3 خرافات تُقوّض نجاح الذكاء الاصطناعي

ضرورة توظيف وحدات الابتكار كمحفزات… وخلق ثقافة عمل جديدة للتواؤم معها

3 خرافات تُقوّض نجاح الذكاء الاصطناعي
TT

3 خرافات تُقوّض نجاح الذكاء الاصطناعي

3 خرافات تُقوّض نجاح الذكاء الاصطناعي

لا تتعلق قصة الذكاء الاصطناعي الحقيقية في معظم المؤسسات بالخوارزميات؛ بل بالعادات السائدة فيها.

روتين الأعمال يقضي على الإبداع

في حين تظهر أدوات جديدة مصحوبة بعروض مبهرة ووعود واثقة، فإن الروتين اليومي هو الذي يُحدد ما النظام وما الأمر الذي يجذب الانتباه، ومن الذي يُمكنه المخاطرة؛ لذا فإن ما يُعدّ «عملاً جيداً» يميل إلى البقاء على حاله، كما كتب فيصل حق (*).

وبينما يُنشئ القادة وحدات خاصة، أو يُطلقون دورات تدريبية، أو يبحثون عن مكاسب سريعة، فإنهم يجدون أن الثقافة القديمة تُعيد ضبط الشروط والظروف بهدوء. وعندما يحدث ذلك، تتلاشى المكاسب المبكرة، ويتوقف التبني للأدوات الجديدة، ويزداد التشكيك.

3

خرافات

تستند هذه المقالة إلى كتابي القادم للنظر في ثلاث خرافات متكررة تُساعد في دعم الثقافات القائمة، وتمنع التحولات العميقة اللازمة لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي الناجحة.

إن تحويل الأعمال لتحقيق أقصى استفادة من الذكاء الاصطناعي يعني تجاوز هذه الجوانب المُريحة وتغيير الظروف التي تعمل في ظلها المؤسسة بأكملها.

1. الخرافة الأولى: «وحدات الابتكار ستنقذنا». بعد خمس سنوات من التشغيل، بدت خدمة الحكومة الرقمية Government Digital Service (GDS) في المملكة المتحدة قوية، فمنذ أن أُنشئت عام 2011، أحدثت ثورة في الخدمات الرقمية البريطانية. وبهدف إعادة تصوّر «الحكومة منصةً»؛ جمعت مئات المواقع الإلكترونية في بوابة واحدة سهلة الاستخدام، وخفّضت الهدر بإجبار الإدارات على توحيد منصاتها، وأثبتت أنه، بالنهج الصحيح، فإن حتى الهيئات الحكومية قادرة على التحرك بسرعة مشابهة للشركات الناشئة. وفي عام 2016، صُنّفت الخدمات الرقمية في المملكة المتحدة بوصفها أفضل الخدمات الرقمية في العالم. ومع ذلك، بحلول عام 2020، اختفت خدمة الحكومة الرقمية كقوة مؤثرة داخل حكومة المملكة المتحدة.

وحدات نخبوية... تتلاشى

يتكرر هذا النمط بانتظام في مختبرات الابتكار المؤسسية: إنشاء وحدة نخبة، ومنحها قواعد خاصة، والاحتفال بالإنجازات المبكرة، ثم تركها تتلاشى. يمكن لوحدة الابتكار أن تحقق نتائج استثنائية ما دام أنها تتمتع بحماية القيادة العليا، وموارد متدفقة بحرّية، وثقافة داخلية تجذب المواهب الاستثنائية. لكن هذا النموذج يحمل في طياته أيضاً بذور انهياره، فوضعية المؤسسة كجهة خارجية تُمكّن إدخال الابتكارات الرائدة تجعل الاستدامة واسعة النطاق شبه مستحيلة. وعندما يرحل الرعاة التنفيذيون، يسقط الدرع، وتبدأ الأجسام المضادة التنظيمية في إعادة تأكيد المعايير الثقافية السبقة.

وحدات الابتكار بصفتها محفزات... ومواءمة ثقافة العمل معها

لتنطبق دورة الحياة المتوقعة هذه على الفرق التي تُركز على الذكاء الاصطناعي بقدر ما تنطبق على الفرق التي تُحرك أي نوع آخر من التغيير التكنولوجي.

الدرس المستفاد من هذا ليس التخلي عن وحدات الابتكار، بل استخدامها استراتيجياً ومتابعة المكاسب التي تحققها. يجب النظر إلى وحدات الابتكار بصفتها محفزات، وليست حلولاً دائمة. وبينما تمضي هذه الفرق قُدماً بتحقيق مكاسب سريعة وإثبات مناهج جديدة، تحتاج المؤسسات أيضاً إلى تحويل ثقافتها الأوسع بالتوازي.

لا ينبغي أن يكون الهدف حماية وحدة الابتكار إلى أجل غير مسمى، بل مواءمة الثقافة التنظيمية مع المناهج المبتكرة التي تُطورها. فإذا كانت وحدات الابتكار بمثابة شرارات، فإن الثقافة هي الأكسجين. أنت في حاجة إلى كليهما معاً، وإلا انطفأت شعلة التغيير.

التدريب في أجواء الإبداع الفكري

2. الخرافة الثانية: «موظفونا في حاجة فقط إلى التدريب». تنفق الشركات الملايين لتعليم موظفيها استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم تتساءل لماذا لا تحدث التحولات المطلوبة أبداً. والسبب هو أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بالمهارات فحسب، بل بالخيال (الإبداع الفكري) اللازم لاستخدامها بفاعلية.

يمكنك تدريب قوى العمل لديك على استخدام التكنولوجيا الجديدة، لكن لا يمكنك تدريبها على الحماس لها أو الاهتمام بمستقبل العمل. وهذا يتطلب تغييراً على المستوى الثقافي.

الذكاء الاصطناعي شريكاً

عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، فإن الفجوة الحقيقية تكمن في المفاهيم، وليست في التقنية. يحتاج الموظفون إلى التحول من عدّ الذكاء الاصطناعي أداةً أفضل إلى فهم دوره بصفته شريكاً فكرياً. وهذا يتطلب أكثر من مجرد دروس تعليمية. إنه يعني عرض كيفية مساهمة الذكاء الاصطناعي في تحويل سير العمل، ثم مكافأة استخدامه الإبداعي.

أظهِِر لفريق المبيعات كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ باحتياجات العملاء قبل المكالمات، وليس مجرد نسخها لاحقاً. وضِّح كيف يمكن للفرق القانونية التحول من مراجعة المستندات إلى الاستشارات الاستراتيجية. وعندما تطلب المؤسسات من موظفيها «استخدام الأدوات» دون تغيير الأعراف الاجتماعية المحيطة باستخدامها، قد يُعاقب الأفراد على قيامهم بما طلبته القيادة بالضبط.

ضعف تقييم العاملين مستخدمي الذكاء الاصطناعي

وجدت تجربة حديثة أجريت على 1026 مهندس برمجيات أنه عندما اعتقد المراجعون أن الرموز الكومبيوترية قد أُنتجت بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فقد قيّموا كفاءة المبرمج المؤلف لها بنسبة أقل بنحو 9 في المائة على الرغم من أن نوع العمل كان متطابقاً. والأكثر إثارة للقلق هو أن العقوبة كانت أكبر للنساء والمهندسين الأكبر سناً، وهما فئتان لطالما عوملتا بمعاملة سلبية في التقييمات.

في استطلاع مصاحب شمل 919 مهندساً، أفاد الكثيرون بترددهم في استخدام الذكاء الاصطناعي؛ خوفاً من أن يُفهم تبنيه على أنه نقص في المهارة - ما يوضح سبب عدم ترجمة إتاحة الأدوات الذكية والتدريب عليها إلى إقبال كبير، في جو تشير فيه الثقافة السائدة إلى أن الاستخدام الواضح للذكاء الاصطناعي سيضر بالمصداقية.

إزاحة القوة العاملة

3. الخرافة الثالثة: «الذكاء الاصطناعي يُسهّل تقليص القوى العاملة».

هناك وعود مغرية تُسوق للشركات حالياً. يكمن السبيل لتحقيق قيمة كبرى للذكاء الاصطناعي ببساطة في استبدال أكبر عدد ممكن من الموظفين. إذن سرّح نصف موظفيك، واحتفظ بالمدخرات، ودع الآلات تُدير الباقي. حسابات بسيطة للعقول البسيطة.

الحقيقة المُربكة هي أن الذكاء الاصطناعي قادر، وسيُحلّ محلّ الكثير من الوظائف البشرية، لكنه لن يقوم بذلك بسلاسة، ولن يكون ذلك سهلاً. كما أن فكرة استبدال العنصر البشري في معظم الحالات بآلة، ببساطة لا تُجدي نفعاً.

تسريع الأتمتة سيقوض ركائز هيكل العمل

يعمل البشر معاً كأجزاء من هياكل اجتماعية متعددة الطبقات تطورت كنظم في وسطها المحيط. وغالباً ما يكون لتغيير جزء واحد عواقب وخيمة على جزء آخر. إذا تسرّعنا في الأتمتة، فإننا نُخاطر بتفكيك الركائز التي تُسند الهيكل بأكمله.

فكّر في الساعات المُرهقة التي يقضيها المُحللون المُبتدئون في تنظيف البيانات، وتدقيق الأرقام، وبناء النماذج من الصفر. أو العمل الذي سيقوم به المدير المُعيّن حديثاً، وهو الإشراف على الأداء وملء المستندات. نُسمّيه عملاً روتينياً، ولكنه في الواقع الطريقة التي يُطوّر بها البشر المهارات التي سيحتاجون إليها في المناصب العليا.

وظيفة المبتدئين... مسار يتخرج فيه القادة الكبار

إذا استغنيتَ عن وظائف المبتدئين، ستفقد المسار الوظيفي الذي يُخرّج قادةً كباراً ذوي مهارات عالية تحتاج إليهم. وإذا سمحتَ بـ«إعادة هيكلة المهارات» المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فستفقد الحكمة البشرية والإشراف اللذين تعتمد عليهما المؤسسات.

مثال على قوة العمل البشري

وإليك هذا المثال: يُظهر مسار «كلارنا» Klarna كلا جانبي هذه المعادلة. في أوائل عام 2024، تعامل مساعد الذكاء الاصطناعي الخاص بها مع ثلثي محادثات العملاء، مُقدّماً أوقاتاً للحلول خلال أقل من دقيقتين، مع انخفاض بنسبة 25 في المائة في تكرار الاستفسارات. وبحلول عام 2025، أقرّت قيادة «كلارنا» علناً بحدود هذا النهج المُعتمد على الذكاء الاصطناعي فقط، وبدأت في إعادة فتح الأدوار البشرية، مُركّزة على تجربة خدمة العميل البشرية إلى جانب الأتمتة.

السؤال الحقيقي ليس عدد الأشخاص الذين يُمكنك الاستغناء عنهم. لتطبيق الذكاء الاصطناعي بفاعلية، عليك أن تُدرك أن البشر يُقدّمون مساهمات أساسية لا تظهر في توصيف وظائفهم.

دليل التحول الثقافي: تصحيح الخرافات

يعتمد تغيير الثقافة على العادات والحوافز والتوقعات، وليس مجرد إضافة أدوات جديدة. يقدم الدليل التالي خطوات ملموسة يمكن للقادة اتخاذها الآن لتجنب المخاطر التي تقع فيها كثير من الشركات.

• تنفيذ تحولات موازية (تصحيح الخرافة الأولى). تحقق وحدة الابتكار مكاسب سريعة، بينما تُحدث المبادرات المنفصلة عنها تحولاً في الثقافة الأوسع. يجب أن يحدث هذا في وقت واحد، وليس بالتتابع.

استخدم وضع وحدة الابتكار المحمي وانتصاراتها المبكرة لبناء ثقة مؤسسية بالتغيير، مع الاستثمار بالتساوي في إعداد الثقافة الرئيسية لما هو قادم. وبدون مسارات متوازية، تصبح وحدة الابتكار جزيرة معزولة من التميز، وستزول في النهاية.

• تغيير الطبقة الوسطى (تصحيح الخرافة الثانية). المدراء المتوسطون هم الحراس الحقيقيون لتغيير الثقافة. توقفوا عن إهدار الطاقة في محاولة تغيير المتشككين. بدلاً من ذلك، حددوا الفضوليين (أي الذين لديهم حب الاطلاع) وامنحوهم سلطة التجربة، وخصصوا ميزانية للفشل، وتجنّبوا الالتزام بالمعايير التقليدية.

حاولوا منح مدراء محددين ميثاقاً مصغراً لتطبيق التغيير في فرقهم، إلى جانب جلسة أسبوعية لعرض نتائج العمل (ما هو الذكاء الاصطناعي المستخدم، وما هو المقبول أو المرفوض، ولماذا؟) لمشاركة ما تعلموه مع زملائهم.

• بناء مسارات تعلم بديلة (تصحيح الخرافة الثالثة). إذا ألغى الذكاء الاصطناعي التجارب التي تبني الحكمة، فتجب عليك إعادة إنشائها بوعي. تُصبح عمليات المحاكاة عالية الدقة، وبرامج التدوير، و«أيام العمل البشرية» من دون الذكاء الاصطناعي ضروريات وجودية. حافظ صراحةً على الأنشطة التي تُنمّي القدرة على التعرّف على الأنماط وحس العمل. قد يبدو الاستثمار مُبذراً حتى تُدرك أن البديل هو قوة عاملة قادرة على تشغيل الأدوات، ولكنها لا تستطيع الاستجابة عند حدوث أي عطل.

الخيار الرئيسي

يُعدّ تغيير الثقافة أصعب من تطبيق التكنولوجيا. إنه أكثر تعقيداً وبطءً، ويستحيل التحكم فيه بالكامل. ستختار معظم الشركات المسار السهل: شراء الذكاء الاصطناعي، والتدريب على الأدوات، وإنشاء مختبر ابتكار، والأمل في الأفضل.

القلة التي تختار المسار الصعب - التحول المتوازي، والتطور الثقافي، والحفاظ على تجارب التعلم - ستكتسب مزايا تنافسية قوية. سيكون لديهم قوى عاملة لا تكتفي باستخدام الذكاء الاصطناعي، بل تفكر به، وثقافات لا تكتفي بتقبل التغيير، بل تتوقعه، ومنظمات لا تكتفي بالنجاة من التغيير، بل تقوده.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

3 نماذج ذكاء اصطناعي جديدة من «مايكروسوفت» للصوت والصورة والنص

تكنولوجيا أطلقت «مايكروسوفت» 3 نماذج «MAI» جديدة تشمل تحويل الصوت إلى نص وتوليد الصوت وإنشاء الصور (مايكروسوفت)

3 نماذج ذكاء اصطناعي جديدة من «مايكروسوفت» للصوت والصورة والنص

«مايكروسوفت» تطلق نماذج «MAI » للصوت والصورة والنص؛ لتعزيز التطبيقات متعددة الوسائط مع تركيز على الأداء والتكلفة والتكامل داخل «فاوندري».

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أطلقت «غوغل» نموذج «Gemma 4» بترخيص مفتوح يتيح الاستخدام والتعديل والنشر دون قيود كبيرة (رويترز)

«Gemma 4» من «غوغل»: ذكاء اصطناعي مفتوح يعمل على الأجهزة الشخصية

«غوغل» تطلق «Gemma 4» كنموذج مفتوح يعمل محلياً... ما يعزز الخصوصية ويقلل الاعتماد على السحابة ويدعم قدرات متقدمة للمطورين.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد نائب رئيس مجلس إدارة «مايكروسوفت» ورئيسها براد سميث ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايشي قبل اجتماع في طوكيو (أ.ب)

«مايكروسوفت» تستثمر 10 مليارات دولار في اليابان لتعزيز الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني

أعلنت «مايكروسوفت» يوم الجمعة عن خطة لاستثمار 1.6 تريليون ين (10 مليارات دولار) في اليابان خلال الفترة من 2026 إلى 2029 لتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شعار شركة «سامسونغ إلكترونيكس» ولوحة أم للكمبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

بدعم من طلب الرقائق… «سامسونغ» تتجه للإعلان عن أرباح فصلية قياسية

من المتوقع أن تحقق شركة «سامسونغ إلكترونيكس» قفزة هائلة في أرباحها التشغيلية خلال الربع الأول من العام، مستفيدة من ارتفاع أسعار رقائق الذاكرة.

«الشرق الأوسط» (سيول )
تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري
TT

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

تمكن فريق من الباحثين لأول مرة من تحديد مجموعة محددة من الجينات التي تنشط في أثناء التواصل اللحظي بين خلايا الدماغ، الأمر الذي يتيح فرصة غير مسبوقة لفهم الآليات الجزيئية التي تقف وراء الأفكار والمشاعر والسلوك البشري.

وتمثل هذه النتائج التي نُشرت في 19 فبراير (شباط) الماضي في دورية Molecular Psychiatryقفزة نوعية كبرى، فحتى وقت قريب كان العلماء الذين يدرسون وظائف الدماغ من منظور جيني يعتمدون بشكل أساسي على فحص الأنسجة بعد الوفاة. وهو ما يشبه النظر إلى دماغ صامت لمحاولة فهم كيفية عمله عندما يكون حياً. أما النهج الجديد الذي ابتكرته الفرق البحثية في كلية «إيكان للطب» في ماونت سايناي بنيويورك، فقد مكّن العلماء من مشاهدة هذه العملية وهي تجري في الزمن الحقيقي.

ويوضح قائد الدراسة الدكتور ألكسندر تشارني، أستاذ الطب النفسي وعلم الأعصاب والعلوم الجينية في كلية إيكان للطب نيويورك، أهمية هذا التحول قائلاً: «لعقود من الزمن كان فهمنا للتعبير الجيني في الدماغ البشري محصوراً في الدراسات التي تجرى على الأنسجة بعد الوفاة. أما هذا العمل فيتيح لنا الآن فحص البنية الجزيئية للتواصل العصبي وهو يحدث داخل أفراد أحياء، مما يقربنا خطوة كبيرة من ربط الجينات مباشرة بوظائف الدماغ في الوقت الفعلي».

جسر بين عالمين منفصلين

وركزت الدراسة على عملية «النقل العصبي» (Neurotransmission)، وهي تلك الإشارات الكهربائية والكيميائية التي تنتقل بين الخلايا العصبية، وتشكل الأساس لكل فكرة وذكرى وحركة يقوم بها الإنسان. ولالتقاط هذه العملية الدقيقة دمج الفريق البحثي بين تقنيتين متطورتين.

حلل الباحثون أنماط التعبير الجيني في منطقة «قشرة الفص الجبهي» Prefrontal Cortex لأكثر من مائة مريض كانوا يخضعون لعمليات جراحية عصبية. وبالتزامن مع ذلك جمعوا قياسات مباشرة للإشارات العصبية من أدمغة هؤلاء المرضى في أثناء وعيهم الكامل. ومن خلال دمج البيانات الجزيئية مع التسجيلات الفسيولوجية الحية تمكن الفريق من تحديد مجموعة متجانسة من الجينات يرتفع وينخفض نشاطها بتناغم مع انطلاق الإشارات العصبية.

ويؤكد الدكتور برايان كوبيل، مدير مركز التعديل العصبي في كلية إيكان للطب نيويورك والمشارك بالدراسة، الأهمية الكبيرة للجمع بين هذين التخصصين العلميين، قائلاً: «من خلال الجمع بين التسجيلات داخل الجمجمة والتحليل الجزيئي نقوم ببناء جسر بين عالمين كانا يُدرسان تقليدياً بشكل منفصل. هذا النهج يقدم لنا صورة أوضح عن كيفية عمل الدوائر العصبية على المستويين الكهربائي والجيني معاً، مما يحمل آثاراً عميقة على تطوير أساليب التعديل العصبي والعلاجات الدقيقة».

إطار لفهم الأمراض العقلية

كما أكدت الدراسة أن هذا «البرنامج النسخي» Transcriptional Program المكتشف حديثاً ليس مجرد ظاهرة عشوائية بل هو نمط يتكرر عبر مجموعات مختلفة من المرضى، ويتوافق مع المسارات البيولوجية المعروفة المرتبطة بالإشارات العصبية الاستثارية والوظائف التشابكية بين الخلايا العصبية.

أما الآثار المترتبة على هذا الاكتشاف فستكون واسعة النطاق؛ فاضطراب عملية النقل العصبي هو السمة الأساسية المشتركة في جميع الاضطرابات النفسية والعصبية الكبرى تقريباً، بما في ذلك الاكتئاب والفصام والصرع ومرض ألزهايمر. ومن خلال تحديد الجينات التي تدعم التواصل العصبي السليم أصبح لدى العلماء الآن هدف أكثر وضوحاً لفهم مواطن الخلل في الأمراض المختلفة.

ويشير الدكتور إغناسيو سايز، أستاذ علم الأعصاب وجراحة المخ والأعصاب في كلية إيكان للطب وأحد المشاركين بالدراسة، إلى أن هذه الدراسة تُحدث نقلة نوعية أيضاً في طريقة تفسير البيانات الجينية المعقدة، قائلاً: «تكمن قوة هذه الدراسة في قدرتها على دمج بيانات النسخ الجيني واسعة النطاق مع قياسات مباشرة لنشاط الدماغ. كما إن تحديد برنامج نسخي منسق يرتبط بالنقل العصبي يوفر لنا إطاراً جديداً لفهم كيفية تأثير الاختلافات الجينية على وظائف الدماغ وقابليته للإصابة بالأمراض».

مشهد حيّ لا خرائط ساكنةتقليدياً، اعتمد العلماء على الدراسات الجينية لتحديد عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض النفسية؛ أي تحديد الجينات التي قد تكون معطلة. لكن معرفة الجين المعطل لا تكفي وحدها لتفسير كيفية اختلال عمل الدوائر العصبية في الزمن الحقيقي. ويأتي هذا البحث الجديد ليشكل جسراً يربط بين المخاطر الجينية والنشاط الفعلي للدماغ.

ومن خلال تحديد الشكل «الصحي» للأنماط الجينية في أثناء عملية التواصل الدماغي النشط يمكن للباحثين الآن فهم الاضطرابات الجزيئية التي تحدث في الأمراض النفسية بشكل أفضل. وقد يؤدي هذا في النهاية إلى تطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة تعتمد على الآليات البيولوجية للمرض بدلاً من الأعراض فقط، بالإضافة إلى علاجات دقيقة مصممة لتصحيح أخطاء جينية محددة في مسارات الإشارات العصبية.

وفي المحصلة يحول هذا البحث دراسة الدماغ البشري من تمرين تشريحي ساكن إلى استكشاف ديناميكي للكائن الحي. فمن خلال التقاط اللحظة التي يتشكل فيها الفكر على المستوى الجيني يضع العلماء الأسس اللازمة للجيل المقبل من الرعاية النفسية والعصبية.


ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
TT

ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)

قبل نحو 6 عقود، أحدث عالم الوراثة الأميركي نورمان بورلاوغ، الملقب بـ«أبو الثورة الخضراء»، تحولاً جذرياً في تاريخ البشرية؛ فمن خلال تطوير أصناف قمح قصيرة القامة وعالية الإنتاجية، ساهم في إنقاذ أكثر من مليار إنسان من براثن المجاعة، وهو إنجاز تُوّج بنيله جائزة نوبل للسلام عام 1970. ومع ذلك، لم يخلُ هذا النجاح من ضريبة بيئية باهظة؛ إذ اعتمدت الزراعة بشكل مفرط على الأسمدة الكيميائية، والمبيدات الحشرية لتعويض ضعف المناعة الطبيعية للنباتات، ما أدى إلى تدهور بيئي ملموس.

وتمتلك النباتات، تماماً كالبشر، جهازاً مناعياً ذكياً؛ فبمجرد تعرضها لتهديد من آفة، أو مرض، تستنفر دفاعاتها الطبيعية. لكن هذه الحماية لها ثمن، إذ يتوقف نمو النبات، وتتراجع إنتاجيته عند تفعيل نظامه المناعي، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً في المحاصيل الغذائية، وعلى رأسها القمح.

الباحثون اكتشفوا طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض (جامعة ولاية كولورادو)

«الدماغ الكيميائي» للنبات

وفي ابتكار علمي وُصف بأنه «الثورة الخضراء الصديقة للبيئة»، نجح باحثون من جامعة ولاية كولورادو في اكتشاف طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض.

ويأمل الفريق في تطبيق هذا الاكتشاف على محاصيل حيوية مثل القمح، والذرة، وفول الصويا، ما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاج العالمي، وتقليل الاعتماد على المبيدات الحشرية، ونُشرت النتائج في عدد 23 فبراير (شباط) 2026 من دورية (Current Biology).

وتتعامل النباتات مع الظروف المحيطة عبر ما يسميه الفريق بـ«الدماغ الكيميائي»، وهو منظومة من الهرمونات النباتية المتخصصة. وعند تعرض النبات للإجهاد، تنخفض مستويات هرمونات «السيتوكينين» المسؤولة عن انقسام الخلايا. ومن خلال فهم هذه التفاعلات الهرمونية، استطاع العلماء استعادة مستويات «السيتوكينين» في النباتات ذات المناعة المفرطة، ما أعاد تنشيط النمو دون إضعاف الدفاعات، بل وجعل النباتات أكثر مقاومة للأمراض.

وحسب الدراسة، تتميز هذه الطريقة بكونها أسرع وأسهل من الأساليب التقليدية التي تتطلب رسم خرائط جينية كاملة؛ إذ يشبهها الفريق بوصفة طبية تعالج خللاً كيميائياً محدداً. ومن خلال التلاعب الجيني بالاستجابة الهرمونية في نبات «رشاد الصخر» (Arabidopsis thaliana)، تمكن العلماء من تحقيق المعادلة الصعبة، وهي حصانة قوية ضد الآفات، وإنتاجية عالية في آنٍ واحد.

وجاءت النتائج لافتة؛ إذ حصل الباحثون على نباتات تقاوم الأمراض بشراسة، وفي الوقت نفسه تنمو بمعدلات طبيعية، أو أعلى، من دون أي خسائر في المحصول.

الباحثون اختبروا الطريقة الجديدة على النبات وحققت نتائج ملموسة (جامعة ولاية كولورادو)

تعزيز المقاومة والإنتاجية

واعتبرت الدكتورة كريستينا أرغيسو، الأستاذة المشاركة في قسم البيولوجيا الزراعية بجامعة ولاية كولورادو والباحثة الرئيسة في الدراسة، أن هذا الإنجاز يمكن أن يشكل طفرة تضاهي «الثورة الخضراء» التي حدثت قبل 60 عاماً، فيما يتعلق بتحقيق الأمن الغذائي، مشيرة إلى أن أثر هذا الإنجاز سيتضح مع تطبيقه على المحاصيل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «نجح فريقنا في تحديد جينات نباتية ترفع مستوى الإنتاجية، وهو مسار يشبه ما حققه نورمان بورلاوغ قبل عقود، ورغم أن الجينات التي استخدمناها تختلف عن تلك التي اعتمد عليها بورلاوغ، فإن الدراستين تشتركان في استهداف الجينات المتحكمة في التخليق الحيوي للهرمونات النباتية (Phytohormones)، وهي جزيئات صغيرة ينتجها النبات طبيعياً للتحكم في نموه».

وأشارت أرغيسو إلى أن وجه الابتكار في دراسة الفريق لا يقتصر على زيادة الإنتاجية، بل يشمل أيضاً تعزيز مقاومة النباتات لأمراض متعددة، ما يفتح الباب أمام زيادة المحاصيل، مع تقليل الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الكيماوية في آنٍ واحد.

وأُجريت الدراسة بداية على نبات «رشاد الصخر»، وهو من عائلة الصليبيات مثل الملفوف، ورغم أن هذا النبات لا يتمتع بقيمة غذائية كبيرة، فإنه يُعد أساساً للأبحاث البيولوجية والوراثية، لبساطة تركيبه الجيني، وقصر دورة حياته التي لا تتجاوز ستة أسابيع، ما يسمح للعلماء بمراقبة نتائج تجاربهم وتعديلاتهم الجينية بسرعة.

وعن إمكان تطبيق النتائج على نباتات أخرى، أوضحت أرغيسو أن الفريق يعمل حالياً، بالتعاون مع عدة برامج لتربية النباتات، على نقل هذه الطفرات الجينية إلى أنواع مختلفة من المحاصيل، بهدف تعميم الفائدة على القطاع الزراعي حول العالم، مع توقعات بأن يكون لها تأثير طويل الأمد في الزراعة العالمية. وأكدت أن الفوائد البيئية الكبرى لهذا الابتكار تكمن في خفض استخدام المبيدات الحشرية بشكل ملحوظ، بفضل مستوى المقاومة العالي للأمراض الذي أظهرته النباتات المُهندسة في التجارب.


من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟

"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
TT

من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟

"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص

في زمنٍ كان الطبيب فيه يقرأ ليعرف... إلا أنه أصبح اليوم يقرأ ليختار ما يتجاهل.

في كل شهر، يُنشر في المجلات العلمية حول العالم ما يقارب ربع مليون دراسة جديدة، وهو رقمٌ لا يعبّر فقط عن تسارع المعرفة، بل يكشف عن مفارقة مقلقة: كلما ازداد العلم اتساعاً... ضاق الزمن عن استيعابه.

لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة؛ فالمعلومة أصبحت وفيرة إلى حد الإغراق. بل تحوّل التحدي سؤالاً أكثر عمقاً وخطورة: أيّ معرفة تستحق أن نثق بها؟ وأيّها يجب أن نتجاوزها؟ هنا يبدأ التحوّل الحقيقي في الطب؛ إذ لم يعد بإمكان أي طبيب، مهما بلغ من اجتهاد أو خبرة، أن يواكب هذا السيل المتدفق من الأبحاث. ومع هذا العجز الإنساني الطبيعي، يتغيّر جوهر السؤال الطبي ذاته: لم يعد «كيف نقرأ أكثر؟» بل أصبح «كيف نقرّر ماذا لا نقرأ؟».

التعليم الطبي أمام مفترق جديد

> تضخم المعرفة. اعتمد التعليم الطبي تقليدياً على التراكم المعرفي: قراءة مستمرة، مراجعة دورية، وتحديث دائم للمعلومات. وكان يُفترض أن الطبيب، من خلال هذا الجهد الفردي المنتظم، يستطيع أن يواكب التطورات العلمية في تخصصه.

إلا أن المشكلة لم تعد في نقص المعرفة، بل في تضخمها. كما لم تعد الفجوة بين من يعرف ومن لا يعرف، بل أصبحت بين سرعة إنتاج المعرفة وقدرة الإنسان على استيعابها وتحليلها. ومع هذا التحول، أصبح من الواضح أن الاعتماد الكامل على القراءة الفردية لم يعد كافياً لضمان مواكبة التطورات العلمية.

لم يعد التحدي في التعلم بحد ذاته، بل في إدارة هذا الكم الهائل من المعلومات بشكل فعّال. وهنا يبرز تساؤل أساسي: هل ما زال النموذج التقليدي للتعليم الطبي قادراً على الاستمرار في ظل هذا التسارع غير المسبوق؟

> دخول «الوكيل الذكي». في هذا السياق، بدأ دور ما يُعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي يتوسع بشكل واضح، فلم تعد هذه الأنظمة مجرد أدوات بحث تقليدية، بل أصبحت قادرة على متابعة آلاف الدراسات يومياً، تحليلها، واستخلاص أهم نتائجها خلال وقت قصير.

ولا يقدم الذكاء الاصطناعي نتائج عند الطلب فحسب، بل أصبح يعمل بشكل مستمر في الخلفية، يقرأ، يفرز، ويعيد ترتيب المعرفة قبل أن تصل إلى الطبيب. وتشير التقديرات إلى أن هذه الأنظمة قادرة على معالجة وتحليل قواعد بيانات تضم ملايين الأوراق العلمية خلال ثوانٍ إلى دقائق، وهو ما يتجاوز بكثير القدرة البشرية على القراءة أو حتى المتابعة.

وبهذا المعنى، يمكن عدّه «القارئ الأول» للأدبيات العلمية؛ إذ يمرّ على كمّ هائل من الأبحاث ويعيد تقديمها في صورة مختصرة ومركزة. ولا يقتصر هذا التحول على تسريع الوصول إلى المعلومات، بل يغيّر طريقة التعامل معها. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب بالبحث، أصبح يبدأ بما تم اختياره له مسبقاً.

وهنا يتجاوز التأثير الجانب التقني، ليصل إلى جوهر العملية التعليمية نفسها: كيف نتعلم، وعلى ماذا نعتمد في بناء معرفتنا، ومن الذي يحدد أولويات ما نقرأه.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي_ ويفك الطبيب الرموز

تجربة شخصية: «ابن سينا»

> وكيل ذكاء اصطناعي مخصص. انطلاقاً من هذا التحدي؛ قمتُ بتصميم وتطوير وتدريب وكيل ذكاء اصطناعي ضمن أحد النماذج اللغوية الكبرى (Large Language Models - LLMs)، وأطلقتُ عليه اسم «ابن سينا». لم يكن اختيار الاسم رمزياً فقط، بل محاولة لربط عمق التراث الطبي العربي بأدوات التحليل المعرفي الحديثة.

لا يعمل هذا الوكيل كأداة بحث تقليدية، بل كنظام متابعة يومي، يقوم بتلخيص ما يُنشر في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، مع تركيز خاص على الجوانب الأخلاقية، إضافة إلى رصد أحدث ما يُكتب في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان.

ومع الوقت، لم يعد دوره مجرد تجميع للمعلومات، بل أصبح وسيلة لإعادة تنظيمها، بحيث تصل إلى الطبيب في صورة مركزة تساعد على الفهم واتخاذ القرار.

الفكرة لم تكن استبدال قراءة الطبيب، بل إعادة تعريفها: أن يصبح الطبيب قادراً على الوصول إلى جوهر المعرفة دون أن يغرق في تفاصيلها.

> من التراكم إلى هندسة المعرفة. في هذا النموذج الجديد، لم يعد متوقعاً من الطبيب أن يقرأ كل ما يُنشر، بل أن يركّز على ما هو الأكثر صلة بممارسته. لم يعد التعلّم سباقاً مع عدد المقالات، بل أصبح عملية اختيار واعٍ للمعلومة ذات القيمة.

وبدلاً من جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، أصبح التحدي في تنظيمها، وتصنيفها، وربطها بطريقة تساعد على الفهم واتخاذ القرار. لم تعد القيمة في كمية ما يُقرأ، بل في جودة ما يُفهم وكيفية استخدامه في السياق السريري.

وفي هذا الإطار، يصبح دور الطبيب أقرب إلى «مهندس معرفة»، يحدد ما يحتاج إليه، ويقيّم ما يُعرض عليه، ويتخذ القرار بناءً على فهم مركّز ومدعوم، وليس على قراءة عشوائية أو مجهدة.

حين تتحول المعرفة إلى تدفق عارم.. ويصبح القرار إنسانيا

أخطار خفيّة

• من الفهم إلى الاعتماد. لكن هذا التحول لا يخلو من أخطار. فحين يبدأ الذكاء الاصطناعي في تلخيص المعرفة، يظهر سؤال جوهري: هل ما نقرأه مفهوم فعلاً، أم أننا نكتفي بالاعتماد عليه؟

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة، أشار الفريق البحثي إلى أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية قد يغيّر أنماط التفكير السريري لدى الأطباء، خاصة عندما تُقدَّم النتائج بشكل جاهز ومختصر دون الحاجة إلى تحليل تفصيلي.

وأوضحت الدراسة أن هذا النمط من التفاعل مع المعرفة قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع مهارات التقييم النقدي، حيث يميل المستخدم إلى قبول المخرجات المدعومة بالخوارزميات دون تمحيص كافٍ.

وهنا يظهر خطر جديد: أن تتحول المعرفة من عملية فهم إلى عملية اعتماد.

• الطبيب في عصر «المصفاة الذكي». في عالم يفيض بالمعلومات، أصبح الذكاء الاصطناعي أشبه بـ«مصفاة ذكية» تمرّ عبرها الأبحاث قبل أن تصل إلى الطبيب. لكن هذه المصفاة، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحكم البشر؛ فالذكاء الاصطناعي قد يختار، لكنه لا يتحمّل مسؤولية القرار. وقد يلخّص، لكنه لا يدرك السياق الإنساني الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية.

وهنا تتضح معادلة المرحلة المقبلة: كلما زادت قدرة الأنظمة الذكية على تصفية المعرفة، ازدادت أهمية دور الطبيب في تفسيرها.

لم يعد الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي مجرد قارئ للمعلومة، بل أصبح مسؤولاً عن فهم ما وراءها، وتقدير حدودها، واتخاذ القرار النهائي بناءً على مزيج من المعرفة والخبرة والسياق الإنساني. وفي هذا التوازن تحديداً... يتحدد مستقبل الطب.

• ما الذي يبقى للطبيب؟ يبقى للطبيب ما لا تستطيع الخوارزميات أن تقوم به: الفهم، والحكم السريري، والقدرة على الربط بين ما تشير إليه البيانات وما يعيشه المريض في واقعه. فالأنظمة الذكية قادرة على تحليل الأنماط واستخلاص النتائج، لكنها لا تدرك السياق الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية؛ لا ترى القلق في عينَي المريض، ولا توازن بين الخيارات ضمن ظروفه الإنسانية والاجتماعية.

وماذا عما بعد القراءة؟ في زمنٍ يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي قراءة وتحليل آلاف المقالات يومياً، قد لا تكون المهارة الأهم للطبيب هي أن يقرأ أكثر، بل أن يعرف متى يتوقف عن القراءة، ويبدأ في التفكير؛ فالمعرفة وحدها لا تكفي.

الطب، في جوهره، ليس تراكم معلومات، بل فهم لما تعنيه هذه المعلومات في حياة المريض، وكيف تُترجم إلى قرار مسؤول في لحظة محددة.