كيف يعيد «الذكاء الاصطناعي المحيطي» تعريف اللمسة الإنسانية في الرعاية الصحية؟

خوارزميات صامتة... بتأثيرات صاخبة

كيف يعيد «الذكاء الاصطناعي المحيطي» تعريف اللمسة الإنسانية في الرعاية الصحية؟
TT

كيف يعيد «الذكاء الاصطناعي المحيطي» تعريف اللمسة الإنسانية في الرعاية الصحية؟

كيف يعيد «الذكاء الاصطناعي المحيطي» تعريف اللمسة الإنسانية في الرعاية الصحية؟

في الوقت الذي تتسابق فيه العناوين العالمية لتمجيد الروبوتات الجراحية، وخوارزميات التشخيص، وتقنيات التنبؤ بالأمراض، تنمو بهدوء في الخلفية ثورةٌ من نوع مختلف؛ ثورة لا تعتمد على الأضواء الساطعة ولا على شاشات ضخمة، بل على ذكاء يعمل في صمت... لكنه يُحدث أثراً عميقاً في صميم العلاقة بين الطبيب والمريض. إنها ثورة «الذكاء الاصطناعي المحيطي».

الذكاء الاصطناعي المحيطيمفهوم «الذكاء الاصطناعي المحيطي» لا يتحدث عن أجهزة مبهرة أو أدوات مستقبلية لامعة، بل عن أنظمة ذكية خفية تنصت للحوار الدائر في العيادة أو غرفة المستشفى، وتحوّله في اللحظة نفسها إلى نص طبي منسّق، وتستخلص منه البيانات المهمة، وتقوم بتحديث السجل الطبي الإلكتروني بدقة، من دون أن يشعر المريض بأي تدخل، ومن دون أن يُضطر الطبيب إلى الانشغال بلوحة مفاتيح أو شاشة.

تخيّل أن الطبيب يستطيع التركيز الكامل في عيني مريضه، يطرح الأسئلة ويصغي إلى الإجابات، بينما تقوم خوارزميات غير مرئية بتوثيق كل شيء، وتحليل السياق، وترتيب المعلومات في الخلفية بدقة لا تعرف التعب. إن ما كان يستنزف وقت الطبيب وجهده الإداري، بات يُدار تلقائياً، لتعود اللمسة الإنسانية إلى قلب الممارسة الطبية من جديد.

هذه التقنية الناشئة ليست خيالاً مستقبلياً، بل بدأت تدخل بالفعل إلى عيادات ومؤسسات طبية عالمية. وقد وصفها بعض الخبراء بأنها «الذكاء الاصطناعي الذي لا تراه، لكنه يغيّر كل شيء»، لأنها لا تفرض نفسها على الطبيب أو المريض، بل تندمج في البيئة المحيطة بهدوء، فتجعل من التكنولوجيا شريكاً صامتاً يعزز التواصل بدلاً من أن يقطعه.

إنها ثورة لا تُقاس بضجيج الأجهزة، بل بمدى قدرتها على إعادة الإنسان إلى مركز المشهد الطبي. وفي عالم يزداد فيه الاعتماد على الآلة، يبرز الذكاء الاصطناعي المحيطي كجسر ناعم بين التقنية والإنسان، بين الصمت الرقمي واللمسة البشرية.

الذكاء المحيطي يقلل الإرهاق ويعزز الرعاية

في الثاني من مايو (أيار) عام 2025، نشرت مجلة «الشبكة الأميركية للطب المفتوح» (JAMA Network Open) دراسة محورية قادتها الدكتورة شيريل ستولتس من معهد «ساتر هيلث» في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة، ركزت على قياس الأثر العملي لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المحيطي في العيادات الطبية اليومية. وقد كشفت النتائج عن تحول ملموس في طريقة عمل الأطباء وجودة تفاعلهم مع المرضى.

أبرز ما أظهرته الدراسة أن الذكاء المحيطي ساعد على توفير الوقت وتحسين الكفاءة، إذ انخفض متوسط زمن كتابة الملحوظات الطبية بعد كل زيارة من 6 دقائق وثلث تقريباً إلى خمس دقائق وثُلث، وهو فارق يبدو بسيطاً لكنه ينعكس بشكل كبير عند تراكمه يومياً في المستشفيات والعيادات، مما يتيح للأطباء وقتاً إضافياً للتواصل والرعاية المباشرة.

كما ساهمت التقنية في تخفيف العبء الذهني والنفسي عن الأطباء. فبدلاً من انشغال الطبيب بتدوين الملحوظات أثناء المقابلة، أصبح بإمكانه التركيز الكامل على المريض دون تشتت، الأمر الذي رفع مستوى الراحة الذهنية والقدرة على اتخاذ قرارات طبية أدق.

أما على مستوى العلاقة مع المرضى، فقد رصدت الدراسة تحسناً واضحاً في جودة التواصل الإنساني، إذ لاحظ المرضى أن أطباءهم أصبحوا أكثر حضوراً وتعاطفاً، وأن اللقاء الطبي بات أقرب إلى حوار إنساني مباشر منه إلى جلسة يغلب عليها الانشغال بالتوثيق الإلكتروني.

الدكتورة فينا جونز، الرئيسة التنفيذية للمعلومات الطبية في «ساتر هيلث»، لخّصت ذلك بقولها إن الذكاء المحيطي لا يسعى إلى استبدال الطبيب، بل إلى منحه المساحة الزمنية والتركيز ليكون بكليّته مع مريضه، بينما تتولى الخوارزميات الصامتة الأعمال الروتينية في الخلفية. إنها، على حد وصفها، خطوة حقيقية نحو رعاية صحية أكثر إنسانية، تدعمها تقنيات غير مرئية.

من الحوار إلى العلاجتخيّل طبيباً سعودياً في عيادته الحديثة بالرياض، يجلس أمام مريضه وجهاً لوجه، بلا لوحة مفاتيح تفصله عنه، ولا أوراق تشتّت انتباهه. لا أصوات نقر على الحاسوب ولا التفاتة إلى شاشة. المشهد يبدو بسيطاً، لكنه يحمل في طياته تحولاً عميقاً في ممارسة الطب. فالذكاء الاصطناعي المحيطي يعمل في الخلفية بصمت، يستمع بدقة إلى الحوار الدائر، ويفرغه لحظياً إلى نص طبي منسّق، ويستخلص منه العبارات المفتاحية، ويحوّلها إلى تشخيص مبدئي وخطة علاجية، ثم يحدّث السجل الصحي الإلكتروني بدقة تفصيلية، دون أن يقطع الطبيب لحظة تواصله مع مريضه.

في هذه اللحظة، يعود الطب إلى جوهره الأول: الإنصات إلى الإنسان قبل اتخاذ القرار العلاجي. يصبح الطبيب منصتاً بحق، ينظر إلى المريض، يتأمل ملامحه، يقرأ نبرة صوته، ويطرح الأسئلة بناءً على ما يسمعه ويفهمه، لا بناءً على ما يُمليه عليه نظام إلكتروني معقد. وفي المقابل، يشعر المريض أن الطبيب حاضر معه بكامل تركيزه، يصغي إليه كما لو كان الوحيد في العيادة.

هذا السيناريو ليس خيالاً مستقبلياً، بل صورة واقعية لمستقبل قريب بدأت ملامحه تتشكل بالفعل في مؤسسات طبية عالمية، ويمكن أن تتحقق في المنطقة العربية في ظل التحول الرقمي السريع الذي تشهده المملكة العربية السعودية ضمن «رؤية 2030». إنها عودة الطب إلى أصالته، ولكن هذه المرة بمساعدة خوارزميات ذكية تعمل في صمت، لتمنح الطبيب ما فقده في خضم الرقمنة: الوقت، التركيز، والاتصال الإنساني الحقيقي.

تحديات أخلاقية مع كل ابتكار كبير، تبرز مسؤوليات أكبر. فبينما يعمل الذكاء الاصطناعي المحيطي في صمت خلف الكواليس، فإن هذا الصمت لا يعفيه من أسئلة أخلاقية عميقة تمس جوهر العلاقة بين الطبيب والمريض، والثقة التي تُبنى عليها الممارسة الطبية. إنها ليست مجرد قضايا تقنية، بل قضايا إنسانية وثقافية تتطلب وعياً وتنظيماً دقيقاً.

> الموافقة الواعية: أول هذه التحديات هو الموافقة الواعية. فحين يجلس المريض أمام طبيبه، قد لا يدرك أن كل كلمة تُقال في الغرفة يجري تسجيلها وتحليلها في الوقت الحقيقي. هل تكفي لوحة صغيرة على الجدار لإعلامه؟ أم يجب تطوير آليات واضحة وشفافة تضمن أن المريض يعلم تماماً ما يحدث، ويوافق على ذلك بحرية دون ضغط أو التباس؟ إن مفهوم «الموافقة» في هذا السياق لا يمكن أن يكون شكلياً، بل يجب أن يكون قائماً على فهم حقيقي لطبيعة التقنية وحدودها.

> مسألة الخصوصية: وهي أكثر حساسية في البيئات العربية التي تتميز غالباً بحضور أفراد الأسرة في الجلسات الطبية، سواء بدافع الدعم أو المشاركة في اتخاذ القرار. كيف يمكن حماية الحوار الطبي من التسرب أو إساءة الاستخدام في مثل هذه الأجواء؟ وما هي الضمانات التي تضمن أن التسجيلات والبيانات الحساسة لن تُستخدم خارج إطار الرعاية الصحية؟ هذه الأسئلة تزداد أهمية في ظل التحول الرقمي السريع، حيث تصبح البيانات الطبية هدفاً ثميناً لا يمكن التفريط فيه.

• اللغة والثقافة؛ أما التحدي الثالث فيتعلق باللغة والثقافة. فالأنظمة المطوّرة غالباً ما تُصمّم بلغات أجنبية ولهجات محددة، فهل تستطيع هذه الخوارزميات فهم اللهجات العربية المتنوعة، من الخليج إلى المغرب، والتقاط الإيحاءات الثقافية والنبرة العاطفية التي تشكل جزءاً أساسياً من الحوار الطبي؟ إن عدم دقة الفهم أو سوء تفسير تعبيرات المريض قد يؤدي إلى قرارات طبية غير دقيقة، أو يضعف التواصل الإنساني الذي يفترض أن التقنية جاءت لتعزيزه لا أن تشوّهه.

إن التعامل مع هذه التحديات الأخلاقية ليس ترفاً، بل ضرورة لضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي المحيطي وسيلة تمكين للرعاية الصحية لا مصدراً للالتباس أو فقدان الثقة. فبين الصمت الرقمي وصوت المريض، يجب أن تبقى الأخلاقيات هي الموجّه الأعلى.

المنزل الذكي امتداد هادئ للرعايةلا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي المحيطي على العيادات والمستشفيات، بل بدأ يتسلل بهدوء إلى البيئة المنزلية، ليحوّل البيت إلى مساحة رعاية ذكية تواكب احتياجات كبار السن والمرضى المزمنين على مدار الساعة. ففي العديد من الدول، أصبحت المنازل مزوّدة بأنظمة قادرة على رصد الحركات الدقيقة، والتنبه إلى أي خلل في النمط اليومي، وإرسال إشعارات فورية لمقدمي الرعاية أو فرق الطوارئ عند حدوث أي طارئ مثل السقوط أو فقدان الوعي.تخيل منزلاً يحتضن والدة مسنّة تعيش في الطابق الأرضي، مجهزاً بأجهزة استشعار ذكية مدمجة في الجدران والأرضيات، تراقب خطواتها من دون كاميرات أو تدخل مزعج، وتتعرف على إيقاع مشيها اليومي. وفي إحدى الليالي، ترصد الخوارزمية تغيراً مفاجئاً في خطواتها يتبعه سقوط، فترسل إشعاراً فورياً إلى الأبناء وإلى أقرب وحدة إسعاف. وفي الوقت ذاته، تنشط الإضاءة تلقائياً لتجنّب مزيد من الإصابات، ويُفتح خط تواصل صوتي مباشر مع أحد مقدمي الرعاية. كل ذلك يحدث في ثوانٍ، من دون صراخ ولا فوضى، في مشهد يختصر كيف يمكن للتقنية أن تحيط الإنسان برعاية غير مرئية.

وفي مثال آخر، يمكن لهذه الأنظمة متابعة المؤشرات الحيوية اليومية مثل معدل ضربات القلب، وضغط الدم، والتنفس، ورصد أي تغيرات مقلقة على المدى الطويل، بل والتنبؤ بالحالات الخطرة قبل تفاقمها. بالنسبة للأسر السعودية، هذا يعني إمكانية تقديم رعاية إنسانية حانية داخل المنزل، تتيح للمسنين العيش في بيئتهم المألوفة محاطين بأحبائهم، بدلاً من الانتقال إلى مؤسسات الرعاية التقليدية التي قد تفتقر إلى الدفء العائلي.

بهذه الطريقة، يصبح المنزل الذكي امتداداً طبيعياً للمستشفى، حيث تمتزج الرحمة بالتقنية، وتتحول الجدران الصامتة إلى حارس لطيف يراقب بصمت، ويتدخل بحكمة عند الحاجة.

دعوة إلى ابتكار عربي

لقد آن الأوان لأن يخوض المبتكرون والمشرّعون والأكاديميون العرب غمار هذه التقنية، لا بوصفها أداة مساعدة فحسب، بل باعتبارها فلسفة جديدة للرعاية الصحية تقوم على الإنصات، والفهم، والاحترام العميق للثقافة المحلية. نحن بحاجة إلى أنظمة ذكاء اصطناعي محيطي تُنصت بتعاطف، وتُسجّل بأمانة، وتفهم لهجاتنا، وتقدّر قيمنا الاجتماعية، فتكون امتداداً للإنسان لا بديلاً عنه.

هذه ليست مجرد فرصة تقنية، بل فرصة حضارية لإعادة صياغة ملامح مستقبل الطب من منظور عربي أصيل. فبدلاً من استيراد النماذج الجاهزة، يمكن للعالم العربي أن يقدّم إسهامه الخاص، مستفيداً من تراكم خبراته الطبية والتعليمية ورؤاه المستقبلية، وفي مقدمتها التحول الرقمي الذي تقوده المملكة العربية السعودية ضمن «رؤية 2030»، لبناء منظومات رعاية ذكية تنبض بلغتنا وتفهم ثقافتنا.

وكما قال وليم شكسبير: «استمع أكثر مما تتكلم، فالأذنان لم تُخلقا عبثاً».

وكما عبّر جبران خليل جبران: «قد يكون في صمتنا ما يغنينا عن ألف كلمة، وفي إنصاتنا حياة لروح الآخر».

فلْتكن الثورة القادمة في الطب هادئة الصوت... لكنها عربية اللسان والرؤية، ثورة لا تكتفي بتبني التقنيات، بل تصوغها وفق احتياجاتنا ومبادئنا، لتعيد للطب معناه الإنساني العميق: الإصغاء قبل التشخيص، والحضور قبل التقنية. إنها دعوة للابتكار لا تنتظر، بل تُبادر لتكتب فصلاً عربياً مؤثراً في قصة الطب العالمي القادمة.


مقالات ذات صلة

أسمنت أنظف بتكلفة أقل

علوم الإسمنت يعد المكون الأساسي في الخرسانة (جامعة كاليفورنيا - سانتا باربرا)

أسمنت أنظف بتكلفة أقل

يُعد الأسمنت من أكثر مواد البناء استخداماً في العالم، غير أن هذه المادة تحمل في طيّاتها تبعات بيئية جسيمة كثيراً ما تمر دون أن تحظى بالاهتمام الكافي؛

محمد السيد علي (القاهرة)
تكنولوجيا يهدف نظام «كلايماكول سيستم» لمساعدة اللاعبين على مواجهة الحرارة والرطوبة في مونديال 2026 (أديداس)

«أديداس» تكشف عن تقنية لتبريد ملابس وأحذية اللاعبين في مونديال 2026

تطرح «أديداس» نظام تبريد بثلاث قطع لمساعدة لاعبي مونديال 2026 على مواجهة الحرارة والرطوبة وتحسين تحملهم أثناء المباريات والاستراحات الصعبة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يعتمد الابتكار على مكوّنات صغيرة تغيّر حساسيتها للضوء، بدلاً من الاعتماد على الكاميرات والخوارزميات فق (شاترستوك)

عيون ذكية تمنح السيارات ذاتية القيادة رؤية أقرب إلى الإنسان

يطور باحثون مستشعرات ضوئية تحاكي العين البشرية لمساعدة السيارات والروبوتات على الرؤية بدقة في ظروف الإضاءة الصعبة بشكل أسرع وأكثر

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا «أبل» أطلقت النسخة التجريبية من iOS 27 للمطورين (أبل)

«آي أو إس 27» يرفع أداء «آيفون» ويضيف مزايا ذكاء اصطناعي وتحسينات واسعة للنظام

«أبل» تكشف عن عشرات المزايا التي تمتد إلى الصور والكاميرا والرسائل والخرائط والمحفظة الرقمية، إلى جانب تحسينات كبيرة في سرعة النظام واستجابته.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تضم كرة كأس العالم 2026 شريحة استشعار ذكية ترسل بيانات لحظية إلى نظام حكم الفيديو (أديداس)

من مونديال 2006 إلى 2026... كيف أصبحت الشريحة الذكية جزءاً من كرة كأس العالم؟

تضم كرة كأس العالم 2026 شريحة ذكية ترسل بيانات لحظية لحكم الفيديو لدعم قرارات التسلل واللمسات بدقة أكبر.

نسيم رمضان (لندن)

هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟

1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي
1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي
TT

هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟

1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي
1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي

يتجه الطب العالمي اليوم نحو مرحلة جديدة تُعرف باسم «الطب الدقيق» (Precision Medicine)، حيث لا تستند القرارات الطبية إلى التشخيص وحده، بل إلى الخصائص الجينية لكل مريض. ويعتمد هذا التوجه بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي القادر على تحليل ملايين المتغيرات الوراثية، والتنبؤ بالأمراض، والمساعدة في اختيار العلاجات الأكثر ملاءمة.

لكن مع التوسع السريع في هذه التطبيقات، يبرز سؤال جوهري: هل تعكس قواعد البيانات الجينية العالمية التنوع البشري الحقيقي، أم أن بعض شعوب العالم ما زالت غائبة عن هذه الثورة الطبية؟

نقص التنوع الجيني• «قصة مريض سعودي». وهي قصة تطرح سؤالاً مهماً... لنتخيل حالة قد تحدث في أي عيادة حديثة: رجل سعودي يبلغ من العمر 42 عاماً، يتمتع بصحة جيدة ولا يشكو من أعراض واضحة، خضع لتحليل جيني ضمن برنامج للطب الدقيق.

وبعد تحليل بياناته بواسطة نظام ذكاء اصطناعي يعتمد على ما يُعرف بدرجات الخطر متعددة الجينات (Polygenic Risk Scores)، بدت النتيجة مطمئنة؛ إذ صُنّف ضمن فئة الخطر المنخفض للإصابة بأمراض القلب. لكن طبيبه لاحظ وجود تاريخ عائلي قوي للإصابة المبكرة بأمراض الشرايين التاجية. وعندما أُجريت فحوص إضافية، ظهرت مؤشرات خطورة لم يكشفها التقييم الجيني الأولي.

في هذه الحالة لم يكن الخلل في الخوارزمية نفسها، بل ربما في البيانات التي تعلّمت منها. فإذا كانت معظم قواعد البيانات المستخدمة لتطوير هذه النماذج تستند إلى مجموعات سكانية تختلف وراثياً عن المريض، فقد تتراجع دقة التنبؤات عند تطبيقها على مجتمعات أخرى.

3ا ينجح الدواء مع شخص ويفشل مع آخر

دراسة جديدة تعيد فتح النقاش

وازدادت أهمية هذا الموضوع بعد دراسة دولية نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «Frontiers in Medicine»، قادها الباحث اللبناني الدكتور فؤاد بيطار (Fouad Bitar) بالتعاون مع باحثين من الجامعة الأميركية في بيروت ومؤسسات أكاديمية دولية، من بينها جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins University). وحللت الدراسة الاتجاهات العالمية لأبحاث درجات الخطر متعددة الجينات (Polygenic Risk Scores) المستخدمة في الطب الدقيق. وأظهرت النتائج أن هذا المجال يشهد نمواً متسارعاً حول العالم، لكنه ما زال يعاني من تركز الأبحاث والبيانات في عدد محدود من الدول والمجموعات السكانية.

وحذَّر الباحثون من أن التوسع في استخدام هذه النماذج دون زيادة التنوع الجيني في قواعد البيانات قد يؤدي إلى تفاوت في دقة التنبؤات بين الشعوب المختلفة؛ ما يحد من قدرة الطب الدقيق على تحقيق أهدافه بصورة عادلة وشاملة. وتنسجم هذه النتائج مع تحذيرات متزايدة من علماء الجينوم بأن نجاح الذكاء الاصطناعي الطبي لا يعتمد فقط على قوة الخوارزميات، بل أيضاً على مدى تمثيل البشر الذين تتعلم منهم تلك الخوارزميات.

• من تشخيص المرض إلى اختيار الدواء. لا تقتصر أهمية الجينوم على تقدير أخطار الإصابة بالأمراض، بل تمتد إلى أحد أكثر فروع الطب الدقيق تطوراً، وهو ما يُعرف باسم «الصيدلة الجينية» (Pharmacogenomics). ويدرس هذا التخصص العلاقة بين الجينات واستجابة المرضى للأدوية. فبعض الأشخاص قد يستجيبون بصورة ممتازة لعلاج معين، في حين يحتاج آخرون إلى جرعات مختلفة أو أدوية بديلة بسبب اختلافات جينية تؤثر في طريقة تعامل الجسم مع الدواء. ومع التوسع في استخدام هذه التقنيات، تزداد أهمية جودة البيانات الجينية وتنوعها، خصوصاً عند تطوير علاجات مخصصة لمجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية.

2 الذكاء الاصطناعي وجينات العرب

الذكاء الاصطناعي وجينات العرب

• هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟ في دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة «طب الجينوم» (Genome Medicine)، وهي من أبرز المجلات الدولية المتخصصة في الطب الجيني والطب الدقيق، أظهر الباحثون أن العرب ما زالوا من أقل المجموعات السكانية تمثيلاً في قواعد البيانات الجينومية العالمية. فعلى الرغم من أن العرب يمثلون نحو 6 في المائة من سكان العالم، فإن نسبة تمثيلهم في قواعد البيانات الجينومية العالمية المتاحة للبحث العلمي لا تتجاوز نحو 0.17 في المائة.

وبعبارة أخرى، ما زال مئات الملايين من العرب شبه غائبين عن كثير من قواعد البيانات التي تستند إليها تطبيقات الطب الدقيق والذكاء الاصطناعي الطبي.

ولا يعني ذلك أن هذه النماذج غير صالحة للاستخدام، بل إن الحاجة ما زالت قائمة إلى توسيع تمثيل المجتمعات العربية في الدراسات الجينومية العالمية، بما يضمن أعلى مستويات الدقة والعدالة العلمية

• السعودية وقطر على خريطة الجينوم العالمية. شهد العالم العربي خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في هذا المجال. فقد أسهم مشروع الجينوم السعودي في بناء قاعدة معرفية مهمة حول الأمراض الوراثية والطفرات الجينية المنتشرة في المملكة، كما يدعم مستهدفات «رؤية السعودية 2030» في تطوير الرعاية الصحية والبحث العلمي. ويُعدّ المشروع من أكبر المبادرات الجينومية في المنطقة؛ إذ يستهدف تحليل 100 ألف عينة جينية، في حين تجاوز عدد العينات التي خضعت للتحليل والتسلسل الجيني عشرات الآلاف، وأسهم في اكتشاف آلاف الطفرات الوراثية المرتبطة بالأمراض النادرة والوراثية.وفي الوقت نفسه، نجح مشروع الجينوم القطري في إنشاء واحدة من أهم قواعد البيانات الوراثية في المنطقة. وقد استقطب ما يقارب 50 ألف مشارك، وأسهم في بناء مرجع جيني غير مسبوق للسكان العرب وفهم الخصائص الوراثية الفريدة لسكان الخليج العربي. وتشكل هذه المبادرات نماذج مهمة لما يمكن أن تحققه الاستثمارات طويلة المدى في علوم الجينوم، ليس فقط لفهم الأمراض الوراثية، بل أيضاً لتطوير طب دقيق أكثر عدالة ودقة وملاءمة لاحتياجات المجتمعات العربية.

مشاريع الدول الكبرىفي المملكة المتحدة، أصبح مشروع «البنك الحيوي البريطاني» (UK Biobank) واحداً من أهم المشاريع الجينومية في العالم؛ إذ يضم بيانات صحية ووراثية لما يقارب نصف مليون مشارك.

أما في الولايات المتحدة، فيعمل برنامج «كلّنا» (All of Us) على جمع بيانات مليون مشارك أو أكثر؛ بهدف بناء مستقبل أكثر دقة وشمولاً للطب الشخصي أو الطب الدقيق.

وقد أسهم هذان المشروعان في تسريع الأبحاث المتعلقة بالأمراض المزمنة والعلاجات الموجهة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبي، كما وفّرا قواعد بيانات ضخمة مكّنت الباحثين من تطوير نماذج أكثر دقةً للتنبؤ الجيني وفهم العلاقة بين الجينات والصحة والمرض.

وتُظهر هذه التجارب أن قوة الذكاء الاصطناعي في الطب لا تعتمد على الخوارزميات وحدها، بل أيضاً على حجم البيانات التي تتعلم منها ومدى تنوعها وتمثيلها للسكان. المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في البيانات التي تغذّيه.

3 الجينوم السعودي يرسم مستقبل الطب الدقيق

مشروع «المليون جينوم عربي»

• الجينوم العربي. هل حان الوقت لمشروع «المليون جينوم عربي»؟ في ضوء هذه التطورات، ربما حان الوقت للتفكير في مرحلة جديدة من التعاون العلمي العربي.

فالعالم العربي يضم أكثر من 450 مليون نسمة، ويتميز بتنوع جيني واسع وخصائص وراثية فريدة، إضافة إلى انتشار بعض الأمراض الوراثية والمزمنة التي تتطلب فهماً أعمق للعوامل الجينية المرتبطة بها.

ومن هنا، يمكن أن يشكل مشروع عربي مشترك لجمع مليون جينوم عربي خطوةً استراتيجية نحو تعزيز الطب الدقيق في المنطقة، وتحسين أداء تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبي، ودعم الأبحاث الدوائية والوراثية في العقود المقبلة. فكما استثمرت دول كبرى في بناء قواعدها الجينومية الوطنية، قد يكون بناء قاعدة جينومية عربية واسعة أحد أهم الاستثمارات العلمية والصحية لمستقبل الأجيال المقبلة.

• مستقبل الطب الدقيق في العالم العربي. أصبحت البيانات الجينية اليوم جزءاً أساسياً من البنية التحتية للطب الحديث. وكلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل الجينوم، ازدادت أهمية ضمان تمثيل جميع الشعوب داخل قواعد البيانات التي يستند إليها.

ولذلك؛ لم يعد التحدي تقنياً فحسب، بل أصبح علمياً واستراتيجياً أيضاً. فمستقبل الطب الدقيق في العالم العربي لن يعتمد على عدد الخوارزميات التي نستخدمها، بقدر ما يعتمد على حجم البيانات العربية التي تسهم في تدريبها.

وإذا كانت المملكة العربية السعودية وقطر قد بدأتا بالفعل بناء قواعد معرفية جينومية متقدمة، فإن الخطوة التالية قد تتمثل في الانتقال من المشاريع الوطنية إلى رؤية عربية مشتركة تضمن حضور العرب في الطب الدقيق العالمي بقدر حضورهم في الواقع السكاني. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لا تكتسب الشعوب مكانتها العلمية بعدد مستخدمي التكنولوجيا فقط، بل بمدى حضور بياناتها في المعرفة التي تصنع مستقبل الطب.


خريطة جينية تكشف دوراً خفياً لـ«الهيستامين» في الصحة النفسية

مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر
مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر
TT

خريطة جينية تكشف دوراً خفياً لـ«الهيستامين» في الصحة النفسية

مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر
مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر

لطالما ارتبط «الهيستامين» في أذهان الناس بالحساسية والعطاس، لكن دراسة علمية حديثة كشفت أنه قد يكون أحد المفاتيح المهمة لفهم كيفية عمل الدماغ البشري. فقد تمكن علماء من بناء أول خريطة تربط بين جينات «الهيستامين» ووظائف الدماغ والسلوك الإنساني لتظهر أن هذا الجزيء يشارك في تنظيم المشاعر والذاكرة والاستجابة للتوتر، كما يرتبط بمناطق دماغية تتأثر في عدد من الاضطرابات النفسية الشائعة.

جزيء معروف ودور مجهول. وفي دراسة حديثة نُشرت في مجلة «Nature Mental Health» في 12 مايو (أيار) 2026 نجح باحثون من جامعتي «كينغز كوليدج لندن» البريطانية وبورتو البرتغالية في رسم أول خريطة شاملة لنظام «الهيستامين» في الدماغ البشري في إنجاز يربط بين الجينات ووظائف الدماغ والصحة النفسية ويفتح آفاقاً جديدة لفهم أمراض مثل الاكتئاب والفصام واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

• دور دماغي.رغم أن «الهيستامين» معروف منذ عقود كأحد المواد المسؤولة عن أعراض الحساسية فإنه يعمل أيضاً كناقل عصبي يساعد الخلايا العصبية على التواصل فيما بينها. ومع ذلك ظل دوره الدماغي أقل دراسة مقارنة بناقلات عصبية شهيرة مثل الدوبامين والسيروتونين اللذين يشكلان أساس العديد من العلاجات النفسية الحالية.

ويقول الباحثون بقيادة ستيف ويليامز أستاذ التصوير العصبي في معهد علم الأعصاب وعلم الأعصاب النفسي في جامعة «كينغز كوليدج لندن» والمؤلف الرئيسي للورقة البحثية، إن هذا الإهمال العلمي ترك فجوة مهمة في فهم كيفية عمل الدماغ، خصوصاً وأن «الهيستامين» يتفاعل بشكل وثيق مع أنظمة كيميائية عصبية أخرى تؤثر في المزاج والانتباه والاندفاعية (impulsivity).

• بناء أول خريطة متعددة المستويات .للوصول إلى صورة أكثر وضوحاً جمع العلماء كميات ضخمة من البيانات الجينية والجزيئية ودمجوها مع خرائط تشريحية ووظيفية للدماغ البشري.

واعتمد الفريق على تقنيات تصوير متقدمة، من بينها «التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني» (PET) (positron emission tomography) الذي يسمح بتتبع مستقبلات «الهيستامين» داخل أدمغة أشخاص أحياء إلى جانب قواعد بيانات ضخمة تربط مناطق الدماغ بوظائف معرفية وسلوكية مختلفة.

وأظهرت النتائج أن مستقبلات «الهيستامين» ليست موزعة بشكل عشوائي، بل تتركز في مناطق محددة ترتبط بعمليات دماغية أساسية. كما تبين أن بعض هذه المستقبلات توجد على خلايا عصبية تزيد النشاط العصبي بينما توجد أنواع أخرى على خلايا تقلل هذا النشاط.

ويشير ذلك إلى أن «الهيستامين» قد يؤدي دوراً محورياً في الحفاظ على التوازن الدقيق بين التنشيط والتثبيط داخل الدماغ، وهو توازن ضروري لعمل الشبكات العصبية بصورة سليمة.

من العواطف إلى اتخاذ القرار.عندما قارن الباحثون توزيع الجينات المرتبطة بـ«الهيستامين» بوظائف الدماغ المختلفة ظهرت نتائج لافتة. فقد تبين أن المناطق التي يزداد فيها نشاط هذه الجينات ترتبط بمجموعة واسعة من الوظائف المعرفية والسلوكية تشمل تنظيم المشاعر والاستجابة للتوتر والخوف واتخاذ القرارات وضبط الاندفاع والشعور بالمكافأة، إضافة إلى النوم والذاكرة.

وتشير هذه النتائج إلى أن «الهيستامين» ليس مجرد عنصر ثانوي في كيمياء الدماغ، بل قد يكون جزءاً من شبكة معقدة تتحكم في العديد من الجوانب الأساسية للسلوك الإنساني.

• صلة محتملة بالاضطرابات النفسية.. من أكثر النتائج إثارة للاهتمام أن المناطق الدماغية الغنية بالجينات المرتبطة بـ«الهيستامين» تداخلت بشكل واضح مع مناطق معروفة بتأثرها في عدد من الاضطرابات النفسية والعصبية.

وشملت هذه الاضطرابات اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) والاكتئاب الشديد والفصام وفقدان الشهية العصبي.

ورغم أن الدراسة لا تثبت أن «الهيستامين» يسبب هذه الأمراض بشكل مباشر، فإنها تعزز فرضيات علمية سابقة تشير إلى أن اضطراب إشارات «الهيستامين» قد يساهم في زيادة قابلية بعض مناطق الدماغ للتأثر بهذه الحالات.

ويؤكد الباحثون أن النتائج تنسجم مع الاتجاه الحديث في الطب النفسي الذي ينظر إلى الاضطرابات النفسية على أنها ناتجة عن خلل في شبكات دماغية متعددة ومتداخلة وليس نتيجة اختلال مادة كيميائية واحدة فقط.

• علاجات جديدة. هل يقود «الهيستامين» إلى علاجات جديدة؟ تعتمد معظم الأدوية النفسية الحالية على التأثير في أنظمة السيروتونين أو الدوبامين. لكن الخريطة الجديدة تشير إلى أن نظام «الهيستامين» قد يشكل هدفاً علاجياً واعداً خصوصاً للأعراض التي يصعب علاجها حالياً مثل ضعف التركيز والتعب المزمن وانخفاض الاندفاعية وبعض المشكلات الإدراكية.

ويرى العلماء أن فهم كيفية تفاعل «الهيستامين» مع بقية النواقل العصبية قد يساعد مستقبلاً على تطوير أدوية أكثر دقة تستهدف دوائر دماغية محددة بدلاً من التأثير الواسع على الدماغ بأكمله.

ويشدد الباحثون على أن هذه النتائج تمثل نقطة انطلاق أكثر من كونها إجابات نهائية. فالخريطة الجديدة تكشف أن «الهيستامين» حاضر في قلب العديد من الوظائف الدماغية المهمة لكنها لا تزال بحاجة إلى دراسات إضافية لفهم الآليات الدقيقة التي يعمل من خلالها.

• مشاريع بحثية . تجري بالفعل مشاريع بحثية لمتابعة نشاط «الهيستامين» لدى المرضى المصابين بأمراض عصبية مختلفة مثل مرض «هنتنغتون» (Huntington›s disease) لمعرفة كيف تتغير إشاراته مع تطور المرض، وكيف ترتبط بأعراض مثل الاكتئاب واللامبالاة والقلق.

و«مرض هنتنغتون» هو حالة وراثية تؤثر على الحركة والتفكير والمزاج، حيث يتفاقم المرض مع مرور الوقت، ولا يوجد علاج شافٍ له حالياً، ولكن توجد علاجات تساعد في تخفيف الأعراض.

ومع ازدياد الاهتمام العلمي بهذا النظام الكيميائي المهمل نسبياً يبدو أن «الهيستامين» قد ينتقل من كونه مجرد جزيء مرتبط بالحساسية إلى مفتاح جديد لفهم الدماغ البشري وعلاج بعض أكثر الاضطرابات النفسية تعقيداً في المستقبل.


أسمنت أنظف بتكلفة أقل

الإسمنت يعد المكون الأساسي في الخرسانة (جامعة كاليفورنيا - سانتا باربرا)
الإسمنت يعد المكون الأساسي في الخرسانة (جامعة كاليفورنيا - سانتا باربرا)
TT

أسمنت أنظف بتكلفة أقل

الإسمنت يعد المكون الأساسي في الخرسانة (جامعة كاليفورنيا - سانتا باربرا)
الإسمنت يعد المكون الأساسي في الخرسانة (جامعة كاليفورنيا - سانتا باربرا)

يُعد الأسمنت من أكثر مواد البناء استخداماً في العالم، غير أن هذه المادة تحمل في طيّاتها تبعات بيئية جسيمة كثيراً ما تمر دون أن تحظى بالاهتمام الكافي؛ إذ تتسبب صناعة الأسمنت وحدها في نحو 4.4 في المائة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة على مستوى العالم، وهي نسبة تضاهي ما تُصدره جميع سيارات الركاب مجتمعة.

وفي ظل التسارع المتنامي نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية، باتت الحاجة ماسّة إلى إعادة النظر في الأساليب التقليدية لإنتاج الأسمنت؛ فالطريقة المعتمدة حالياً تعتمد على تسخين الحجر الجيري عند درجات حرارة تتجاوز 1500 درجة مئوية، ما يؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، سواء من عملية التسخين أو من تحلل الحجر الجيري نفسه.

في هذا السياق، تأتي دراسة لباحثين من جامعة كاليفورنيا - سانتا باربرا، لتطرح مساراً واعداً نحو أسمنت أنظف وأقل تكلفة، يقوم على استبدال الحجر الجيري بصخور غنية بالكالسيوم مثل البازلت، وهو ما قد يؤدي إلى خفض كبير في استهلاك الطاقة وتقليل الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالإنتاج. ووفقاً للدراسة، فإن استخدام صخور السيليكات الغنية بالكالسيوم مثل البازلت، التي لا تحتوي على كربون، يمكن أن يقلل الانبعاثات الناتجة عن العملية بشكل كبير. ونُشرت النتائج بعدد 18 مايو (أيار) 2026 بدورية «Communications Sustainability».

نتائج واعدة

ووفقاً للباحثين، فإن هذا التحول قد يخفض استهلاك الطاقة في الإنتاج إلى أقل من 60 في المائة مقارنة بالطريقة التقليدية، مع تقليل الانبعاثات بنسبة تتجاوز 80 في المائة في بعض السيناريوهات.

وأظهرت الحسابات النظرية أن الانبعاثات الناتجة عن إنتاج طن واحد من الأسمنت باستخدام الحجر الجيري تبلغ نحو 609 كيلوغرامات من ثاني أكسيد الكربون، بينما يمكن أن تنخفض إلى نحو 50 كيلوغراماً فقط عند استخدام صخور السيليكات، وذلك حسب نوع الصخر ومصدر الطاقة المستخدم. كما أشار الباحثون إلى أن تشغيل العملية باستخدام الكهرباء من الشبكة الحالية قد يحقق خفضاً في الانبعاثات بنسبة تتجاوز 25 في المائة حتى دون إدخال تحسينات إضافية.

وتوضح الدراسة أن صخور البازلت متوفرة بكميات ضخمة تكفي لتلبية الطلب العالمي على الأسمنت لعدة مئات الآلاف من السنين، ما يجعلها مصدراً شبه غير محدود للمواد الخام.

ولم تتوقف الفوائد عند هذا الحد، إذ تحتوي هذه الصخور على عناصر أخرى مثل الحديد والألمنيوم، ما يفتح الباب أمام إنتاج مشترك للأسمنت والصلب والألمنيوم من المادة الخام نفسها، وبالتالي تقليل الهدر وتحسين كفاءة الموارد.

الإسمنت من أكثر مواد البناء استخداما في العالم (جامعة كاليفورنيا - سانتا باربرا)

تحديات التطبيق

ورغم هذه المزايا، يقرّ الباحثون بأن التحول إلى هذه التقنية لن يكون سهلاً، نظراً لهيمنة الطريقة التقليدية التي تعتمد على الحجر الجيري منذ أكثر من قرن، إضافة إلى انخفاض تكلفة الأسمنت حالياً وتعقيد سلاسل التوريد في قطاع البناء. كما أن أي تغيير في معايير إنتاج الأسمنت قد يواجه مقاومة من القطاع الصناعي الذي يعتمد على مواصفات مستقرة ومعتمدة عالمياً.

ويصف الدكتور حسام بخيت، رئيس المجلس الاستشاري العربي للتعدين، هذه الفكرة بأنها «عبقرية» من الناحية البيئية والمواد الخام، مشيراً إلى أن خفض درجة الحرارة المطلوبة لإنتاج الأسمنت قد يوفر ملايين الدولارات من تكاليف الوقود والمحارق.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن البازلت يُعد من أكثر الصخور انتشاراً على سطح الأرض، إذ يشكل جزءاً كبيراً من قاع المحيطات ومساحات واسعة من اليابسة، ما يعني توفره بكميات ضخمة وعدم وجود مشكلة ندرة في مواده الخام.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، أوضح أن نقل الفكرة من المختبر إلى التطبيق الصناعي سيواجه تحديات، أبرزها الحاجة إلى تغيير البنية التحتية لمصانع الأسمنت الحالية المصممة للتعامل مع الحجر الجيري، وهو ما قد يتطلب تعديلات جذرية أو إنشاء مصانع جديدة بتكلفة مرتفعة. كما أشار إلى أن صلابة البازلت العالية تجعل عملية طحنه وسحقه أكثر استهلاكاً للطاقة مقارنة بالحجر الجيري، ما قد يقلل من جزء من وفورات الطاقة المتوقعة في عملية التصنيع.

وتطرق أيضاً إلى العقبات التنظيمية القانونية، إذ إن اعتماد مواد بناء جديدة يتطلب سنوات من الاختبارات والتجارب لإدراجها ضمن «الرموز الكمبيوترية» لقطاع البناء والتأكد من مطابقتها لمعايير المتانة والسلامة.

وأضاف بخيت أن سلاسل الإمداد تمثل تحدياً إضافياً، إذ إن مصانع الأسمنت غالباً ما تُبنى قرب محاجر الحجر الجيري، بينما قد يستلزم استخدام البازلت نقل المواد لمسافات أطول أو إعادة توزيع مواقع المصانع، ما قد يزيد التكاليف والانبعاثات.

واعتبر أن الفكرة تمثل اتجاهاً واعداً لمستقبل صناعة البناء وخفض الانبعاثات، مشيراً إلى أن بعض الشركات نجحت بالفعل في تطوير بدائل مطابقة للمواصفات، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في التمويل والسوق، ما قد يتطلب دعماً حكومياً أو فرض سياسات مثل ضريبة الكربون لجعل البدائل أكثر تنافسية.