تقرير بريطاني: تقييم سريع للأدلة في توظيف الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان

مراجعة دور الروبوتات الجراحية ونظم التحليل العميق في عيادات المستقبل

تقرير بريطاني: تقييم سريع للأدلة في توظيف الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان
TT

تقرير بريطاني: تقييم سريع للأدلة في توظيف الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان

تقرير بريطاني: تقييم سريع للأدلة في توظيف الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان

في أغسطس (آب) 2025، أصدرت الهيئة العامة لتنظيم مهنة طب الأسنان في بريطانيا (General Dental Council – GDC) واحداً من أهم تقاريرها البحثية على الإطلاق، تحت عنوان: «تقديم خدمات طب الأسنان باستخدام الذكاء الاصطناعي: تقييم سريع للأدلة» (Artificial Intelligence in Dental Service Provision: A Rapid Evidence Assessment).

منهجية التقييم السريع للأدلة

وكان هذا التقرير ثمرة عمل علمي دقيق أنجزه فريق بحثي من كلية طب الأسنان بجامعة بليموث، بالاعتماد على منهجية التقييم السريع للأدلة (Rapid Evidence Assessment – REA)، وهي آلية علمية تجمع بين صرامة المراجعات المنهجية الكاملة وسرعة الدراسات الجزئية، لتوفر لصنّاع القرار صورة واضحة ومبنية على الدليل، في فترة زمنية وجيزة.

ويُعدّ هذا النهج أداة مثالية حين يتعلق الأمر بمجالات سريعة التغيُّر، مثل الذكاء الاصطناعي، حيث يحتاج الطبيب والباحث والمشرّع إلى رؤية متوازنة لا تغفل الصرامة العلمية، ولا تستغرق سنوات في انتظار النتائج.

3800 دراسة... لكن ماذا بقي بعد الغربلة؟

انطلق المشروع، في سبتمبر (أيلول) 2024، بخطوة غير تقليدية: مراجعة شاملة لأكثر من 3800 دراسة منشورة في مجلات طبية وعلمية تناولت استخدامات الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان.

لكن الكثرة لا تعني بالضرورة الجودة؛ فبعد سلسلة من عمليات التمحيص الدقيقة وفق معايير الصدقية والمنهجية والارتباط بالواقع الإكلينيكي، لم يتبق في يد الباحثين سوى 45 دراسة فقط اعتُبرت جديرة بالتحليل المتعمّق.

تقدم الصين وأميركا... وتخلف أوروبا

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: 18 دراسة من الصين، و13 من الولايات المتحدة، بينما خلا السجل تماماً من أي دراسة بريطانية، على الرغم من أن التقرير بريطاني المنشأ.

ويثير هذا الغياب سؤالاً علمياً وأخلاقياً في آن واحد: هل فقدت أوروبا – التي كانت يوماً ما رائدة في تأسيس مدارس طب الأسنان الحديثة – زمام المبادرة لصالح الشرق المتسارع (الصين) والغرب البعيد (أميركا)؟ أم أن الحذر الأوروبي في اعتماد تقنيات جديدة جعلها تتأخر عن ركب التجارب الميدانية التي تجري بوتيرة متسارعة في أماكن أخرى؟

تطبيقات متسارعة: من الروبوتات إلى التحليل العميق

يكشف التقرير أن الذكاء الاصطناعي لم يعد حبيس الأوراق البحثية أو مؤتمرات المستقبل، بل بدأ فعلياً يطرق أبواب عيادات الأسنان حول العالم. وما كان يُنظر إليه منذ سنوات كخيال علمي، أصبح اليوم واقعاً تجريبياً يتوسع بخطى متسارعة. ومن أبرز التطبيقات التي رصدها التقرير:

1. الروبوتات الجراحية: يأتي في المقدمة الروبوت الأميركي «Yomi»، الذي يمثل ثورة في مجال زراعة الأسنان؛ إذ يعتمد على ذراع روبوتية موجهة بالحاسوب لتثبيت الغرسات بدقة ملليمترية، مع تقليل هامش الخطأ البشري.

وأظهرت دراسات سريرية أن نسبة نجاح الزرعات باستخدام «Yomi» بلغت نحو 98 في المائة، متفوقة على الطرق الجراحية التقليدية، مع تقليص وقت العملية وتسريع فترة النقاهة.

2. خوارزميات التعلُّم العميق (Deep Learning): تُعد هذه الخوارزميات أشبه بـ«العين الثانية» للطبيب؛ إذ تقوم بتحليل صور الأشعة البانورامية والمقطعية ثلاثية الأبعاد (CBCT) لاكتشاف التسوس المبكر أو تحديد فقدان العظم السنخي المرتبط بأمراض اللثة.

وطورت بعض الشركات تطبيقات يمكن تنزيلها على الهواتف الذكية تتيح للمريض التقاط صورة داخل فمه والحصول على تقدير أولي لحالته، مما قد يفتح الباب أمام الوقاية الاستباقية قبل الحاجة إلى التدخل الإكلينيكي.

3. التعلم الآلي الخاضع للإشراف (Supervised Machine Learning): حظي مجال طب أسنان الأطفال بنصيب ملحوظ من هذه الأبحاث، حيث استُخدمت الخوارزميات للتنبؤ باحتمال حدوث التسوس استناداً إلى الأنماط الغذائية والسلوكية والعوامل الاجتماعية.

كما ساعدت هذه التقنيات في الكشف المبكر عن مشاكل الإطباق (Malocclusion)؛ ما يتيح للطبيب التدخل في سن مبكرة وتفادي مضاعفات مستقبلية معقدة.

4. طب الأسنان عن بُعد (Teledentistry): في عصر ما بعد الجائحة، اكتسب هذا المجال أهمية مضاعفة. وأصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم قادرة على تحليل الصور والفيديوهات المرسلة من المرضى في المناطق النائية، ثم إصدار تقرير أولي يُعرض على الطبيب لاحقاً.

ولا تعني هذه الخدمة توفير وقت المريض والطبيب فقط، بل تُمثل أيضاً أداة للحد من التفاوت في الحصول على الرعاية الصحية، خصوصاً في المجتمعات البعيدة أو الفقيرة.

بهذه التطبيقات، يتضح أن الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس مجرد رفاهية تكنولوجية، بل توجُّه عملي يغيّر طريقة التشخيص والعلاج والمتابعة، ويعيد صياغة العلاقة بين الطبيب والمريض، وبين العيادة والمجتمع.

بين التفاؤل والتحفّظ: الفجوات العلمية والعملية

رغم أن التقرير رسم صورة متفائلة لمستقبل الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان، فإنه لم يتغاضَ عن الجانب المظلم من المعادلة؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بما يمكن للتقنية أن تقدمه، بل أيضاً بما قد تعجز عنه أو تُحدثه من تحديات جديدة، ومنها:

* القصور العلمي: أظهرت المراجعة أن أكثر من 70 في المائة من الدراسات كانت تجريبية أو محدودة العدد من حيث العينات؛ ما يجعل النتائج غير قابلة للتعميم على نطاق واسع. أي أن الطريق ما زال بحاجة إلى دراسات سريرية كبيرة وطويلة الأمد لإثبات الفعالية والأمان.

* المخاطر الطبية: لفت التقرير إلى أن استخدام الروبوتات الجراحية مع مرضى هشاشة العظام قد يؤدي إلى مضاعفات غير متوقَّعة، نظراً لحساسية البنية العظمية لديهم، ما يستدعي بروتوكولات أكثر دقة لاستخدام هذه التقنيات.

* البُعدان النفسي والاجتماعي: لا يزال عدد من المرضى يشعرون بالقلق أمام فكرة أن «آلة» تشارك في علاجهم؛ إذ يربطون الطب باللمسة الإنسانية للطبيب. هذا التحدي النفسي لا يقل أهمية عن التحديات التقنية، لأنه يحدد مستوى تقبّل المجتمع للابتكار.

* التكلفة العالية: الأجهزة المتقدمة والبرمجيات الذكية تبقى بعيدة عن متناول معظم العيادات الصغيرة أو المجتمعات محدودة الموارد، ما يهدد بتوسيع فجوة عدم المساواة في الحصول على الرعاية الصحية.

* التدريب والاعتماد: غياب بروتوكولات موحّدة لتدريب الأطباء على استخدام هذه الأنظمة يجعل الاستفادة منها متفاوتة بين بلد وآخر، بل وأحياناً بين عيادة وأخرى داخل البلد الواحد.

ولم يتوقف التقرير عند هذه العقبات، بل سجّل كذلك نقصاً واضحاً في الأدلة التنظيمية والأخلاقية، خصوصاً فيما يتعلق بالخصوصية وحماية البيانات وضمان العدالة في إتاحة الرعاية. وهي قضايا تزداد إلحاحاً في عصر البيانات الضخمة، حيث تصبح المعلومات الطبية للمريض أثمن من الذهب إذا لم تُحسن حمايتها.

السعودية: من السبق الأخلاقي إلى الريادة العالمية

في الوقت الذي خلا فيه التقرير البريطاني من أي إشارة إلى دراسات عربية، برزت المملكة العربية السعودية كاستثناء عالمي لافت، ليس في ميدان البحث العلمي المباشر، بل في صياغة الأطر الأخلاقية والتنظيمية التي تُعد الأساس لأي تطبيق ناجح للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.

فمنذ عام 2019، أطلقت «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA)» أول إطار أخلاقي عالمي للذكاء الاصطناعي، لتكون المملكة بذلك سبّاقة في استباق الأسئلة الحساسة التي يثيرها استخدام الخوارزميات في حياة البشر اليومية.

وفي عام 2023، خطت المملكة خطوة نوعية عبر اعتماد إطار وطني متكامل للذكاء الاصطناعي يتضمن 7 مبادئ أساسية: العدالة، الخصوصية، الشفافية، المساءلة، السلامة، التنوع، والاستدامة. وهذه المبادئ لم تكن مجرد شعارات، بل تحولت إلى مرجع عالمي استشهدت به مؤسسات أكاديمية وتنظيمية في أوروبا وآسيا.

ولم يمضِ وقت طويل حتى أحرزت السعودية إنجازاً غير مسبوق؛ ففي عام 2024، أصبحت أول دولة في العالم تنال شهادة «ISO 42001» الخاصة بإدارة موارد الذكاء الاصطناعي، وهو ما وضعها في صدارة الدول التي تقود صياغة المعايير الدولية. وإلى جانب ذلك، طورت أداة تقييم ذاتي مبتكرة تساعد المؤسسات على قياس مدى التزامها بالمعايير الأخلاقية في ممارساتها اليومية.

هذه النجاحات لم تأتِ بمعزل عن مشروع وطني أكبر هو «رؤية السعودية 2030»، التي وضعت الذكاء الاصطناعي في قلب عملية التحول الشامل، ليس في الصناعة والاقتصاد فقط، بل في الصحة والتعليم والبحث العلمي، لتصبح المملكة مختبراً عالمياً يُوازن بين الابتكار التكنولوجي والمسؤولية الأخلاقية.

نحو عيادة المستقبل

في عيادة الغد، لن يقف الطبيب وحيداً أمام صور الأشعة والبيانات الطبية المعقدة، بل سيكون بجواره مساعد افتراضي ذكي، يلتقط الأنماط الدقيقة التي قد تغيب عن العين البشرية، ويتنبأ بالمشكلات قبل حدوثها، ويقترح خططاً علاجية أولية يراجعها الطبيب بحكمته وخبرته.

أما المريض، فسيتحول من متلقٍ سلبي إلى طرف فاعل في رعايته، يتابع حالته عبر تطبيق على هاتفه الذكي، يتلقى تنبيهات حول صحة لثته ونظافة فمه، بل وربما توصيات مخصصة وفق نظامه الغذائي ونمط حياته اليومي.

إنها ليست مجرد صورة مستقبلية بعيدة، بل مسار يتشكل اليوم أمام أعيننا. فالذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس رفاهية تقنية، بل ضرورة طبية وإنسانية، بشرط أن يُدار بوعي أخلاقي وتنظيمي كما فعلت السعودية في تجربتها الرائدة.

وهنا يطرح المستقبل سؤاله الحاسم: هل سنبقى متفرجين على ما يكتبه الآخرون عنّا؟ أم نخطّ نحن بأيدينا وعقولنا تقريرنا المقبل... وعيادتنا المقبلة؟


مقالات ذات صلة

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ ميلانيا ترمب تصل برفقة الروبوت لحضور قمة «Fostering the Future Together» العالمية في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب) p-circle

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

خطفت السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب الأنظار مجدداً، بعدما رافقها «روبوت» بشري متطور خلال فعالية رسمية في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تراجع ثقة الأميركيين بعد انتشار القصص الوهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

«قمم خبراء» تتحدث عن الأخلاقيات... لكن المعاناة تبقى خارج النقاش

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام

امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
TT

دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام

امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)

تُعرف الكلاب دوماً بأنها رفيقة وفية للإنسان منذ أن جعلها أول الحيوانات المستأنسة، وهي تنحدر منذ زمن بعيد من الذئاب الرمادية، لكن التساؤلات حول متى وأين ولماذا بالضبط حدث هذا لا تزال دون إجابة.

وتقدم الأبحاث الجينية الحديثة الآن نظرة فاحصة على هذا بما في ذلك تحديد أقدم كلب معروف ويعود إلى 15 ألفاً و800 عام.

وقال الباحثون إن هذا الكلب، الذي عُرف من خلال عظام عُثر عليها في موقع صخري في بينار باشي بتركيا كان يستخدمه الصيادون قديماً، أقدم بنحو خمسة آلاف سنة من أقدم حيوان ينتمي لفصيلة الكلاب معروف سابقاً وتم التأكد منه وراثياً.

وأضافوا أن تاريخ كلب بينار باشي وعدة كلاب أخرى، تم تحديدها في مواقع أخرى في أوروبا تعود إلى العصر نفسه تقريباً، تُظهر أن تلك الحيوانات كانت منتشرة على نطاق واسع وجزءا لا يتجزأ من الثقافة البشرية قبل آلاف السنين من ظهور الزراعة.

وجرى استعراض النتائج الجديدة في ورقتين علميتين نُشرتا، الأربعاء، في مجلة «نيتشر»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال وليام مارش الباحث في مختبر علم الجينوم القديم بمعهد فرنسيس كريك في لندن والمشارك في إعداد إحدى الدراستين إن أدلة الحمض النووي تشير إلى أن الكلاب كانت موجودة في مناطق مختلفة في غرب أوراسيا منذ 18 ألف عام، وكانت بالفعل مختلفة جينياً تماماً عن الذئاب.

وأضاف مارش: «نتصور أن مجموعتي الكلاب والذئاب انفصلتا قبل ذلك بكثير، على الأرجح قبل ذروة العصر الجليدي الأخير أي قبل 24 ألف عام. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من عدم اليقين».

طريقة جديدة للتمييز وراثياً

كان الكلب، الذي ينحدر من سلالة ذئاب قديمة منفصلة عن الذئاب الحديثة، أول حيوان استأنسه الإنسان قبل حيوانات أخرى مثل الماعز والأغنام والماشية والقطط.

وقال عالم الوراثة أندرس بيرجستروم من جامعة إيست أنجليا في إنجلترا، المؤلف الرئيسي للدراسة الأخرى: «ظلت الكلاب رفيقة للبشر حين مروا بتحولات كبيرة في نمط الحياة وظهرت مجتمعات معقدة».

وأضاف بيرجستروم: «من المثير للاهتمام أيضاً أنه، على عكس معظم الحيوانات المستأنسة الأخرى، لا يكون للكلاب دائماً أدوار أو أغراض محددة بوضوح بالنسبة للبشر. ربما يكون دورها الأساسي في كثير من الأحيان هو مجرد الرفقة».

وأجرى بيرجستروم وفريقه بحثاً مستفيضاً عن الكلاب في العصور القديمة في أوروبا باستخدام طريقة جديدة للتمييز وراثياً بين الذئاب والكلاب من بين 216 من البقايا القديمة يتراوح عمرها بين 46 ألف سنة وألفي سنة من بلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وهولندا واسكتلندا والسويد وسويسرا وتركيا. وهذه أكبر دراسة من نوعها لهذه البقايا حتى الآن.

عظام الفك العلوي لكلب عُثر عليها في كهف بسويسرا ويعود تاريخها إلى نحو 14 ألف عام (رويترز)

وتمكن الباحثون من تحديد 46 كلباً و95 ذئباً. ونظراً لأن الهياكل العظمية للكلاب والذئاب كانت متشابهة جداً في المراحل المبكرة من استئناس الكلاب، فإن الدراسات الجينية ضرورية للتمييز بينها في البقايا القديمة.

وأقدم الكلاب التي حددها فريق بيرجستروم يعود تاريخه إلى 14 ألفاً و200 عام من موقع كهف كيسلرلوخ في سويسرا. وتبين أن أقدم الكلاب الأوروبية التي حددتها هذه الدراسة تشترك في الأصل مع الكلاب في آسيا وبقية العالم مما يدل على أن هذه المجموعات المختلفة من الكلاب لم تنشأ من حالات استئناس منفصلة.

أسئلة دون إجابة

ويعد كلب بينار باشي، في الدراسة التي عمل عليها مارش، دليلاً على منزلته الكبيرة لدى الصيادين الذين كانوا يربون الكلاب.

وقال مارش: «في بينار باشي، توجد مدافن للبشر والكلاب ودُفنت الكلاب بجوار البشر».

وهناك أدلة أيضاً على أن سكان بينار باشي كانوا يطعمون كلابهم السمك.

وحددت هذه الدراسة خمسة كلاب يعود تاريخها إلى ما بين 15 ألفاً و800 و14 ألفاً و300 سنة، بما في ذلك بقايا كلاب من كهف جوف بالقرب من تشيدر في إنجلترا.

عظام فك كلب عمرها 14 ألفاً و300 عام عُثر عليها في كهف بإنجلترا (أ.ب)

وخلصت الدراسة إلى أن كلاب بينار باشي وكهف جوف أكثر ارتباطاً بأسلاف السلالات الأوروبية والشرق أوسطية الحالية مثل البوكسر والسلوقي، مقارنة بالسلالات القطبية مثل الهاسكي السيبيري.

ووفقاً للباحثين، فإلى جانب الرفقة ربما ساعدت الكلاب القديمة البشر في الصيد أو الحراسة، نوعاً ما كنظام إنذار في العصر الجليدي. وقالوا إنه على عكس عدد من سلالات الكلاب في عصرنا الحالي، من المرجح أن تلك الكلاب القديمة كانت لا تزال تشبه إلى حد كبير الذئاب المنحدرة منها.

وأوضح بيرجستروم أن «الأسئلة المتعلقة بمتى وأين وسبب ترويض البشر للكلاب تظل دون إجابة إلى حد كبير... نعتقد أن ذلك حدث على الأرجح في مكان ما في آسيا لكن لا يزال يتعين تحديد المكان بدقة أكبر».


لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟