ما الذي يبقينا شباباً؟ العلماء يفكّون شفرة طول العمر

تفاعل معقد بين الجينات والتمثيل الغذائي وتوازن الميكروبيوم والوراثة اللاجينية

الشيخوخة الصحية ترتبط بالعوامل الجينية والبيئية (خدمة «غيتي» للصور)
الشيخوخة الصحية ترتبط بالعوامل الجينية والبيئية (خدمة «غيتي» للصور)
TT

ما الذي يبقينا شباباً؟ العلماء يفكّون شفرة طول العمر

الشيخوخة الصحية ترتبط بالعوامل الجينية والبيئية (خدمة «غيتي» للصور)
الشيخوخة الصحية ترتبط بالعوامل الجينية والبيئية (خدمة «غيتي» للصور)

لطالما انبهر العلماء بالأشخاص الذين يعيشون أكثر من متوسط العمر المتوقع، ويظلون أصحاء حتى في سنواتهم الأخيرة. والآن قام فريق دولي من الباحثين بنشر واحدة من أكثر الدراسات البيولوجية تفصيلاً على الإطلاق، والتي أجريت على امرأة عاشت حتى سن 117 عاماً.

دراسة امرأة معمّرة

تحدّت هذه المرأة، التي يُشار إليها بالمرأة المعمرة في الدراسة، الصعاب من خلال عيشها أكثر من 3 عقود بعد متوسط العمر العالمي دون أن يتم تشخيصها بالسرطان أو الخرف أو غيرهما من الأمراض الرئيسية المرتبطة بالعمر.

وللكشف عن أسرار طول عمرها الاستثنائي أجرى العلماء ما أطلقوا عليه تحليلاً متعدد الجينات؛ حيث فحصوا الجينات والبروتينات والتمثيل الغذائي وبكتيريا الأمعاء وحتى «الساعات البيولوجية» التي تقيس الشيخوخة داخل الجسم.

القرائن الوراثية لطول العمر

كشف التسلسل الكامل لجينوم المرأة المعمرة عن عدد من المتغيرات الجينية النادرة أو الفريدة التي ربما تكون قد حمتها من الأمراض القاتلة الشائعة، مثل أمراض القلب والسكري والاضطرابات العصبية.

ومن المثير للاهتمام أن «التيلوميرات» (telomeres)، وهي أغطية واقية على نهايات الكروموسومات التي تقصر مع تقدم العمر، كانت بالفعل أقصر من تلك الموجودة لدى الأشخاص الأصغر سنّاً، وهي علامة كلاسيكية على الشيخوخة. ومع ذلك فقد ظلت خالية من الأمراض، ما يُشير إلى أن العلامات النموذجية للشيخوخة لا تتنبأ دائماً بالمرض.

كما وجد الباحثون في مجموعة علم التخلق السرطاني بمعهد خوسيب كاريراس لأبحاث سرطان الدم في برشلونة، بإسبانيا، في دراسة نُشرت في مجلة «Cell» بتاريخ 24 سبتمبر (أيلول) 2025، مؤشرات على تكوّن الدم النسيلي (clonal hematopoiesis)، وهي حالة دموية ترتبط عادةً بزيادة خطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب.

ومن اللافت للنظر أن المرأة المعمرة عاشت حتى سن 117 عاماً دون أن تُصاب بهذه الحالات، ما يُظهر أن جسم الإنسان أكثر مرونة مما كان يُعتقد سابقاً.

بعض المتغيرات الجينية الفريدة تفسر أسرار الهرم الصحي (خدمة «غيتي» للصور)

الجسم الذي حارب الالتهاب

ورسمت اختبارات الدم صورة لصحة استثنائية. وكان لدى المرأة المعمرة مستويات عالية جداً من الكوليسترول «الجيد» (HDL) ومستويات منخفضة بشكل غير عادي من الكوليسترول «الضار» والدهون الثلاثية.

وترتبط هذه الأنماط عادةً بتوفير حماية للقلب والأوعية الدموية. كما أظهرت أيضاً علامات على وجود دفاعات مناعية قوية ومسارات فعالة لإزالة السموم.

وعلى الرغم من أن بعض العلامات كشفت عن تقدمها في العمر الفسيولوجي فإن معظمها يُشير إلى وجود جسم مرن قادر على تحمل البلى لأكثر من قرن من العمر.

دور ميكروبيوم الأمعاء

وجرى ربط صحة الأمعاء بشكل متزايد بالصحة العامة، وقد قدّم ميكروبيوم المرأة المعمرة دليلاً آخر مفاجئاً. فقد أظهرت عينات البراز الخاصة بها مستويات عالية من البكتيريا النافعة، خاصة «البيفيدوباكتيريوم» (Bifidobacterium) المعروفة بدعمها عملية الهضم وتقليل الالتهاب والحماية من الأمراض، إذ تنخفض هذه البكتيريا بشكل حاد مع تقدم العمر لدى معظم كبار السن. ولكن في حالة المرأة المعمرة ربما كانت وفرة هذه البكتيريا أحد أسباب انخفاض الالتهاب وفاعلية عملية الأيض لديها.

أصغر من سنوات عمرها - بيولوجياً

جاءت واحدة من أكثر النتائج اللافتة للنظر من التحليل اللاجيني، فمن خلال فحص العلامات الكيميائية على حمضها النووي، قاس العلماء عمرها البيولوجي. وعلى الرغم من عمرها الزمني، البالغ 117 عاماً، فإن أنسجتها بدت أقرب إلى أنسجة شخص يبلغ من العمر نحو 100 عام. بعبارة أخرى كان عمر جسدها أبطأ من المتوقع.

وهذا يُشير إلى أن طول العمر الاستثنائي لا يتعلق فقط بالعيش لفترة أطول بل يتعلق بفصل الشيخوخة عن المرض. وبالنسبة لحالة المرأة المعمرة فإنها كانت تحمل بعض علامات الشيخوخة البيولوجية، لكنها احتفظت بسمات الشباب في الأنظمة الرئيسية التي تحمي من الأمراض.

مخطط للشيخوخة الصحية

وتوفر هذه الدراسة نافذة فريدة لفهم الكيفية التي يحقق بها بعض البشر طول العمر الاستثنائي؛ فهي لا تشير إلى عامل واحد بعينه، بل تُبرز التفاعل المعقد بين الجينات والتمثيل الغذائي وتوازن الميكروبيوم والوراثة اللاجينية، وهي عوامل تكاملت معاً لتُنتج جسماً يتمتع بمقاومة لافتة للتدهور المرتبط بتقدم العمر.

ويؤكد الباحثون والمؤلف المراسل مانيل إستلر من قسم العلوم الفسيولوجية بكلية الطب والعلوم الصحية، جامعة برشلونة بإسبانيا، أنه في حين لا يحمل الجميع المتغيرات الجينية الوقائية للمرأة المعمرة، فإن عوامل نمط الحياة مثل النظام الغذائي وممارسة الرياضة وصحة الميكروبيوم يمكن أن تؤثر على كيفية تقدم أجسامنا في العمر. كما قد تستلهم العلاجات المستقبلية من هذه النتائج بهدف إبطاء الشيخوخة البيولوجية وإطالة العمر الافتراضي الصحي، أي عدد السنوات التي نعيشها دون الإصابة بأمراض خطيرة.

وكما لاحظ المؤلفون فإن حياة المرأة المعمرة دليل على أنه من الممكن أن نكبر في العمر مع الحفاظ على صحتنا نسبياً، ذلك أن بيولوجيتها تُقدم مخططاً لعمر الإنسان، ما يبعث الأمل في أن يعيش المزيد من الناس في المستقبل ليس فقط لفترة أطول بل أفضل.


مقالات ذات صلة

من العسل إلى الغرغرة… حلول بسيطة لتهدئة حكة الحلق

صحتك الغرغرة بالماء والملح تُعد فعّالة للغاية في علاج التهاب الحلق أو الحكة الناتجة عن البكتيريا أو الفيروسات (بيكسلز)

من العسل إلى الغرغرة… حلول بسيطة لتهدئة حكة الحلق

تُعدّ حكة الحلق حالة قد تُصعّب عليك الكلام أو البلع نتيجة تهيّج المنطقة المصابة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك طبق يحتوي على كعكة أرز مع زبدة فول سوداني (بيكسلز)

ماذا يحدث لمستوى السكر بالدم عند تناول كعكة أرز مع زبدة الفول السوداني؟

يساعد تناول كعكة الأرز مع زبدة الفول السوداني على إبطاء عملية الهضم والحدّ من الارتفاعات السريعة في مستوى سكر الدم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مسحوق البروتين (بيكسلز)

الإفراط في تناول مساحيق البروتين قد يضرّك... ما الحدّ الآمن يومياً؟

في ظل الإقبال المتزايد على مساحيق البروتين لبناء العضلات أو تعويض نقص البروتين في النظام الغذائي، يبرز سؤال شائع حول مدى أمان تناولها يومياً وتأثيرها على الصحة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك عبوات سائل إلكتروني للسجائر الإلكترونية في مصنع فو في باريس 3 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

هيئة فرنسية: تدخين السجائر الإلكترونية ينطوي على مخاطر صحية

نصحت «الهيئة الفرنسية لسلامة الأغذية والبيئة والصحة المهنية» بحصر استخدام السجائر الإلكترونية بالمدخنين الراغبين في الإقلاع عن التبغ، مع الحد منه قدر الإمكان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك  زيادة مدة الحمل والرضاعة الطبيعية ترتبط بتحسن القدرات الإدراكية العامة (رويترز)

الحمل والرضاعة الطبيعية مفتاحان لصحة دماغ أفضل مع التقدم في العمر

غالباً ما يُنظر إلى فترتي الحمل والأمومة المبكرة على أنهما مرتبطتان بالنسيان وضعف التركيز وهي ظاهرة يُشار إليها عادةً بمصطلح «دماغ الأم»

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الذكاء الاصطناعي لا يحل محل البشر... بل يعيد تشكيل «أحكامهم العقلية»

الذكاء الاصطناعي لا يحل محل البشر... بل يعيد تشكيل «أحكامهم العقلية»
TT

الذكاء الاصطناعي لا يحل محل البشر... بل يعيد تشكيل «أحكامهم العقلية»

الذكاء الاصطناعي لا يحل محل البشر... بل يعيد تشكيل «أحكامهم العقلية»

لا يُلغي الذكاء الاصطناعي العمل البشري، بل يُغير طبيعة الحكم العقلي للعاملين؛ إذ إنه يبعد العاملين من جهة عن المهام الروتينية، لكنه يوجه العمل نحو مجالات دقيقة تتسم بالغموض، تكون فيها الأخطاء مكلفة، والثقة أساسية... لذا تظل الحاجة إلى وجود «حكم عقلي» حول النتائج، كما كتب يواف زيف(*).

يُفسر هذا التحول الفجوة المتزايدة في النقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي. فمن جهة، تتحسن النماذج بوتيرة مذهلة، ومن جهة أخرى، تتعثر العديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطموحة، أو تتوسع بوتيرة أبطأ من المتوقع، أو تعود بهدوء إلى أساليب العمل الهجينة.

مشكلة الثقة بالأدوات الذكية

إن المشكلة ليست في القدرة، بل في الثقة. فهناك فجوة الثقة التي تتجاهلها معظم استراتيجيات الذكاء الاصطناعي.

لا يتوقف تبني الذكاء الاصطناعي على قدرة النظام الذكي على أداء مهمة ما، بل على استعداد البشر للاعتماد على مخرجاته دون التحقق منها. هذه الفجوة بين الأداء والاعتماد، فجوة الثقة، هي ما يُحدد في نهاية المطاف أين يحل الذكاء الاصطناعي محل العمل، وأين يُعززه، وأين يبقى البشر لا غنى عنهم.

الغموض والمخاطر

وهناك عاملان يُشكلان هذه الفجوة أكثر من أي شيء آخر: الغموض والمخاطر.

يشير الغموض إلى مدى الحاجة إلى التفسير أو السياق أو التقدير في مهمة ما. أما المخاطر فتشير إلى ما يحدث في حال أخطأ النظام: مالياً، أو قانونياً، أو على مستوى السمعة، أو أخلاقياً.

عندما يكون الغموض والمخاطر منخفضين، يزدهر التشغيل الآلي. أما عندما يكون كلاهما مرتفعاً، فلا بد من بقاء العنصر البشري حاضراً بقوة. تقع معظم الأعمال في العالم الحقيقي في مكان ما بين هذين النقيضين، وهنا يُعاد تشكيل مستقبل العمل.

طريقة بسيطة لفهم مكانة الذكاء الاصطناعي

فكّر في العمل من خلال محورين: مدى الغموض، ومدى تكلفة الأخطاء.

* المهام ذات الغموض المنخفض والمخاطر المنخفضة، مثل التصنيف الأساسي، والوسم البسيط، والتوجيه الروتيني، ستُصبح مؤتمتة بالكامل بسرعة. هنا يحل الذكاء الاصطناعي محل العمل البشري بهدوء، غالباً دون جدل يُذكر.

* المهام ذات الغموض المنخفض والمخاطر العالية، مثل فحوصات الامتثال (للقواعد المرعية) أو التحقق من الهوية، تُؤتمت عادةً ولكن تخضع لمراقبة دقيقة. وهنا يقوم العنصر البشري بالتحقق والتدقيق والتدخل عند وجود أي خلل.

* الأعمال ذات الغموض العالي والمخاطر المنخفضة: مثل التصنيف الإبداعي، وتحليل المشاعر، والبحوث الاستكشافية، التي غالباً ما تستخدم الذكاء الاصطناعي مساعداً، تحتاج إلى إشراف بشري محدود.

* الغموض العالي والمخاطر العالية. وهذا هو الأهم، إذ إن هذه هي المهام التي يصعب فيها كسب الثقة: حالات الاحتيال الشاذة، والرقابة الحساسة لقواعد السلامة، والتفسير الطبي أو المالي، وقرارات البيانات التي تُحدد كيفية عمل نماذج الذكاء الاصطناعي في العالم الحقيقي.

هنا، لا يختفي العنصر البشري، بل يصبح أكثر توجيهاً وتخصصاً، وأكثر استجابةً للطلب.

العنصر البشري: اختفاء أم حضور؟

* نظم صوتية آلية. تُحسّن أنظمة الاستجابة الصوتية التفاعلية هذه التوجهات، فالاستجابة الصوتية التفاعلية هي حرفياً صوت الشركة لعملائها. وبمجرد أن أصبحت الأصوات الاصطناعية جيدة بما يكفي، أصبح من السهل الحكم على الجودة واختفت فجوة الثقة. كان ذلك وحده كافياً ليتولى الذكاء الاصطناعي زمام الأمور.

* مسارات الترجمة الآلية. اتخذت الترجمة مساراً مختلفاً. فالترجمة بطبيعتها غامضة، إذ توجد طرق متعددة لترجمة الجملة الواحدة. ونتيجةً لذلك، استوعبت الترجمة الآلية بسرعة المحتوى غير الرسمي والمنخفض المخاطر، مثل فيديوهات «تيك توك». مع ذلك، في السياقات البالغة الأهمية، كالعقود القانونية والتعليمات الطبية والتقارير المالية ورسائل العلامات التجارية العالمية، لا تنتقل الثقة بالكامل إلى الآلة.

في هذه المهام، لا يزال المترجمون المحترفون مطلوبين لتعزيز مخرجات الذكاء الاصطناعي الأولية. وبما أن الذكاء الاصطناعي يؤدي الآن الجزء الأكبر من العمل، فقد أصبح المترجمون المتفرغون نادرين. وبدلاً من ذلك، فإنهم يعملون بشكل متزايد ضمن شبكات الخبراء، ويتم توظيفهم «عند الحاجة» لضبط العملية والتحقق منها، ومن ثمّ سد فجوة الثقة.

*التحقق من صحة البيانات. ويحدث التحول نفسه الآن في كيفية إعداد البيانات والتحقق من صحتها لأنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها. اعتمد التدريب المبكر للذكاء الاصطناعي على عمليات تصنيف بشرية ضخمة ومتفرغة. أما اليوم، فتتولى النماذج بشكل متزايد التقييم الروتيني. وتُحفظ الخبرة البشرية للقرارات الأكثر حساسية، تلك التي تحدد كيفية تصرف الذكاء الاصطناعي تحت الضغط.

مستقبل العمل

ماذا يعني هذا لمستقبل العمل؟ يصوّر الخطاب الشائع الذكاء الاصطناعي على أنه تقنية بديلة: الآلات في مواجهة البشر. إلا أن الواقع داخل المؤسسات يختلف اختلافاً جذرياً.

أصبح الذكاء الاصطناعي الخيار الأمثل للتوسع. أما البشر، فيتولون مهام التعامل مع الحالات الاستثنائية، واتخاذ القرارات في المواقف غير الواضحة، أو عندما تكون العواقب وخيمة، أو عندما يكون بناء الثقة على المحك.

* تغيّر دور الموظف. لا يعني هذا بالضرورة تقليل عدد الموظفين، بل يعني تغيير أدوارهم: تقليل الأعمال الروتينية، وزيادة الاعتماد على القرارات في الوقت المناسب. كما يعني وجود المزيد من الخبراء العاملين على أنظمة متعددة، وتقليل عدد الموظفين الملتزمين بمهام محددة بدقة.

* نجاح المؤسسات. لن تكون المؤسسات التي تنجح في توظيف الذكاء الاصطناعي هي تلك التي تعتمد على الأتمتة بشكل أكبر. بل ستنجح تلك التي تقوم بتحديد المجالات التي لا تحتاج إلى أتمتة، والتي تصمم مسارات عمل قادرة على الاستعانة بالخبرة البشرية في الوقت المناسب وبالمستوى الأمثل.

إن مستقبل العمل ليس صراعاً بين البشر والآلات، بل هو في توظيف الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، إضافة إلى الخبرة البشرية المُقدمة عبر شبكات الخبراء، وليس من خلال وظائف دائمة. وتُظهر كل من الترجمة ووسائل التحقق من صحة النماذج هذا النمط.

* مجلة «فاست كومباني».