مَن هم المتحكّمون بمقدرات الذكاء الاصطناعي؟

طروحات تعدُّه سباقاً جيوسياسياً للغلبة والفوز وليس نظاماً مجتمعياً ينبغي إدارته بحكمة

الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة
الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة
TT

مَن هم المتحكّمون بمقدرات الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة
الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة

في قاعات مجالس إدارة وادي السيليكون، تباشر مجموعة صغيرة من المديرين التنفيذيين في هدوء اتخاذ قرارات ستُشكّل مسار حياة المليارات من البشر. ومعظمنا لن يعرف ما هي تلك القرارات إلا بعد فوات الأوان لتغييرها.

خطة أميركية للذكاء الاصطناعي

نشر البيت الأبيض، في يوليو (تموز) الماضي، «خطة عمل الذكاء الاصطناعي الأميركية»، وهي وثيقة من 28 صفحة تبدو أشبه بسياسة صناعية لسباق تسلح جديد.

يكمن في الركيزة الأولى سطر يُخبرك بالضبط إلى أين تتجه سياسة الولايات المتحدة: «مراجعة إطار عمل إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي التابع للمعهد الوطني للمعايير والتقنية (NIST) لإزالة الإشارات إلى المعلومات المضللة، والتنوع، والمساواة، والشمول، وتغيرات المناخ».

عندما تبدأ الحكومات في شطب هذه الكلمات عن قصد، من الإنصاف أن نتساءل: مَن الذي يضع شروط مستقبلنا التكنولوجي - ولمن تكون الفائدة؟تخفيف الرقابة... وسباق جيوسياسي

هذا أكثر من مجرد كلام. تتباهى الخطة نفسها بإلغاء أمر الإدارة الأميركية السابقة بشأن الذكاء الاصطناعي، وتخفيف الرقابة، وتسريع وتيرة البنية التحتية والطاقة لمراكز البيانات. إنها تُعيد صياغة الذكاء الاصطناعي بصورة أساسية بوصفه سباقاً جيوسياسياً «للغلبة والفوز»، وليس بوصفه نظاماً مجتمعياً تنبغي إدارته. إنه منظور أقل تركيزاً حول الإشراف وأكثر توجهاً صوب إبرام الصفقات، وهو أسلوب حوكمة يُعامل السياسة العامة معاملة وثيقة الشروط. هذا التأطير مهم: فعندما يكون الهدف السياسي هو السرعة والهيمنة، تصبح المساءلة مجرد «شيء جميل مُضاف».

المسار الأوروبي

اختارت أوروبا مساراً مختلفاً تماماً: فرض القيود أولاً، ثم التوسع. دخل قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي حيز التنفيذ في أغسطس (آب) من عام 2024، ويفرض التزامات تدريجية حتى عام 2026، مع تصميم إنفاذ القانون بناءً على المخاطر. فهل هو منقوص؟ بكل تأكيد. لكن الرسالة لا لبس فيها: يتعين على المؤسسات الديمقراطية - وليس فقط على إدارات العلاقات العامة للشركات - تحديد الاستخدامات، والإفصاحات، والمسؤوليات المقبولة قبل أن تنتشر التكنولوجيا في كل مكان.

الشركات تتحكم بالذكاء الاصطناعي

في الآونة ذاتها، يتركز ثقل الذكاء الاصطناعي في قبضة عدد قليل من الشركات التي تتحكم في قدرات الحوسبة، والنماذج، والتوزيع. لنتحدث عن الحوسبة مثالاً - أي سعة الحوسبة القائمة على الأدوات المسرعة (التي تسرّع وقت وحدة معالجة الرسوميات/وحدة المعالجة المركزية المسرّعة) اللازمة لتدريب وتشغيل الذكاء الاصطناعي الحديث - بالإضافة إلى النماذج والتوزيع.

لا يزال المحللون يُقدِّرون حصة شركة «إنفيديا» الأميركية من مسرعات الذكاء الاصطناعي بنحو 90 في المائة، وتستحوذ شركات الحوسبة السحابية الكبرى على السعة لسنوات مقدماً. وهذه الندرة تُشكل مَن يستطيع التجربة، ومَن لا يستطيعها، ومن يدفع لمن مقابل الوصول إليها. وعندما يتعامل رئيس الدولة مع السياسة التكنولوجية مثل مصرفي استثماري، فإن تلك المفاوضات لا تدور حول المصلحة العامة؛ وإنما حول تعظيم الصفقة، غالباً لمصلحة خزينة الدولة، وأحياناً لتحقيق مكاسب سياسية.

غموض وتعقيد

وما يزيد الغموض والتعقيد، التفاف الشركات وانعدام شفافيتها، إذ يرفض التقرير التقني الخاص ببرنامج «تشات جي بي تي 4» الخاص بشركة «أوبن إيه آي» الكشف عن بيانات التدريب، أو حجم النموذج، أو قدرات الحوسبة المستخدمة، مستشهدا صراحة بالمنافسة والسلامة.

وبغض النظر عن رأيك في هذا المنطق، فإن ذلك يعني أن الشركات تطلب من المجتمع قبول أنظمة ذات تبعات كبيرة بينما يبقى المجتمع إلى حد كبير جاهلاً بما يدخل في تكوينها. إن عبارة «ثقوا بنا» ليست أسلوباً للحوكمة الحكيمة.

سلطة مُركزة

إذا كنت تريد مثالاً صغيراً ولكنه واضح عن كيفية تأثير الخيارات الخاصة على الحياة العامة، فانظر إلى ما حدث عندما أطلقت شركة «أوبن إيه آي» صوتاً جذاباً يُدعى «سكاي - Sky» اعتقد الكثيرون أنه يشبه صوت الممثلة سكارليت جوهانسون. بعد رد فعل عنيف من الجمهور، أوقفت الشركة هذا الصوت مؤقتاً.

وهنا نلاحظ أنه لم تُرسم حدود ثقافية من قِبل جهة تنظيمية أو محكمة، بل من قِبل فريق منتجات، وقرار شركة. وهذا يمثل قدراً كبيراً للغاية من السلطة لمجموعة صغيرة للغاية من الناس.

أضرار بيئية

تظهر السلطة أيضاً في فواتير الخدمات. يربط أحدث تقرير بيئي لشركة «غوغل» زيادة بنسبة 48 في المائة في انبعاثات الغازات الدفيئة منذ عام 2019 بنمو مراكز البيانات للذكاء الاصطناعي، ويوثق استخدام 6.1 مليار غالون من المياه في عام 2023 لأغراض التبريد - وهي أرقام سترتفع مع التوسع. يذهب تحليل دورة حياة «ميسترال - Mistral» إلى أبعد من ذلك، حيث يُقدّر استهلاك الطاقة والمياه لكل استعلام «prompt» لنماذجها. كل «استعلام للنموذج» له بصمة؛ إذا تضاعفت هذه الأرقام بالمليارات، فلن تتمكن من التظاهر بأنها مجانية، مهما كنتَ مُنكراً للتغيرات المناخية.

إذن، أجل، الولايات المتحدة «تفوز بالسباق». إلا أن تركيز القرارات التي تؤثر على حرية التعبير، والتوظيف، والتعليم، والبيئة في دائرة صغيرة للغاية من قاعات مجالس الإدارة. والنتيجة هي عجز ديمقراطي. فهنا يُختزل الجمهور إلى مجرد متفرجين، يتفاعلون مع الحقائق المفروضة بدلاً من وضع القواعد.بدائل وخيارات

ماذا لو عكسنا الوضع؟ نبدأ بمعاملة الذكاء الاصطناعي بصفته بنيةً تحتية تتطلب قدرات عامة، وليس فقط نفقات رأسمالية خاصة. تعكس مبادرة «المورد الوطني لأبحاث الذكاء الاصطناعي» التجريبية «National AI Research Resource pilot» التوجه الصحيح:

* أستاذ في جامعة آي إي، مدريد. مجلة «طفاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»• أولاً - امنح الباحثين والشركات الناشئة وصولاً مشتركاً إلى قدرات الحوسبة والبيانات والأدوات؛ حتى لا تكون الأبحاث مقيدة بعقود مع شركات الحوسبة السحابية الكبرى. اجعل الوصول مستمراً، وممولاً جيداً، ومستقلاً؛ لأن العلم المفتوح يموت عندما يصبح الوصول إليه مرهوناً باتفاقيات عدم الإفصاح.

• ثانياً - اربط الأموال والمشتريات العامة بشروط. إذا كانت الوكالات والمدارس ستشتري الذكاء الاصطناعي، فيجب أن تطلب إفصاحات أساسية: ما هي البيانات التي استُخدمت للتدريب؛ ما هي الضوابط التي تحكم المخرجات؛ ما هي الاختبارات المستقلة التي اجتازها النموذج؛ وسجل للطاقة والمياه مرتبط بالزمان والمكان، وليس بالمعدلات السنوية. إذا لم يستطع البائع تلبية هذه الشروط، فإنه لا يحصل على العقود. هذا ليس «معاداة للابتكار»، بل هو انضباط السوق الذي يتسق مع القيم العامة.

• ثالثاً - افصل الطبقات لكبح الاحتكار. لا ينبغي لمقدمي الخدمات السحابية أن يكونوا قادرين على فرض استخدام نموذجهم لرقائقهم لتشغيل خدماتهم كخيار افتراضي. إن قابلية التشغيل البيني ونقل البيانات ليستا مثاليات رومانسية؛ بل هما السبيل للحفاظ على قطاع تنافسي عندما تتحكم ثلاث شركات في البنية بأكملها.

أهمية الشفافية

• رابعاً - يجب أن تعني الشفافية أكثر من مجرد «بطاقات النماذج» التي يكتبها البائع. بالنسبة للأنظمة التي تتجاوز حجماً معيناً، يجب أن نطلب إفصاحات قابلة للتدقيق لأطراف ثالثة مؤهلة - حول مصدر بيانات التدريب، ومجموعات التقييم، وأداء ما بعد النشر. إذا كان هذا يبدو مرهقاً؛ فذلك لأن العواقب على نطاق واسع مرهقة كذلك. لقد تعلمنا هذا في كل بنية تحتية حيوية أخرى.

• خامساً - اجعل السرد البيئي يتواءم مع الواقع. يجب أن تكون إفصاحات المياه والطاقة فورية، وخاصة بالمنشأة، وموثقة.

إن «توفير المياه بحلول عام 2030» لا يساعد بلدة ما تُستنزف طبقة المياه الجوفية لديها في هذا العقد. إذا كانت الشركات تريد أن تكون سبّاقة في طرح النماذج الرائدة، فيجب أن تكون أيضاً الأولى في تطبيق شراء الطاقة الخالية من الكربون على مدار الساعة، وتحديد ميزانيات مياه صارمة ذات صلة بالعلوم المحلية لحركة وتوزيع وإدارة المياه.

خطر أعمق

هناك خطر أعمق عندما تُدار الاستراتيجية التكنولوجية الوطنية مثلما تدار محفظة الأعمال: إذ تصبح الكفاءة والإيرادات هي المقاييس الأساسية؛ ما يطغى على احتياجات المواطنين التي يصعب قياسها كمياً.

في القطاع الخاص، يمكن تبرير التضحية بالأخلاق أو الشفافية أو الاستقرار على المدى الطويل من أجل صفقة مربحة بأنها تهدف إلى زيادة قيمة المساهمين. أما في الحكومة، فتؤدي هذه المقايضة نفسها إلى تآكل الديمقراطية ذاتها؛ ما يركز القرارات في أيدي أقل، ويجعل منظور «الربح أولاً» طبيعياً في مسائل يجب أن تركز على الحقوق، والضمانات، وثقة الجمهور.

ليس الهدف هو إبطاء الذكاء الاصطناعي. وإنما أن نقرر، علناً، أي نوع من الذكاء الاصطناعي نريده وبأي شروط.

إن الولايات المتحدة قادرة على الجمع بين الطموح وضبط النفس في آن واحد؛ لقد فعلنا ذلك في مجالات الطيران، والطب، والتمويل. يجب ألا يكون الذكاء الاصطناعي مختلفاً عن ذلك. إذا تركنا الخيارات الكبرى لعدد قليل من الشركات وعدد قليل من المُعينين السياسيين، فسوف نحصل على مستقبل صُنع لأجلنا، وليس بواسطتنا. وسوف يكون ثمن إعادة كتابته لاحقاً أعلى مما يعترف به أي إنسان اليوم.* أستاذ في جامعة آي إي، مدريد. مجلة «طفاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«شات جي بي تي» يضيف أدوات جديدة للصور والرسائل والمهام

تكنولوجيا تصل ميزات جديدة لتوسيع القدرات وتحسين تجربة العمل (GPT-Image-2)

«شات جي بي تي» يضيف أدوات جديدة للصور والرسائل والمهام

تُواصل «أوبن إيه آي» (OpenAI) توسيع قدرات «شات جي بي تي» (ChatGPT) بوتيرة متسارعة، في وقت تتحول المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي من تطوير نماذج قادرة على تقديم…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص يعتمد التحول الرقمي في مطالبات تأمين السيارات على ربط شركات التأمين ومراكز الإصلاح والعملاء ضمن منظومة بيانات موحدة (أدوبي)

خاص كيف يعيد الذكاء الاصطناعي  تشكيل مطالبات تأمين السيارات في السعودية؟

توظف السعودية الذكاء الاصطناعي والبيانات الموحدة لتسريع مطالبات السيارات وخفض التكلفة والنزاعات مع إبقاء القرارات المعقدة خاضعة للمراجعة البشرية المختصة

خاص أحد المصانع في السعودية (واس)

خاص شركات التقنية المالية تفتح مسارات جديدة لتمويل الصناعة السعودية

يشهد التمويل الموجه إلى المشروعات الصناعية في السعودية توسعاً في قنواته، مع تنامي دور شركات التقنية المالية في توفير حلول تمويلية للمنشآت الصناعية.

ساره بن شمران (الرياض)
تكنولوجيا يركز التعاون على الجمع بين قدرات «هيوماين» في الذكاء الاصطناعي العربي ومنصات «مايكروسوفت» المؤسسية بما فيها «Microsoft 365 Copilot» (شاترستوك)

«هيوماين» و«مايكروسوفت» توسعان التعاون لإدماج «علّام» في منظومة الذكاء الاصطناعي للمؤسسات

تتعاون «هيوماين» و«مايكروسوفت» لدمج «علّام» في منصات الذكاء الاصطناعي ودعم المؤسسات السعودية بحلول عربية وهندسة تطبيقية قابلة للتوسع بشكل أوسع.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساندة لتعلم اللغة (جامعة ووريك)

الذكاء الاصطناعي والطرق التقليدية... أيهما أفضل في تعلم اللغات؟

أوضح الباحثون أن أفضل استخدام للذكاء الاصطناعي في تعليم اللغات لا يمكن اعتباره بديلاً كاملاً للمعلم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

النساء يدقّن ناقوس الخطر بشأن الذكاء الاصطناعي

النساء يدقّن ناقوس الخطر بشأن الذكاء الاصطناعي
TT

النساء يدقّن ناقوس الخطر بشأن الذكاء الاصطناعي

النساء يدقّن ناقوس الخطر بشأن الذكاء الاصطناعي

تعرضت الممثلة ريس ويذرسبون حديثاً لانتقادات بسبب تصريحها بأن مشاركة النساء في مجال الذكاء الاصطناعي «مهمة للغاية»؛ لأن «التغيير قد بدأ». وقد عكست ردود الفعل السلبية انقساماً أوسع: فبينما يرى البعض في الذكاء الاصطناعي قفزة حتمية للأمام، يحذّر آخرون من أن مخاطره يتم تقبّلها بسرعة كبيرة. وتُظهر دراسة جديدة أجرتها مؤسسة «بيو» أن النساء أكثر تشككاً من الرجال، فهن أقل ترجيحاً لتوقعات تحسين الذكاء الاصطناعي لحياتهن، وأكثر ترجيحاً للاعتقاد بأنه سيكون ضاراً بالمجتمع، كما كتبت إيمي ديل (*).

على القادة عدم تجاهل هذا القلق

ولا ينبغي للقادة تجاهل هذا القلق بوصفه مقاومة للابتكار؛ إذ تشير الأبحاث إلى أن حذر النساء يعكس رؤية واضحة للمخاطر غير المتكافئة التي قد يُسببها الذكاء الاصطناعي. إن الإصغاء لهذه المخاوف أمر ضروري لأي مؤسسة ترغب في استخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية.

الذكاء الاصطناعي يُعزّز أوجه عدم المساواة القائمة

يمكن للذكاء الاصطناعي إعادة إنتاج التحيزات المتأصلة في المجتمع وأماكن العمل. فقد أظهرت دراسات نماذج الذكاء الاصطناعي تحيزاً واسع النطاق على أساس الجنس والعرق؛ إذ غالباً ما تربط نماذج اللغة الكبيرة النساء برعاية الأسرة والأعمال المنزلية أو الأدوار الثانوية، في حين تربط الرجال بالقيادة والإنجاز المهني. وقد تُؤدي الجهود المبذولة لتصحيح هذا التحيز إلى ظهور تشوهات جديدة، مثل المبالغة في نسبة العبارات النمطية الذكورية إلى النساء.

تكمن المشكلة في آلية عمل هذه الأنظمة؛ إذ تتنبأ نماذج اللغة الكبيرة بأنماط الكلمات المحتملة من مجموعات ضخمة من النصوص الموجودة، دون أن تُنتج معرفة مستقلة. ولأن هذه المجموعات تعكس أوجه عدم المساواة التاريخية؛ قد يبدو الذكاء الاصطناعي فصيحاً وواثقاً، ولكنه في الوقت نفسه غير دقيق أو نمطي.

71 % من الرجال الأميركيين لديهم خبرة في الذكاء الاصطناعي مقارنةً بـ29 % من النساء

تظهر عدم المساواة أيضاً في إمكانية الوصول إلى النظم الذكية، ففي استطلاع أجرته شركة «راندستاد» وشمل 12000 موظف، أفاد 71 في المائة من الرجال بامتلاكهم خبرة في الذكاء الاصطناعي، مقارنةً بـ29 في المائة من النساء. كما كان الرجال أكثر حظاً في الحصول على الأدوات، والتدريب. وحتى في الحالات التي تستخدم فيها النساء الذكاء الاصطناعي، قد يتعرضن للعقاب: فقد وجدت دراسات السير الذاتية وشفرات البرامج أن النساء حصلن على تقييمات كفاءة أقل من الرجال في العمل نفسه الذي تم إنجازه بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي يُحمّل النساء مخاطر غير متناسبة

لا تتوزّع مخاطر الذكاء الاصطناعي بالتساوي، وتشمل المخاطر عليهن:

* الخصوصية ومخاوف تخزين المعلومات الحساسة. قد يحتفظ الذكاء الاصطناعي التوليدي بمدخلات المستخدم، وغالباً ما يجهل الناس ما يتم تخزينه، وكيفية استخدامه، أو ما إذا كان يُستخدم لتدريب نماذج مستقبلية. وتُظهر الدراسات الاستقصائية أن النساء أقل اهتماماً من الرجال باستخدام الذكاء الاصطناعي في الأمور الشخصية كالشؤون المالية والعلاقات والصحة؛ ما يُشير إلى قلق أكبر بشأن تسليم معلومات حساسة لهذه الأنظمة.

التزييف العميق والعبء العاطفي

* تهديدات أمنية. كما يُشكل الذكاء الاصطناعي تهديدات أمنية. فالتزييف العميق - وهو عبارة عن وسائط مُولّدة بالذكاء الاصطناعي تُحاكي مظهر الشخص أو صوته - يُفاقم كراهية النساء على الإنترنت. وتشير تقديرات حديثة إلى أن معظم محتوى التزييف العميق على الإنترنت غير توافقي (غير متفق عليه من قِبل الأطراف) وإباحي، وأن الغالبية العظمى من الأشخاص المُصوّرين فيه من النساء.

وتُعدّ النساء في المناصب العامة أكثر عرضةً للإساءة التي تهدف إلى ترهيبهن أو إسكاتهن. وقد وجدت دراسة عالمية أن 45 في المائة من الصحافيات أبلغن عن فرضهن رقابة ذاتية على انفسهن بسبب العنف الإلكتروني. ومع انخفاض تكلفة أدوات التزييف العميق وسهولة استخدامها، يُرجّح أن يتفاقم هذا التهديد.

* العبء العاطفي. كما يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُلقي بمزيد من العبء العاطفي على عاتق النساء. فعندما تفشل روبوتات الدردشة أو مساعدو الصوت المُعتمدة على الذكاء الاصطناعي، يقع على عاتق الموظفين البشريين مسؤولية إصلاح علاقة العميل. وتشغل النساء نسبةً كبيرةً من المناصب التي تتطلب التعامل المباشر مع العملاء؛ ما يعني أنه قد يُتركن لحالهن في محاولتهن تخفيف حدة الرسائل المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وحل المشكلات المُعقدة، وإعادة بناء الثقة عندما تعجز التكنولوجيا عن ذلك. كما يُمكن للذكاء الاصطناعي أيضاً أن يُلقي بمزيد من العبء العاطفي على عاتق النساء؛ إذ إنه يُعيد الذكاء توزيع التكاليف الاقتصادية والبيئية.

نقص التمثيل النسوي... ومخاوف التسريح من العمل

نقص التمثيل في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي. تُعاني النساء من ذلك، في حين يُمثلن نسبة كبيرة في الوظائف الأكثر عرضة للأتمتة. ورغم التوسع السريع في وظائف الذكاء الاصطناعي، لم تُمثل النساء سوى 26 في المائة من التعيينات في هذا المجال بالولايات المتحدة عام 2025، ويشغلن نسبة ضئيلة من المناصب القيادية العليا.

* التأثير على المهن والتسريح من العمل. في الوقت نفسه، من المرجح أن تتأثر المهن التي تهيمن عليها النساء، مثل الدعم الإداري وخدمة العملاء، بالذكاء الاصطناعي التوليدي أكثر من المجالات التي يهيمن عليها الرجال، مثل البناء والتصنيع. كما أن تقليص الوظائف المبتدئة قد يُضر بالنساء، اللواتي يُشكلن غالبية خريجي الجامعات الأميركية، ويعتمدن على هذه الوظائف لاكتساب الخبرة وبناء مسارات قيادية.

* التكاليف البيئية: يستهلك طلب واحد يستهلك طاقةً أكثر من عملية بحث على الإنترنت

للذكاء الاصطناعي أيضاً تكاليف بيئية؛ إذ يُمكن أن يستهلك طلب واحد طاقةً أكثر بكثير من عملية بحث على الإنترنت، في حين تتطلب مراكز البيانات كميات كبيرة من الكهرباء والماء. وتميل النساء، أكثر من الرجال، إلى معارضة إنشاء مراكز بيانات جديدة، ويتملكهن القلق بشأن تأثيرات الذكاء الاصطناعي على المناخ.

كما أن ارتفاع الطلب على الكهرباء وأجهزة الحوسبة قد يزيد من تكاليف المستهلكين. ويُسهِم نقص الذاكرة المرتبط بنمو مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في ارتفاع أسعار الإلكترونيات وحتى السيارات. ولأن النساء ما زلن يتقاضين أجوراً أقل في المتوسط، ويشكلن نسبة كبيرة من العاملين في الوظائف ذات الأجور المنخفضة، فإن هذه الزيادات قد تستنزف جزءاً أكبر من دخلهن.

النساء لا يقاومن الذكاء الاصطناعي

لا تُقاوم النساء الذكاء الاصطناعي، بل إنهن يُحدّدن المخاطر التي لم تتناولها كثير من المؤسسات بعد. وبما أن الذكاء الاصطناعي باقٍ، فعلى القادة تحديد كيفية استخدامه دون تفاقم أوجه عدم المساواة القائمة.

7 توصيات للقادة

وإليكم سبع توصيات:

1. توفير تدريب شامل على الذكاء الاصطناعي. يجب ألا يُوضّح التدريب مكاسب الإنتاجية فحسب، بل أيضاً كيفية عمل الذكاء الاصطناعي، ومواطن تحيّزه أو عدم دقّته، والمخاطر الأخلاقية، ومخاطر الخصوصية، والمخاطر «الجنسانية gender»، والمخاطر البيئية التي قد يُسبّبها.

2. الإبلاغ عن تحيّز الذكاء الاصطناعي. تشجيع الموظفين على الإبلاغ عن مخرجات الذكاء الاصطناعي المتحيّزة أو التمييزية أو الضارة.

3. وضع مبادئ توجيهية للشفافية. إنشاء سياسات واضحة بشأن متى يجب على الموظفين الإفصاح عن استخدامهم للذكاء الاصطناعي. يجب تطبيق المتطلبات بشكل متسق حتى لا تُحاسب النساء بشكل أشدّ قسوةً لاستخدامهنّ الأدوات نفسها التي يستخدمها الرجال.

كشف التحيّز والحفاظ على الفكر النقدي

4. منح الموظفين حرية التصرف في كيفية استخدامهم للذكاء الاصطناعي. يتطلّب الذكاء الاصطناعي حكماً بشرياً للتحقّق من الحقائق، وكشف التحيّز، والحفاظ على التفكير النقدي. على القادة تحديد الأهداف، ثمّ السماح للموظفين بتحديد كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في عملهم.

5. عدم طرد الموظفين بنظم الذكاء الاصطناعي. قد تؤدي أتمتة وظائف المبتدئين أو الخدمات إلى إضعاف مسارات تطوير المواهب والإضرار بتجربة العملاء. ينبغي للمؤسسات الحفاظ على الأدوار التي تُنمّي قادة المستقبل.

6. مكافأة الجهد العاطفي. اجعل العمل على إصلاح أعطال الذكاء الاصطناعي والحفاظ على علاقات العملاء واضحاً في التقييمات والترقيات والأجور.

7. التدقيق عند الاختبار. إذا كنت تشك في أن عمل امرأة ما، مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، فاسأل نفسك ما إذا كنت ستتفاعل بالطريقة نفسها لو قدّم رجل عملاً مماثلاً. يمكن لهذا التحقق أن يمنع معاقبة النساء اللواتي يستخدمن الذكاء الاصطناعي على كفاءتهن.

مخاوف النساء - رؤى قيّمة

يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل العمل، لكن لا يزال أمام المؤسسات خيارات بشأن تنفيذه. ويجب التعامل مع مخاوف النساء على أنها رؤى قيّمة، وليست عائقاً. القادة الذين يُصغون جيداً يُمكنهم الحد من التحيز، وحماية الخصوصية والأمان، والحفاظ على التفكير النقدي، والتركيز بشكل أقل على تعظيم تبني الذكاء الاصطناعي.. وأكثر على تعظيم الإمكانات البشرية.

* باختصار - مجلة «فاست كومباني»


«ليب 2026» في الرياض: نافذة على الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي الطبي

الرياض على بوابة عوالم التقنية الجديدة
الرياض على بوابة عوالم التقنية الجديدة
TT

«ليب 2026» في الرياض: نافذة على الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي الطبي

الرياض على بوابة عوالم التقنية الجديدة
الرياض على بوابة عوالم التقنية الجديدة

لم يعد السؤال في الطب عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع قراءة صورة أشعة، أو التنبؤ بخطر مرض، أو صياغة تقرير طبي... فهذه التطبيقات، على أهميتها، أصبحت جزءاً مألوفاً من المشهد المتسارع للطب الرقمي، لكن السؤال الذي يَلوح في الأفق أكثر تعقيداً: ماذا يحدث عندما لا يكتفي الذكاء الاصطناعي بتقديم الإجابة، بل يبدأ بالتخطيط والتنفيذ والتصرف؟

هذا التحول سيكون أحد الملفات اللافتة في مؤتمر «ليب 2026» (LEAP 2026)، الذي تستضيفه الرياض من 31 أغسطس (آب) إلى 3 سبتمبر (أيلول)، جامعاً قيادات التكنولوجيا والباحثين والمستثمرين وصناع القرار من أنحاء العالم، في وقت يتجه فيه الاهتمام العالمي من الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى جيل جديد يُعرف باسم «الذكاء الاصطناعي الوكيل» (Agentic AI).

أسماء عالمية... ونقاش يتجه إلى الطب

أسماء عالمية تجتمع في الرياض... والمستقبل هو العنوان

ويكتسب «ليب 2026» ثقله من حجم وتنوع المشاركين؛ إذ يجمع أكثر من ألف متحدث، 69 في المائة منهم دوليون، عبر أكثر من 20 مساراً. وتضم قائمة المتحدثين وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي عبد الله السواحة، وليزا سو، الرئيسة التنفيذية لشركة «إيه إم دي» (AMD)، وتشاك روبنز، الرئيس التنفيذي لشركة «سيسكو» (Cisco)، وطارق أمين، الرئيس التنفيذي لشركة «هيومين» (HUMAIN)، والفيزيائي النظري ميتشيو كاكو، إلى جانب قيادات وباحثين ومستثمرين من أنحاء العالم.

وفي هذا المشهد العالمي، تحضر الرعاية الصحية ضمن مسارات التقنية والذكاء الاصطناعي، بما يعكس انتقال النقاش من قدرات الخوارزمية في حد ذاتها إلى تأثيرها في القطاعات الحيوية. ومن هنا يبرز السؤال الطبي الذي يطرحه الجيل الجديد: ماذا يحدث عندما ينتقل الذكاء الاصطناعي من تقديم الإجابة إلى تنفيذ المهام؟

في «ليب 2026»... الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانبهار

عندما تتحول الإجابة إلى فعل

هذا التحول من الإجابة إلى الفعل هو أحد الملفات التي يضعها «ليب 2026» تحت المجهر، مع انتقال الاهتمام من الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى «الذكاء الاصطناعي الوكيل» (Agentic AI)، حيث لا يقتصر الاختلاف على التقنية، بل يمتد إلى طبيعة الدور الذي يؤديه النظام.

عندما يسأل الطبيب نظاماً توليدياً عن تفسير نتيجة مختبرية، يستطيع النظام تحليل المعلومات وتقديم إجابة أو اقتراح، لكن القرار وما يترتب عليه من إجراءات يبقى بيد الإنسان. أما «الوكيل الذكي»، فيعمل لتحقيق هدف محدد عبر تقسيمه إلى سلسلة من المهام، واستخدام أدوات ومصادر مختلفة لإنجازها، ومراقبة النتائج، ثم تعديل خطواته التالية وفقاً لما يحدث.

وهنا تنتقل الخوارزمية، بدرجات متفاوتة من الاستقلالية، من نظام يخبرنا بما يمكن فعله إلى نظام يشارك في فعل ذلك.

وكيل ذكي داخل المستشفى

ما يناقشه «ليب 2026» يتجاوز المفهوم التقني إلى سؤال عملي: كيف يمكن أن يبدو «الوكيل الذكي» عندما يدخل المستشفى؟

تخيل مريضاً خرج من المستشفى بعد عملية جراحية ويحتاج إلى متابعة مستمرة. يمكن لنظام ذكي تقليدي تحليل بياناته والتنبيه إلى ارتفاع احتمال حدوث مضاعفات. أما النظام الوكيل، فقد يتابع نتائج الفحوص، ويقارنها بالسجل الطبي، ويرصد تغيراً يستدعي الانتباه، ثم ينبه الفريق المختص ويجمع المعلومات التي يحتاج إليها الطبيب لاتخاذ الخطوة التالية.

وقد تمتد مهامه إلى جوانب تشغيلية، مثل تنسيق المواعيد ومتابعة الإحالات واستكمال بعض الإجراءات الإدارية، ضمن الصلاحيات المحددة له.

وهنا تكمن جاذبية هذه الأنظمة للمؤسسات الصحية: ليس لأنها تعرف أكثر فقط، بل لأنها قد تساعد على تحويل المعرفة إلى سلسلة من الإجراءات، في بيئة تعاني ضغط العمل وتشتت البيانات وكثرة المهام المتكررة. لكن القدرة على الفعل تفتح بدورها باباً لسؤال أكثر حساسية: ماذا يحدث عندما يخطئ الوكيل؟

مَن يوقف الوكيل؟

وهنا يبرز أحد أكثر الأسئلة حساسية في النقاش حول الأنظمة الوكيلة في «ليب 2026»: مَن يوقف الوكيل عندما يبدأ في التصرف؟ إذا أخطأ نظام تقليدي في إجابة أو توصية، يستطيع الطبيب مراجعتها ورفضها. لكن ماذا لو كان النظام قد بدأ بالفعل سلسلة من الإجراءات؟

قد لا يقع الخطأ في القرار الأول، بل في الخطوة الثالثة أو الخامسة من سلسلة طويلة. وقد تبدو كل خطوة، عند النظر إليها منفردة، منطقية، بينما تقود السلسلة بأكملها إلى نتيجة غير مقصودة.

وهنا يصبح التوقف جزءاً من الذكاء نفسه، وليس علامة على فشله. فالنظام الطبي الآمن لا ينبغي أن يعرف فقط كيف يتقدم نحو الهدف، بل متى يتوقف، ومتى يطلب معلومات إضافية، ومتى تكون الحالة خارج حدود صلاحياته، ومتى يحيل القرار إلى الطبيب.

ما وراء الضجة

ولعل دلالة هذا التحول تظهر في عنوان إحدى الجلسات المرتقبة في «ليب 2026»: «الذكاء الاصطناعي الوكيل في الرعاية الصحية: ما وراء الضجة»، التي تضع هذا الجيل الجديد من الأنظمة أمام اختبار يتجاوز الانبهار بقدراته إلى السؤال عن قيمته الحقيقية داخل المستشفى. فالمسألة ليست في منح الخوارزميات مزيداً من الاستقلالية، بل في تحديد أين يمكن لقدرتها على الفعل أن تضيف قيمة حقيقية للمريض والفريق الطبي، وأين تبدأ المخاطر؟

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالرعاية الصحية؛ فكلما اتسعت قدرة النظام على تنفيذ المهام، ازدادت الحاجة إلى معرفة حدود صلاحياته، وكيف يمكن تتبع ما قام به، ومتى ينبغي أن يتوقف ويعيد القرار إلى الإنسان. وهذا التحول يعيد أيضاً تعريف الرقابة البشرية. فوجود الطبيب ضمن المسار لا يكفي إذا لم يكن قادراً على معرفة ما الذي فعله الوكيل، ولماذا فعله، وما الخطوات التي اتخذها قبل أن يصل القرار إليه.

ليست حوكمة للخوارزمية فقط

هذه الأسئلة تقود إلى ملف آخر يُنتظر أن يحضر بقوة في جلسات «ليب 2026»: كيف نحكم أنظمة لا تكتفي بتقديم المشورة، بل تستطيع تنفيذ المهام؟ فإدخال الذكاء الاصطناعي الوكيل إلى المستشفى لا يحتاج فقط إلى نموذج أكثر دقة، بل يطرح أسئلة عملية مباشرة: ما الذي يُسمح للنظام بتنفيذه تلقائياً؟ وما الذي يحتاج إلى موافقة بشرية؟ وما القرارات التي ينبغي ألا تُفوَّض إلى الخوارزمية أصلاً؟

ومع الجلسات المرتقبة حول الذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية والأنظمة الأكثر استقلالية، تبرز أسئلة أخرى: كيف يمكن تتبع الخطوات التي اتخذها الوكيل؟ ومن يتدخل عندما يخرج عن المسار المتوقع؟ ومتى يجب أن يتوقف ويعيد القرار إلى الإنسان؟ وهنا تصبح الحوكمة جزءاً من بنية النظام نفسه، لا وثيقة تنظيمية توضع إلى جانبه بعد تشغيله.

الرياض ومختبر المستقبل

لا يأتي طرح هذه التحولات في الرياض بمعزل عن السياق الذي تشهده المملكة؛ فالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يتقدمان بالتوازي مع تحول واسع في القطاع الصحي، مما يجعل السؤال عن الجيل المقبل من الأنظمة الطبية أكثر من مجرد نقاش تقني.

ووجود الرعاية الصحية ضمن النقاشات المرتقبة في «ليب 2026» يعكس حقيقة أوسع: المستشفى لم يعد منفصلاً عن الثورة التقنية التي تجري خارجه. فالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والروبوتات والبيانات لم تعد مجرد أدوات مساندة للرعاية، بل أصبحت تدريجياً جزءاً من بنيتها.

ولهذا فإن الاستعداد للمستقبل لا يعني مجرد شراء أحدث الأنظمة، بل إعداد الطبيب والممرض والإداري وصانع القرار للعمل في بيئة قد يشترك فيها الإنسان والآلة في تنفيذ مهام كانت، حتى وقت قريب، بشرية بالكامل.

عندما يعرف الذكاء متى يتوقف

في «ليب 2026»... الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانبهار

قد تكون السنوات الماضية قد علمتنا أن نسأل: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل ذلك؟

لكن الجيل القادم من الأنظمة الطبية يفرض سؤالاً أكثر أهمية: هل ينبغي أن نسمح له بأن يفعله؟

وهذا أحد الأسئلة التي يحملها «ليب 2026» إلى الرياض في نقاشاته المرتقبة حول الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي. فالتقدم في الرعاية الصحية لن يقاس فقط بعدد المهام التي تستطيع الخوارزمية تنفيذها من دون الإنسان، بل أيضاً بقدرتها على معرفة متى يجب أن تتوقف وتعيد القرار إليه. وربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي للانتقال من الذكاء الاصطناعي الذي يجيب إلى الذكاء الاصطناعي الذي يتصرف: في الطب، ليست الاستقلالية القصوى هي الهدف. والهدف هو الاستقلالية الآمنة.


كيف نوفّق بين استخدام الذكاء الاصطناعي وبين القيم الإنسانية؟

كيف نوفّق بين استخدام الذكاء الاصطناعي وبين القيم الإنسانية؟
TT

كيف نوفّق بين استخدام الذكاء الاصطناعي وبين القيم الإنسانية؟

كيف نوفّق بين استخدام الذكاء الاصطناعي وبين القيم الإنسانية؟

عندما يتعلق الأمر بمواءمة الذكاء الاصطناعي مع القيم، فإننا نجد أنفسنا أمام «الجني الذي خرج من المصباح». لذا فإن مواءمة استخدام الذكاء الاصطناعي مع القيم تتطلب أكثر من مجرد تمنيات، فهي تستلزم تفكيراً متأنياً فيما يُطلب من الذكاء الاصطناعي وكيفية استخدامه.

الانطلاق من القيم البشرية

لقد سألنا أعضاء «مجلس التأثير» Impact Council التابع لمجلة «فاست كومباني» عن كيفية مواءمتهم الذكاء الاصطناعي مع قيمهم. وإليكم ما قدمه 13 منهم حول سبل إبقاء الذكاء الاصطناعي دائماً في نطاق «النوايا الحسنة»:

1. تضمين القيم في الرموز البرمجية. يقول عثمان خان من شركة ADP المالية: «نحن نضمّن قيمنا داخل الرموز البرمجية، وليس ضمن الأوامر النصية (prompts)، فالأمور التي نوليها أكبر قدر من الأهمية (مثل ما يجب حظره، وما يتطلب موافقة بشرية) تعمل وفق آلية تحقق حتمية (deterministic check) تُنفَّذ بالطريقة نفسها في كل مرة. كما يتولى شخص بشري مهمة الموافقة على أي إجراء لا يمكن التراجع عنه. فإذا كانت استراتيجيتك لمواءمة الذكاء الاصطناعي مجرد تعليمات مصاغة ببراعة، فأنت لا تملك استراتيجية حقيقية، بل مجرد قائمة اقتراحات».

2. البدء بأسئلة حول الغاية والهدف. تقول جين أسيوس، من منظمة CHC لخلق مجتمعات أكثر صحة: «نحن نبدأ بالغاية والهدف وليس بالتكنولوجيا، إذ يُقيَّم كل قرار يتعلق بالذكاء الاصطناعي بناءً على سؤال بسيط: هل يعزز هذا القرار الإمكانات البشرية، ويقوّي الثقة، ويخلق مجتمعات أكثر صحة؟ لدينا آليات للحوكمة، وإشراف بشري، وضوابط أخلاقية واضحة، لكن صمام الأمان الأكبر لدينا هو تذكر أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يعزز الحكم البشري والتعاطف والمساءلة، لا أن يحل محلها. فالابتكار لا يخلق قيمة مستدامة إلا عندما يرتقي بالأداء وبالأفراد معاً».

اختبار البرامج الذكية... وتشكيل مسارها

3. إنشاء مختبر لابتكار الذكاء الاصطناعي لاختبار الأدوات. يقول تروي طومسون، SmithGroup: «يعكس نهجنا تجاه الذكاء الاصطناعي قيمة (حب الاطلاع) لدينا من خلال تشجيع الاستكشاف والتعلم والابتكار. لقد أنشأنا مجلساً للبيانات لتحديد أولويات جهودنا، ومختبراً لابتكار الذكاء الاصطناعي حيث يختبر المتخصصون الأدوات الناشئة قبل طرحها على نطاق أوسع. وبدلاً من انتظار الكمال، فإننا نعتمد الأدوات عندما تكون (جيدة بما يكفي) ونعمل على تحسينها تدريجياً أثناء المضي قدماً. نحن نعمل أيضاً على تطبيق سياسات وتدابير وقائية لحماية الملكية الفكرية الخاصة بالشركة والعملاء على حد سواء. قد نواجه بعض العقبات في طريقنا، لكننا نؤمن بأن هذا النهج هو الأمثل للبقاء في طليعة هذا المجال التكنولوجي سريع التطور».

4. رسم المسار المستقبلي. تقول ميشيل والش، من منظمة اليونيسف في الولايات المتحدة إن دور الذكاء الاصطناعي يتمحور حالياً بشكل كبير حول التمكين التشغيلي، فهو مجرد أداة نستخدمها. نحن لسنا قوة السوق التي تدفع عجلة الذكاء الاصطناعي للأمام أو تعيقها، فهذا ليس مجال تأثيرنا. ما يمكننا فعله هو المساعدة في تشكيل المسار الذي يسلكه، وتحديد المجالات التي يمكننا فيها التأثير بفعالية أكبر لصالح الأطفال. وهذا يعني الحضور والمشاركة في أماكن تصميم تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتوجيه أماكن نشرها، وتطوير حالات استخدام تراعي احتياجات الأطفال في المقام الأول.

الكلمة النهائية للإنسان... وأهمية الاستخدام الواعي

5. منح البشر الكلمة الفصل. يقول هوارد فرانكلين من شركة Ohio River South: «إننا نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، وليس كبديل عن التقدير البشري السليم. ففي مجال المناصرة والدفاع عن القضايا، تُعد الثقة جوهر العمل بأكمله. نحن نستخدم الذكاء الاصطناعي لإجراء الأبحاث بسرعة أكبر وصياغة النصوص بذكاء أعلى، لكن الكلمة الفصل -والعلاقات الإنسانية الكامنة وراء العمل- تظل دائماً بيد البشر. نوضح لفريقنا تماماً أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد وأين تتوقف حدوده، لا سيما في الأمور التي تمس سمعة العميل أو السياسات الحساسة. فالقيم لا تكمن في البرمجيات ذاتها، بل في الضوابط الوقائية التي تضعها أنت حولها».

6. فهم آلية عمل الذكاء الاصطناعي وحدوده. يقول بليك برانون من مؤسسة OneTrust: «أحرص على أن يكون قراري واعياً ومدروساً بشأن متى يكون الذكاء الاصطناعي هو الأداة المناسبة ومتى لا يكون كذلك. ويبدأ ذلك بفهم كيفية عمله وتحديد حدوده. وأبسط اختبار لذلك هو: هل الهدف هو المخرجات النهائية أم العمل نفسه؟ لا أحد يرسل شخصاً آخر ليؤدي التمارين الرياضية نيابة عنه، فالقيمة تكمن في أداء التمرين ذاته، لا في مجرد إنجازه. وهناك مهام تتسم بهذه الطبيعة: فعملية التفكير هي جوهر الأمر، وتفويضها للذكاء الاصطناعي يحرمك من العنصر الذي كنت بحاجة إليه فعلاً. أما في الحالات الأخرى، فتكون المخرجات هي الأهم، وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي الخيار البديهي. يكمن الانضباط الذاتي في إدراك اللحظة التي تنتقل فيها إلى وضع «الطيار الآلي» (العمل الروتيني التلقائي)، والقدرة على التراجع خطوة للوراء وإعادة تقييم المسار».

7. اطرح السؤال: هل يعزز الذكاء الاصطناعي القدرات أم يحل محل التقدير البشري؟ «لقد اتخذنا قراراً واعياً منذ البداية: يدخل الذكاء الاصطناعي في صميم عملنا من خلالنا، وليس بمعزل عنا» كما تقول كيلي لاوث من MindSpark. وتضيف: «يجب أن تجيب كل أداة نعتمدها عن سؤال واحد: هل يعزز القدرات أم يحل محل الحكم البشري؟ وهنا يكمن الخطأ الذي تقع فيه معظم المؤسسات، إذ تخلط بين الأمرين. نحن نختبر الذكاء الاصطناعي في سيناريوهات عمل واقعية -وليس عبر العروض التوضيحية للموردين- ونوثق ما ينجح، وما قد يضلل، والمجالات التي لا غنى فيها عن الحكم البشري. إن مواءمة القيم ليست مجرد سياسة مكتوبة، بل تتجلى في هوية الأشخاص الموجودين في الغرفة عند اتخاذ القرارات».

* عند توظيفه في أعمال إبداعية يكون الهدف استلهام الأفكار لا إلى إنتاج أعمال نهائية جاهزة*

8. لا تعهد بالمهام الجوهرية لأطراف خارجية. يقول براد ويبر من Inspiring Apps: «غالباً ما يستخدم خبراؤنا الذكاء الاصطناعي كأداة لإنجاز المهام الروتينية التي كانوا سيقومون بها بأنفسهم، ولكن بسرعة أكبر. وعندما نستخدمه في أعمال إبداعية مثل التصميم المرئي والكتابة، فإننا نهدف إلى استلهام الأفكار لا إلى إنتاج أعمال نهائية جاهزة. نحن نؤمن بأن البشر لا يزالون يمتلكون الكلمة الفصل في تحديد ما يجب تصميمه وبنائه، فهذه مهارة جوهرية يتميز بها فريقنا. ولا نرغب في إسناد هذه المهمة إلى الذكاء الاصطناعي، للأسباب نفسها التي تمنعنا من إسناد هذه الكفاءات الجوهرية إلى فرق عمل أخرى».

خطّط للسياسات مسبقاً... و«الأولوية للإنسان»

9. صُغ السياسات مسبقاً، لا لاحقاً. تقول ميغان نويل من Covista: «إنني أحرص دائماً على أن يكون لي دور مباشر عند اتخاذ القرارات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاكتفاء برد الفعل بعد أن تكون تلك القرارات قد أثرت بالفعل على أصحاب المصلحة. وبصفتنا متخصصين في الاتصال غالباً ما نكون نحن من يحدد الحقائق داخل مؤسساتنا. لذا أسعى للمساهمة في صياغة السياسات منذ البداية بدلاً من التعامل مع التبعات لاحقاً. إن المشاركة الفعالة -وليس الوقوف موقف المتفرج- هي السبيل لضمان توافق استخدام الذكاء الاصطناعي مع قيمك».

10. ابدأ باحتياجات العميل. يقول فينيت ميهرا من شركة Chime: «تتمثل فلسفتي في أن الابتكار يجب أن يخدم العميل في المقام الأول. فمهمتنا هي تمكين الناس العاديين من تحقيق التقدم المالي، وهذا يعني أننا نبدأ باحتياجات أعضائنا، لا بالتكنولوجيا ذاتها. وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، من المهم ألا ننشغل بالمغريات البراقة أو نضيف التكنولوجيا لمجرد استخدام التكنولوجيا، بل نركز على توظيفها في المجالات التي تحل مشكلات حقيقية، وتحسّن التجربة، وتساعدنا في كسب الثقة وتعزيزها».

* الحكمة والتقدير البشريان أمران لا يمكن أتمتتهما أبداً*

11. تطبيق مبدأ «الأولوية للإنسان». تقول جاكي كاني من شركة ServiceNow:» إن «ميثاقنا المتعلق بالبشر هو المعيار الذي نطبقه على أي استثمار في الذكاء الاصطناعي: هل يساعد هذا الاستثمار الناس على تقديم أفضل ما لديهم في العمل، وعيش حياة أفضل، وتحقيق غايتنا المشتركة؟ إذا أتاح الذكاء الاصطناعي قدرات حقيقية للتفكير العميق واتخاذ قرارات أفضل، فإنه يجتاز هذا الاختبار، فالحكمة والتقدير البشريان أمران لا يمكن أتمتتهما أبداً. والشركات التي تعزز هذين الجانبين هي التي تحقق أداءً متفوقاً وتضمن استمراريتها ونجاحها على المدى الطويل».

12. التركيز على الالتزامات تجاه العملاء. يقول ديفيد كلانيكي من شركة Cirba Solutions: «ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لتعزيز الخبرة البشرية، وليس لاستبدالها. نحن نضع الأولوية للاستخدام المسؤول والآمن للذكاء الاصطناعي بهدف رفع الكفاءة، ودعم اتخاذ قرارات أفضل، وتمكين فرق العمل من التركيز على مهام ذات قيمة أعلى، مع الحفاظ على الرقابة البشرية وحماية بيانات العملاء والشركة. ويجب أن يتماشى أي تطبيق للتقنية مع التزامنا بالسلامة والأمن والتميز التشغيلي وتقديم القيمة لعملائنا وشركائنا وأصحاب المصلحة».

13. اطرح السؤال: هل يجعل الذكاء الاصطناعي الحياة أسهل أم يكتفي بزيادة معدل الإنجاز؟ يقول تود جيمس من شركة Aurora Insights: «أخْضِع استخدام الذكاء الاصطناعي لاختبار رئيسي واحد: هل يجعل حياة الناس أسهل، أم أنه يخدم فقط زيادة معدل الإنجاز (الإنتاجية، الكمية)؟ إذا لم يجتز هذا الاختبار، فلا ينبغي التوسع في استخدامه».

* مجلة «فاست كومباني».