«كسل العين»... قد يكون وراثياً

رصد 4 مناطق جينية ترتبط به وتؤثر في نمو الدماغ

«كسل العين»... قد يكون وراثياً
TT

«كسل العين»... قد يكون وراثياً

«كسل العين»... قد يكون وراثياً

لعقود طويلة، اعتُبر الغمش المعروف عادة باسم «كسل العين» اضطراباً ناتجاً بشكل رئيسي عن ضعف في الرؤية في مرحلة الطفولة المبكرة، ولكن دراسة جديدة تشير إلى أن الحالة قد تكون أكثر تعقيداً؛ بل إنها قد يكون لها مكون وراثي.

وتقول الدكتورة ماري ويتمان، طبيبة عيون الأطفال في مستشفى بوسطن للأطفال في الولايات المتحدة، والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إنه قد تكون هناك اختلافات أساسية في النمو العصبي لدى الأطفال المصابين بالغمش، ما يؤثر على كيفية تفاعل دماغهم مع الاختلافات في عيونهم.

حالة شائعة غير مفهومة

يُصيب الغمش (Amblyopia) نحو 3 في المائة من السكان. وعادة ما يتطور عندما يُفضِّل الدماغ إحدى العينين على الأخرى، ما يؤدي إلى ضعف في الرؤية، والذي قد يستمر حتى مرحلة البلوغ إذا تُرك دون علاج.

وتقليدياً، اعتقد الأطباء أن الغمش ينتج عن اضطراب في المدخلات البصرية خلال فترة حرجة من نمو الدماغ في مرحلة الطفولة؛ ولكن البحوث الجديدة المنشورة في مجلة طب العيون (Ophthalmology) في يوليو (تموز) 2025، تشير إلى أن الغمش قد تكون له أيضاً جذور وراثية وعصبية نمائية، ما يضيف بُعداً جديداً إلى فهم الأطباء لهذه الحالة.

وقامت ويتمان وفريقها بتحليل البيانات الجينية لأكثر من 120 ألف مشارك في برنامج بحوث «جميعنا» التابع للمعاهد الوطنية للصحة الأميركية، وهو أحد أكبر قواعد البيانات الطبية الحيوية في العالم. وكان هدف الباحثين معرفة ما إذا كان لدى المصابين بالغمش أنماط جينية مختلفة، مقارنةً بمن لا يعانون من هذه الحالة.

واستخدم الباحثون منهجين، هما: دراسة الارتباط على نطاق الجينوم genome-wide association study (GWAS) التي تبحث عن المتغيرات الجينية الشائعة، ودراسة ارتباط المتغيرات النادرة rare variant association study(RVAS) التي تدرس الاختلافات الأقل تواتراً، ولكنها قد تكون ذات دلالة إحصائية على مستوى الجينات.

وكشفت دراسة الارتباط على نطاق الجينوم عن 4 مناطق جينية مرتبطة بالغمش. وتؤثر هذه المناطق في الجينات المرتبطة؛ ليس بنمو العين كما توقع الباحثون؛ بل بنمو الدماغ.

وفي غضون ذلك، حددت دراسات ارتباط المتغيرات النادرة 15 جيناً، أظهر فيها المصابون بالغمش أعداداً مختلفة من المتغيرات مقارنة بالأفراد غير المصابين، ومرة أخرى يرتبط كثير منها بالنمو العصبي.

وتوضح ويتمان أن بعض هذه الجينات هي جينات نمو عصبي، ولكنها ليست جينات مرتبطة بنمو العين أو تطورها كما كان متوقعاً. بل قد ينتج الغمش عن اختلافات نمو عصبي كامنة تتفاعل مع تجربة بصرية غير طبيعية.

إصابات وعلاجات مستهدفة

لماذا يُصاب بعض الأطفال بالغمش بينما لا يُصاب به آخرون؟ قد تساعد هذه النتائج في تفسير سبب إصابة بعض الأطفال المعرضين لعوامل خطر، مثل الحول strabismus (وهو عيب بصري يجعل العينين بحالة غير متوازنة، بحيث تتجه كل عين لاتجاه مختلف) أو عدم تكافؤ القدرة على التركيز بالغمش، بينما لا يُصاب به آخرون. كذلك قد تُلقي الضوء على سبب استجابة بعض الأطفال للعلاج بشكل أكثر فاعلية من غيرهم.

وغالباً ما صُممت العلاجات الحالية لإجبار الدماغ على استخدام العين الأضعف عادة عن طريق تغطية العين الأقوى، أو وضع قطرات الأتروبين لتشويشها، أو استخدام علاجات جديدة مثل تدريب الواقع الافتراضي. وعلى الرغم من فاعلية هذه الأساليب، فإنها لا تُجدي نفعاً مع جميع الأطفال.

وإذا كان الغمش مرتبطاً جزئياً بالنمو العصبي، فقد يُفسر ذلك اختلاف نتائج العلاج. وقد تعالج اختلافات الرؤية لدى الأطفال ذوي الخلفيات الوراثية بشكل مختلف، مما يجعل حالتهم أكثر أو أقل استجابة للعلاجات التقليدية.

وحول مستقبل العلاجات المستهدفة، تعتقد ويتمان أن هذه الرؤى قد تُمهد الطريق لعلاجات أكثر استهدافاً وخصوصيةً للغمش. فبدلاً من الاعتماد فقط على أساليب علاجية واحدة تناسب الجميع، قد يُصمم الأطباء يوماً ما علاجات مُخصصة بناءً على السمات الجينية والنمائية للطفل.

ولا يقتصر هذا النهج على تحسين نتائج الرؤية فحسب؛ بل يُعالج أيضاً التحديات الدقيقة التي يواجهها بعض الأطفال المُصابين بالغمش، مثل بطء سرعة القراءة، أو صعوبات التنسيق البسيطة.

وتضيف ويتمان: «في النهاية نأمل أن يُساعدنا هذا العمل على المضي قدماً نحو علاجات أكثر تخصيصاً وفاعلية. ويُتيح لنا فهماً أفضل للأطفال الذين نُقدم لهم الرعاية».

وتُعدّ هذه الدراسة من أكبر الدراسات الجينية حول الغمش حتى الآن. ورغم الحاجة إلى مزيد من البحث فإنها تُغيِّر طريقة تفكير العلماء حول هذه الحالة. فبدلاً من أن يكون الغمش نتيجة لضعف البصر فحسب، فإنه قد يتأثر بكيفية تطور الدماغ نفسه.

وقد تُغيِّر هذه الرؤية؛ ليس فقط كيفية علاج الغمش؛ بل أيضاً كيفية فهم الآباء والأطباء والمعلمين للتحديات التي يواجهها الأطفال المصابون بهذه الحالة.

وتضيف ويتمان أن الغمش قد لا يكون مجرد «مشكلة بصرية»؛ بل قد يُشكِّل أيضاً نافذة على الطرق المعقدة التي تؤثر بها الجينات وتطور الدماغ في رؤيتنا للعالم.


مقالات ذات صلة

هل سيتآكل «الحكم السريري» للطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي؟

علوم حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب

هل سيتآكل «الحكم السريري» للطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي؟

نتيجة الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

في خطوة علمية قد تُحدِث تحولاً جذرياً في أبحاث الدماغ طوّر فريق من الباحثين أجهزة استشعار بسيطة ومنخفضة التكلفة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم من اداة صامتة الى زميل ذكي

حين يدخل الذكاء الاصطناعي غرفة العمليات... من يقود الجراحة فعلاً؟

في الماضي، كان الجراح يدخل غرفة العمليات بوصفه العقل المركزي الذي تبدأ منه القرارات وتنتهي عنده، بينما تبقى الأجهزة مجرد أدوات صامتة تنفّذ ما تمليه خبرته البشري

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
صحتك ارتفاع نسبة الأحماض في العصائر الحمضية قد يزيد تهيّج المعدة عندما تكون فارغة خاصة لدى من يعانون من ارتجاع المريء أو حساسية الجهاز الهضمي (بيكسباي)

مشروبات شائعة على معدة فارغة قد تضر بصحتك

يحذّر خبراء الصحة من أن تناول بعض المشروبات على معدة فارغة قد يسبب آثاراً سلبية على الجهاز الهضمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك موظف يرتدي رداءً واقياً كإجراء وقائي ضد فيروس «إيبولا» في المعهد الوطني للبحوث الطبية الحيوية في غوما... جمهورية الكونغو الديمقراطية 19 مايو 2026 (إ.ب.أ)

«الصحة العالمية» تدرس خيارات للقاحات ضد سلالة من فيروس «إيبولا»

تجتمع لجنة خبراء تحت قيادة منظمة الصحة العالمية، الثلاثاء، لمناقشة ما إذا كانت هناك أي خيارات بشأن اللقاحات للمساعدة في مكافحة تفشي فيروس «إيبولا» في الكونغو.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء

الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء
TT

الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء

الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء

هناك كثير من الأمور التي نعدّها بديهيةً على كوكب الأرض، لكنها تُصبح صعبة في الفضاء الخارجي. مثلاً حاسة التذوق تضعف، ويصبح قضاء الحاجة مُرهقاً ويتطلب استخدام مضخات إفراغية، ويغدو النوم مُشكلةً حقيقيةً؛ بسبب انعدام الجاذبية وشروق الشمس كل 90 دقيقة.

تجربة على أجنّة فضائية

أحد الأمور التي لم يدرسها العلماء بدقة حتى الآن، هو إمكانية إنجاب البشر خارج كوكب الأرض... لكن هذا على وشك التغيير.

تُجري الصين تجربةً على محطتها الفضائية، تأمل أن تُساعد على تسليط الضوء على المخاطر المُصاحبة للحمل في بيئة ذات جاذبية منخفضة أو معدومة. وقد تُسفر هذه التجربة عن معلومات بالغة الأهمية مع تقدُّم جهود استعمار القمر والمريخ، سواء العامة أو الخاصة.

الجنس ليس جزءاً من التجارب الصينية

والجنس ليس جزءاً من التجارب الصينية، إذ إنها لا تُرسل رواد فضاء إلى ارتفاع 250 ميلاً (400 كيلومتر) في السماء لممارسة الجنس. وبدلاً من ذلك، أُرسلت تراكيب شبيهة بالأجنة (لا تملك القدرة على التطوُّر إلى ما بعد مرحلة الجنين)، مصنوعة من خلايا جذعية بشرية، إلى المحطة الفضائية لها، لتقضي 5 أيام في مدار أرضي منخفض.

تطور الجنين... وتشكُّل الأعضاء

في هذه المرحلة، يحدث التطور المبكر بعد الإخصاب، وتبدأ غالبية الأعضاء بالتَّشكُّل. يمكن أن تؤثر التشوهات في هذه المرحلة على نمو الإنسان. يهتم العلماء بدراسة تأثير انعدام الجاذبية على الأجنة، بما في ذلك ما إذا كان سيزيد من خطر التشوهات الخلقية.

وبمجرد أن يفهم العلماء أي تأثير محتمل، سيعملون على تطوير تدخلات من شأنها التخفيف من أي آثار.

تجربة يابانية سابقة على الفئران

ليست هذه أول دراسة تُجرى على الإخصاب في بيئة انعدام الجاذبية. فقبل 3 سنوات، أحضر علماء يابانيون جنينين من الفئران إلى محطة الفضاء الدولية، وقاموا بإنمائهما لمعرفة تأثير هذه البيئة. وكانت النتيجة: لا شيء يُذكر.

مع ذلك فإن الفئران ليست بشراً. لذا، فإن تجربة الصين، على الرغم من استخدامها أجنة مصنوعة من الخلايا الجذعية، فإنها تُثير مزيداً من التساؤلات.

حتى وقت قريب، لم يكن من الممكن إجراء هذا النوع من الدراسات، نظراً لوجود اتفاقات دولية تقصر دراسة الأجنة البشرية المُستنبتة في المختبر على 14 يوماً. إلا أن «الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية» خففت هذا القيد في عام 2021، شريطة أن يخضع فريق البحث لمراجعة أخلاقية، ويجتازها.

5 أيام اختبار فضائية... تقابلها «أرضية» مماثلة

تمَّ تحضير العينات قيد الاختبار في الليلة السابقة للإطلاق، وسُلِّمت إلى وكالة الفضاء قبل 12 ساعة من الإقلاع. وبمجرد انتهاء فترة الاختبار التي تستغرق 5 أيام، سيتم تجميدها وإعادتها إلى الأرض لتحليلها.

تتضمَّن عينات الأجنة المصنعة هذه نوعين من النماذج: أحدهما مُستنبت على خلايا رحمية، والآخر موضوع داخل شريحة ميكروية سائلية. والهدف هو فهم كيفية تأثير بيئة انعدام الجاذبية في الفضاء على التطور الجنيني البشري في مراحله المبكرة. كما تُجرى دراسات متزامنة على عينات مماثلة في مختبرات على الأرض.

مقارنة العينّات

وقال يو لي تشيان، قائد مشروع التجربة، في بيان: «نأمل من خلال مقارنة نمو عينات الفضاء والأرض، أن نتمكَّن من تحديد العوامل المؤثرة على نمو الجنين البشري في المراحل المبكرة في بيئة الفضاء، ومعالجة المخاطر والتحديات التي قد يواجهها البشر خلال الإقامة الطويلة الأمد في الفضاء».

صعوبات ممارسة الجنس في الفضاء

على الرغم من أنَّ هذه الدراسة تُعدُّ خطوةً مهمةً، فإنَّ انعدام الجاذبية قد يُشكِّل عوائق أخرى أمام الإنجاب على الكواكب الأخرى. وحتى الآن، لم يُقر أي رائد فضاء بممارسته الجنس في الفضاء. ولكن عندما يتعلَّق الأمر بالجماع في الفضاء، تشير الدراسات العلمية إلى أنَّه سيكون أكثر تعقيداً بكثير مما هو عليه في الأرض.

ينصُّ قانون نيوتن الثالث للحركة (الفعل وردّ الفعل)، على سبيل المثال، على أنه إذا بذلت قوة على شخص ما، فإنَّ هذا الشخص سيبذل قوة مساوية ومعاكسة لك. لذا، فإنَّ أي دفعات ستؤدي إلى إبعاد الشريك. وللجماع، ستحتاج إلى نوع من وسائل التقييد، والتي قد تتراوح من كيس لنوم الزوجين إلى الأربطة المطاطية.

يميل الدم أيضاً إلى التجمع في الرأس في بيئة انعدام الجاذبية، ما قد يجعل العلاقة الحميمة صعبة. كما أن العرق لا يتساقط على الجسم في الفضاء، بل يلتصق بالجلد ويتجمَّع، وقد ينفصل أحياناً على شكل كتل. يا له من أمر مُحبط!

تصورات حول الحمل والولادة في الفضاء

حتى لو تمَّ الحمل ووُلد الطفل في الفضاء، فهناك عالم من التساؤلات حول ما سيحدث بعد ذلك. وقد أثار الدكتور كريس ليناردت، الأستاذ المساعد آنذاك في طب الطوارئ بكلية الطب بجامعة جورج واشنطن والأستاذ المساعد في جامعة الفضاء الدولية، في ندوة عام 2017 مخاوف حول ذلك حين قال: «إننا لا نعرف حتى كيف سينمو الأطفال المولودون في الفضاء، سواء في بيئة انعدام الجاذبية أو على سطح جرم سماوي». وتساءل: «هل ستنمو عظامهم كما ننمو نحن؟ وهل سيتمكَّنون يوماً ما من العودة إلى الأرض والوقوف؟».

وقد تكون التجارب الصينية الخطوة الأولى نحو إيجاد هذه الإجابات.

* مجلة «فاست كومباني».


هل سيتآكل «الحكم السريري» للطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي؟

حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب
حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب
TT

هل سيتآكل «الحكم السريري» للطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي؟

حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب
حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب

دخل الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة إلى قلب القرار الطبي، بعد أن بدأت الخوارزميات تُستخدم في قراءة الأشعة، وتحليل النتائج، والتنبؤ بالمضاعفات، واقتراح التشخيصات والخطط العلاجية بسرعة تفوق الإنسان أحياناً.

الخطر ليس أن تخطئ الخوارزمية بل أن يتوقف الطبيب عن التفكير

من غرفة الأشعة إلى قلب القرار الطبي

لكن مع هذا التوسع المتسارع، بدأ يظهر سؤال أكثر حساسية داخل الأوساط الطبية: ماذا يحدث عندما يبدأ الطبيب بالاعتماد على الخوارزمية أكثر من اعتماده على حكمه السريري الشخصي؟

هل يتآكل الحكم السريري تدريجياً؟

الطب لم يكن يوماً مجرد الوصول إلى التشخيص الصحيح فقط، بل القدرة على فهم التفاصيل غير الواضحة، وربط الأعراض بالسياق الإنساني للمريض، واتخاذ القرار في ظروف معقدة لا تكون الإجابات فيها دائماً مباشرة أو مكتملة.

وفي دراسة حديثة ناقشها باحثون هذا العام في مجلة «الذكاء الاصطناعي في الطب» (Artificial Intelligence in Medicine)، حذّر متخصصون من أن الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية قد يقود تدريجياً إلى ما يُعرف بـ«تآكل الحكم السريري» (Clinical Judgment Erosion)، خصوصاً لدى الأطباء الأصغر سناً الذين يتدرّبون داخل بيئات تعتمد بشكل متزايد على التوصيات الرقمية الجاهزة.

ويخشى بعض الباحثين أن يتحول الطبيب مع الوقت من صانع قرار سريري إلى مجرد «مراجع» لما تقترحه الخوارزمية، خصوصاً عندما تبدو نتائج الأنظمة الذكية دقيقة وسريعة ومقنعة بصرياً.

الخوارزمية تعرف النتيجة لكن هل نفهم كيف وصلت إليها

المشكلة ليست في الذكاء... بل في محدودية البيانات

وتزداد حساسية القضية لأن الذكاء الاصطناعي لا يفهم المريض بالطريقة البشرية نفسها، بل يعتمد على تحليل البيانات والأنماط الإحصائية. وهذا يعني أن دقة الخوارزمية قد تتأثر أحياناً إذا كانت البيانات ناقصة، أو إذا واجهت حالات تختلف عن البيئات التي تدربت عليها أصلاً.

وفي تقرير حديث صادر عن جامعة كينغز كوليدج لندن (King’s College London)، أشار باحثون إلى أن أحد أكبر تحديات الطب القادم لن يكون تقنياً فقط، بل يتعلق بالحفاظ على مهارات التفكير النقدي والحكم السريري لدى الأطباء مع تزايد الاعتماد على الأنظمة المؤتمتة.

الطبيب المقبل... شريك للخوارزمية لا تابع لها

لكن هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يمثل خطراً بحد ذاته. فعندما يُستخدم بصورة صحيحة، فإنه يستطيع أن يقلل الأخطاء، ويسرّع التشخيص، ويساعد الأطباء على التعامل مع الكم الهائل من المعلومات الطبية الحديثة، كما أصبح أداة مهمة في دعم الكشف المبكر وتحسين كفاءة الأنظمة الصحية.

ولهذا يرى كثير من الخبراء أن القضية الحقيقية ليست في مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية استخدامه بوصفه أداة تدعم الطبيب، لا بديلاً عنه.

الخوارزمية التي تعلمت من الغرب... هل تفهم مرضانا؟

عصر الطب المقبل... مَن صاحب القرار الأخير؟

الخطر قد لا يكون أن تُخطئ الخوارزمية أحياناً، لأن الطبيب نفسه قد يخطئ أيضاً، بل أن يفقد الإنسان تدريجياً قدرته على التفكير السريري المستقل داخل غرفة العلاج. ولهذا ربما يبقى السؤال الأهم في الطب المقبل: كيف يمكن للطبيب أن يستفيد من قوة الخوارزمية، من دون أن يتخلى عن حدسه الإنساني وخبرته السريرية؟


3 نصائح مهمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين التواصل الشخصي والعملي

3 نصائح مهمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين التواصل الشخصي والعملي
TT

3 نصائح مهمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين التواصل الشخصي والعملي

3 نصائح مهمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين التواصل الشخصي والعملي

لا شك أنك استخدمت الذكاء الاصطناعي لمساعدتك في كتابة شيء ما في العمل. ربما كان بريداً إلكترونياً، أو مجموعة من النقاط الرئيسية لاجتماع، أو مسودة أولية لمشروع كنت تواجه صعوبة في إنجازه... إذا كان الأمر كذلك، فمن المحتمل أن يكون لأحد معارفك رأي فيه: زميل يعتقد أنه دليل على الكسل، أو ربما حتى صوت داخلي يتساءل عما إذا كان المنتج النهائي من إبداعك حقاً؛ كما كتبت أندريا ووجنيكي (*).

أنا متخصصة في التواصل، وأعترف بأنني ما زلت بحاجة إلى تعلم الكثير عن هذه التقنية. لقد كتبتُ سابقاً عن الذكاء الاصطناعي كأداة للتواصل. بعد مشاهدة عدد كافٍ من عملائي في مجال التدريب وهم يجربونه، لدي وجهة نظر واضحة حول المجالات التي يمكن أن يفيدك فيها الذكاء الاصطناعي، والمجالات التي قد يعيقك فيها كمتواصل.

وكما هي الحال في معظم جوانب التواصل، فإن الأمر يتوقف على مدى تحكمك في رسالتك.

تحسين التواصل بواسطة الذكاء الاصطناعي

إليكم أهم 3 نصائح لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين تواصلكم:

1- بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وليس (التوليد) من خلاله: في مجال التواصل، يكمن المبدأ الذي أعود إليه دائماً، في الفرق بين المحتوى الذي يتم إنشاؤه كلية بواسطة الذكاء الاصطناعي، والمحتوى الذي يتم بمساعدته فقط.

- محتوى مُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي: عندما يكتب الذكاء الاصطناعي عرضكم التقديمي أو يُصيغ بريدكم الإلكتروني، ثم تقومون بتعديله، فهذا محتوى مُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي.

- محتوى ساعد الذكاء الاصطناعي في إنشائه: أما عندما تُنشئون المحتوى بأنفسكم، وتستخدمون الذكاء الاصطناعي للشحذ الذهني، أو لتحسينه، أو لاختبار أفكاركم، أو للوصول إلى عبارة أكثر دقة، فهذا محتوى ساعد الذكاء الاصطناعي في إنشائه.

والفرق بين هذين النوعين شاسع من منظور التواصل.

بين رفع المستوى وبين «تسطيحه»

يمكنكم استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لتحسين أو رفع تواصلكم، أو جعله عادياً ومُكرراً، أي تسطيحه. ربما سمعتم تشبيه المطرقة بأنها «مجرد أداة»، يمكن استخدامها لبناء أشياء عظيمة أو لإيذاء الناس. سمعت هذا التشبيه لأول مرة منذ سنوات من الأستاذة تيزيانا كاسيارو، التي أجريت معها مقابلة، وهي المؤلفة المشاركة لكتاب «القوة للجميع».

تعزيز الأفكار الخاصة بك

وصفت كاسيارو كيف أن القوة -مثل قوة المطرقة- ليست خيراً ولا شراً في جوهرها. المطرقة أداة، والقوة أداة. واليوم، الذكاء الاصطناعي أداة أيضاً.

أدركتُ هذا أخيراً عندما استخدمتُ «تشات جي بي تي» لتبادل الأفكار حول عناوين لمواضيع سلسلة ورش عمل كنتُ أعمل عليها. زودتُه ببعض أفكاري، وكانت الاستجابات الأولى باهتة، لذا حسَّنتُ اقتراحي.

أما الجولة الثانية فكانت واعدة، وأثارت أفكاراً قادتني إلى 3 عناوين نالت إعجاب زبوني. بعد أن توصلتُ إلى أفكاري الخاصة، ساعدني استخدام الذكاء الاصطناعي كشريك فكري في التوصل إلى شيء أفضل.

جودة مخرجات الذكاء الاصطناعي من جودة تواصلك معه

2- اقتراحاتك المقدمة للذكاء الاصطناعي هي مهارة تواصل: تعتمد جودة ما تحصل عليه من الذكاء الاصطناعي كلياً على مدى جودة تواصلك معه. فالمدخلات الرديئة تؤدي إلى مخرجات رديئة. والمدخلات الجيدة تؤدي إلى مخرجات جيدة.

تنطبق المبادئ نفسها التي أُعلِّمها للمديرين التنفيذيين حول الوضوح والدقة، مباشرة، على كيفية كتابة الاقتراحات.

إطار لخطوات استخدام الذكاء الاصطناعي

أجريتُ أخيراً مقابلة مع جوناثان ماست، خبير استراتيجيات الذكاء الاصطناعي، وقد شاركني إطاراً من 4 خطوات لتوجيه الذكاء الاصطناعي، وبدأتُ في استخدامه فوراً:

• أخبِر الذكاء الاصطناعي بمجال الخبرة الذي ترغب في أن يركز عليه.

• زوِّده بالسياق: من أنت، وماذا تعمل، وأي تفاصيل ذات صلة.

• اطرح سؤالك.

• اختتم توجيهك بعبارة: «اطرح عليَّ أي أسئلة توضيحية من شأنها تحسين مخرجاتك».

هذه الخطوة الأخيرة بالغة الأهمية. فبدلاً من ترك الذكاء الاصطناعي يملأ الفراغات بافتراضات، أنت تدعوه لإجراء مقابلة معك، ليتمكن من جمع المعلومات التي يحتاج إليها بدقة. ستكون المخرجات أفضل بكثير.

مثال عملي لخطة تقديم «بودكاست»

عندما استخدمتُ هذا الإطار للحصول على ملاحظات حول مخطط لتقديم حلقة «بودكاست»، حددتُ خبرتي في مجال التواصل التجاري وإنتاج «البودكاست»، ووصفتُ جمهوري، وحمَّلتُ المخطط، وطلبتُ منه تقديم اقتراحات للتحسين. جاءني الرد بقائمة من 8 أسئلة. بعد إجابتي عنها، تلقيت اقتراحات دقيقة ومحددة، وقد طبقت الكثير منها.

إذا كان هناك شيء واحد يجب أن تستفيد منه من هذه المقالة، فأشجعك على تجربة هذا الإطار التوجيهي.

تحويل الذكاء الاصطناعي الى ناقد

3- اجعل الذكاء الاصطناعي ناقدك: من أفضل استخدامات الذكاء الاصطناعي بالنسبة لي هو استخدامه كأداة لتقديم الملاحظات. حمِّل مسودة عرضك التقديمي، واطلب من الذكاء الاصطناعي تقييمها. كلما كنت أكثر تحديداً، كانت الملاحظات أفضل.

يمكنك أيضاً تحميل عرضك حول المبيعات، والطلب من الذكاء الاصطناعي تحديد أسباب عدم إتمام الصفقة. ألا تفضل سماعها من جهاز كومبيوتر بدلاً من العميل؟

مثال عملي لتقييم أدائك الشخصي

تمرين آخر أقدمه لعملائي في التدريب: حمِّل نص اجتماع واسأل الذكاء الاصطناعي:

• ما هي نسبة حديثي في ​​الاجتماع؟

• كيف كانت نبرتي؟ كيف رآني الآخرون؟

• ما الذي كان بإمكاني قوله لأبدو أكثر مصداقية؟

• ما هي الكلمات المكررة التي استخدمتها بكثرة؟

الفكرة واضحة. هدفك هنا هو الحصول على ملاحظات فورية ومحددة السياق لتحسين مهاراتك في التواصل.

الخبرة الشخصية في المقدمة

لقد فتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً جديدة لتحسين تواصلك. حسِّن قدرتك على إخباره بما تحتاج إليه، ولكن احتفظ بخبرتك الشخصية في المقدمة، بحيث تستخدمه للمساعدة، لا للتوليد. سيستفيد المتخصصون في مجال التواصل أكثر من غيرهم من أولئك الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لإبراز صوتهم الأصيل بشكل أوضح من ذي قبل.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».