مَن هم المتحكّمون بمقدرات الذكاء الاصطناعي؟

طروحات تعدُّه سباقاً جيوسياسياً للغلبة والفوز وليس نظاماً مجتمعياً ينبغي إدارته بحكمة

الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة
الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة
TT

مَن هم المتحكّمون بمقدرات الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة
الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة

في قاعات مجالس إدارة وادي السيليكون، تباشر مجموعة صغيرة من المديرين التنفيذيين في هدوء اتخاذ قرارات ستُشكّل مسار حياة المليارات من البشر. ومعظمنا لن يعرف ما هي تلك القرارات إلا بعد فوات الأوان لتغييرها.

خطة أميركية للذكاء الاصطناعي

نشر البيت الأبيض، في يوليو (تموز) الماضي، «خطة عمل الذكاء الاصطناعي الأميركية»، وهي وثيقة من 28 صفحة تبدو أشبه بسياسة صناعية لسباق تسلح جديد.

يكمن في الركيزة الأولى سطر يُخبرك بالضبط إلى أين تتجه سياسة الولايات المتحدة: «مراجعة إطار عمل إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي التابع للمعهد الوطني للمعايير والتقنية (NIST) لإزالة الإشارات إلى المعلومات المضللة، والتنوع، والمساواة، والشمول، وتغيرات المناخ».

عندما تبدأ الحكومات في شطب هذه الكلمات عن قصد، من الإنصاف أن نتساءل: مَن الذي يضع شروط مستقبلنا التكنولوجي - ولمن تكون الفائدة؟تخفيف الرقابة... وسباق جيوسياسي

هذا أكثر من مجرد كلام. تتباهى الخطة نفسها بإلغاء أمر الإدارة الأميركية السابقة بشأن الذكاء الاصطناعي، وتخفيف الرقابة، وتسريع وتيرة البنية التحتية والطاقة لمراكز البيانات. إنها تُعيد صياغة الذكاء الاصطناعي بصورة أساسية بوصفه سباقاً جيوسياسياً «للغلبة والفوز»، وليس بوصفه نظاماً مجتمعياً تنبغي إدارته. إنه منظور أقل تركيزاً حول الإشراف وأكثر توجهاً صوب إبرام الصفقات، وهو أسلوب حوكمة يُعامل السياسة العامة معاملة وثيقة الشروط. هذا التأطير مهم: فعندما يكون الهدف السياسي هو السرعة والهيمنة، تصبح المساءلة مجرد «شيء جميل مُضاف».

المسار الأوروبي

اختارت أوروبا مساراً مختلفاً تماماً: فرض القيود أولاً، ثم التوسع. دخل قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي حيز التنفيذ في أغسطس (آب) من عام 2024، ويفرض التزامات تدريجية حتى عام 2026، مع تصميم إنفاذ القانون بناءً على المخاطر. فهل هو منقوص؟ بكل تأكيد. لكن الرسالة لا لبس فيها: يتعين على المؤسسات الديمقراطية - وليس فقط على إدارات العلاقات العامة للشركات - تحديد الاستخدامات، والإفصاحات، والمسؤوليات المقبولة قبل أن تنتشر التكنولوجيا في كل مكان.

الشركات تتحكم بالذكاء الاصطناعي

في الآونة ذاتها، يتركز ثقل الذكاء الاصطناعي في قبضة عدد قليل من الشركات التي تتحكم في قدرات الحوسبة، والنماذج، والتوزيع. لنتحدث عن الحوسبة مثالاً - أي سعة الحوسبة القائمة على الأدوات المسرعة (التي تسرّع وقت وحدة معالجة الرسوميات/وحدة المعالجة المركزية المسرّعة) اللازمة لتدريب وتشغيل الذكاء الاصطناعي الحديث - بالإضافة إلى النماذج والتوزيع.

لا يزال المحللون يُقدِّرون حصة شركة «إنفيديا» الأميركية من مسرعات الذكاء الاصطناعي بنحو 90 في المائة، وتستحوذ شركات الحوسبة السحابية الكبرى على السعة لسنوات مقدماً. وهذه الندرة تُشكل مَن يستطيع التجربة، ومَن لا يستطيعها، ومن يدفع لمن مقابل الوصول إليها. وعندما يتعامل رئيس الدولة مع السياسة التكنولوجية مثل مصرفي استثماري، فإن تلك المفاوضات لا تدور حول المصلحة العامة؛ وإنما حول تعظيم الصفقة، غالباً لمصلحة خزينة الدولة، وأحياناً لتحقيق مكاسب سياسية.

غموض وتعقيد

وما يزيد الغموض والتعقيد، التفاف الشركات وانعدام شفافيتها، إذ يرفض التقرير التقني الخاص ببرنامج «تشات جي بي تي 4» الخاص بشركة «أوبن إيه آي» الكشف عن بيانات التدريب، أو حجم النموذج، أو قدرات الحوسبة المستخدمة، مستشهدا صراحة بالمنافسة والسلامة.

وبغض النظر عن رأيك في هذا المنطق، فإن ذلك يعني أن الشركات تطلب من المجتمع قبول أنظمة ذات تبعات كبيرة بينما يبقى المجتمع إلى حد كبير جاهلاً بما يدخل في تكوينها. إن عبارة «ثقوا بنا» ليست أسلوباً للحوكمة الحكيمة.

سلطة مُركزة

إذا كنت تريد مثالاً صغيراً ولكنه واضح عن كيفية تأثير الخيارات الخاصة على الحياة العامة، فانظر إلى ما حدث عندما أطلقت شركة «أوبن إيه آي» صوتاً جذاباً يُدعى «سكاي - Sky» اعتقد الكثيرون أنه يشبه صوت الممثلة سكارليت جوهانسون. بعد رد فعل عنيف من الجمهور، أوقفت الشركة هذا الصوت مؤقتاً.

وهنا نلاحظ أنه لم تُرسم حدود ثقافية من قِبل جهة تنظيمية أو محكمة، بل من قِبل فريق منتجات، وقرار شركة. وهذا يمثل قدراً كبيراً للغاية من السلطة لمجموعة صغيرة للغاية من الناس.

أضرار بيئية

تظهر السلطة أيضاً في فواتير الخدمات. يربط أحدث تقرير بيئي لشركة «غوغل» زيادة بنسبة 48 في المائة في انبعاثات الغازات الدفيئة منذ عام 2019 بنمو مراكز البيانات للذكاء الاصطناعي، ويوثق استخدام 6.1 مليار غالون من المياه في عام 2023 لأغراض التبريد - وهي أرقام سترتفع مع التوسع. يذهب تحليل دورة حياة «ميسترال - Mistral» إلى أبعد من ذلك، حيث يُقدّر استهلاك الطاقة والمياه لكل استعلام «prompt» لنماذجها. كل «استعلام للنموذج» له بصمة؛ إذا تضاعفت هذه الأرقام بالمليارات، فلن تتمكن من التظاهر بأنها مجانية، مهما كنتَ مُنكراً للتغيرات المناخية.

إذن، أجل، الولايات المتحدة «تفوز بالسباق». إلا أن تركيز القرارات التي تؤثر على حرية التعبير، والتوظيف، والتعليم، والبيئة في دائرة صغيرة للغاية من قاعات مجالس الإدارة. والنتيجة هي عجز ديمقراطي. فهنا يُختزل الجمهور إلى مجرد متفرجين، يتفاعلون مع الحقائق المفروضة بدلاً من وضع القواعد.بدائل وخيارات

ماذا لو عكسنا الوضع؟ نبدأ بمعاملة الذكاء الاصطناعي بصفته بنيةً تحتية تتطلب قدرات عامة، وليس فقط نفقات رأسمالية خاصة. تعكس مبادرة «المورد الوطني لأبحاث الذكاء الاصطناعي» التجريبية «National AI Research Resource pilot» التوجه الصحيح:

* أستاذ في جامعة آي إي، مدريد. مجلة «طفاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»• أولاً - امنح الباحثين والشركات الناشئة وصولاً مشتركاً إلى قدرات الحوسبة والبيانات والأدوات؛ حتى لا تكون الأبحاث مقيدة بعقود مع شركات الحوسبة السحابية الكبرى. اجعل الوصول مستمراً، وممولاً جيداً، ومستقلاً؛ لأن العلم المفتوح يموت عندما يصبح الوصول إليه مرهوناً باتفاقيات عدم الإفصاح.

• ثانياً - اربط الأموال والمشتريات العامة بشروط. إذا كانت الوكالات والمدارس ستشتري الذكاء الاصطناعي، فيجب أن تطلب إفصاحات أساسية: ما هي البيانات التي استُخدمت للتدريب؛ ما هي الضوابط التي تحكم المخرجات؛ ما هي الاختبارات المستقلة التي اجتازها النموذج؛ وسجل للطاقة والمياه مرتبط بالزمان والمكان، وليس بالمعدلات السنوية. إذا لم يستطع البائع تلبية هذه الشروط، فإنه لا يحصل على العقود. هذا ليس «معاداة للابتكار»، بل هو انضباط السوق الذي يتسق مع القيم العامة.

• ثالثاً - افصل الطبقات لكبح الاحتكار. لا ينبغي لمقدمي الخدمات السحابية أن يكونوا قادرين على فرض استخدام نموذجهم لرقائقهم لتشغيل خدماتهم كخيار افتراضي. إن قابلية التشغيل البيني ونقل البيانات ليستا مثاليات رومانسية؛ بل هما السبيل للحفاظ على قطاع تنافسي عندما تتحكم ثلاث شركات في البنية بأكملها.

أهمية الشفافية

• رابعاً - يجب أن تعني الشفافية أكثر من مجرد «بطاقات النماذج» التي يكتبها البائع. بالنسبة للأنظمة التي تتجاوز حجماً معيناً، يجب أن نطلب إفصاحات قابلة للتدقيق لأطراف ثالثة مؤهلة - حول مصدر بيانات التدريب، ومجموعات التقييم، وأداء ما بعد النشر. إذا كان هذا يبدو مرهقاً؛ فذلك لأن العواقب على نطاق واسع مرهقة كذلك. لقد تعلمنا هذا في كل بنية تحتية حيوية أخرى.

• خامساً - اجعل السرد البيئي يتواءم مع الواقع. يجب أن تكون إفصاحات المياه والطاقة فورية، وخاصة بالمنشأة، وموثقة.

إن «توفير المياه بحلول عام 2030» لا يساعد بلدة ما تُستنزف طبقة المياه الجوفية لديها في هذا العقد. إذا كانت الشركات تريد أن تكون سبّاقة في طرح النماذج الرائدة، فيجب أن تكون أيضاً الأولى في تطبيق شراء الطاقة الخالية من الكربون على مدار الساعة، وتحديد ميزانيات مياه صارمة ذات صلة بالعلوم المحلية لحركة وتوزيع وإدارة المياه.

خطر أعمق

هناك خطر أعمق عندما تُدار الاستراتيجية التكنولوجية الوطنية مثلما تدار محفظة الأعمال: إذ تصبح الكفاءة والإيرادات هي المقاييس الأساسية؛ ما يطغى على احتياجات المواطنين التي يصعب قياسها كمياً.

في القطاع الخاص، يمكن تبرير التضحية بالأخلاق أو الشفافية أو الاستقرار على المدى الطويل من أجل صفقة مربحة بأنها تهدف إلى زيادة قيمة المساهمين. أما في الحكومة، فتؤدي هذه المقايضة نفسها إلى تآكل الديمقراطية ذاتها؛ ما يركز القرارات في أيدي أقل، ويجعل منظور «الربح أولاً» طبيعياً في مسائل يجب أن تركز على الحقوق، والضمانات، وثقة الجمهور.

ليس الهدف هو إبطاء الذكاء الاصطناعي. وإنما أن نقرر، علناً، أي نوع من الذكاء الاصطناعي نريده وبأي شروط.

إن الولايات المتحدة قادرة على الجمع بين الطموح وضبط النفس في آن واحد؛ لقد فعلنا ذلك في مجالات الطيران، والطب، والتمويل. يجب ألا يكون الذكاء الاصطناعي مختلفاً عن ذلك. إذا تركنا الخيارات الكبرى لعدد قليل من الشركات وعدد قليل من المُعينين السياسيين، فسوف نحصل على مستقبل صُنع لأجلنا، وليس بواسطتنا. وسوف يكون ثمن إعادة كتابته لاحقاً أعلى مما يعترف به أي إنسان اليوم.* أستاذ في جامعة آي إي، مدريد. مجلة «طفاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تُظهر بيانات عام 2025 أن الغالبية العظمى من هجمات التصيد الاحتيالي تستهدف سرقة بيانات تسجيل الدخول للحسابات الإلكترونية (شاترستوك)

47 مليون رابط تصيد احتيالي استهدف مستخدمي الشرق الأوسط خلال عام

تكشف «كاسبرسكي» تصاعد التصيد الاحتيالي في الشرق الأوسط حيث تُسرق بيانات الدخول ويُعاد بيعها، ما يحول الهجمات الفردية إلى مخاطر سيبرانية طويلة الأمد.

نسيم رمضان (لندن)
خاص خبراء: سيادة الذكاء الاصطناعي باتت محوراً استراتيجياً يُعاد عبرها تعريفه بوصفه بنية تحتية وطنية وصناعية لا أدوات تقنية منفصلة (شاترستوك)

خاص من التجارب إلى المصانع... كيف يتحول الذكاء الاصطناعي بنيةً تحتية وطنية؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي في الخليج من مرحلة التجارب إلى أنظمة تشغيلية سيادية، تُبنى بوصفها بنيةً تحتية صناعية وطنية قادرة على التوسع والحوكمة وتحقيق قيمة اقتصادية

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا شهد المعرض آلاف المنتجات الاستهلاكية توزعت في مختلف المعارض وقاعات الفنادق في لاس فيغاس بأكملها (أ.ب)

في معرض «المنتجات الاستهلاكية»… هل تجاوزت تقنيات الصحة مفهوماً أوسع للعافية؟

تبرز تقنيات الصحة بوصفها قطاعاً ناضجاً ينتقل من الأجهزة القابلة للارتداء إلى حلول وقائية منزلية شاملة، جامعة الذكاء الاصطناعي وسهولة الاستخدام لمراقبة العافية.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص تنسيق النماذج أصبح ضرورياً خصوصاً في بيئات المؤسسات التي تتطلب حلولاً متخصصة حسب القطاع (أدوبي)

خاص هل يلبّي نموذج «الذكاء الاصطناعي الواحد» متطلبات عالم متعدد الأجهزة؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على نموذج واحد إلى أنظمة ذكية متعددة تعمل بتنسيق عبر الأجهزة من خلال نظام «كيرا» من «لينوفو».

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».