مَن هم المتحكّمون بمقدرات الذكاء الاصطناعي؟

طروحات تعدُّه سباقاً جيوسياسياً للغلبة والفوز وليس نظاماً مجتمعياً ينبغي إدارته بحكمة

الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة
الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة
TT

مَن هم المتحكّمون بمقدرات الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة
الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة

في قاعات مجالس إدارة وادي السيليكون، تباشر مجموعة صغيرة من المديرين التنفيذيين في هدوء اتخاذ قرارات ستُشكّل مسار حياة المليارات من البشر. ومعظمنا لن يعرف ما هي تلك القرارات إلا بعد فوات الأوان لتغييرها.

خطة أميركية للذكاء الاصطناعي

نشر البيت الأبيض، في يوليو (تموز) الماضي، «خطة عمل الذكاء الاصطناعي الأميركية»، وهي وثيقة من 28 صفحة تبدو أشبه بسياسة صناعية لسباق تسلح جديد.

يكمن في الركيزة الأولى سطر يُخبرك بالضبط إلى أين تتجه سياسة الولايات المتحدة: «مراجعة إطار عمل إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي التابع للمعهد الوطني للمعايير والتقنية (NIST) لإزالة الإشارات إلى المعلومات المضللة، والتنوع، والمساواة، والشمول، وتغيرات المناخ».

عندما تبدأ الحكومات في شطب هذه الكلمات عن قصد، من الإنصاف أن نتساءل: مَن الذي يضع شروط مستقبلنا التكنولوجي - ولمن تكون الفائدة؟تخفيف الرقابة... وسباق جيوسياسي

هذا أكثر من مجرد كلام. تتباهى الخطة نفسها بإلغاء أمر الإدارة الأميركية السابقة بشأن الذكاء الاصطناعي، وتخفيف الرقابة، وتسريع وتيرة البنية التحتية والطاقة لمراكز البيانات. إنها تُعيد صياغة الذكاء الاصطناعي بصورة أساسية بوصفه سباقاً جيوسياسياً «للغلبة والفوز»، وليس بوصفه نظاماً مجتمعياً تنبغي إدارته. إنه منظور أقل تركيزاً حول الإشراف وأكثر توجهاً صوب إبرام الصفقات، وهو أسلوب حوكمة يُعامل السياسة العامة معاملة وثيقة الشروط. هذا التأطير مهم: فعندما يكون الهدف السياسي هو السرعة والهيمنة، تصبح المساءلة مجرد «شيء جميل مُضاف».

المسار الأوروبي

اختارت أوروبا مساراً مختلفاً تماماً: فرض القيود أولاً، ثم التوسع. دخل قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي حيز التنفيذ في أغسطس (آب) من عام 2024، ويفرض التزامات تدريجية حتى عام 2026، مع تصميم إنفاذ القانون بناءً على المخاطر. فهل هو منقوص؟ بكل تأكيد. لكن الرسالة لا لبس فيها: يتعين على المؤسسات الديمقراطية - وليس فقط على إدارات العلاقات العامة للشركات - تحديد الاستخدامات، والإفصاحات، والمسؤوليات المقبولة قبل أن تنتشر التكنولوجيا في كل مكان.

الشركات تتحكم بالذكاء الاصطناعي

في الآونة ذاتها، يتركز ثقل الذكاء الاصطناعي في قبضة عدد قليل من الشركات التي تتحكم في قدرات الحوسبة، والنماذج، والتوزيع. لنتحدث عن الحوسبة مثالاً - أي سعة الحوسبة القائمة على الأدوات المسرعة (التي تسرّع وقت وحدة معالجة الرسوميات/وحدة المعالجة المركزية المسرّعة) اللازمة لتدريب وتشغيل الذكاء الاصطناعي الحديث - بالإضافة إلى النماذج والتوزيع.

لا يزال المحللون يُقدِّرون حصة شركة «إنفيديا» الأميركية من مسرعات الذكاء الاصطناعي بنحو 90 في المائة، وتستحوذ شركات الحوسبة السحابية الكبرى على السعة لسنوات مقدماً. وهذه الندرة تُشكل مَن يستطيع التجربة، ومَن لا يستطيعها، ومن يدفع لمن مقابل الوصول إليها. وعندما يتعامل رئيس الدولة مع السياسة التكنولوجية مثل مصرفي استثماري، فإن تلك المفاوضات لا تدور حول المصلحة العامة؛ وإنما حول تعظيم الصفقة، غالباً لمصلحة خزينة الدولة، وأحياناً لتحقيق مكاسب سياسية.

غموض وتعقيد

وما يزيد الغموض والتعقيد، التفاف الشركات وانعدام شفافيتها، إذ يرفض التقرير التقني الخاص ببرنامج «تشات جي بي تي 4» الخاص بشركة «أوبن إيه آي» الكشف عن بيانات التدريب، أو حجم النموذج، أو قدرات الحوسبة المستخدمة، مستشهدا صراحة بالمنافسة والسلامة.

وبغض النظر عن رأيك في هذا المنطق، فإن ذلك يعني أن الشركات تطلب من المجتمع قبول أنظمة ذات تبعات كبيرة بينما يبقى المجتمع إلى حد كبير جاهلاً بما يدخل في تكوينها. إن عبارة «ثقوا بنا» ليست أسلوباً للحوكمة الحكيمة.

سلطة مُركزة

إذا كنت تريد مثالاً صغيراً ولكنه واضح عن كيفية تأثير الخيارات الخاصة على الحياة العامة، فانظر إلى ما حدث عندما أطلقت شركة «أوبن إيه آي» صوتاً جذاباً يُدعى «سكاي - Sky» اعتقد الكثيرون أنه يشبه صوت الممثلة سكارليت جوهانسون. بعد رد فعل عنيف من الجمهور، أوقفت الشركة هذا الصوت مؤقتاً.

وهنا نلاحظ أنه لم تُرسم حدود ثقافية من قِبل جهة تنظيمية أو محكمة، بل من قِبل فريق منتجات، وقرار شركة. وهذا يمثل قدراً كبيراً للغاية من السلطة لمجموعة صغيرة للغاية من الناس.

أضرار بيئية

تظهر السلطة أيضاً في فواتير الخدمات. يربط أحدث تقرير بيئي لشركة «غوغل» زيادة بنسبة 48 في المائة في انبعاثات الغازات الدفيئة منذ عام 2019 بنمو مراكز البيانات للذكاء الاصطناعي، ويوثق استخدام 6.1 مليار غالون من المياه في عام 2023 لأغراض التبريد - وهي أرقام سترتفع مع التوسع. يذهب تحليل دورة حياة «ميسترال - Mistral» إلى أبعد من ذلك، حيث يُقدّر استهلاك الطاقة والمياه لكل استعلام «prompt» لنماذجها. كل «استعلام للنموذج» له بصمة؛ إذا تضاعفت هذه الأرقام بالمليارات، فلن تتمكن من التظاهر بأنها مجانية، مهما كنتَ مُنكراً للتغيرات المناخية.

إذن، أجل، الولايات المتحدة «تفوز بالسباق». إلا أن تركيز القرارات التي تؤثر على حرية التعبير، والتوظيف، والتعليم، والبيئة في دائرة صغيرة للغاية من قاعات مجالس الإدارة. والنتيجة هي عجز ديمقراطي. فهنا يُختزل الجمهور إلى مجرد متفرجين، يتفاعلون مع الحقائق المفروضة بدلاً من وضع القواعد.بدائل وخيارات

ماذا لو عكسنا الوضع؟ نبدأ بمعاملة الذكاء الاصطناعي بصفته بنيةً تحتية تتطلب قدرات عامة، وليس فقط نفقات رأسمالية خاصة. تعكس مبادرة «المورد الوطني لأبحاث الذكاء الاصطناعي» التجريبية «National AI Research Resource pilot» التوجه الصحيح:

* أستاذ في جامعة آي إي، مدريد. مجلة «طفاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»• أولاً - امنح الباحثين والشركات الناشئة وصولاً مشتركاً إلى قدرات الحوسبة والبيانات والأدوات؛ حتى لا تكون الأبحاث مقيدة بعقود مع شركات الحوسبة السحابية الكبرى. اجعل الوصول مستمراً، وممولاً جيداً، ومستقلاً؛ لأن العلم المفتوح يموت عندما يصبح الوصول إليه مرهوناً باتفاقيات عدم الإفصاح.

• ثانياً - اربط الأموال والمشتريات العامة بشروط. إذا كانت الوكالات والمدارس ستشتري الذكاء الاصطناعي، فيجب أن تطلب إفصاحات أساسية: ما هي البيانات التي استُخدمت للتدريب؛ ما هي الضوابط التي تحكم المخرجات؛ ما هي الاختبارات المستقلة التي اجتازها النموذج؛ وسجل للطاقة والمياه مرتبط بالزمان والمكان، وليس بالمعدلات السنوية. إذا لم يستطع البائع تلبية هذه الشروط، فإنه لا يحصل على العقود. هذا ليس «معاداة للابتكار»، بل هو انضباط السوق الذي يتسق مع القيم العامة.

• ثالثاً - افصل الطبقات لكبح الاحتكار. لا ينبغي لمقدمي الخدمات السحابية أن يكونوا قادرين على فرض استخدام نموذجهم لرقائقهم لتشغيل خدماتهم كخيار افتراضي. إن قابلية التشغيل البيني ونقل البيانات ليستا مثاليات رومانسية؛ بل هما السبيل للحفاظ على قطاع تنافسي عندما تتحكم ثلاث شركات في البنية بأكملها.

أهمية الشفافية

• رابعاً - يجب أن تعني الشفافية أكثر من مجرد «بطاقات النماذج» التي يكتبها البائع. بالنسبة للأنظمة التي تتجاوز حجماً معيناً، يجب أن نطلب إفصاحات قابلة للتدقيق لأطراف ثالثة مؤهلة - حول مصدر بيانات التدريب، ومجموعات التقييم، وأداء ما بعد النشر. إذا كان هذا يبدو مرهقاً؛ فذلك لأن العواقب على نطاق واسع مرهقة كذلك. لقد تعلمنا هذا في كل بنية تحتية حيوية أخرى.

• خامساً - اجعل السرد البيئي يتواءم مع الواقع. يجب أن تكون إفصاحات المياه والطاقة فورية، وخاصة بالمنشأة، وموثقة.

إن «توفير المياه بحلول عام 2030» لا يساعد بلدة ما تُستنزف طبقة المياه الجوفية لديها في هذا العقد. إذا كانت الشركات تريد أن تكون سبّاقة في طرح النماذج الرائدة، فيجب أن تكون أيضاً الأولى في تطبيق شراء الطاقة الخالية من الكربون على مدار الساعة، وتحديد ميزانيات مياه صارمة ذات صلة بالعلوم المحلية لحركة وتوزيع وإدارة المياه.

خطر أعمق

هناك خطر أعمق عندما تُدار الاستراتيجية التكنولوجية الوطنية مثلما تدار محفظة الأعمال: إذ تصبح الكفاءة والإيرادات هي المقاييس الأساسية؛ ما يطغى على احتياجات المواطنين التي يصعب قياسها كمياً.

في القطاع الخاص، يمكن تبرير التضحية بالأخلاق أو الشفافية أو الاستقرار على المدى الطويل من أجل صفقة مربحة بأنها تهدف إلى زيادة قيمة المساهمين. أما في الحكومة، فتؤدي هذه المقايضة نفسها إلى تآكل الديمقراطية ذاتها؛ ما يركز القرارات في أيدي أقل، ويجعل منظور «الربح أولاً» طبيعياً في مسائل يجب أن تركز على الحقوق، والضمانات، وثقة الجمهور.

ليس الهدف هو إبطاء الذكاء الاصطناعي. وإنما أن نقرر، علناً، أي نوع من الذكاء الاصطناعي نريده وبأي شروط.

إن الولايات المتحدة قادرة على الجمع بين الطموح وضبط النفس في آن واحد؛ لقد فعلنا ذلك في مجالات الطيران، والطب، والتمويل. يجب ألا يكون الذكاء الاصطناعي مختلفاً عن ذلك. إذا تركنا الخيارات الكبرى لعدد قليل من الشركات وعدد قليل من المُعينين السياسيين، فسوف نحصل على مستقبل صُنع لأجلنا، وليس بواسطتنا. وسوف يكون ثمن إعادة كتابته لاحقاً أعلى مما يعترف به أي إنسان اليوم.* أستاذ في جامعة آي إي، مدريد. مجلة «طفاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«أبل» تعزز باقات «أيكلاود+» بخدمات جديدة دون زيادة في الأسعار

تكنولوجيا «أبل» تضيف «Apple TV» و«Apple Arcade» إلى باقات «iCloud+» بلا زيادة (أبل)

«أبل» تعزز باقات «أيكلاود+» بخدمات جديدة دون زيادة في الأسعار

التوسّع الجديد يجمع التخزين والترفيه والألعاب ضمن اشتراك واحد.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص أصعب التحديات تكمن في اكتشاف الوكلاء أو الأنظمة غير المعروفة داخل بيئة المؤسسة (أدوبي)

خاص «سبلانك» لـ«الشرق الأوسط»: تحدي الذكاء الاصطناعي المقبل هو معرفة ما يفعله الوكيل ولماذا

تنتقل شركة «سبلانك» من مراقبة الأنظمة إلى مراقبة وكلاء الذكاء الاصطناعي وحوكمتهم مع التركيز على الأمن والتكلفة والسيادة على البيانات.

نسيم رمضان (دنفر (الولايات المتحدة))
خاص تقدم «خرائط هدهد» تفاصيل محلية غنية غير موجودة في تطبيقات الخرائط الأخرى

خاص خرائط جغرافية بعقول سعودية خالصة: كيف تُعيد «خرائط هدهد» صياغة مفهوم السيادة الرقمية والتنقل الذكي؟

منصة وطنية متكاملة تدمج الذكاء الاصطناعي وتوطين المحتوى وسيادة البيانات لتقديم تجربة ملاحة وأعمال تتجاوز التطبيقات التقليدية

خلدون غسان سعيد (جدة)
خاص تربط الشركة نجاح برامج التدريب بقدرة المشاركين على تطبيق المهارات في وظائف ومشروعات فعلية وإنشاء منتجات أو خدمات وأعمال جديدة (غيتي)

خاص «سناب» لـ«الشرق الأوسط»: نستهدف تمكين أكثر من 20 ألف موهبة سعودية بحلول 2030

تستهدف «سناب» تمكين أكثر من 20 ألف موهبة سعودية بحلول 2030 وربط التدريب بالوظائف والابتكار والواقع المعزز وريادة الأعمال.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يعكس إطلاق الخدمة توجهاً نحو فصل أوضح بين التجربة المجانية والمزايا المتقدمة المدفوعة مع اختلاف التوافر بحسب التطبيق والمنطقة ونوع الحساب (ميتا)

«ميتا» توسع نموذج الاشتراكات المدفوعة عبر تطبيقاتها وتضيف مزايا أوسع للذكاء الاصطناعي

توسع «ميتا» نموذج الاشتراكات المدفوعة عبر تطبيقاتها مع أدوات ذكاء اصطناعي ومزايا إضافية للأفراد وصناع المحتوى والشركات، مع بقاء الأساس مجانياً.

نسيم رمضان (لندن)

رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية: «علينا الاستعداد لمعارك حول القمر»

حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر
حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر
TT

رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية: «علينا الاستعداد لمعارك حول القمر»

حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر
حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر

صرّح القائد العسكري الأعلى في الجيش الأميركي بأن القوات الأميركية يجب أن تكون على أهبة الاستعداد لخوض حرب بالقرب من القمر، أو ربما حتى عليه. ويأتي هذا التصريح في وقتٍ لا يزال فيه قادة الجيش يدرسون الأطر القانونية المحيطة بالأسلحة المدارية التي كُشِف عنها حديثاً، كما كتب توماس نوفيلّي(*).

معارك من قاع البحر إلى الفضاء القريب من القمر

وقال الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، خلال كلمته الرئيسية أمام الطيارين والحراس وقادة الصناعات الجوية والفضائية في مؤتمر الفضاء والجو والفضاء الإلكتروني: «مهمتنا، يا أصدقائي هي التكيف الآن، حتى تكون القوات المشتركة مستعدة للقتال والصمود والانتصار في بيئات التنازع العالمية، من قاع البحر إلى الفضاء القريب من القمر».

وكرر كين لاحقاً الفكرة نفسها - «ساحة المعركة الحديثة اليوم تمتد من قاع البحر إلى الفضاء القريب من القمر» - لكنه لم يوضح ما إذا كان يقصد سطح القمر. ويتسم القانون الأميركي بالغموض، إذ يُعرّف الفضاء القريب من القمر بأنه «المنطقة الفضائية الممتدة من الأرض إلى المنطقة المحيطة بسطح القمر، بما في ذلك تلك المنطقة».

وقد فسّرت إحدى مقالات مجلة هارفارد للقانون هذا البند على أنه يشمل سطح القمر نفسه، كما نصّت خطة العمل الوطنية للعلوم والتكنولوجيا القريبة من القمر الصادرة عن البيت الأبيض في أواخر عام 2024 صراحةً على أنها تشمل سطح القمر. إلا أن «دليل الفضاء القريب من القمر» الصادر عن مختبر أبحاث القوات الجوية عام 2021 يبدو أنه يتعامل مع الفضاء وسطح القمر كمجالين منفصلين.

أسلحة في مدارات فضائية

وأشار كين إلى تصريحات أدلى بها أخيراً وزير القوات الجوية ورئيس عمليات الفضاء في القوات الفضائية حول الأسلحة المدارية. وقد تردد كبار مسؤولي القوات الفضائية في تقديم مزيد من التفاصيل حول كيفية عملهم في هذا المجال وكيفية استخدامهم للأسلحة الفضائية بشكل مسؤول في النزاعات المستقبلية.

أجهزة استشعار قرب القمر

وبينما لم يُقدّم كبار مسؤولي القوات الفضائية سوى القليل من التفاصيل حول كيفية خوض القوات الأميركية للقتال بين الأرض والقمر، فقد أبدوا رغبتهم في إضافة أجهزة استشعار وقدرات لمراقبة تحركات العدو هناك. قال آرون برينيلدسون، أستاذ قانون الفضاء في جامعة ميسيسيبي، إنه من المفهوم رغبة الجيش في تعزيز الوعي في تلك المنطقة.

وأضاف برينيلدسون: «هناك مخاوف من أن تتجاوز الأنشطة الصينية الأخيرة على سطح القمر وفي الفضاء القريب منه أنشطة الولايات المتحدة».

خرق المعاهدات الدولية

وتحظر معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، التي وقّعتها الولايات المتحدة، بعض الممارسات العسكرية على سطح القمر، وتنص على استخدامه «حصرياً للأغراض السلمية». ونصت على أن «يُحظر إنشاء قواعد ومنشآت وتحصينات عسكرية، واختبار أي نوع من الأسلحة، وإجراء مناورات عسكرية على الأجرام السماوية. ولا يُحظر استخدام الأفراد العسكريين في البحوث العلمية أو لأي أغراض سلمية أخرى».

وصرح الفريق غريغوري غانيون، قائد قيادة القوات القتالية في القوات الفضائية، للصحافيين خلال اجتماع مائدة مستديرة، بأن السربين الثامن عشر والتاسع عشر للدفاع الفضائي يتشاركان الآن مهمة العمليات في الفضاء القريب من القمر. وأضاف: «خصومنا، خصومنا المحتملون مثل جمهورية الصين الشعبية، يسعون بنشاط إلى القيام بأنشطة في المناطق القريبة من القمر. وهذا بمثابة توسيع، إن صح التعبير، لمنطقة النهاية في لعبة كرة القدم».

وعند سؤاله عما إذا كانت معاهدة الفضاء الخارجي تحد من طموحات الجيش في الفضاء القريب من القمر، قال غانيون إنها لا تحدّ من العمليات المدارية. وأكد قائلاً: «ستواصل القوات الفضائية الأميركية تنفيذ عمليات فضائية آمنة ومسؤولة في جميع مناطق الفضاء وفي جميع المدارات».

التفاف قانوني

وقال برينيلدسون إنه بينما تحظر المعاهدة إنشاء قواعد عسكرية على سطح القمر، «تحتاج الولايات المتحدة إلى قدرات أفضل في الفضاء القريب من القمر لضمان امتثال الصين لهذا الالتزام وعدم عسكرة القمر. هناك فجوة حقيقية في التغطية من جانب الولايات المتحدة يجب سدّها».

أثار الكشف الذي أدلى به هذا الأسبوع وزير القوات الجوية تروي مينك ورئيس عمليات الفضاء الجنرال دوغلاس شييس عن امتلاك الولايات المتحدة أسلحة للتحكم في الفضاء في المدار تساؤلات قانونية حول استخدامها المسؤول. وقد تكهن الخبراء بأن هذه الأسلحة على الأرجح غير حركية، مثل أجهزة التشويش وقدرات الحرب الإلكترونية.

وعندما سُئل غانيون عما إذا كانت السياسة الأميركية تحدّ من استخدام سلاح فضائي حركي، أي ذي قدرة تدميرية من شأنها أن تُحدث حطاماً، أحال الأمر إلى مكاتب السياسات. وقال: «لدينا قدرات عسكرية لأننا نستعد للدفاع عن الوطن. والسبب في امتلاكنا لهذه القدرات هو المساعدة في خلق الردع. عندما تخوض حرباً، فإنك تُلحق أضراراً بالأشياء».

وأضاف برينيلدسون: «ليس من الواضح ما هي القيود القانونية المفروضة على استخدام الأسلحة الحركية أو غير الحركية في الفضاء. ولا تقدم معاهدة الفضاء الخارجي إجابات شافية حول العوامل التي يجب مراعاتها في أي عمل عسكري». وقال: «في نهاية المطاف، أعتقد أن أول صراع فضائي قد يكون الوقت الذي تُصاغ فيه معظم هذه القواعد».

* «مجلة «وان ديفينس»، خدمات «تريبيون ميديا».


«ناسا» تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على القمر

عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على القمر

عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)

اكتشف باحث في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر، في حدث نادر يقول العلماء إنه قد لا يتكرّر سوى مرة كل قرن أو أكثر.

وأوضحت ناسا أن عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» (McGetchin)، يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب، فيما قدّر الباحثون أن الجسم الذي تسبب بها كان بحجم مبنى يتألف من ثلاث إلى سِت طبقات. وقالت ناسا «يقدّر العلماء أن اصطداما بهذا الحجم يحدث على القمر مرة كل قرن» أو أكثر.

ورغم أن الفوهة موجودة منذ سنوات، فإنها لم تُكتشف إلا عندما لاحظها الباحث روبرت فاغنر خلال تحليل صور جديدة التقطها مسبار «مستكشف القمر المداري» (LRO)، الذي يدرس القمر منذ العام 2009. وظهرت الفوهة في الصور على شكل «بقعة ساطعة كبيرة تحيط بها هالة داكنة».

وأشارت دراسة نُشرت الأربعاء في مجلة «ساينس أدفانسيز» إلى أن هذه الفوهة تمثّل أكبر فوهة حديثة التكوين جرى اكتشافها في النظام الشمسي حتى الآن. ويقول العلماء إن دراسة تشكُّل الفوهات الحديثة تساعد على فهم جيولوجيا القمر بصورة أفضل، ما قد يساهم في التحضير للبعثات المأهولة المستقبلية التي تخطّط لها كل من الولايات المتحدة والصين.


«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي
TT

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

لسنوات متتالية، حذَّرت منظمات سلامة الذكاء الاصطناعي من أن المختبرات الكبرى تتسابق لتطوير أنظمة أكثر ذكاءً واستقلالية، دون استراتيجية واضحة وواقعية لإدارة المخاطر. وأكد باحثون مستقلون أن الاستثمارات في السلامة والتوافق تتخلف كثيراً عن الاستثمارات في القدرات. وقد استقال موظفون، وتوقع بعض الخبراء وقوع كارثة، ولم يُسهم أي من ذلك في إبطاء هذا السباق.

تحذيرات قوية من الباحثين

لكن خلال الأسابيع القليلة الماضية، بدأت التحذيرات تتخذ منحى مختلفاً؛ إذ باتت تصدر بشكل متزايد من العاملين داخل المختبرات. في الأسبوع الماضي، أعلن باحث الذكاء الاصطناعي جاكوب كوكسون استقالته من شركة «أنثروبيك» في منشور حصد أكثر من 171 مليون مشاهدة على منصة «إكس». وبعد ذلك بوقت قصير، أيَّد إيفان هوبينغر، رئيس قسم علوم التوافق في «أنثروبيك» كوكسون علناً، وكذلك فعل إيثان بيريز، باحث التوافق في «أنثروبيك»، وسامويل ماركس، باحث الإشراف القابل للتوسع. كما أيَّدته جولي ستيل وجاسمين وانغ، باحثتا السلامة في شركة «أوبن إيه آي».

«الذكاء الخارق»... مقامرة بحياة البشر

لماذا الآن؟ يُشير كوكسون في تغريدته إلى جزءٍ واضح من الإجابة: «إنهم يتسابقون نحو الذكاء الخارق المُتطور ذاتياً، ويُقامرون بحياتنا». ويُشير كوكسون هنا إلى مفهوم تقني يُسمى «التحسين الذاتي المُتكرر» (recursive self-improvement)، أو استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية لبناء نماذج جديدة وتحسينها.

الذكاء الاصطناعي بدأ يتحكم

ويُمكن للباحثين الآن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في مراحل كثيرة من عملية تطوير النماذج. يُمكنهم استخدامها لتصميم بنية تحتية حاسوبية جديدة تُوفر قوة حاسوبية وكفاءة وسرعة معالجة أكبر. كما يُمكن استخدامها لإنشاء بيانات تدريب أكثر وأفضل، أو لإدارة وتحسين إطار البرمجيات الذي يُنظم تدريب النموذج. أو يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة وتحسين الشفرة البرمجية التي تُحدد النموذج وتُنفذه.

بعبارة أخرى، لا تكتفي نماذج الذكاء الاصطناعي بالتحسن فحسب؛ بل بدأت تتولى زمام العمل اللازم لتطوير الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي.

مضاعفة إنتاجية البحث

على سبيل المثال، صرَّحت شركة «أوبن إيه آي» أخيراً بأن برامجها تُساهم بالفعل في «تسريع وتيرة البحث العلمي» داخل الشركة. وبحلول منتصف أغسطس (آب) كانت مؤسستها البحثية تستخدم 3.1 يوم عمل للوكلاء الأذكياء لكل يوم عمل بشري، وقالت الشركة إنها وصلت إلى ما تسميه «متدربَ بحث آلياً».

وأكدت شركة «أنثروبيك» بالمثل أن نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة تُسهم الآن في تطوير النماذج اللاحقة لها.

نماذج تولِّد نماذج أذكى

يُعدُّ ابتكار نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تولي هذه المهام أحد الأسباب التي دفعت «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، و«غوغل» إلى التركيز على تطوير مساعدي برمجة الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود كود»، و«كوديكس»، و«أنتيغرافيتي». وقد استغلت أقسام الهندسة في مختلف المؤسسات هذه الأدوات لتسريع تطوير برامجها، ما وفَّر مصدر دخل بالغ الأهمية لمختبرات الذكاء الاصطناعي. ولكن داخل هذه المختبرات، يُمكن استخدام الأنظمة نفسها لتسريع تطوير نماذج ذكاء اصطناعي جديدة.

ومع ازدياد قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء مهامه، تتراكم التحسينات والكفاءات، ما يُؤدي في النهاية إلى نموذج أكثر ذكاءً. ويمكن استخدام هذا النموذج، أو وكلاء الذكاء الاصطناعي التي يُشغّلها، لتطوير البنية التحتية وكتابة الشيفرة المستخدمة في الجيل التالي من النماذج.

التوصل إلى «ذكاء خارق»

وقد تبدأ هذه الحلقة المتكررة بالعمل بوتيرة أسرع فأسرع، مع تولي الذكاء الاصطناعي مزيداً من مراحل عملية التطوير. وبذلك، يُمكن أن يُصبح تطوير النماذج مع التحسين الذاتي المتكرر عملية مستمرة. قد تتحقق المكاسب في مجال الذكاء بشكل أسرع وأوسع، ما يمهد الطريق نحو ذكاء اصطناعي فائق.

انفلات الذكاء الاصطناعي خارج الإشراف البشري

وقد أثارت الحادثة التي وقعت لـشركة «هاغنغ فيس» هذا الصيف مخاوف كبيرة، ومهدت الطريق لإعلان كوكسون الذي انتشر كالنار في الهشيم. فقد خرجت أسراب من وكلاء «أوبن أيه آي» عن السيطرة، وخرجت من بيئة التدريب، ووصلت إلى الإنترنت، واخترقت خوادم الشركة؛ بل واخترقت خوادم «أوبن إيه آي» نفسها. وقد نبهت هذه الحادثة الناس إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تطورت إلى درجة يمكنها معها العمل خارج الإشراف البشري؛ بل وضد مصالح البشر.

بعد 4 أيام من استقالة كوكسون، نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، مقالاً جديداً بعنوان «يجب علينا ضبط وتيرة التقدم في التقنيات الرائدة» We Must Pace the Frontier)) دعا فيه إلى إبطاء وتيرة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً.

ومن جانبها، صرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأنها ستقوم «بإبطاء أو إيقاف» عمليات التطوير أو النشر، في حال كانت مخاطر السلامة غير مقبولة. كما أعرب كبير العلماء في الشركة، جاكوب باتشوك، عن أمله في أن يصبح التباطؤ الطوعي ممارسة شائعة.

وقد دعت «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» الحكومات إلى التدخل وضبط «وتيرة» تطوير الذكاء الاصطناعي.

انعدام الالتزام

ومع ذلك، لم تلتزم أي من الشركتين بإبطاء تطوير ونشر النماذج الجديدة بشكل مستمر. فبالنسبة لهذه المختبرات، لا تُعد عملية الإبطاء أمراً بسيطاً؛ إذ يبرز تساؤل مفاده: ماذا لو أبطأت المختبرات «أ» وتيرتها بينما واصلت المختبرات «ب» السباق نحو الأمام؟

وفي هذا السياق، يدعو ديفيد ساكس -الذي شغل سابقاً منصب مسؤول ملف الذكاء الاصطناعي في إدارة ترمب- مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى ضبط وتيرة عملها ذاتياً. وفي المقابل، يرى الرئيس دونالد ترمب أنه لا مجال لإبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي، نظراً للمنافسة القائمة مع الصين؛ حيث كتب على منصة «تروث سوشيال» يقول: «من يفوز في سباق الذكاء الاصطناعي، يفوز بكل شيء!».

وفي مقاله، دعا أمودي أيضاً إلى «دمج» جهات تقييم مستقلة -مثل مؤسسات: «METR» و«Apollo Research» و«Redwood Research»- داخل هذه المختبرات. وقد أيد سام ألتمان -الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»- هذه الفكرة، وأكد أن شركته ستشارك فيها. وفي الوقت نفسه، يعكف المشرعون -ومعظمهم من الديمقراطيين- على اقتراح تشريعات من شأنها تعزيز دور الحكومة في الإشراف على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة.

كفاءة تقنية أعلى... وإشراف أدنى

إن فهم توقيت هذه التحركات ليس بالأمر الصعب؛ فأنظمة الذكاء الاصطناعي تزداد كفاءة في العمل بأقل قدر من الإشراف البشري، وفي الوقت ذاته، باتت تتولى جزءاً متزايداً من المهام المتعلقة بتطوير الجيل القادم من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولا تكمن المخاوف ببساطة في استمرار ازدياد ذكاء نماذج الذكاء الاصطناعي؛ بل في أن عملية جعلها أكثر ذكاءً قد تتسارع لدرجة تفقد معها البشرية قدرتها -أكثر فأكثر- على مراقبة ما يحدث، أو إبطاء وتيرته، أو فرض معايير السلامة والمواءمة.

* مجلة «فاست كومباني».