كيف سبقت الصين العالم في طب الذكاء الاصطناعي... وبدأت السعودية ترسم خريطة المستقبل في طب الذكاء الاصطناعي؟

حين ترتدي الخوارزمية المعطف الأبيض

كيف سبقت الصين العالم في طب الذكاء الاصطناعي... وبدأت السعودية ترسم خريطة المستقبل في طب الذكاء الاصطناعي؟
TT

كيف سبقت الصين العالم في طب الذكاء الاصطناعي... وبدأت السعودية ترسم خريطة المستقبل في طب الذكاء الاصطناعي؟

كيف سبقت الصين العالم في طب الذكاء الاصطناعي... وبدأت السعودية ترسم خريطة المستقبل في طب الذكاء الاصطناعي؟

في مشهدٍ طبيّ يتغير بوتيرة لا تُشبه الأمس، لم يعد السباق حول من يملك أكبر مستشفى أو أحدث جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي، بل حول من يملك «عقلاً صناعياً» قادراً على تحويل الأعراض معطياتٍ، والمعطيات تشخيصاً، والتشخيص قراراً علاجياً... دون أن يرف له جفن.

في سباق الطب... العقل الاصطناعي هو الفائز الجديد

في هذا السباق العالمي الصامت، برزت الصين لاعباً مفاجئاً لا يرحم. في أقل من عقد، تحوّلت مراكزها الطبية معامل (مختبرات) ذكاء اصطناعي حيّة. وفي مستشفى صيني واحد، قد تفوق قدرة الخوارزميات على التشخيص أضعاف ما يستطيع طبيب بشري فعله في أسبوع. في عيادة أخرى، يتم تقييم صور الأشعة بدقة تتجاوز 98 في المائة خلال ثوانٍ. أما الأبحاث؟ فهي لا تكتفي بفهم الأمراض، بل تصمم أدواتٍ لتوقّعها قبل أن تظهر.

لكن يبقى السؤال الجوهري مطروحاً: هل تفوّق الصين هو تفوّق دائم... أم قفزة مؤقتة تدفع دولاً أخرى لإعادة التفكير؟

وماذا عن المملكة العربية السعودية؟ هل تقف متفرّجة، أم أنها ترسم بالفعل نموذجاً فريداً، تتجاوز فيه تقليد النماذج العالمية، لتصوغ مستقبلها الصحي من خلال «رؤية 2030»، حيث تتقاطع البيانات مع الذكاء، والمريض مع المنصة، والطبيب مع الخوارزمية؟

بيانات لا تعرف الخصوصية... لكنها تصنع الذكاء

في قلب التفوق الصيني في الذكاء الاصطناعي الطبي، يكمن سرٌّ لا يُذكر كثيراً: «تسونامي البيانات».

الصين، التي تحتضن أكثر من 1.4 مليار إنسان، لا ترى في البيانات الصحية مجرد ملفات محمية، بل أدوات لتغذية «العقل الصناعي». فبفضل نظام مركزي قوي، تقوم الحكومة بجمع وتحليل ملايين الصور الطبية، والتقارير السريرية، والتحاليل المخبرية من مختلف أنحاء البلاد، وتخزينها في قواعد بيانات ضخمة ومتشابكة.

والنتيجة؟ منظومات ذكاء اصطناعي تُدرَّب على كمٍّ هائل من المعلومات، تُصبح بمرور الوقت أكثر دقة، وأسرع في التشخيص، وأقدر على التنبؤ بالمخاطر.

قيود تشريعية في أوروبا وأميركا

في المقابل، تجد الولايات المتحدة وأوروبا نفسيهما محاصرتين بجدران تشريعية عالية.

في الاتحاد الأوروبي، تقيّد «اللائحة العامة لحماية البيانات» (General Data Protection Regulation - GDPR) بشدة إمكانية استخدام البيانات الصحية. فهو يُلزم المؤسسات بالحصول على موافقة واضحة ومسبقة من المرضى، ويمنحهم الحق في حذف بياناتهم أو نقلها؛ ما يجعل الوصول إلى السجلات الطبية عملية معقّدة ومحدودة.

أما في الولايات المتحدة، فهناك قانون «قابلية نقل التأمين الصحي ومساءلة المعلومات» (Health Insurance Portability and Accountability Act - HIPAA)، الذي يُعدّ حجر الأساس لحماية خصوصية المعلومات الطبية. ويُلزم مقدمي الرعاية الصحية باتباع معايير صارمة في حفظ، ومشاركة، واستخدام البيانات، مع فرض عقوبات قاسية على من ينتهك هذه الضوابط.

وهكذا، بينما تُدرّب الصين خوارزمياتها على مئات الملايين من السجلات الصحية بلا قيود تُذكر، تظل الدول الغربية في حالة تفاوض مستمر مع الخصوصية، بين ما يمكن مشاركته... وما لا يجوز لمسه.

لكن يبقى السؤال معلّقاً في الهواء: هل الذكاء الاصطناعي يولد من رحم المعرفة فقط؟ أم أن الحرية في جمع البيانات هي الوقود الحقيقي لهذه الثورة؟ وهل يمكن تحقيق التوازن بين الابتكار والخصوصية... أم أن أحدهما لا بد أن يُضحّى به؟

حين يكون الطبيب نادراً يتقدّم الذكاء

أحد المحركات الخفية، وربما غير المتوقعة، وراء الطفرة الصينية في الذكاء الاصطناعي الطبي هو نقص الكوادر البشرية. فبحسب آخر الإحصاءات، لا تملك الصين سوى 2.9 طبيب لكل 1000 نسمة، مقارنة بـ4.3 في ألمانيا، و3.6 في الولايات المتحدة، و6.1 في النمسا. وهذا العجز البنيوي، خاصة في المناطق النائية والريفية، جعل الحاجة إلى حلول بديلة أكثر إلحاحاً.

لكن الصين لم تنتظر وصول الطبيب... بل صمّمت له مساعداً رقمياً.

في عيادات الريف، لم تعد غرفة الفحص تنتظر الأبيض الطبي، بل تستقبل جهازاً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي، قادراً على تشخيص حالات مثل الالتهاب الرئوي، أو مرض السكري، أو فقر الدم خلال ثوانٍ، اعتماداً على صور الأشعة أو نتائج التحاليل.

لم يعد الطبيب وحيداً في المشهد، بل باتت إلى جانبه خوارزمية تُحلّل، تُقارن، وتقترح التشخيص والعلاج، لتتحوّل العلاقة من طبيب ومريض... إلى مثلث يجمع الإنسان والآلة والبيانات.

والسؤال المطروح: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعوّض الطبيب؟ أم أنه مجرد ضيف مؤقت على غرفة التشخيص؟

دعم حكومي... وتطبيق بلا تردّد

حين أعلنت الصين عام 2017 أن الذكاء الاصطناعي هو «أولوية وطنية»، لم يكن ذلك مجرّد شعار... بل بداية لتحوّل استراتيجي شامل.

وقد خُصّصت مليارات الدولارات لتمويل الأبحاث، وتحديث البنية التحتية الصحية، وتطوير خوارزميات طبية خاصة بالسياق الصيني. وفي قلب هذا التحول، دخل الذكاء الاصطناعي باكراً إلى المؤسسات الطبية الكبرى مثل مستشفى بكين الجامعي (Peking University Hospital)، حيث لم يُعامل بصفته أداةً تجريبية، بل بصفته عنصراً أساسياً في منظومة الرعاية.

الصين لا تنتظر النتائج في المختبرات، بل تطبق الأنظمة الجديدة مباشرة على أرض الواقع، ثم تقوم بتعديلها بناءً على البيانات الحية والتغذية الراجعة من الميدان.

أما في المقابل، فتسود مقاربة الحذر في الغرب. فالولايات المتحدة وأوروبا تُجري تجارب أولية، ثم تُراجع بروتوكولات الأخلاقيات، وتُقيّم النتائج، وربما تُعيد النظر في التطبيق من جديد.وهكذا، بينما تسير الصين بسرعة «التجريب الميداني»، لا تزال النظم الغربية تدور في حلقة من التردد المؤسسي.

Kimi K2... كيف أصبحت الصين تُصدّر العقول الرقمية للعالم؟

في تطور جديد يُعزز موقع الصين في سباق الذكاء الاصطناعي، أعلنت شركة ناشئة تُدعى «مونشوت إيه آي» (Moonshot AI) في يوليو (تموز) 2025 عن إطلاق نموذج لغوي ذكي (Language Model) مفتوح المصدر يُعرف باسم Kimi K2.

لا نتحدث هنا عن روبوت خارق، بل عن نموذج حاسوبي متقدم يشبه «العقل الرقمي»، قادر على فهم اللغة، تحليل النصوص، الإجابة عن الأسئلة، وإنجاز مهام معقدة مثل تلخيص الملفات الطبية، كتابة التقارير، واكتشاف الأخطاء السريرية... خلال ثوانٍ.

ويتميّز نموذج Kimi K2 بكونه مفتوح المصدر؛ ما يسمح بتكييفه داخل المستشفيات والجامعات، أو في تطبيقات الرعاية الصحية الذكية؛ ما يُقرّب الذكاء الاصطناعي أكثر من أي وقت مضى إلى غرف التشخيص وقرارات العلاج.

ورغم أن النموذج لا يزال قيد التطوير، فإن دلالته رمزية وعميقة: الصين لم تعد تستهلك الذكاء الاصطناعي... بل باتت تُصدّره للعالم.

ما موقع السعودية من هذا السباق؟

رغم اختلاف السياق بين الصين والمملكة، من حيث البنية السكانية والنظام السياسي، فإن السعودية اختارت ألا تكون متفرّجاً في سباق الذكاء الاصطناعي الطبي... بل شريكاً فاعلاً فيه.

وضمن «رؤية 2030»، أطلقت المملكة عدداً من المبادرات الوطنية الطموحة، وعلى رأسها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا – SDAIA)، التي تهدف إلى تسخير الذكاء الاصطناعي في خدمة القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها القطاع الصحي.

وفي عام 2023، أعلنت السعودية عن أول استراتيجية وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي في الصحة، ترتكز على ثلاث ركائز رئيسية:

- ربط السجلات الصحية إلكترونياً؛ لبناء قاعدة بيانات موحّدة على مستوى المملكة.

- تطوير منصات تشخيص ذكية مدعومة بالخوارزميات؛ لتسريع ودقة اتخاذ القرار الطبي.

- تدريب الكوادر الطبية السعودية على التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، وذلك جزءاً من إعادة هندسة مهنة الطب.

ولم تقف المملكة عند حدود التطبيقات التقنية، بل انخرطت أيضاً في النقاش الأخلاقي العالمي. فقد أصبحت الدولة العربية الأولى التي تستضيف مؤتمرات دولية متخصصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي، وتشارك بفاعلية في صياغة الأطر التنظيمية والتشريعية التي تسعى لضمان استخدام عادل وآمن للخوارزميات في المجال الصحي.

السعودية اليوم لا تسير على خُطى أحد... بل تُمهّد طريقاً ثالثاً، يجمع بين التحول الرقمي الجريء والضوابط الأخلاقية الرصينة.

الخاتمة: من يملك البيانات... يملك القرار

في القرن الحادي والعشرين، لم تعد المعركة في الطب تُحسم في غرف العمليات... بل على خوادم البيانات.

القرار الطبي لم يعد حكراً على من يحمل سماعة الطبيب، بل على من يُتقن قراءة الأرقام، وتحليل الأنماط، وتوجيه الخوارزميات.

والدول التي تُدرك هذه الحقيقة، وتستثمر في الذكاء الاصطناعي الصحي، ستكون صاحبة القرار... وصاحبة الريادة.

الصين قرّرت أن تقود... الغرب لا يزال يخطّط.

أما السعودية... فهي تبني بثقة، لتكون أول دولة عربية تُعالج المريض قبل أن يمرض.


مقالات ذات صلة

هل أنهى الذكاء الاصطناعي عصر أنظمة كشف الاحتيال الرقمية التقليدية؟

خاص الاحتيال تحوّل من استهداف الأنظمة التقنية إلى التلاعب بالسلوك البشري ما يغيّر طبيعة التهديد بشكل جذري (رويترز)

هل أنهى الذكاء الاصطناعي عصر أنظمة كشف الاحتيال الرقمية التقليدية؟

يُضعف تحول الاحتيال إلى استهداف السلوك البشري الأنظمة التقليدية، ويفرض اعتماد تحليلات سلوكية، ومقاربات جديدة لحماية الثقة الرقمية، والهوية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أداة «غوغل» للذكاء الاصطناعي تفتقر إلى الدقة

أداة «غوغل» للذكاء الاصطناعي تفتقر إلى الدقة

أكثر من نصف الإجابات الصحيحة كانت «غير مدعومة بأدلة»

كيد ميتز (نيويورك)
علوم مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم

مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم

70 % مع تغيير الاختصاص في التكنولوجيا مقابل 54 % في العلوم الإنسانية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا «غوغل» تحدّث أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحسين التعامل مع استفسارات الصحة النفسية بشكل أكثر مسؤولية (شاترستوك)

تحديثات جديدة من «غوغل» لتعزيز تعامل الذكاء الاصطناعي مع الصحة النفسية

«غوغل» تحدّث استجابات الذكاء الاصطناعي للصحة النفسية لتوجيه المستخدمين نحو الدعم المناسب مع الحفاظ على السلامة وعدم استبدال المختصين.

نسيم رمضان (لندن)
علوم في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، يستطيع أي شخص الحصول على وجبة تعويضية أو منتج بديل مجاناً.

جيسوس دياز (واشنطن)

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
TT

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في ألمانيا، دليلاً مباشراً على وجود ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة ​​«ماركاريان 501»، يدوران حول بعضهما في مدارات متقاربة جداً. وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يُكتشف فيها زوجٌ من الثقوب السوداء على وشك الاندماج، مما يتيح فرصة فريدة لفهم عملية محورية في تطور المجرات.

وتشير النتائج المنشورة في «مجلة الإشعارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية»، تحت قيادة العالم الفلكي، سيلكه بريتزن، إلى وجود ثقب أسود فائق الكتلة في مركز كل مجرة كبيرة تقريباً، بكتلة تفوق كتلة شمسنا بملايين أو حتى مليارات المرات. ولا يزال من غير الواضح تماماً كيف يمكنها الوصول إلى هذه الكتل الهائلة. لذا، من المرجح أن تندمج الثقوب السوداء فائقة الكتلة الموجودة في مراكز هذه المجرات المتصادمة؛ حيث تدور حول بعضها متقاربة أكثر فأكثر، ثم تندمج في النهاية لتشكل مجرة ​​واحدة.

وتُعدّ الثقوب السوداء فائقة الكتلة في مراكز المجرات من أكثر مجالات البحث نشاطاً في علم الفلك؛ إذ لا تستطيع النماذج النظرية وصف هذه المرحلة النهائية بدقة حتى الآن.

رصد عالي الدقة

ومما يزيد الأمر تعقيداً أنه لم يتم رصد أي زوج متقارب من الثقوب السوداء الضخمة بشكل موثوق، على الرغم من شيوع تصادمات المجرات على نطاق زمني كوني. وقد غيرت الدراسة الجديدة لـ«مجرة ماركاريان 501 (Mrk 501)» في كوكبة هرقل هذا الواقع.

ويقذف الثقب الأسود في مركز «مجرة ​​ماركاريان 501»، نفثات (دفعات) قوية من الجسيمات تتحرك بسرعة تقارب سرعة الضوء إلى الفضاء. ولإجراء هذه الدراسة، حلل الفريق عمليات رصد عالية الدقة. وكشفت بيانات رصدية طويلة الأمد عن أول صورة مباشرة لمثل هذا النظام في مركز مجرة، وعلى الدليل القاطع على وجود ثقب أسود فائق الكتلة ثانٍ مجاور. يقول بريتزن في بيان الثلاثاء: «بحثنا عن هذا النظام طويلاً، والآن نستطيع تتبع حركته أيضاً».

رقصة الثقوب السوداء

ووفق نتائج الدراسة، تتجه نفاثة الثقب الأول نحو الأرض، ولهذا تبدو ساطعة بشكل خاص لنا، وهي معروفة منذ زمن طويل. أما النفاثة الثانية، فهي موجهة بشكل مختلف، ولذلك كان رصدها أكثر صعوبة.

ويوضح بريتزن: «كان نظام النفاثات بأكمله في حركة دائمة، وهو ما يفسر بوجود نظام من ثقبين أسودين، حيث يتأرجح مستوى المدار».

ويضيف: «في أحد أيام الرصد في يونيو (حزيران) 2022، وصل إلينا الإشعاع المنبعث من النظام عبر مسار متعرج للغاية؛ حيث ظهر على شكل حلقة - وهو ما يُعرف بحلقة أينشتاين».

ومن خلال تحليل تطور سطوع النفاثات بمرور الوقت وأنماطه المتكررة، استنتج الباحثون أن الثقبين الأسودين يدوران حول بعضهما، وتبلغ المسافة بينهما ما بين 250 و540 ضعف المسافة بين الأرض والشمس - وهي مسافة ضئيلة جداً بالنسبة لأجسام بالغة الضخامة كهذه، بكتل تتراوح بين 100 مليون ومليار ضعف كتلة الشمس. وبناءً على كتلتيهما الفعليتين، قد تتقلص المسافة بينهما بسرعة كبيرة لدرجة أنهما قد يندمجان في غضون 100 عام فقط.

ويشير المؤلف المشارك بالدراسة هيكتور أوليفاريس إلى أنه «عندما يتم رصد موجات الجاذبية، فقد نشهد ارتفاعاً مطرداً في ترددها مع اقتراب هذين العملاقين من الاصطدام، مما يتيح فرصة نادرة لمشاهدة اندماج ثقبين أسودين فائقَي الكتلة».


مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم

مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم
TT

مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم

مع الذكاء الاصطناعي: طلاب الجامعات يعيدون النظر في تخصصاتهم

تُظهر بيانات جديدة أن طلاب الجامعات يُغيِّرون تخصصاتهم ومساراتهم المهنية، خوفاً من استبدال الذكاء الاصطناعي بهم. ومع تذبذب سوق العمل، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا، يأمل طلاب الجيل الجديد ألا يتأثر مسارهم المهني القادم بالنمو المتزايد للذكاء الاصطناعي.

ويؤدي التطور السريع لسوق العمل إلى انعدام الأمن الوظيفي لدى أفراد هذا الجيل، كما كتب موسى جان فرانسوا*.

لقطة مصورة لنتائج الاستطلاع على موقع مؤسسة «لومينا»

استطلاع جديد

يُشير استطلاع رأي جديد أجرته مؤسسة «لومينا» بالتعاون مع مؤسسة «غالوب»، ونُشرت نتائجه مطلع شهر أبريل (نيسان) الحالي، إلى أن ما يقرب من نصف طلاب الجامعات الأميركية فكروا جدياً في تغيير تخصصاتهم أو مسار دراستهم، استجابة لتأثير الذكاء الاصطناعي المتزايد على سوق العمل.

واستناداً إلى نتائج استطلاع أُجري في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 وشمل ما يقرب من 4 آلاف طالب، غيَّر 16 في المائة منهم فعلاً تخصصاتهم بسبب الذكاء الاصطناعي.

مخاوف الطلاب

وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن طلاب الجامعات الحاليين قد اعتادوا على الذكاء الاصطناعي نتيجة استخدامهم له في قاعات الدراسة، فإن البيانات تُظهر مخاوف لدى هذه الفئة العمرية.

ويُبين الاستطلاع مدى سرعة تأثير الذكاء الاصطناعي على التخطيط المهني. فقد ذكر 14 في المائة من طلاب الجامعات أنهم فكَّروا «كثيراً» في تغيير مجال دراستهم بسبب تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، بينما قال 33 في المائة آخرون إنهم فكروا «بشكل معقول».

تغيير الاختصاصات

وأفاد 60 في المائة من الطلاب الذكور بأنهم يفكرون في تغيير تخصصهم، مقارنة بـ38 في المائة من الطالبات. وترتفع هذه النسب بين دارسي التكنولوجيا (70 في المائة) والمجالات المهنية (71 في المائة)، متجاوزة طلاب إدارة الأعمال والعلوم الإنسانية (54 في المائة لكل منهما) والهندسة (52 في المائة).

استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي

كما أشار الاستطلاع إلى أن طلاب الجامعات الحاليين ما زالوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي رغم معارضة مؤسساتهم التعليمية؛ إذ أظهرت الدراسة أن 42 في المائة من الطلاب أفادوا بأن جامعاتهم تثبط توجهات استخدام الذكاء الاصطناعي في المقررات الدراسية، ومع ذلك لا يزال عدد كبير منهم يعتمد عليه: 15 في المائة يستخدمونه يومياً، و33 في المائة أسبوعياً، و12 في المائة شهرياً. حتى في الجامعات التي تحظر الذكاء الاصطناعي بشكل قاطع، أفاد 10 في المائة من الطلاب باستخدامه يومياً، و17 في المائة أسبوعياً.

مخاوف مستقبلية بشأن السوق

وصرحت كورتني براون، نائبة رئيس قسم التأثير والتخطيط في مؤسسة «لومينا»، لموقع «أكسيوس» في مقابلة، بأنها تخشى من تقصير المؤسسات التعليمية في تعليم الطلاب عن الذكاء الاصطناعي وتحيزاته. وقالت: «إنها (أي المؤسسات) لا تفهم من الذي قد يتضرر أو ينتفع (من تحولات الذكاء الاصطناعي)... وهذا هو الجانب الذي سيتضرر (الطلاب) منه أكثر من غيره».

التسريح بسبب الذكاء الاصطناعي

هذا وقد شهد قطاعا التكنولوجيا والأعمال موجة تسريح واسعة النطاق في السنوات الأخيرة. ووفقاً لموقع «تيك إنسايدر»، فإن نحو 20 في المائة من عمليات التسريح في عام 2026 كانت بسبب عمليات دمج أو استبدال أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وفي مارس (آذار) الماضي، سرَّحت شركة «ميتا» مئات الموظفين، مُعللة ذلك بإعادة الهيكلة، على الرغم من أن الشركة ستضيف أيضاً بنية تحتية جديدة للذكاء الاصطناعي.

دوافع الالتحاق بالجامعات

وحسب بيانات مؤسسة «غالوب»، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يؤثر على معدلات الالتحاق بالجامعات أيضاً؛ إذ أفاد نحو 14 في المائة من طلاب البكالوريوس و13 في المائة من طلاب الدبلوم، بأن الاستعداد للذكاء الاصطناعي والتقنيات ذات الصلة، كان سبباً رئيسياً لالتحاقهم بالجامعات، بينما أشارت نسبة 12 في المائة منهم إلى مخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على فرص العمل المستقبلية.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية
TT

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

أصبح الغش سهلاً للغاية الآن. فباستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، يستطيع أي شخص الحصول على وجبة تعويضية أو منتج بديل مجاناً. بل يمكنه حتى الحصول على أموال مجانية عن طريق الاحتيال على الحكومة نفسها. وكما اكتشف اختصاصيو الأشعة حديثاً، فإنه يمكن أيضاً خداع الأطباء وشركات التأمين باستخدام صور الأشعة السينية المولّدة بالذكاء الاصطناعي.

صعوبة تمييز أشعة «اكس» مزيفة

ووفقاً لدراسة جديدة نشرتها الجمعية الإشعاعية لأميركا الشمالية، فإن معظم الخبراء لا يستطيعون التمييز بين الكسور المزيفة والكسور الحقيقية. أصبح الاحتيال التأميني الذي لا يمكن كشفه على بُعد نقرة واحدة. هذه ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة متزايدة من عمليات الاحتيال السهلة والمجانية التي أصبحت ممكنة بفضل قوة الذكاء الاصطناعي.

دراسة علمية

أخضعت دراسة أجرتها الجمعية 17 طبيباً متخصصاً من ست دول مختلفة، بعضهم يمتلك خبرة ميدانية تصل إلى 40 عاماً، لاختبار بصري شمل 264 صورة أشعة سينية - نصفها صور حقيقية، والنصف الآخر صور اصطناعية تم إنشاؤها بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي مثل «تشات جي بي تي» ونموذج «رونت جين» RoentGen مفتوح المصدر من جامعة ستانفورد. وعندما لم يكن الأطباء على علم بوجود هذه الصور الاصطناعية، لم يتمكنوا من تحديد صور الأشعة السينية الاصطناعية بشكل صحيح إلا في 41 في المائة من الحالات.

نجاح محدود في كشف التزييف

وحتى بعد تلقيهم تحذيرات صريحة بوجود صور مزيفة ضمن المجموعة، ازداد متوسط ​​نسبة نجاحهم إلى 75 في المائة؛ إذ تراوحت النسبة بين 58 في المائة المتدنية و92 في المائة المقبولة. ولكنها نتيجة غير مثالية. وتشير الدراسة إلى أن عقوداً من سنوات الخبرة العملية للأطباء لم تُسهم بشكل كبير في كشف التزييف، على الرغم من أن أداء خبراء الجهاز العضلي الهيكلي كان أفضل قليلاً من زملائهم.

حتى النظم الذكية أخفقت في كشف التزييف

وما يزيد الأمر سوءاً، أن نماذج اللغة الضخمة المسؤولة عن ظهور هذه الخدعة الرقمية - بما في ذلك «جي بي تي 40» و«جي بي تي 5» و«جيمناي برو 2.5» و«مافريك» Maverick و«لاما 4» من «ميتا» - لم تكن أفضل حالاً كأدوات كشف آلية؛ إذ تراوحت معدلات دقتها بين 57 في المائة و85 في المائة.

ثغرة أمنية وطبية خطيرة

وأشار الدكتور ميكائيل توردجمان، المؤلف الرئيسي للدراسة، إلى أن «دراستنا تُظهر أن صور الأشعة السينية المزيفة بتقنية التزييف العميق واقعية لدرجة كافية لخداع اختصاصيي الأشعة، وهم أكثر المتخصصين تدريباً في مجال التصوير الطبي، حتى عندما كانوا على دراية بوجود صور مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي». وأضاف: «يُشكّل هذا ثغرة أمنية خطيرة للغاية للتقاضي الاحتيالي، على سبيل المثال، إذا كان من الصعب التمييز بين كسر مُختلق وكسر حقيقي. كما يُوجد خطر كبير على الأمن السيبراني إذا تمكن المتسللون من الوصول إلى شبكة المستشفى وحقن صور اصطناعية للتلاعب بتشخيصات المرضى أو إحداث فوضى سريرية واسعة النطاق من خلال تقويض الموثوقية الأساسية للسجل الطبي الرقمي».

صور دقيقة بشكل مفرط

حسب توردجمان، غالباً ما تبدو الصور الطبية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي مثاليةً للغاية، حيث تظهر العظام «ناعمةً بشكلٍ مفرط، والعمود الفقري مستقيماً بشكلٍ غير طبيعي، والرئتان متناظرتين بشكلٍ مفرط، وأنماط الأوعية الدموية متجانسةً بشكلٍ مفرط، والكسور تبدو نظيفةً ومتناسقةً بشكلٍ غير عادي، وغالباً ما تقتصر على جانب واحد من العظم».

لكن هذه مجرد مجموعة أدوات قديمة. فمثل مقاطع الفيديو المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، سيجعل الذكاء الاصطناعي هذه الأشعة السينية مثاليةً تماماً وغير قابلةٍ للكشف قريباً. هذه هي طبيعة الذكاء الاصطناعي المتطور باستمرار.

ولمكافحة ذلك؛ يطالب الخبراء بعلامات مائية غير مرئية وتوقيعات تشفيرية مرتبطة مباشرةً بالفني الذي التقط الصورة، تعمل فعلياً كختم رياضي للمصداقية يُثبت وجود جسم بشري بالفعل في الغرفة.

التزييف السطحي والصفقات المشبوهة

تُعدّ صور الأشعة السينية الاحتيالية مثالاً خطيراً على التلاعب بالحقائق الذي يحدث بالفعل. خذ على سبيل المثال انتشار التزييف السطحي، وهو عبارة عن أوهام رقمية سطحية مختلقة لا تتطلب سوى جهد ضئيل لتحقيق أقصى مقدار من الخداع المالي.

يستغل المستهلكون العاديون تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتغيير مظهر صور طلبات أطباق الطعام مثلاً وتحويلها أطباقاً «كارثية» غير شهية. بنقرة واحدة فقط؛ إذ مكّن التلاعب رقمياً بمظهر شطيرة البرغر أو قطعة الدجاج ليظهر وكأنه نيء؛ ما يخدع الخوارزميات وممثلي خدمة الزبائن للموافقة على استرداد الزبون أمواله فوراً.

خداع وتلاعب في كل المستويات

«هذا التوجه حقيقي ومتزايد»، كما صرّح ألبرتو بالومار، المتخصص في مكافحة الاحتيال باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، لصحيفة «إل كونفيدينسيال» الإسبانية. «يُتيح الذكاء الاصطناعي لأي شخص، حتى من لا يملك أي فكرة عن التكنولوجيا، إمكانية استغلال هذه الخدعة على جميع المستويات».

خدعة رقمية وأضرار بشرية

تقع الخسائر البشرية الجانبية في هذه الخدعة الرقمية على عاتق عمال توصيل الطعام. فعندما ينجح أحد الزبائن في تزييف وجبة تالفة أو غير مطهوة جيداً، يُعاقب السائق بمنحه تقييمات سيئة أو بتعطيل حسابه نهائياً.

من جهة أخرى، يستخدم بعض السائقين هذه التقنية أيضاً لتزييف عمليات توصيل يسرقونها ببساطة.

آثارٌ ورقيةٌ مزيفة لتسلّم التأمين... بملايين الدولارات

في غضون ذلك، يتحول وباء الاحتيال الصغير كارثةً اقتصادية كلية لقطاع التأمين العالمي، مُحوّلاً خدوش السيارات البسيطة وأعطال الهواتف الذكية التزاماتٍ مالية ضخمة على الشركات.

في الولايات المتحدة، «قد تتضمن 20 -30 في المائة من مطالبات التأمين الآن صوراً مُعدّلة، أو وثائق مُزوّرة، أو تقارير طبية مُزيّفة»، وفقاً لشركة «شيفت تكنولوجي»، وهي شركة تقنية تُقدّم وكلاء ذكاء اصطناعي لأتمتة المطالبات.

في المملكة المتحدة، أفادت شركة التأمين «أليانز» بزيادة نسبتها 300 في المائة في استخدام الذكاء الاصطناعي لتعديل الوثائق والصور ومقاطع الفيديو في مطالبات العملاء بين عامي 2022 و2023. وتتوقع شركة «فيريسك» العالمية لتحليلات بيانات التأمين أن يزداد الوضع سوءاً: «واحد من كل ثلاثة مستهلكين قد يُفكّر في تعديل صورة أو وثيقة مطالبة تأمين رقمياً لتعزيز موقفه، وترتفع هذه النسبة إلى 55 في المائة بين جيل الشباب».

في إسبانيا، تُفيد شركة التأمين «أكسا» بأنها تُعالج ما يصل إلى 30 ألف وثيقة متعلقة بالمطالبات يومياً؛ ما يُصعّب اكتشاف التلاعب المُصطنع على نطاق واسع.

وأوضح أرتورو لوبيز ليناريس، مدير قسم المطالبات في «أكسا» إسبانيا، أن «المشكلة الآن تكمن في سهولة القيام بذلك، وفي أن هذه الأدوات في متناول الجميع. يُمكنك أن تطلب من الذكاء الاصطناعي وضع خدش على سيارتك أو تعديل فاتورة إصلاح. من المستحيل اكتشاف ذلك بالعين المجردة؛ لذا أنت في حاجة أيضاً إلى استخدام التكنولوجيا لتحديده».

2 % من السكان يمارسون الغش

مع التسليم بأن نسبة مرتكبي الغش الرقمي لا تتجاوز 2 في المائة من السكان، إلا أن الأرقام لا ترحم. تكمن المشكلة في استحالة كشف هذه الجرائم. صحيح أنه يُمكن تحليل البيانات الوصفية للصور الرقمية - وهي عبارة عن سلاسل برمجية مخفية تعمل كبصمات رقمية تُسجّل الموقع الجغرافي ومواصفات الجهاز والوقت - ولكن نظراً لسهولة تزييف هذه البيانات؛ فقد زال هذا الحاجز.

التحقق من صحة البيانات

يرى البعض أن الدفاع الأمثل يعتمد على برامج تحليل الصور المتقدمة، ولكن كما أظهرت دراسة الأشعة السينية، فإن ذلك صعب أيضاً، وسيصبح مستحيلاً قريباً. ستتفوق أجيال الذكاء الاصطناعي القادمة على أي إجراءات مضادة في مجال الطب الشرعي الرقمي نطورها. إضافةً إلى ذلك، فإن تكلفة هذه الإجراءات، التي ستكون باهظة التنفيذ والتشغيل في مراكز البيانات، تُهدد فعلياً بقاء الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ولعل الآن، ومع بدء تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد، وعلى أرباح الشركات والحكومات، سيزداد الضغط بما يكفي للمطالبة بحلول إلزامية للتحقق من صحة البيانات، بما يعود بالنفع على الجميع.

* مجلة «فاست كومباني»