كيف يعيد «الذكاء الاصطناعي المحيطي» تعريف اللمسة الإنسانية في الرعاية الصحية؟

خوارزميات صامتة... بتأثيرات صاخبة

كيف يعيد «الذكاء الاصطناعي المحيطي» تعريف اللمسة الإنسانية في الرعاية الصحية؟
TT

كيف يعيد «الذكاء الاصطناعي المحيطي» تعريف اللمسة الإنسانية في الرعاية الصحية؟

كيف يعيد «الذكاء الاصطناعي المحيطي» تعريف اللمسة الإنسانية في الرعاية الصحية؟

في الوقت الذي تتسابق فيه العناوين العالمية لتمجيد الروبوتات الجراحية، وخوارزميات التشخيص، وتقنيات التنبؤ بالأمراض، تنمو بهدوء في الخلفية ثورةٌ من نوع مختلف؛ ثورة لا تعتمد على الأضواء الساطعة ولا على شاشات ضخمة، بل على ذكاء يعمل في صمت... لكنه يُحدث أثراً عميقاً في صميم العلاقة بين الطبيب والمريض. إنها ثورة «الذكاء الاصطناعي المحيطي».

الذكاء الاصطناعي المحيطيمفهوم «الذكاء الاصطناعي المحيطي» لا يتحدث عن أجهزة مبهرة أو أدوات مستقبلية لامعة، بل عن أنظمة ذكية خفية تنصت للحوار الدائر في العيادة أو غرفة المستشفى، وتحوّله في اللحظة نفسها إلى نص طبي منسّق، وتستخلص منه البيانات المهمة، وتقوم بتحديث السجل الطبي الإلكتروني بدقة، من دون أن يشعر المريض بأي تدخل، ومن دون أن يُضطر الطبيب إلى الانشغال بلوحة مفاتيح أو شاشة.

تخيّل أن الطبيب يستطيع التركيز الكامل في عيني مريضه، يطرح الأسئلة ويصغي إلى الإجابات، بينما تقوم خوارزميات غير مرئية بتوثيق كل شيء، وتحليل السياق، وترتيب المعلومات في الخلفية بدقة لا تعرف التعب. إن ما كان يستنزف وقت الطبيب وجهده الإداري، بات يُدار تلقائياً، لتعود اللمسة الإنسانية إلى قلب الممارسة الطبية من جديد.

هذه التقنية الناشئة ليست خيالاً مستقبلياً، بل بدأت تدخل بالفعل إلى عيادات ومؤسسات طبية عالمية. وقد وصفها بعض الخبراء بأنها «الذكاء الاصطناعي الذي لا تراه، لكنه يغيّر كل شيء»، لأنها لا تفرض نفسها على الطبيب أو المريض، بل تندمج في البيئة المحيطة بهدوء، فتجعل من التكنولوجيا شريكاً صامتاً يعزز التواصل بدلاً من أن يقطعه.

إنها ثورة لا تُقاس بضجيج الأجهزة، بل بمدى قدرتها على إعادة الإنسان إلى مركز المشهد الطبي. وفي عالم يزداد فيه الاعتماد على الآلة، يبرز الذكاء الاصطناعي المحيطي كجسر ناعم بين التقنية والإنسان، بين الصمت الرقمي واللمسة البشرية.

الذكاء المحيطي يقلل الإرهاق ويعزز الرعاية

في الثاني من مايو (أيار) عام 2025، نشرت مجلة «الشبكة الأميركية للطب المفتوح» (JAMA Network Open) دراسة محورية قادتها الدكتورة شيريل ستولتس من معهد «ساتر هيلث» في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة، ركزت على قياس الأثر العملي لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المحيطي في العيادات الطبية اليومية. وقد كشفت النتائج عن تحول ملموس في طريقة عمل الأطباء وجودة تفاعلهم مع المرضى.

أبرز ما أظهرته الدراسة أن الذكاء المحيطي ساعد على توفير الوقت وتحسين الكفاءة، إذ انخفض متوسط زمن كتابة الملحوظات الطبية بعد كل زيارة من 6 دقائق وثلث تقريباً إلى خمس دقائق وثُلث، وهو فارق يبدو بسيطاً لكنه ينعكس بشكل كبير عند تراكمه يومياً في المستشفيات والعيادات، مما يتيح للأطباء وقتاً إضافياً للتواصل والرعاية المباشرة.

كما ساهمت التقنية في تخفيف العبء الذهني والنفسي عن الأطباء. فبدلاً من انشغال الطبيب بتدوين الملحوظات أثناء المقابلة، أصبح بإمكانه التركيز الكامل على المريض دون تشتت، الأمر الذي رفع مستوى الراحة الذهنية والقدرة على اتخاذ قرارات طبية أدق.

أما على مستوى العلاقة مع المرضى، فقد رصدت الدراسة تحسناً واضحاً في جودة التواصل الإنساني، إذ لاحظ المرضى أن أطباءهم أصبحوا أكثر حضوراً وتعاطفاً، وأن اللقاء الطبي بات أقرب إلى حوار إنساني مباشر منه إلى جلسة يغلب عليها الانشغال بالتوثيق الإلكتروني.

الدكتورة فينا جونز، الرئيسة التنفيذية للمعلومات الطبية في «ساتر هيلث»، لخّصت ذلك بقولها إن الذكاء المحيطي لا يسعى إلى استبدال الطبيب، بل إلى منحه المساحة الزمنية والتركيز ليكون بكليّته مع مريضه، بينما تتولى الخوارزميات الصامتة الأعمال الروتينية في الخلفية. إنها، على حد وصفها، خطوة حقيقية نحو رعاية صحية أكثر إنسانية، تدعمها تقنيات غير مرئية.

من الحوار إلى العلاجتخيّل طبيباً سعودياً في عيادته الحديثة بالرياض، يجلس أمام مريضه وجهاً لوجه، بلا لوحة مفاتيح تفصله عنه، ولا أوراق تشتّت انتباهه. لا أصوات نقر على الحاسوب ولا التفاتة إلى شاشة. المشهد يبدو بسيطاً، لكنه يحمل في طياته تحولاً عميقاً في ممارسة الطب. فالذكاء الاصطناعي المحيطي يعمل في الخلفية بصمت، يستمع بدقة إلى الحوار الدائر، ويفرغه لحظياً إلى نص طبي منسّق، ويستخلص منه العبارات المفتاحية، ويحوّلها إلى تشخيص مبدئي وخطة علاجية، ثم يحدّث السجل الصحي الإلكتروني بدقة تفصيلية، دون أن يقطع الطبيب لحظة تواصله مع مريضه.

في هذه اللحظة، يعود الطب إلى جوهره الأول: الإنصات إلى الإنسان قبل اتخاذ القرار العلاجي. يصبح الطبيب منصتاً بحق، ينظر إلى المريض، يتأمل ملامحه، يقرأ نبرة صوته، ويطرح الأسئلة بناءً على ما يسمعه ويفهمه، لا بناءً على ما يُمليه عليه نظام إلكتروني معقد. وفي المقابل، يشعر المريض أن الطبيب حاضر معه بكامل تركيزه، يصغي إليه كما لو كان الوحيد في العيادة.

هذا السيناريو ليس خيالاً مستقبلياً، بل صورة واقعية لمستقبل قريب بدأت ملامحه تتشكل بالفعل في مؤسسات طبية عالمية، ويمكن أن تتحقق في المنطقة العربية في ظل التحول الرقمي السريع الذي تشهده المملكة العربية السعودية ضمن «رؤية 2030». إنها عودة الطب إلى أصالته، ولكن هذه المرة بمساعدة خوارزميات ذكية تعمل في صمت، لتمنح الطبيب ما فقده في خضم الرقمنة: الوقت، التركيز، والاتصال الإنساني الحقيقي.

تحديات أخلاقية مع كل ابتكار كبير، تبرز مسؤوليات أكبر. فبينما يعمل الذكاء الاصطناعي المحيطي في صمت خلف الكواليس، فإن هذا الصمت لا يعفيه من أسئلة أخلاقية عميقة تمس جوهر العلاقة بين الطبيب والمريض، والثقة التي تُبنى عليها الممارسة الطبية. إنها ليست مجرد قضايا تقنية، بل قضايا إنسانية وثقافية تتطلب وعياً وتنظيماً دقيقاً.

> الموافقة الواعية: أول هذه التحديات هو الموافقة الواعية. فحين يجلس المريض أمام طبيبه، قد لا يدرك أن كل كلمة تُقال في الغرفة يجري تسجيلها وتحليلها في الوقت الحقيقي. هل تكفي لوحة صغيرة على الجدار لإعلامه؟ أم يجب تطوير آليات واضحة وشفافة تضمن أن المريض يعلم تماماً ما يحدث، ويوافق على ذلك بحرية دون ضغط أو التباس؟ إن مفهوم «الموافقة» في هذا السياق لا يمكن أن يكون شكلياً، بل يجب أن يكون قائماً على فهم حقيقي لطبيعة التقنية وحدودها.

> مسألة الخصوصية: وهي أكثر حساسية في البيئات العربية التي تتميز غالباً بحضور أفراد الأسرة في الجلسات الطبية، سواء بدافع الدعم أو المشاركة في اتخاذ القرار. كيف يمكن حماية الحوار الطبي من التسرب أو إساءة الاستخدام في مثل هذه الأجواء؟ وما هي الضمانات التي تضمن أن التسجيلات والبيانات الحساسة لن تُستخدم خارج إطار الرعاية الصحية؟ هذه الأسئلة تزداد أهمية في ظل التحول الرقمي السريع، حيث تصبح البيانات الطبية هدفاً ثميناً لا يمكن التفريط فيه.

• اللغة والثقافة؛ أما التحدي الثالث فيتعلق باللغة والثقافة. فالأنظمة المطوّرة غالباً ما تُصمّم بلغات أجنبية ولهجات محددة، فهل تستطيع هذه الخوارزميات فهم اللهجات العربية المتنوعة، من الخليج إلى المغرب، والتقاط الإيحاءات الثقافية والنبرة العاطفية التي تشكل جزءاً أساسياً من الحوار الطبي؟ إن عدم دقة الفهم أو سوء تفسير تعبيرات المريض قد يؤدي إلى قرارات طبية غير دقيقة، أو يضعف التواصل الإنساني الذي يفترض أن التقنية جاءت لتعزيزه لا أن تشوّهه.

إن التعامل مع هذه التحديات الأخلاقية ليس ترفاً، بل ضرورة لضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي المحيطي وسيلة تمكين للرعاية الصحية لا مصدراً للالتباس أو فقدان الثقة. فبين الصمت الرقمي وصوت المريض، يجب أن تبقى الأخلاقيات هي الموجّه الأعلى.

المنزل الذكي امتداد هادئ للرعايةلا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي المحيطي على العيادات والمستشفيات، بل بدأ يتسلل بهدوء إلى البيئة المنزلية، ليحوّل البيت إلى مساحة رعاية ذكية تواكب احتياجات كبار السن والمرضى المزمنين على مدار الساعة. ففي العديد من الدول، أصبحت المنازل مزوّدة بأنظمة قادرة على رصد الحركات الدقيقة، والتنبه إلى أي خلل في النمط اليومي، وإرسال إشعارات فورية لمقدمي الرعاية أو فرق الطوارئ عند حدوث أي طارئ مثل السقوط أو فقدان الوعي.تخيل منزلاً يحتضن والدة مسنّة تعيش في الطابق الأرضي، مجهزاً بأجهزة استشعار ذكية مدمجة في الجدران والأرضيات، تراقب خطواتها من دون كاميرات أو تدخل مزعج، وتتعرف على إيقاع مشيها اليومي. وفي إحدى الليالي، ترصد الخوارزمية تغيراً مفاجئاً في خطواتها يتبعه سقوط، فترسل إشعاراً فورياً إلى الأبناء وإلى أقرب وحدة إسعاف. وفي الوقت ذاته، تنشط الإضاءة تلقائياً لتجنّب مزيد من الإصابات، ويُفتح خط تواصل صوتي مباشر مع أحد مقدمي الرعاية. كل ذلك يحدث في ثوانٍ، من دون صراخ ولا فوضى، في مشهد يختصر كيف يمكن للتقنية أن تحيط الإنسان برعاية غير مرئية.

وفي مثال آخر، يمكن لهذه الأنظمة متابعة المؤشرات الحيوية اليومية مثل معدل ضربات القلب، وضغط الدم، والتنفس، ورصد أي تغيرات مقلقة على المدى الطويل، بل والتنبؤ بالحالات الخطرة قبل تفاقمها. بالنسبة للأسر السعودية، هذا يعني إمكانية تقديم رعاية إنسانية حانية داخل المنزل، تتيح للمسنين العيش في بيئتهم المألوفة محاطين بأحبائهم، بدلاً من الانتقال إلى مؤسسات الرعاية التقليدية التي قد تفتقر إلى الدفء العائلي.

بهذه الطريقة، يصبح المنزل الذكي امتداداً طبيعياً للمستشفى، حيث تمتزج الرحمة بالتقنية، وتتحول الجدران الصامتة إلى حارس لطيف يراقب بصمت، ويتدخل بحكمة عند الحاجة.

دعوة إلى ابتكار عربي

لقد آن الأوان لأن يخوض المبتكرون والمشرّعون والأكاديميون العرب غمار هذه التقنية، لا بوصفها أداة مساعدة فحسب، بل باعتبارها فلسفة جديدة للرعاية الصحية تقوم على الإنصات، والفهم، والاحترام العميق للثقافة المحلية. نحن بحاجة إلى أنظمة ذكاء اصطناعي محيطي تُنصت بتعاطف، وتُسجّل بأمانة، وتفهم لهجاتنا، وتقدّر قيمنا الاجتماعية، فتكون امتداداً للإنسان لا بديلاً عنه.

هذه ليست مجرد فرصة تقنية، بل فرصة حضارية لإعادة صياغة ملامح مستقبل الطب من منظور عربي أصيل. فبدلاً من استيراد النماذج الجاهزة، يمكن للعالم العربي أن يقدّم إسهامه الخاص، مستفيداً من تراكم خبراته الطبية والتعليمية ورؤاه المستقبلية، وفي مقدمتها التحول الرقمي الذي تقوده المملكة العربية السعودية ضمن «رؤية 2030»، لبناء منظومات رعاية ذكية تنبض بلغتنا وتفهم ثقافتنا.

وكما قال وليم شكسبير: «استمع أكثر مما تتكلم، فالأذنان لم تُخلقا عبثاً».

وكما عبّر جبران خليل جبران: «قد يكون في صمتنا ما يغنينا عن ألف كلمة، وفي إنصاتنا حياة لروح الآخر».

فلْتكن الثورة القادمة في الطب هادئة الصوت... لكنها عربية اللسان والرؤية، ثورة لا تكتفي بتبني التقنيات، بل تصوغها وفق احتياجاتنا ومبادئنا، لتعيد للطب معناه الإنساني العميق: الإصغاء قبل التشخيص، والحضور قبل التقنية. إنها دعوة للابتكار لا تنتظر، بل تُبادر لتكتب فصلاً عربياً مؤثراً في قصة الطب العالمي القادمة.


مقالات ذات صلة

طاقة نظيفة من النفايات

علوم المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)

طاقة نظيفة من النفايات

ينتج العالم نحو 400 مليون طن من نفايات البلاستيك سنوياً، كما تتكدس ملايين البطاريات المستهلكة، ورغم ذلك فإن نسبة إعادة تدوير تلك النفايات لا تتجاوز 18 في المائة

محمد السيد علي (القاهرة)
الاقتصاد «رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزز قدرتها على المنافسة.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات الجغرافيا السياسية، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

خاص «غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟
TT

هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟

في تطور علمي لافت، لم يعد طول الإنسان مجرد سمة شكلية، بل تحوَّل مؤشراً حيوياً قد ينبئ بمخاطر صحية متعددة. فقد كشفت دراستان حديثتان، ركزت إحداهما على سكان شرق آسيا وشملت الأخرى مجموعات سكانية متنوعة حول العالم، عن أدلة جديدة بشأن العلاقة المعقدة بين طول القامة والإصابة بأمراض خطيرة.

مرضان.. لطوال القامة

وقد حللت الدراسة الأولى، التي نشرتها مجلة «بلوس جينيتكس (PLOS Genetics)» في 13 مارس (آذار) 2026، بيانات أكثر من 120 ألف شخص من أصول تايوانية. وخلص الباحثون إلى أن الأشخاص الأطول قامة قد يكونون أكبر عرضة للإصابة بحالتين صحيتين رئيسيتين؛ هما: «اضطراب نظم القلب» المعروف بـ«الرجفان الأذيني»، ومرض «بطانة الرحم المهاجرة» لدى النساء.

في المقابل، أظهرت النتائج أن قصر القامة قد يرتبط بانخفاض خطر الإصابة ببعض هذه الحالات؛ مما يشير إلى أن الطول، الذي يحدَّد بمزيج من العوامل الجينية والبيئية، قد يلعب دوراً محورياً في رسم خريطة المخاطر الصحية لكل فرد.

وتمكن الباحثون بقيادة يينغ جو لين، وزميله تينغ يوان ليو، من «المركز الوراثي» بقسم البحوث الطبية في «مستشفى جامعة الصين الطبية» في تايوان، من تحديد نحو 300 متغير جيني مرتبط بالطول، إلى جانب عدد قليل من المتغيرات المرتبطة بما يُعرف بـ«قصر القامة الوراثي». وعند تحليل هذه البيانات مع قواعد بيانات جينية أخرى في شرق آسيا، ظهرت صورة أوضح، هي أن الجينات التي تؤثر على الطول قد تؤثر أيضاً على وظائف الجسم، مثل حجم الرئتين، وصحة القلب، وحتى توقيت بدء الدورة الشهرية لدى النساء.

ويرى العلماء أن هذه النتائج قد تساعد مستقبلاً في استخدام الطول مؤشراً مبكراً على بعض الأمراض، خصوصاً في المجتمعات الآسيوية التي لم تُدرس بشكل كافٍ في السابق.

الطول «متعدد التأثيرات»

وفي دراسة أخرى، نُشرت بمجلة «إن بي جيه جينوميك ميديسن (npj Genomic Medicine)» بتاريخ 27 فبراير (شباط) 2025، حلل فريق دولي بيانات جينية وصحية لنحو 840 ألف شخص من خلفيات عرقية مختلفة. وكانت النتائج أشمل؛ حيث رُصدت 254 علاقة بين الطول والأمراض.

وأظهرت الدراسة أن الطول قد يكون «سلاحاً ذا حدين»، فقد ارتبط الطول بزيادة خطر الإصابة بـ164 حالة صحية، منها «الرجفان الأذيني» وبعض اضطرابات الجهازَين العصبي والهرموني. في المقابل، ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بـ90 حالة أخرى، مثل ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون.

وقالت إيريني مارولي، الباحثة الرئيسية في الدراسة من «معهد ويليام هارفي للأبحاث» بكلية الطب وطب الأسنان في جامعة «كوين ماري» البريطانية في لندن، إن هذه النتائج تؤكد أن الطول صفة «متعددة التأثيرات»، أي إنه يرتبط بأنظمة عدة بالجسم في الوقت نفسه.

ومن المثير للاهتمام أن تأثير الطول لم يكن متساوياً بين جميع الفئات. فقد أظهرت الدراسة أن بعض العلاقات بين الطول والأمراض تختلف من الرجال إلى النساء، ومن مجموعات عرقية إلى أخرى.

على سبيل المثال، ارتبط الطول لدى الرجال بانخفاض خطر بعض الاضطرابات النفسية، بينما لم يظهر هذا التأثير لدى النساء. كما رُصدت روابط بين الطول وبعض اضطرابات النمو العصبي، مثل فرط الحركة والتوحد، لكنها لم تكن واضحة عند تحليل النساء بشكل منفصل.

الطول وخطر الأمراض

لماذا يرتبط الطول بخطر الإصابة بالأمراض؟يفسر العلماء هذه الظاهرة بأن الجينات المسؤولة عن تحديد طول القامة لا تعمل في عزلة، بل تؤثر أيضاً على عمليات حيوية أخرى داخل الجسم، مثل نمو العظام، ووظائف الغدة الدرقية، وصحة الجهاز العصبي. إضافة إلى ذلك، فقد يعاني الأشخاص الأطول قامة من اختلافات فسيولوجية ملحوظة، أبرزها بطء توصيل الإشارات العصبية، مما قد يرفع لديهم احتمالية الإصابة ببعض الحالات، مثل اعتلال الأعصاب الطرفية.

وتكشف هاتان الدراستان عن أهمية توظيف المعلومات الجينية في تحسين الرعاية الصحية. فمع التقدم المتسارع في تحليل البيانات الجينية، قد يصبح من الممكن مستقبلاً توقع المخاطر الصحية بناءً على صفات بسيطة وواضحة مثل طول القامة. غير أن الباحثين يوجهون تحذيراً مهماً، هو أن هذه النتائج لا تعني أن الطول يسبب الأمراض بشكل مباشر، بل هو مجرد جزء من شبكة معقدة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والبيئية.

الطول-مؤشر صحي مهم

وتؤكد الدراستان أيضاً على ضرورة إشراك مجموعات سكانية متنوعة في الأبحاث الجينية؛ ذلك أن معظم الدراسات السابقة ركزت على أصول أوروبية فقط، مما قد يَحدّ من دقة النتائج عند تعميمها على شعوب أخرى. ومع توفر بيانات أوسع تنوعاً، يصبح العلماء قادرين على فهم أعمق للعلاقة بين الجينات والصحة، وتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية أعلى فاعلية وملاءَمةً لكل مجموعة سكانية.

في النهاية، يبدو أن طول القامة ليس مجرد رقم يُقاس بالسنتيمترات؛ بل قد يكون حاملاً مؤشرات مهمة عن صحة الإنسان. وبينما لا يمكننا تغيير جيناتنا، فإن فهمها قد يساعدنا في اتخاذ قرارات صحية أفضل، بدءاً من الفحوصات المبكرة، ووصولاً إلى تعديل نمط الحياة. نحن نعيش في عصر يتجه بخطى ثابتة نحو طب شخصي مُصمم خصيصاً لكل فرد، وقد يكون الطول أحد مفاتيح هذا التصميم.


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل

في الطب التقليدي، كان التشخيص يبدأ من الشكوى، من عرض يشعر به المريض ويدفعه إلى طلب المساعدة. وكان الطبيب، في هذا السياق، يُصغي أولاً قبل أن يرى، ويبحث عمّا يمكن ملاحظته أو قياسه ضمن ما يُقال أو يظهر. غير أن هذا النموذج بدأ يتغير تدريجياً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئة التشخيص، حيث لم يعد الاعتماد مقتصراً على ما يُقال، بل امتد إلى ما يمكن تحليله من أنماط خفية لا تُدرك بسهولة.

الخطوات تتحول إلى بيانات

المشي مرآة صامتة للصحة

• إشارات الجسد المبكرة. وهنا يبرز سؤال مختلف: ماذا لو كان الجسد يرسل إشارات مبكرة لا يشعر بها صاحبه؟ وماذا لو أصبحت هذه الإشارات قابلة للقراءة قبل أن تتحول إلى أعراض واضحة؟ في هذا السياق، لا يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تشخيص تقليدية، بل بوصفه وسيلة لإعادة قراءة الجسد نفسه، بوصف الجسد نظاماً مليئاً بالإشارات الدقيقة... لغة صامتة لم نكن نملك أدوات فهمها من قبل.

طريقة المشي ليست مجرد حركة تنقل الإنسان من مكان إلى آخر، بل هي انعكاس معقد لتفاعل مستمر بين الدماغ والجهاز العصبي والعضلات ونظام التوازن. فالإيقاع، وطول الخطوة، ودرجة التناسق بين الجانبين، جميعها تحمل إشارات دقيقة يمكن أن تعكس الحالة الصحية للفرد.

وقد بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل هذه الأنماط بمنهجية مختلفة، تعتمد على القياس المستمر واستخراج الأنماط من بيانات يصعب على العين البشرية تتبعها. وهنا لا تكمن القوة في «رؤية» أكثر، بل في القدرة على رصد فروق دقيقة تتكرر بصمت، وقد تحمل دلالات لا تظهر عند النظر إلى كل خطوة بشكل منفصل.

• نمط المشي لرصد التغيرات الصحية. تشير أبحاث حديثة إلى أن تحليل نمط المشي لم يعد مجرد أداة لمراقبة الحركة، بل أصبح وسيلة لرصد تغيرات صحية قد تسبق ظهور الأعراض. وتشمل هذه التغيرات أمراضاً عصبية مثل باركنسون، والتدهور الإدراكي المبكر، إضافة إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق.

وفي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي - نيتشر بارتنر جورنال» (npj Digital Medicine)، طوّر فريق بحثي دولي نظاماً يعتمد على تحليل مقاطع فيديو بسيطة لخطوات المرضى باستخدام الجوال، وتمكّن من تقييم اضطرابات المشي بدقة تقارب أداء الأطباء المختصين، بل ورصد تغيرات دقيقة في استجابة المرضى للعلاج. وهنا لا تقتصر أهمية هذه النتائج على دقتها، بل فيما تعكسه من تحول في فهم العلاقة بين الحركة والمرض، إذ لم تعد الأعراض نقطة البداية، بل أصبحت الحركة نفسها حاملاً لإشارات مبكرة.

الحركة تتحول إلى تشخيص

مراقبة صحية متواصلة

• من الفحص إلى المراقبة المستمرة. في النموذج التقليدي، كان التشخيص يرتبط بلحظة محددة داخل العيادة. أما اليوم، ومع تطور التقنيات الرقمية، بدأ يأخذ شكلاً مختلفاً لا يرتبط بموعد، بل بعملية مستمرة تعمل في الخلفية.

فلم تعد البيانات الطبية مقتصرة على ما يُجمع خلال الزيارة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحول خطوات الإنسان إلى مصدر غني للمعلومات الصحية. وهنا لا يقتصر التغيير على الأدوات، بل يشمل مفهوم الرعاية الصحية نفسه، التي بدأت تنتقل من الاستجابة للمرض إلى التنبؤ به قبل ظهوره.

• السعودية: الخطوات بيانات وقائية. في المملكة، يتسارع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن تحول صحي شامل تقوده «رؤية 2030»، حيث تسعى مؤسسات متقدمة مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث (King Faisal Specialist Hospital & Research Centre) إلى توظيف التحليل الذكي في دعم القرار السريري، بالتوازي مع أطر تنظيمية تشرف عليها «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا) (Saudi Data and AI Authority – SDAIA) لضمان حوكمة البيانات وحمايتها. وفي هذا السياق، لا تبدو تقنيات تحليل المشي مجرد ابتكار بحثي، بل هي امتداد طبيعي لمنظومة صحية رقمية تتجه نحو الاستباق لا الاستجابة، حيث يمكن أن تتحول تفاصيل الحياة اليومية - مثل خطوات الإنسان - إلى مؤشرات دقيقة تسهم في اكتشاف المرض قبل أن يعلن عن نفسه.

• دقة الخوارزمية وحدودها. رغم هذا التقدم، تبقى هذه الأنظمة قائمة على تحليل الأنماط، لا على فهم التجربة الإنسانية في تعقيدها الكامل. فالمشي قد يتغير لأسباب بسيطة مثل التعب أو التوتر أو حتى نوع الحذاء، وليس بالضرورة نتيجة اضطراب مرضي.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي: ليس فقط ماذا تكشف البيانات، بل كيف تُفسَّر. فغياب السياق قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، أو حتى إلى إثارة القلق دون مبرر. لذلك، لا يمكن التعامل مع هذه التقنيات بمعزل عن التقييم السريري، بل ضمن منظومة متكاملة توازن بين التحليل الرقمي والفهم الإنساني.

• الخصوصية وملكية البيانات. لا شك أن هذه التقنيات تفتح آفاقاً واسعة في الكشف المبكر، خصوصاً في الأمراض التي يصعب تشخيصها في مراحلها الأولى. لكن هذا التقدم يطرح أيضاً أسئلة تتعلق بالخصوصية وملكية البيانات. فإذا أصبح الجسد مصدراً مستمراً للمعلومات من خلال تفاصيل الحياة اليومية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بجمع البيانات، بل بكيفية استخدامها، ومن يملكها، وكيف يمكن ضمان أن تبقى في خدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى أداة للسيطرة عليه. وفي عالم تزداد فيه قدرة الذكاء الاصطناعي على قراءة ما لا نراه، لم يعد السؤال الطبي مرتبطاً فقط بما يشعر به المريض، بل بما تكشفه حركته اليومية من إشارات دقيقة. ومع هذا التحول، قد يأتي وقت لا يحتاج فيه الطبيب إلى أن يسأل: «كيف تشعر؟»، بقدر ما يراقب كيف يتحرك الجسد. لكن يبقى السؤال الأعمق: هل ما نراه في خطواتنا مجرد حركة عابرة أم بداية قصة مرض تُكتب بصمت؟


طاقة نظيفة من النفايات

المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)
المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)
TT

طاقة نظيفة من النفايات

المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)
المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)

ينتج العالم نحو 400 مليون طن من نفايات البلاستيك سنوياً، كما تتكدس ملايين البطاريات المستهلكة، ورغم ذلك فإن نسبة إعادة تدوير تلك النفايات لا تتجاوز 18 في المائة، في حين يُحرق الباقي أو يُدفن في مكبات النفايات أو يتسرب إلى البيئة.

وهنا يُطرح سؤال: هل يمكن لنوع من النفايات أن يتحول إلى حل للتخلص من نوع آخر؟ تأتي الإجابة من مختبرات جامعة كمبريدج البريطانية، حيث نجح باحثون في تحويل الحمض المستعاد من البطاريات القديمة ومخلفات البلاستيك المستعصية إلى وقود هيدروجيني نظيف، في ابتكار يعكس مفهوم الاقتصاد الدائري، ويفتح آفاقاً جديدة لإنتاج الطاقة من قلب المهملات، حسب الفريق.

وطوّر الفريق البحثي مفاعلاً يعمل بالطاقة الشمسية قادراً على تفكيك أنواع البلاستيك الصعبة في إعادة التدوير، مثل زجاجات المشروبات والأقمشة النايلون، باستخدام الحمض المستعاد من بطاريات السيارات القديمة، وتحويله إلى وقود هيدروجيني نظيف ومواد كيميائية صناعية قيّمة، ونُشرت النتائج في عدد 6 أبريل (نيسان) 2026 من دورية «Joule».

يتميز المفاعل بأنه يعمل بالطاقة الشمسية، مما يجعله بديلاً أكثر استدامة وأقل تكلفة مقارنة بأساليب التدوير الكيميائية التقليدية.

آلية العمل

تعتمد أساليب التدوير الكيميائي التقليدية على معالجة البلاستيك باستخدام حرارة عالية أو مواد كيميائية قوية لإعادة تشكيله إلى منتجات جديدة، وغالباً ما تكون هذه العمليات مكلفة وتتطلّب طاقة كبيرة، كما تنتج أحياناً مواد ثانوية ضارة بالبيئة.

أما الطريقة التي طورها الفريق فتستفيد من الطاقة الشمسية لتشغيل المفاعل، مع استخدام الحمض المستعاد من البطاريات المستهلكة لتفكيك سلاسل البوليمرات الطويلة إلى مواد كيميائية أساسية.

وصمّم الفريق محفزاً ضوئياً يتحمّل الظروف التآكلية الشديدة للحمض المستخرج من البطاريات، مما يسمح بتشغيل المفاعل لإنتاج الهيدروجين والمواد الكيميائية دون تلف المعدات. وأثبت المفاعل قدرة على التشغيل المتواصل لأكثر من 260 ساعة دون فقدان الأداء، مع إنتاج عالٍ للهيدروجين وانتقائية كبيرة لإنتاج حمض الأسيتيك.

ويشير الباحثون إلى أن الطريقة لا تعمل مع الحمض النقي فقط، بل تعمل أيضاً مع الحمض المستعاد من بطاريات السيارات، الذي يشكّل 20-40 في المائة من حجم البطاريات التي تُستبدل سنوياً بأعداد ضخمة حول العالم، وعادة ما يُستخرج الرصاص من هذه البطاريات لإعادة بيعه، في حين يتحول الحمض إلى نفايات بعد تحييده.

وتُعدّ هذه التقنية أقل استهلاكاً للطاقة وأكثر استدامة؛ إذ تحول النفايات إلى هيدروجين نظيف ومواد كيميائية قيمة، في حين تقلل الأثر البيئي المصاحب لعمليات التدوير التقليدية.

ووفق النتائج، تغطي هذه الطريقة نطاقاً واسعاً من أنواع البلاستيك بما في ذلك الأصعب حالياً في إعادة التدوير، مثل النايلون والبولي يوريثان، المستخدمَين في بدائل الخشب والرخام الصناعي وقطع غيار السيارات، وهذا يمثّل توسعاً كبيراً مقارنة بتقنيات إعادة التدوير التقليدية التي تركز غالباً على البلاستيك المستخدم في زجاجات المشروبات والأغلفة وبعض الأقمشة الصناعية.

المفاعل الجديد يتميز بأنه يعمل بالطاقة الشمسية (جامعة كمبريدج)

طرق متعددة

في السياق ذاته، تعمل عدة فرق بحثية في الصين والولايات المتحدة وأوروبا على تطوير تقنيات تحفيزية تحول المخلفات البلاستيكية مباشرة إلى هيدروجين نظيف.

وتشمل هذه الطرق التحفيز الحراري والضوئي والكهربائي، بالإضافة إلى أساليب مختلطة تمكّن من تفكيك البوليمرات البلاستيكية لإنتاج الهيدروجين إلى جانب مواد كيميائية قيمة، مما يدمج بين معالجة النفايات وتوليد الطاقة النظيفة.

كما تطورت تقنيات التحلل الحراري لتصبح من أكثر الطرق نضجاً على المستوى الصناعي، حيث يتم تسخين البلاستيك في غياب الأكسجين لإنتاج وقود سائل وغازات تفاعلية، ويمكن دمجها مع التحفيز الكيميائي لإنتاج هيدروجين نظيف أو وقود للسيارات، وتشمل الأساليب الحديثة استخدام الميكروويف لتحسين كفاءة الإنتاج وجودة الهيدروجين الناتج.

أما المسارات الأكثر استدامة فتتركز على التحفيزَيْن الضوئي والكهروضوئي، اللذَيْن يستخدمان الطاقة الشمسية والمحفزات الكيميائية لدفع التفاعلات دون الحاجة إلى حرارة عالية، مما يسمح بإنتاج الهيدروجين النظيف مع مواد كيميائية جانبية مفيدة، وهو ما استخدمه فريق جامعة كمبريدج، في محاولة لإعادة تدوير البلاستيك المعقّد والصعب التحلل.

يقول أستاذ العلوم البيئية بجامعة عين شمس في القاهرة، الدكتور وحيد إمام، إن الدراسة تمثل خطوة مهمة لإعادة التفكير في كيفية التعامل مع النفايات، خصوصاً البلاستيك الذي يشكل أحد أكبر التحديات البيئية عالمياً.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»: تحويل المخلفات البلاستيكية، إلى جانب الاستفادة من نفايات خطرة مثل أحماض بطاريات السيارات، إلى وقود نظيف مثل الهيدروجين، يعكس توجهاً متقدماً نحو تطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري الذي لا تتوقف أهميته عند تقليل حجم النفايات فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الحد من التلوث البيئي وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.

ويستدعي انخفاVض معدلات إعادة تدوير البلاستيك عالمياً البحث عن حلول غير تقليدية للتعامل مع الأنواع صعبة التدوير، وفق إمام الذي أكد أن هذه التقنيات قد تمثّل جزءاً من الحل إذا ثبتت جدواها على نطاق صناعي، لكن التحدي الأكبر يكمن في نقل تلك الابتكارات من التجارب المعملية إلى التطبيق الفعلي.