غرف العمليات أمام طلاب الطب

الواقع الافتراضي يفتح أبواب غرف العمليات أمام طلاب الطب

لم تعد غرف العمليات حكراً على الجراحين ذوي الخبرة، ولا ساحات التدريب مقتصرة على القاعات التقليدية أو المحاكاة الجامدة، ففي السنوات الأخيرة، أخذ الواقع الافتراضي ينقل طلاب الطب إلى قلب المشهد الجراحي، حيث يمكنهم التدرب على أصعب الإجراءات وكأنهم يقفون فعلياً أمام المشرط والطاولة الجراحية.

الواقع الافتراضي لتعزيز المهارات الجراحية

في مطلع عام 2025، نُشرت دراسة علمية محكّمة بعنوان «استخدام الواقع الافتراضي لتعزيز المهارات الجراحية والمشاركة في التعليم الطبي في مجلة أبحاث الإنترنت الطبية (Journal of Medical Internet Research – JMIR)، وهي من أبرز المجلات العالمية في مجال التعليم الطبي الرقمي.

شملت هذه الدراسة مراجعة أكثر من 23 تجربة عشوائية محكمة، شارك فيها 1091 طبيباً وطالب طب، لتقييم مدى فعالية تقنيات الواقع الافتراضي في تطوير المهارات الجراحية مقارنة بأساليب التعليم التقليدية. وكانت النتيجة واضحة: الواقع الافتراضي لا يعلّم فحسب، بل يغيّر طريقة التعلم نفسها. فقد أظهر المشاركون تحسناً ملحوظاً في المهارات العملية والمعرفة النظرية، إلى جانب ارتفاع التفاعل والانخراط في التجربة التعليمية، مقارنة بالطريقة الصفّية أو المحاكاة التقليدية.

ويعكس هذا البحث توجهاً عالمياً متسارعاً نحو دمج تقنيات الواقع الافتراضي في تدريب الأطباء وطلبة الطب على الإجراءات الجراحية المتقدمة، ليس بوصفه وسيلة محاكاة فقط، بل منصّة تفاعلية قادرة على نقل الخبرة الجراحية من غرفة العمليات إلى أي مكان في العالم.

آفاق وتحديات التعليم الجراحي الافتراضي

لقد تجاوزت تقنية الواقع الافتراضي دورها الترفيهي لتصبح اليوم أداةً تعليمية متقدمة في المجال الطبي، تتيح للمتعلمين خوض محاكاة واقعية للإجراءات الجراحية (Surgical Procedure Simulation) دون تعريض المرضى لأي مخاطر.

في السنوات الأخيرة، شهدت الأوساط الأكاديمية والطبية زيادة ملحوظة في الأبحاث التي تربط بين استخدام الواقع الافتراضي وتحسين الأداء الجراحي، سواء من حيث الدقة التقنية أو السرعة والقدرة على اتخاذ القرار.

وفي مراجعة منهجية حديثة نُشرت عام 2025، تبيّن أن الاتجاهات البحثية الحالية تتركز على تطوير أدوات محاكاة أكثر دقة للمهارات الجراحية الدقيقة، خصوصاً في مجالات مثل الجراحة التنظيرية (Laparoscopic Surgery) والجراحة العامة (General Surgery). كما أظهرت المراجعة أن المتدربين الذين استخدموا الواقع الافتراضي اكتسبوا مهارات عملية بسرعة أكبر، واحتفظوا بها لفترة أطول، مقارنةً بالطرق التدريبية التقليدية.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات يجب التعامل معها، مثل اختلاف أنظمة الأجهزة (Hardware Compatibility Issues)، والعبء المعرفي (Cognitive Load) على المتعلمين في المراحل الأولى من استخدام التقنية، بالإضافة إلى تكاليف البنية التحتية ومتطلبات الاتصال عالي السرعة بالإنترنت لضمان بث تفاعلي مستقر.

مشاريع بريطانية وأميركية رائدة

في خضم هذا التحول العالمي السريع في أساليب التعليم الطبي، برزت مبادرة بريطانية جديدة تعكس كيف يمكن للتقنيات الرقمية أن تعيد تشكيل ملامح التدريب الجراحي. فقد أعلن أحد الأساتذة البارزين في بريطانيا الأسبوع الماضي عن مشروع رائد يقوم على البث المباشر للعمليات الجراحية بتقنية الواقع الافتراضي (Live VR Surgical Streaming)، بحيث يتمكن طلاب الطب والمتدربون من مختلف أنحاء العالم من دخول غرفة العمليات افتراضياً ومتابعة تفاصيل الجراحة لحظة بلحظة، كما لو كانوا يقفون بجوار الجراح نفسه.

ما يميز هذه التجربة أنها لا تكتفي بعرض المشهد الجراحي فحسب، بل تتيح للمشاهدين استخدام أدوات الواقع الافتراضي للتفاعل مع المحيط، وتغيير زاوية الرؤية، والاقتراب من موضع العمل الجراحي، بل وحتى طرح الأسئلة على الفريق الطبي أثناء سير العملية. إنها تجربة تعليمية حية تنقل غرفة العمليات من مكانها المادي المحدود إلى فضاء عالمي مفتوح.

هذه المبادرة البريطانية ليست حالة منفردة، بل تأتي ضمن تيار عالمي متصاعد يربط بين التعليم الطبي والابتكار الرقمي، ففي الولايات المتحدة، طورت شركة أميركية متخصصة في تقنيات الجراحة الافتراضية منصة تفاعلية متقدمة تُعرف باسم إيمرتِك (Immertec)، تتيح للأطباء والطلاب دخول غرف عمليات افتراضية (Virtual Operating Rooms) والمشاركة في إجراءات جراحية عن بُعد، دون الحاجة إلى السفر أو الحضور الجسدي، مع توفير تجربة غامرة دقيقة تحاكي الواقع بكل تفاصيله.

كما أطلقت جامعات طبية عريقة مثل ستانفورد وهارفارد برامج تجريبية تستخدم تقنيات الواقع الافتراضي في تدريب طلاب الطب على إجراءات متقدمة في جراحة القلب والعظام، وهي مجالات تتطلب دقة عالية ومهارات متراكمة لا يمكن اكتسابها بسهولة في القاعات الدراسية التقليدية. هذه البرامج تعزز فكرة أن التقنية لم تعد مشروعاً مستقبلياً، بل أصبحت جزءاً فاعلاً من منظومات التعليم الطبي المعاصرة في أرقى المؤسسات الأكاديمية.

أسماء علمية بارزة

ومن بين الأسماء البارزة التي تمثل هذا الاتجاه، يبرز البروفسور شافي أحمد (Professor Shafi Ahmed)، أحد الشخصيات المؤثرة التي تجمع بين الممارسة الجراحية والتعليم الأكاديمي والتقنيات الرقمية الحديثة. يشغل البروفسور أحمد منصب أستاذ في كلية الطب بارتس وكلية طب جامعة كوين ماري في لندن، كما يعمل أستاذاً زائراً في جامعة هارفارد.

وفي مقابلة نُشرت مؤخراً في مجلة الابتكار الطبية الأوروبية (European Medical Journal – EMJ Innov)، استعرض البروفسور أحمد رؤيته لمستقبل التعليم الجراحي، مؤكداً أن الواقع الافتراضي وتقنيات الهولوغرام (Hologram) ستجعل من الممكن نقل الخبرة الجراحية إلى أي مكان في العالم في الزمن الحقيقي، لتتحول العملية الجراحية من حدث محلي إلى منصة تعليمية عالمية تفاعلية.

بهذا التوجه، تتبلور ملامح جيل جديد من التدريب الطبي لا تحده الجغرافيا، ولا تعيقه جدران قاعة أو غرفة عمليات، بل يربط بين الخبرة السريرية والتكنولوجيا في فضاء تعليمي مفتوح للعالم بأسره.

ولم يعد تعليم الطب كما عهدناه في السابق. فقد بدأت جدران القاعات التقليدية تتلاشى أمام زحف تقنيات الواقع الافتراضي، لتتحول غرفة العمليات من فضاء مغلق لا يدخله إلا القلة، إلى عالم رقمي واسع يمكن لأي طالب أن يعبر إليه من أي مكان في العالم. هناك، يقف بجوار الجراح، يراقب أدق الحركات، يسمع التوجيهات الحية، ويشارك في تجربة تعليمية تفاعلية تتجاوز الزمان والمكان.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تحديث في الأدوات، بل تغيير عميق في فلسفة التعليم الطبي ذاتها؛ من التركيز على الحضور الجسدي إلى بناء حضور معرفي تفاعلي، ومن التعلم داخل جدران محدودة إلى فضاءات مفتوحة للعالم كله. إنها نقلة من التعليم الذي يُلقى من منصة، إلى تعليم يُعاش من الداخل، وكأن الطالب يعيش التجربة لا يراقبها فقط.

وفي ظل هذا التسارع العلمي العالمي، يقف العالم العربي أمام مفترق طرق حاسم. فالسؤال لم يعد: هل سنلتحق بالركب؟ بل: هل سنكون من «صانعي هذا التحول؟». تمتلك المنطقة اليوم مقومات قوية من جامعات طبية واعدة، وبُنى رقمية متنامية، ورؤى استراتيجية طموحة، مثل «رؤية السعودية 2030»، التي تجعل من التحول الرقمي أحد أعمدتها الرئيسية. إن الاستثمار في هذه التقنيات لا يعني اللحاق بالآخرين فحسب، بل يعني كتابة فصل جديد بأيدينا في مستقبل التعليم الطبي.

وكما قال أبو العلاء المعري: «وإنّي وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ... لآتٍ بما لم تستطِعْه الأوائلُ» فبالعلم والرؤية والعزيمة، يمكن لطلاب الطب العرب أن يصبحوا جزءاً فاعلاً من ثورة تعليمية عالمية لا تعترف بالحدود، وأن تتحول غرف العمليات الافتراضية إلى جسور تربط العقول، لا المسافات. إنها بداية مرحلة جديدة، حيث لا مكان للمتفرجين... بل للمبادرين الذين يصنعون المستقبل بأدواته، لا ينتظرونه.


مقالات ذات صلة

القمر مختبراً... كيف يشكّل «أرتميس» بروفة «ناسا» لرحلات المريخ؟

تحليل إخباري رواد الفضاء الأربعة في مهمة «أرتميس ‌2» (ناسا)

القمر مختبراً... كيف يشكّل «أرتميس» بروفة «ناسا» لرحلات المريخ؟

برنامج «أرتميس» يستخدم القمر لاختبار التقنيات والتحمل البشري واللوجيستيات تمهيداً لبعثات المريخ واستكشاف الفضاء العميق بشكل مستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أطلقت «غوغل» نموذج «Gemma 4» بترخيص مفتوح يتيح الاستخدام والتعديل والنشر دون قيود كبيرة (رويترز)

«Gemma 4» من «غوغل»: ذكاء اصطناعي مفتوح يعمل على الأجهزة الشخصية

«غوغل» تطلق «Gemma 4» كنموذج مفتوح يعمل محلياً... ما يعزز الخصوصية ويقلل الاعتماد على السحابة ويدعم قدرات متقدمة للمطورين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)

ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

مهمة «أرتميس 2» تختبر أنظمة دعم الحياة، والملاحة، والطاقة لإتاحة رحلات بشرية مستدامة إلى الفضاء العميق تمهيداً للمريخ.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

تشير الدراسة إلى أن حماية البيانات المالية تتطلب مزيجاً من التقنية والتنظيم وسلوك المستخدم مع تزايد التهديدات التي تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟