3 خصائص تميّز منتجات الذكاء الاصطناعي الرائعة عن غيرها

تتفهم بيئة المستخدم وتحافظ على خصوصيته

3 خصائص تميّز منتجات الذكاء الاصطناعي الرائعة عن غيرها
TT

3 خصائص تميّز منتجات الذكاء الاصطناعي الرائعة عن غيرها

3 خصائص تميّز منتجات الذكاء الاصطناعي الرائعة عن غيرها

بصفة أنني مؤسس ورئيس مجلس إدارة منظمة «منتجات ذات قيمة» Products That Count، التقنية غير الربحية، فقد شهدتُ من كثب هيمنة الذكاء الاصطناعي على عالم التكنولوجيا خلال العامين الماضيين: كما كتب إس سي مواتي (*).

90 % من المنتجات المقيَّمة من الذكاء الاصطناعي

قبل بضع سنوات، لم يكن سوى جزء ضئيل من آلاف الطلبات التي تُقيّمها مؤسستنا ضمن برنامج الجوائز التي نمنحها للمنتجات قائماً على الذكاء الاصطناعي؛ أما هذا العام، فقد تجاوزت نسبة منتجات الذكاء الاصطناعي 90 في المائة من الـ 10000 منتج التي أخضعت للتقييم.

أوضح هذا النمو الهائل حقيقةً جليةً: لقد أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل معياراً أساسياً. في عام 2023، كان الذكاء الاصطناعي التوليدي هو المصطلح الجديد الرائج؛ وفي العام الماضي، كان الذكاء الاصطناعي الوكيل هو الوافد الجديد، وهذا التوجه سيستمر.

يتخطى المراحل التجريبية... نحو نشر المنتوجات

ما عليك سوى إلقاء نظرة على الدورات الخاصة بتطوير المنتجات اليوم للتوصل إلى أدلة نمو الذكاء الاصطناعي، إذ إنه يتخطى المراحل التجريبية وينتقل مباشرةً إلى مرحلة نشر المنتجات. ونظراً لأن الذكاء الاصطناعي لم يعد عاملاً محتكراً، فإن ما يهم ليس فقط امتلاكه، بل كيفية استخدامه.

وما يميز الفائزين عن الخاسرين هنا ليس سرعة إطلاق المنتج، فقد أصبح من الواضح أن هذا سباق عبثي. بل إن ما يحدد حقاً ما إذا كان المنتج سيحظى بقوة تأثير اليوم هو كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في سياقه. وكما علق أحد أعضاء اللجنة في مراجعة مرشحي برنامج الجوائز لهذا العام: «الأمر لا يتعلق بالبيانات، بل بما يمكنك فعله بها».

خصائص استراتيجية

تماماً كما هو الحال في اختيار سلاحك للمعركة، فإن منتج الذكاء الاصطناعي الفائز هو ما يتمتع بميزة استراتيجية أكبر في تلك المعركة.

وفيما يلي الخصائص الاستراتيجية الرئيسة الثلاث التي برزت من تقييم آلاف منتجات الذكاء الاصطناعي على مدار السنوات القليلة الماضية. تُظهر هذه السمات ما تفعله منتجات الذكاء الاصطناعي الرابحة اليوم بشكل مختلف عن منافسيها، ما يمنحها الأفضلية في مجالٍ يشهد ازدحاماً متزايداً:

«البيانات الصحيحة وليس المزيد من البيانات هي الخندق الحقيقي»

هذا ما قاله فارون كروفيدي، رئيس منتجات غوغل السحابية (لجنة جوائز 2025).

1.منتجات بخنادق استراتيجية متفوقة مبنية على البيانات، والتخصيص، وحب الزبائن. في عصر واجهات برمجة التطبيقات المفتوحة، والمتابعين السريعين، لن تتمكن إلا المنتجات المصممة بعناية (المخصصة للأفراد والمجموعات) من فرض سيطرتها الدائمة. فلن يقتصر رواد الذكاء الاصطناعي اليوم على التحرك بسرعة فحسب؛ بل سيفكرون استراتيجياً، ويبنون خنادق قائمة على القيمة الحقيقية. إذ إن جوهر اللعبة هنا هو التخصيص، ولكن ليس التخصيص الذي نعتقد أننا نعرفه.

التخصيص: التعرف بدقة على أذواق المستخدمين

سيتجاوز الجيل القادم من التخصيص استخراج التوصيات المستخرجة من سجل البحث، أو تقديم اقتراحات مشاهدة مسلسلك المفضل.

إن الصيغة الفائزة التالية في التخصيص تعرف المستخدمين بعمق، ولا تعرف فقط أذواقهم، بل تعرف أيضاً كيفية تفضيلهم لاستهلاك المعلومات، وكيفية تحديد أولوياتهم، والبيانات التي يرتاحون لمشاركتها.

وكما قال كروفيدي: «نشهد استخدام منتجات الذكاء الاصطناعي لدوائر تغذية راجعة مدفوعة به عبر وظائف متنوعة. وهذا يعني أيضاً أنه سيتم استخدام الذكاء الاصطناعي لفهم الزبون بطريقة لم يسبق لها مثيل».

وكما وضعت شركة «أبل» في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين قواعد تصميم المنتج المُخصص، فإننا نواجه الآن ثورةً جديدةً «على غرار (أبل)» في تصميم المستخدم الجيد.

أصبح التخصيص الحقيقي الآن عمليةً عموديةً، وليست أفقيةً. ويستند التخصيص الناجح بهذه الطريقة العمودية إلى ركيزتين أساسيتين: بيانات فريدة وعالية الجودة (ليست الكمية، بل رؤىً مترابطة حول تفضيلات المستخدم) وتفضيلات واعية بالسياق (ليس فقط ما يريده المستخدمون، بل كيف وأين يريدونه). وبدمج هذين العنصرين، ستحصل على الجيل التالي من مُبتكري الأنظمة البيئية والتشغيل البيني باعتبارهما ميزة تنافسية.

الترابط والتعاون للتكيف مع بيئة الاستخدام

2.استفادة الأدوات الذكية من النظم البيئية وقابلية التشغيل بوصفها ميزة تنافسية. الترابط هو ما يميز الفائزين عن غيرهم في عصر الذكاء الاصطناعي اليوم. سواء أكانت أدوات وكلاء الذكاء الاصطناعي مترابطة تتواصل مع بعضها البعض وتتعاون لإضافة قيمة أكبر، أو أنها مجرد أداة متخصصة للغاية للتكامل مع نظام بيئي تقني راسخ، وإحداث تغييرات شاملة على المستوى الجزئي، فإن أفضل منتجات الذكاء الاصطناعي اليوم لا تقتصر على وعيها التام بسياقها، بل إنها مصممة خصيصاً للعمل ضمنه.

هذا يعني تصميم منتجات ليس فقط بوعي بالبنية التحتية المحيطة بها، بل بتحسين فعال لها، بحيث تعمل كنسيج ضام لا ككتلة واحدة. ولا تقدم أدوات الذكاء الاصطناعي المتفوقة اليوم قيمةً من فراغ فحسب، بل تجد طرقاً للتعاون مع أدوات أخرى -حتى مع وكلاء ذكاء اصطناعي آخرين- حيث يكون الكل أعظم من مجموع أجزائه.

أهمية الحفاظ على الخصوصية

3.الجدية بشأن الخصوصية ليس مجرد كلام فارغ حول أخلاقيات تجربة المستخدم.

«أصبحت الثقة والخصوصية والتصميم المُركّز على الإنسان الآن ركائز أساسية لأي منتج رائع». كما يقول نيكولاس روسو، رئيس قسم الهندسة الرقمية والتصنيع، في كابجيميني (عضو لجنة جوائز 2025).

إذا كنا نعتقد أن الخصوصية والأخلاقيات كانتا مهمتين سابقاً، فإن هذا الاعتقاد يتضاعف (أو يتضاعف ثلاث مرات) في عصر الذكاء الاصطناعي. في أفضل منتجات الذكاء الاصطناعي، أصبحت الخصوصية هي الوضع الافتراضي.

تفترض منتجات الذكاء الاصطناعي المتفوقة اليوم أن المستخدمين يريدون التحكم في بياناتهم، وتشفيرها، وإخفاء هويتهم. وأضاف روسو: «نشهد عدداً متزايداً من استراتيجيات المنتجات التي تُركّز على هياكل الحفاظ على الخصوصية، والذكاء اللامركزي. بدءاً من المنصات التي تُعزز المساواة في الرعاية الصحية من خلال المراقبة عن بُعد، وصولاً إلى حلول التكنولوجيا المالية التي تُسهّل الوصول إلى رأس المال، لم تعد (التكنولوجيا من أجل الخير) مجرد فكرة ثانوية، بل ميزة تنافسية».

المنتجات الذكية الرائعة هي الأكثر دراسة من حيث التصميم

إذا بدأ الذكاء الاصطناعي وكأنه سباق أزياء سريع، فإن المنتجات التي ستفوز هي تلك التي تُركز على بناء الجودة بدلاً من الكمية، وتلبية احتياجات السوق الحقيقية من البداية إلى النهاية. وسرعة التطور اليوم تعني أن الفرق الفائزة لا تكتفي بإنتاج أحدث النماذج وبيعها، بل تُقيّم بيئة العمل، وتُنشئ أدوات شخصية وقيّمة للغاية تتوافق مع بعضها البعض، وتُولي أهمية كبيرة للتصميم الأخلاقي.

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تراجع ثقة الأميركيين بعد انتشار القصص الوهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

«قمم خبراء» تتحدث عن الأخلاقيات... لكن المعاناة تبقى خارج النقاش

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «سيمنز» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

«سيمنز» الألمانية: الحرب تفرمل رغبة العملاء في الاستثمار بمشاريع جديدة

قالت شركة «سيمنز» الألمانية يوم الاثنين إن الحرب الإيرانية أدَّت إلى إحجام العملاء عن الاستثمار في مشروعات جديدة نتيجة ارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة.

«الشرق الأوسط» (بكين )

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.