اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال

فقدانه يزيد خطر إصابات السرطان والقلب وألزهايمر

اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال
TT

اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال

اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال

تعيش النساء في المتوسط عمراً أطول من الرجال. ويمكن ملاحظة هذا الاتجاه بالرجوع إلى أقدم السجلات، وهو صحيح في كل بلد في العالم اليوم. وقد طُرحت حوله العديد من التفسيرات: فالرجال يخاطرون أكثر أو يدخنون أكثر، وهرمون الاستروجين يحمي من المشكلات الصحية، ووجود كروموسومين «إكس» (X) أفضل من كروموسوم واحد... والقائمة تطول. ويمكن أن تفسر بعض هذه العوامل أموراً صغيرة من هذا الفرق، وقد تم دحض الكثير منها. ولا شيء منها مُقنع تماماً.

تفسير بديل

الآن، توصل الباحثون إلى تفسير بديل مثير للاهتمام للكثير من هذا الاختلاف في متوسط العمر، وهو أن الأمر كله يعود إلى كروموسوم «واي» (Y). وعلى وجه التحديد، تكمن الفكرة في أنه مع تقدم الرجال في العمر، فإنهم يفقدون هذا الكروموسوم من العديد من خلاياهم، ما يؤدي إلى الإصابة بالأمراض المرتبطة بالعمر.

إن فقدان كروموسوم «واي» بهذه الطريقة ليس شيئاً يمكن أن تلاحظ حدوثه. ويقول الدكتور لارس فورسبرغ من جامعة أوبسالا في السويد: «على حد علمي، لا توجد بيانات تشير إلى أن الرجال الذين يفقدون كروموسوم (واي) سيشعرون بذلك». ومع ذلك، فقد اتضح أن جزءاً كبيراً من الرجال الأكبر سناً يتأثرون به، ويكشف الباحثون الآن عن عواقب طويلة الأمد على الجهاز المناعي وخطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب وحتى ألزهايمر.

من جهته، يقول الدكتور كينيث والش من جامعة فيرجينيا: «إذا كنت ذكراً، فأنت لا تريد أن تفقد كروموسوم (واي) الخاص بك، فمن المؤكد أن ذلك سوف يُقصّر حياتك». إن الإدراك المتزايد لأهمية كروموسوم «واي» للصحة العامة يفتح الباب أمام طرق جديدة محتملة للحفاظ على صحة الرجال مع تقدمهم في العمر.

أصغر الكروموسومات بوظائف غامضة

يمتلك أغلب الناس 22 زوجاً من الكروموسومات، بالإضافة إلى اثنين من الكروموسومات الجنسية؛ زوج من الكروموسومات «إكس X» أو كروموسوم «إكس» مع «واي». ويحمل كروموسوم «Y» المفتاح الرئيسي لتحديد جنس الجنين. ولدى البالغين، يُحافظ على إنتاج الحيوانات المنوية. وهو واحد من أصغر الكروموسومات، حوالي ثلث حجم الكروموسوم «إكس»، ويحتوي على عدد قليل من الجينات. ومع ذلك، فإنه يحتوي أيضاً على الكثير من الميزات التي تجعل من الصعب تحليله، ما يعني أنه كان آخر كروموسوم بشري يتم تسلسله بالكامل في عام 2023، وقبل ذلك كان أكثر من نصف تسلسله لغزاً. ولا تزال العديد من وظائفه غير مفهومة بالكلية.

ظهرت حقيقة أن بعض الرجال يفقدون كروموسوم «واي» بصفة دائمة في بعض خلاياهم من خلال الدراسات الجينية التي أُجريت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ولكن كان يُعتقد أن هذا مجرد أثر جانبي حميد للشيخوخة. ثم في الثمانينات والتسعينات، أفاد علماء الأحياء السرطانية بأن أورام الرجال تفتقر في بعض الأحيان إلى كروموسومات «واي». ولكن مع قلة الاهتمام بمساهمة كروموسوم «واي» في وظائف الأعضاء لدى البالغين فيما يتجاوز إنتاج الحيوانات المنوية، لم يحظَ هذا الأمر أيضاً باهتمام جدي.

فقدان الكروموسوم والأمراض

تغيرت الأمور في عام 2014، عندما أسفرت دراسة صحية طويلة الأجل شملت 1153 رجلاً سويدياً في السبعينات والثمانينات من العمر عن اكتشاف تَصَادُفي. فقد أعطى هؤلاء المشاركون عينات دم لتحليل الحمض النووي، ووجد الدكتور فورسبرغ وزملاؤه أن كروموسوم «واي» مفقود من جزء كبير من خلايا الدم لدى حوالي 8 في المائة من المشاركين. ثم لاحظ الفريق شيئاً ملفتاً للنظر: كان متوسط عمر هؤلاء الرجال أقصر بخمس سنوات ونصف السنة من أولئك الذين لم يفقدوا كروموسوم «واي» من خلايا الدم لديهم.

كما وجد الدكتور فورسبرغ، ومشرفه آنذاك الدكتور يان دومانسكي، من جامعة أوبسالا، أن الرجال الذين فقدوا كروموسوم «واي» يصابون بالسرطان بشكل متكرر أكثر، ويصابون بمرض ألزهايمر بمعدلات مرتفعة بشكل صارخ. ففي إحدى الدراسات، على سبيل المثال، وجدوا أن الرجال الذين يعانون من فقدان كروموسوم «واي» كانوا أكثر عرضة للإصابة بألزهايمر بسبعة أضعاف الرجال الذين لا يعانون من فقدانه.

يقول الدكتور دومانسكي إن هذه السلسلة من النتائج «كانت مثيرة للجدل للغاية - ولم يرغب أحد في تصديق ذلك». لكن العديد من الدراسات الاستقصائية اللاحقة الأوسع نطاقاً قد أكدت النتائج وكشفت عن وجود روابط بين فقدان كروموسوم «واي» والعديد من الحالات الأخرى. والأبرز من ذلك أنه في عام 2022، قام الدكتور والش وزملاؤه بتحليل بيانات أكثر من 200 ألف مشارك في دراسة البنك الحيوي في المملكة المتحدة، وخلصوا إلى أن فقدان كروموسوم «واي» مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بعدة أشكال من أمراض القلب.

انحسار الكروموسوم

للبدء في الكشف عن سبب هذه التأثيرات لفقدان كروموسوم «واي»، نحتاج أولاً إلى فهم كيفية فقدانه. يحتوي جسم البالغين على حوالي 30 تريليون خلية، ويتم استبدال حوالي 300 مليار خلية منها يومياً بخلايا جديدة. وحوالي 90 في المائة من هذه الخلايا الجديدة هي خلايا دم مشتقة من الخلايا الجذعية المكونة للدم في نخاع العظم، بما في ذلك حوالي 100 مليار خلية دم بيضاء.

يحدث فقدان كروموسوم «واي» أثناء عملية الاستبدال هذه، عندما تنقسم الخلايا وتتكاثر. يقول الدكتور فورسبرغ إن هذا الأمر «شائع بشكل كبير - فهو ليس حادثاً غريباً»، ويشك في أنه يحدث لجميع الرجال إلى حد ما، لكن التقدم في العمر يزيده بصورة كبيرة. وقد وجدت دراسة أجريت في فبراير (شباط) الماضي على 25 ألف ذكر تتراوح أعمارهم بين 3 و 95 عاماً أن 11.5 في المائة من الذكور أظهروا بشكل عام فقداناً للكروموسوم «واي» في نسبة 5 في المائة على الأقل من خلايا الدم البيضاء. ومع ذلك، لم تظهر مستويات ملحوظة إلا لدى عدد قليل للغاية من المشاركين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً، في حين أن نحو 6 في المائة من المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و60 عاماً قد تأثروا، وأكثر من 40 في المائة من السكان الذين تزيد أعمارهم عن 80 عاماً قد تأثروا به أيضاً.

التدخين والتلوث والمبيدات عوامل خطر

وفيما عدا الشيخوخة، فإن عامل الخطر الرئيسي الثاني المعروف هو التدخين، ولكن فقدان كروموسوم «واي» يرتبط أيضاً بالتعرض لتلوث الهواء، ومبيدات الأعشاب التي تحتوي على «الغليفوسات» (مبيد أعشاب ضارة مستخدم على نطاق واسع)، والمياه الملوثة بالزرنيخ.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الخلايا المنقسمة أكثر عرضة لفقدان كروموسوم «واي» مقارنة بالكروموسومات الأخرى. ونظراً لأن كروموسوم «واي» صغير الحجم وله العديد من تمديدات الحمض النووي المتكررة، فقد يكون من الأسهل وضعه في مكانه الصحيح مقارنة بالكروموسومات الأخرى. ولكن الأهم من ذلك هو أن الخلية الذكرية التي تفقد كروموسوم «واي» تبقى على قيد الحياة، في حين أن فقدانها لأحد الكروموسومات غير الجنسية «ضار للغاية، لدرجة أن هذه الخلية ستموت»، كما يقول الدكتور دومانسكي.

في الواقع، يبدو أن الخلايا الجذعية المكونة للدم الخالية من كروموسوم «واي» تزدهر، ما يؤدي إلى إنتاج نسبة كبيرة من خلايا الدم المتداولة. وتعمل هذه الخلايا المتحولة - كما تقول النظرية - على تعزيز حالات صحية رئيسية ذات صلة بالعمر. (في الإناث، يمكن أن يحدث أيضاً فقدان أحد الكروموسومات «إكس»، وربما بنفس وتيرة فقدان كروموسوم «واي»، ولكن يبدو أن الخلايا المصابة تبدو أقل وفرة أي أقل عدداً).

يقول الدكتور دومانسكي إن أحد الأسئلة المهمة في هذا المجال هو تحديد الخلايا الأخرى لدى الرجال المعرضة لفقدان كروموسومات «واي». كما يجدر توضيح أن هذه الظاهرة تختلف عن مسألة ما إذا كان البشر، على مدى فترات التطور، يمكن بالفعل أن يفقدوا كروموسوم «واي» بشكل كامل ودائم. كما أنه يختلف عن فقدان كروموسوم «واي» العرضي للغاية من الخلايا التناسلية الذكرية، التي يمكن أن تؤدي إلى إنجاب ذرية ثنائية الجنس.

مشكلة خطيرة تهدد جهاز المناعة

مع ذلك، فإن اكتشاف أن العديد من الرجال الأكبر سناً يفقدون كروموسوم «واي» في جزء كبير من خلايا الدم ويعيشون أيضاً حياة أقصر يشير إلى أن شيئاً خطيراً جداً يجري.

منذ البداية، افترض العالمان فورسبرغ ودومانسكي أن اختلال وظيفة المناعة يمكن أن يكون السبب. في عام 2021، على سبيل المثال، وجدوا هم وزملاؤهم أن فقدان كروموسوم «واي» يغير التعبير عن العديد من الجينات في خلايا المناعة البشرية. ونتيجة لذلك «يكون الجهاز المناعي للذكور أكثر هشاشة»، كما يقول الدكتور دومانسكي.

وقد يكون لهذا العديد من التداعيات المباشرة، وهو أمر ملحوظ بشكل خاص في أعقاب الاعتراف المتزايد بدور الجهاز المناعي في الحفاظ على الصحة العامة، وليس فقط في مكافحة العدوى مع تورط الخلل الوظيفي في الجهاز المناعي المرتبط بالعديد من الحالات، وليس أقلها السرطان وأمراض القلب ومرض ألزهايمر.

ولكن ليس الجميع مقتنعين بهذه الفكرة. على سبيل المثال، يعتقد الدكتور جون بيري من جامعة كمبريدج أن فقدان كروموسوم «واي» ومعظم الأمراض المرتبطة به هي مظاهر موازية للمشكلة الحقيقية: زيادة عدم الاستقرار الجيني المرتبط بالعمر. ويقول بيري إن «أقوى عاملين يحددان ما إذا كنت سوف تصاب بفقدان كروموسوم (واي) من عدمه - ومدى ذلك - هما العمر والتدخين». كلاهما عامل كبير وخطير يسببان التلف الجيني والإصابة بالأمراض، لذلك يشتبه في أن العمليات التي تسبب تلف الحمض النووي تؤدي أيضاً إلى فقدان كروموسوم «واي». ويضيف قائلاً: «ليس من المستغرب أن ترى العلاقة بين فقدان كروموسوم (واي) وكل شيء سيئ تقريباً».

في عام 2019، بحثت دراسة أجراها الدكتور بيري وزملاؤه في العوامل الوراثية ذات الصلة بخطر فقدان كروموسوم «واي» في ما يقرب من مليون رجل، وكشفت عن 156 متغيراً جينياً مرتبطاً بزيادة معدل الإصابة. تشارك هذه الجينات إلى حد كبير في إصلاح تلف الحمض النووي وتنظيم تقسيم الخلايا، ما يشير إلى أن فقدان كروموسوم «واي» هو نتيجة لاضطراب في هذه العمليات، وليس حلقة سببية في السلسلة.

ولاختبار ذلك، حقق فريق بيري فيما إذا كانت النساء اللواتي لديهن المتغيرات الجينية نفسها التي تُعرّض الرجال لفقدان كروموسوم «واي» يُصبَن أيضاً بالمزيد من الأمراض ذات الصلة بالعمر. إنهن يُصبَن بالفعل. يقول الدكتور بيري: «لقد كان ذلك دليلاً قاطعاً على مبدأ أن كل ما تملكه هو كمية من الجينات التي تهيئ المجال لزعزعة استقرار الجينوم - ولكن أحد مظاهر ذلك لدى الرجال هو فقدان كروموسوم (واي)».

يوافق الدكتور فورسبرغ على أن هذه الآلية موجودة، لكنه يقول إنها لا تنفي احتمال أن يكون لفقدان كروموسوم «Y» أيضاً عواقب صحية مباشرة. كما دعمت دراسات حديثة دوره السببي في اعتلال الصحة، ما ساعد على دحض الفكرة التي طالما اعتبرها البعض سائدة من زمن طويل، بأن كروموسوم «واي» - بعيداً عن دوره في تحديد الجنس والإنجاب - هو خامل وراثياً إلى حد كبير.

تدهور الإدراك وأمراض القلب

وقد ثبت أن فقدان كروموسوم «واي» يلعب دوراً في مرض السرطان.

ولقد بدأت دراسات الآليات التي استندت إليها هذه العملية حين حوّل الدكتور والش اهتمامه إلى كروموسوم «واي» بعد أن درس لمدة طويلة كيف قد تؤدي الطفرات في خلايا الدم إلى أمراض القلب والأوعية الدموية. وللوقوف على ما إذا كان فقدان كروموسوم «واي» يسبب مشاكل صحية مباشرة من عدمه، لجأ فريق والش إلى الفئران. أولاً، عدّلوا الخلايا الجذعية المكونة للدم وراثياً لدى الفئران لكي تفتقر إلى وجود كروموسومات «واي». ثم أخذوا بعض الفئران السليمة الأخرى، واستأصلوا الخلايا المكونة للدم لديها واستبدلوا بها خلايا خالية من كروموسوم «واي».

ومن ثم، أصبحت خلايا الدم لدى هذه الحيوانات خالية من كروموسوم «واي»، بغض النظر عن جميع العوامل التي قد تؤدي عادة إلى فقدانه.

ويقول الدكتور والش إنه مع تقدم هذه الفئران في العمر، فإنها تُصاب بخلل وظيفي في القلب وتدهور إدراكي و«تموت بالأساس في وقت مبكر». وقد أظهر ذلك أن فقدان كروموسوم «واي» من الخلايا المناعية يمكن أن يسبب مشكلات صحية مباشرة. وكان هذا الاكتشاف هو الذي ألهم الدكتور والش وزملاءه للتحقيق في البيانات من البنك البيولوجي في المملكة المتحدة، في الدراسة واسعة النطاق وطويلة الأجل لعلم الوراثة والصحة. وهنا، وجدوا صلة بين النسبة المئوية لخلايا الدم التي فقدت كروموسوم «واي» واحتمال الوفاة من أمراض الجهاز الدوري على مدى السنوات الـ11 المقبلة. فعلى سبيل المثال، تعرض الرجال الذين لديهم 40 في المائة أو أكثر من خلايا الدم البيضاء التي لا تحتوي على كروموسوم «واي» لخطر متزايد للإصابة بالأمراض بنسبة 31 في المائة.

ثم استخدم الباحثون الفئران المعدلة وراثياً للتحقيق بدقة في كيف يمكن أن يسبب فقدان كروموسوم «واي» مشاكل قلبية. ولقد وجد الباحثون أن قلوب هذه الفئران - بل ورئتيها وكليتيها - تتراكم لديها كمية زائدة من الأنسجة الندبية، أو التليف، الذي من المرجح أن يكون مدفوعاً بنشاط خلايا مناعية خالية من كروموسوم «واي». وعندما أعطى الفريق الفئران دواءً مضاداً للتليف، حال ذلك دون الإصابة بأمراض القلب.

إذا ما تأكد هذا التأثير على التليف لدى البشر أيضاً، يعتقد الدكتور والش أن الأطباء قد يكونون قادرين يوماً ما على استخدام جرعات وقائية من الأدوية المضادة للتليف للوقاية من أمراض القلب لدى أولئك الذين يعانون من فقدان كروموسوم «واي».

الإصابة بالسرطان

في الآونة الأخيرة، ثبت أيضاً أن فقدان كروموسوم «واي» يلعب دوراً في الإصابة بمرض السرطان. ففي مركز «سيدارز سيناي» الطبي في لوس أنجليس، كان الدكتور دان ثيو دوريسكو يدرس سرطان المثانة - وهي حالة تصيب الرجال حوالي أربع مرات أكثر من النساء - وتساءل عما إذا كان كروموسوم «واي» يساهم في الاختلافات الجنسية في هذا المرض. وللتحري عن ذلك، قام هو وزملاؤه بتخليق خلايا مثانة سرطانية تحتوي على كروموسوم «واي» أو تفتقر إليه، وحقنها في الفئران. وكانت النتائج مذهلة: نمت الأورام التي لا تحتوي على كروموسوم «واي» أسرع مرتين من نمو الأورام التي تحتوي عليه.

عندما استشار فريق ثيودوريسكو محتويات قواعد البيانات البشرية، وجد أن 10 إلى 40 في المائة من أورام المثانة لدى الرجال تفتقر إلى الكروموسوم «واي»، وعندما يحدث ذلك، تحدث الوفاة بشكل أسرع بكثير من الرجال الذين تحتفظ أورامهم السرطانية بهذا الكروموسوم. ومع ذلك، عندما زرع الباحثون خلايا الورم الخالية من كروموسوم «واي» في الأوعية المختبرية وجدوا أنها تتكاثر بنفس معدل تكاثر خلايا الورم التي تحتوي على كروموسوم «واي». مما يشير إلى أن زيادة معدل النمو الملحوظ في الجسم لم تكن بسبب الخلايا الخالية من كروموسوم «Y» التي تتكاثر بشكل أسرع، ولكن ربما كان لها علاقة بقدرتها على التهرب من الجهاز المناعي.

وقد دعمت التجارب اللاحقة هذا الرأي، حيث وجد الدكتور ثيو دوريسكو وزملاؤه أنه في سرطان المثانة، يؤدي فقدان كروموسوم «واي» إلى جعل الخلايا السرطانية تنتج بروتينات تستنزف الخلايا التائية، وهي نوع من الخلايا المناعية التي تتعرف عادة على السرطانات وتهاجمها. ومع إمكانات أقل بكثير لعمليات القمع التي تنفذها هذه الخلايا التائية، يصبح السرطان قادراً على النمو بصورة أكثر شراسة.

ولهذا الاكتشاف آثار بالغة الأهمية على العلاج. اذ تعمل مثبطات الحواجز المناعية - وهي الأدوية التي أحدثت ثورة في علاج السرطان على مدى العقد الماضي - من خلال منع آلية الاستنزاف هذه، ما يُمكّن الخلايا التائية من مهاجمة العديد من أنواع السرطان المختلفة بصورة أفضل. وقد رأى فريق الدكتور ثيو دوريسكو أنه في الفئران، عملت الأدوية بصورة أكثر فاعلية ضد أورام المثانة الخالية من كروموسوم «واي» مقارنة مع تلك التي تحتوي عليه. ومرة أخرى، توافقت البيانات الإكلينيكية: يستجيب الأشخاص المصابون بسرطان المثانة بفقدان كروموسوم «واي» بشكل أفضل بكثير لمثبطات الحواجز المناعية مقارنة بتلك التي يحتوي ورم المثانة لديهم على كروموسوم «واي».

البحث عن أسباب الأمراض

يجري الآن التحقيق فيما إذا كان فقدان كروموسوم «واي» يمثل عاملاً مهماً في أنواع أخرى من الأورام السرطانية غير سرطان المثانة. وقد وجدت دراسة أجريت عام 2023 بقيادة الدكتورة إستر راينباي من جامعة هارفارد أنه «من الشائع للغاية» أن خلايا الأورام في العديد من الأنواع المختلفة من السرطان تفتقر إلى كروموسوم «واي»، ما يشير إلى تأثير واسع النطاق.

كما تشير الدراسات التي أجراها كل من والش وثيو دوريسكو أيضاً إلى السبب المحتمل لهذه الآثار: وجود جين في الكروموسوم «واي» يُسمى «يو تي واي - UTY». ويُنتج هذا الجين إنزيماً يشارك في تنظيم جينات أخرى - وعلى الأخص تلك التي تعبر عنها الخلايا المناعية - لذا فإن فقدانه ربما يؤدي إلى تغييرات واسعة النطاق في التعبير الجيني، وهو ما يشتبه الباحثون في أنه يخلق مشكلات صحية.

وعلى الرغم من تحذيرات الدكتور بيري، فإن الرسالة العامة هي، كما يصفها الدكتور ثيو دوريسكو: «فقدان الكروموسوم (واي) أمر سيئ». إن حجم الفرق في أعمار الذكور والإناث الذي قد يكون السبب في حدوثه لم يُحدد بعد، ولكن تقديرات الدكتور دومانسكي تشير إلى أنه قد يكون أكثر من النصف.

هناك سؤال رئيسي آخر - لم تتم الإجابة عليه بعد - وهو ما إذا كانت تغييرات نمط الحياة التي تعزز شيخوخة صحية، مثل نظام غذائي أفضل، وتحسين النوم، وتجنب الكثير من الضغط النفسي، وعدم تناول الكحول، قد تبطئ من فقدان كروموسوم «واي».

يقول الدكتور دومانسكي إن خلاصة كل ذلك هي أن وجهات نظرنا حول أهمية كروموسوم «واي» - الذي طالما تم تجاهله لفترة طويلة - «تتغير بصورة جذرية. ونحن فقط لا نزال في أول الطريق».

هل يختفي الكروموسوم «واي» تماماً؟

منذ أن تطورت الكروموسومات «X» و«Y» لدى الثدييات لأول مرة قبل حوالي 200 مليون سنة، ظل كروموسوم «إكس» على حاله تقريباً، في حين فقد كروموسوم «واي» نحو 97 في المائة من جيناته الأصلية. في واقع الأمر، يُعد كروموسوم «واي» الكروموسوم البشري الأسرع من حيث التغير. وقد أدى هذا إلى مخاوف من أن يختفي تماماً على نحو لا رجعة فيه، وأنه على وشك الاختفاء بصورة نهائية.

للوهلة الأولى، يبدو أن لذلك تأثيرات خطيرة على وجود الذكور بحد ذاته. ولكنْ هناك عدد قليل من أنواع الثدييات التي حدث لها هذا بالفعل، ولا تزال هذه الكائنات تأتي في صور ذكورية وأنثوية. وعلى سبيل المثال، فإن جرذ «آمامي الشوكي» (Amami spiny rat) لا يمتلك كروموسوم «واي»، ولكن الجين الموجود في مكان آخر في الجينوم الخاص به قد تطور ليصبح طريقة جديدة تماماً لتحديد الجنس.

ويبدو احتمال خضوع البشر لتغيرات مماثلة منخفضاً، وفقاً للدكتور كينيث والش من جامعة فرجينيا، الذي يقول إنه بعد بعض الانكماش الكبير في البداية، استقر حجم الكروموسوم «واي» في معظم الأنواع على مدى الـ25 مليون سنة الماضية. وفي ظل احتواء هذا الكروموسوم على جينات قد تخدم وظائف مهمة في الخلايا المناعية وربما في أماكن أخرى، فإن مستقبله في تلك الأنواع - بما في ذلك لدى البشر - يبدو مؤكداً.

* مجلة «نيوساينتست»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

صحتك منتجات شركة «هيب» معروضة على أحد الرفوف في سوبر ماركت (رويترز)

النمسا: شركة «هيب» تسحب منتجاتها بعد العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال

أعلنت شرطة النمسا، السبت، العثور على سم فئران في عبوة من أغذية الأطفال تصنعها شركة «هيب»، وذلك بعد سحب المنتج من 1000 متجر من سلسلة «سبار».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
صحتك تناول أكثر من نصف ملعقة طعام من زيت الزيتون يومياً يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب (بيكساباي)

فوائد تناول زيت الزيتون يومياً لمرضى القلب

يقلل تناول أكثر من نصف ملعقة طعام (حوالي 7 غرامات) من زيت الزيتون يومياً من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 19 % تقريباً

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك أكواب من القهوة (أرشيفية - رويترز)

ما تأثير تناول القهوة على مرضى الكلى؟

تسهم القهوة في تقليل خطر الوفاة المبكرة والوقاية من تدهور وظائف الكلى

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك يحتوي الفلفل الحلو على مركبات نشطة بيولوجياً تدعم صحة الجهاز المناعي (رويترز)

ما لون الفلفل الحلو الأفضل لدعم المناعة؟

في ظل الاهتمام المتزايد بتقوية جهاز المناعة عبر الغذاء، يبرز الفلفل الحلو بوصفه أحد أبرز الخيارات الصحية. فما هو لون الفلفل الحلو الأفضل لدعم المناعة؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات
TT

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

لطالما رغب المبرمج المصري عاصم صبري في نموذج ذكاء اصطناعي يُمثل ثقافته. لكن المشكلة تكمن في عدم عثوره على نموذج مثل هذا. ويقول صبري: «صناعة الذكاء الاصطناعي في مصر... غير موجودة». لذا قام ببناء نموذجه الخاص: «حورس»، نسبةً إلى إله السماء المصري القديم.

«حورس» على منصة «Hugging Face»

«حورس» للذكاء الاصطناعي

يقول صبري إن الهدف كان التوقف عن «الاعتماد على نماذج أخرى، مثل النماذج الأميركية أو الصينية»، والتوجه بدلاً من ذلك عن شكل النموذج الذي يُركز بشكل أكبر على الثقافة المصرية. ولجعل «حورس» يعمل، قام بتدريبه باستخدام وحدات معالجة الرسومات من «غوغل كولاب» Google Colab ومزودي خدمات سحابية آخرين، إلى جانب مجموعات بيانات مفتوحة المصدر. وقد حقق النموذج، الذي تم إصداره في أوائل أبريل (نيسان) الحالي، أكثر من 800 عملية تنزيل في أسبوعه الأول على منصة «Hugging Face».

انحصار لغوي

ويُعدّ صبري واحداً من بين عدد متزايد من المطورين الذين يسعون لتصحيح خللٍ مزمن في مجال الذكاء الاصطناعي. فالنماذج تتقن الإنجليزية، وإلى حدٍّ أقل، الصينية، لكنها أقل كفاءةً بكثير في معظم اللغات الأخرى. واللغات التي تُصنّف على أنها لغات أقلية، هي في الواقع لغات الأغلبية العالمية. ومع ذلك، وبفضل طريقة تدريب النماذج (على كميات هائلة من البيانات المُستخرجة من الإنترنت)، بالإضافة إلى اقتصاديات صناعة التكنولوجيا، تبقى الإنجليزية هي اللغة المهيمنة.

فجوة اللغات

في عام 2023، نشرت الباحثة علياء بهاتيا، بالتعاون مع زميل لها في مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، دراسةً تُشير إلى أن اللغات غير القياسية «ضاعت في الترجمة» بسبب تأثيرات التنعيم والحوافز التجارية التي تُشكّل شركات التكنولوجيا الكبرى. ففي خضمّ التهافت على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، أعطت الشركات الأولوية لدعم اللغة الإنجليزية، ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية بيانات التدريب، ولم تبذل جهداً يُذكر لسدّ هذه الفجوة.

لسنوات، عزّزت الاعتبارات الاقتصادية هذه المشكلة. فتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي مُكلف، ولا تملك الشركات حافزاً يُذكر لتطوير نماذج تدعم مجموعات لغوية أصغر حجماً دون عائد واضح.

نماذج محلية

وقد بدأ هذا الوضع بالتغيّر أخيراً، أدى صعود نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، بالتزامن مع تشديد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لحدود الرموز الرقمية، إلى فتح المجال أمام الشركات الصغيرة. يقول صبري: «قبل عامين، لم يكن الذكاء الاصطناعي بمثل هذه الكفاءة، ولم تكن نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. أما الآن، فيمكننا بناء نماذجنا الخاصة من الصفر».

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات. وتشير بهاتيا إلى أن «بعض العوائق لا تزال قائمة فيما يتعلق بالحوسبة، والبنية التحتية، والتمويل»، وهو ما يمثل مجتمعاً «عائقاً كبيراً». ومع ذلك، فإن التقدم واضح.

من اميركا اللاتينية إلى آسيا

وما يتبلور ليس نظاماً بيئياً رسمياً بقدر ما هو شبكة عالمية غير رسمية من النماذج ذات التركيز المحلي: Apertus السويسرية، و Latam-GPT في أميركا اللاتينية، وN-ATLaS النيجيرية، و Sahabat-AI الإندونيسية، وSEA-LION السنغافورية، وGreenMind الفيتنامية، وOpenThaiGPT التايلاندية، وTeuken 7B الأوروبية. يقدم كل منها بديلاً للنماذج السائدة من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«علي بابا».

جهود شعبية

لا تزال بعض الجهود شعبية، مثل جهود صبري. بينما تحظى جهود أخرى بدعم مؤسسي. وعلى سبيل المثال، يُعدّ مشروع «أبيرتوس» ثمرة تعاون بين جامعتين سويسريتين والمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة، الذي ساهم بأكثر من 10 ملايين ساعة معالجة رسومية، أي ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات في الحوسبة التجارية.

إلا أن معظم المشاريع تعمل على نطاق أصغر بكثير من ذلك. ومع ذلك، فإن القدرة على تدريب ونشر نماذج محلية بتكلفة منخفضة نسبياً تُغيّر قواعد اللعبة. فقد سجّلت نسخة مُحسّنة من برنامج «لاما 3.2» التابع لشركة «ميتا»، الذي تم تدريبه على 14,500 زوج من الأمثلة القانونية الهندية، ما يزيد قليلاً على 1000 عملية تنزيل منذ أوائل أبريل (نيسان). وهذا جانب مُتخصص، لكنه ذو أهمية. وكان من الصعب تبرير الاستثمار فيه اقتصادياً حتى وقت قريب.

توسيع السوق

يشير هذا الإقبال المبكر إلى وجود سوق أوسع من السوق السائد. كما أنه يطرح تساؤلاً أمام كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. تقول بهاتيا: «ما تقدمه هذه البدائل هو دليل على إمكانية بناء أنظمة تمثل بشكل أفضل أغلبية المستخدمين واللغات في العالم، طالما أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى ترغب فعلاً في الاستفادة من هذه التجارب والتعلم منها».

* مجلة «فاست كومباني».


«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي
TT

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

لطالما قورن الذكاء الاصطناعي بالذكاء البشري، لكن هذه المقارنة قد لا تكون الأنسب؛ فما يُجيده الذكاء الاصطناعي حالياً يُمكن أن يُساعد في التنبؤ بالوظائف التي قد يحلّ محلّها.

تلميذ رياضيات متفوق

يمكنك أن تقول اليوم ما تريد عن إمكانية وصول الذكاء الاصطناعي يوماً ما إلى ذكاء الإنسان. على سبيل المثال أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل تلميذاً مُتفوقاً في الرياضيات؛ ففي الصيف الماضي، أجاب نظام ذكاء اصطناعي من تطوير «غوغل» و«أوبن إيه آي» إجابة صحيحة على خمسة من أصل ستة أسئلة مُعقدة في أولمبياد الرياضيات الدولي، وهي مُسابقة سنوية لأفضل طلاب المدارس الثانوية في العالم.

قصور وسذاجة

مع ذلك، قد يكون المنطق السليم للذكاء الاصطناعي ما زال قاصراً بعض الشيء؛ فبعد بضعة أشهر، لاحظ أنورادها ويرامان، مهندس برمجيات في سريلانكا، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تُعاني في الإجابة عن سؤالٍ بسيطٍ للغاية، قد يبدو مُضحكاً للبعض. فعندما أخبر عدداً من برامج الدردشة الآلية أنه بحاجة إلى أخذ سيارته بهدف تصليحها في ورشة تبعد 50 متراً فقط، وسألها إن كان عليه المشي أم القيادة، نصحته البرامج بالمشي!

«الذكاء المتذبذب»

إنّ الطريقة الغريبة التي يبدو بها الذكاء الاصطناعي عبقرياً في لحظة، وغبياً في أخرى، هي ما يُطلِق عليه الباحثون والمهندسون والاقتصاديون مصطلح «الذكاء المتذبذب» (jagged intelligence) (حرفياً «الذكاء المسنّن» أي غير الانسيابي - المحرِّر) . وهم يستخدمون هذا المصطلح لتفسير سبب تقدّم الذكاء الاصطناعي بسرعة في بعض المجالات، كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، بينما لا يزال يُكافح لتحقيق تقدّم في مجالات أخرى.

قد يُساعد هذا المصطلح، الشائع الاستخدام بين مُطوّري الذكاء الاصطناعي ومُحلّلي آثاره، في إعادة صياغة النقاش الدائر حول ما إذا كانت هذه الأنظمة تُصبح بذكاء البشر، أو حتى أذكى منهم.

أفضل... وأقل ذكاء

ويرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي شيء مختلف تماماً؛ فهو أفضل بكثير من البشر في بعض المهام، وأقل ذكاءً بكثير في مهام أخرى. كما يُمكن أن يُساعد فهم نقاط القوة والضعف هذه الاقتصاديين على فهم أفضل لما يعنيه الذكاء الاصطناعي لمستقبل العمل؛ إذ وبينما يوجد سببٌ للقلق لدى المُبرمجين المبتدئين بشأن وظائفهم على سبيل المثال، فليس من الواضح - على الأقل في الوقت الراهن - كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على أنواع العمل الأخرى.

لكن مُراقبة المجالات التي يبدأ فيها الذكاء الاصطناعي بتحقيق تحسينات سريعة قد تُساعد في التنبؤ بأنواع الوظائف التي ستتأثر بهذه التقنية.

وقال ويرامان: «يختلف أداء هذه الأنظمة، وليس من السهل التنبؤ بموعد عجزها عن أداء مهام يستطيع الإنسان القيام بها».

الدماغ البشري: ترابط المعارف وقدرات حل المشكلات

وقد صاغ مصطلح «الذكاء المتذبذب» أندريه كارباثي، أحد الباحثين المؤسسين لشركة «أوبن ايه آي»، والرئيس السابق لقسم تكنولوجيا القيادة الذاتية في شركة «تسلا»، وأحد أبرز المعلقين على صعود الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2024: «بعض الأشياء تعمل بكفاءة عالية (وفقاً للمعايير البشرية)، بينما تفشل بعضها الآخر فشلاً ذريعاً (أيضاً وفقاً للمعايير البشرية)، وليس من السهل دائماً التمييز بينهما».

وكتب أن هذا يختلف عن الدماغ البشري، «حيث تترابط كثير من المعارف وقدرات حل المشكلات ترابطاً وثيقاً وتتحسن بشكل خطي معاً، من الولادة إلى البلوغ».

التأثير على الوظائف

منذ أن بدأت «أوبن أيه آي» في مجال الذكاء الاصطناعي. مع ازدهار قطاع التكنولوجيا في عام 2022، تذبذبت تصريحات المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا بين التحذير من أن ابتكاراتهم الجديدة قد يكون لها تأثير مدمّر على وظائف ذوي الياقات البيضاء، والتقليل من شأن تأثيرها طويل الأمد على التوظيف.

حتى الآن، وخارج قطاع التكنولوجيا، لا توجد سوى أدلّة متفرقة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح سبباً في فقدان الوظائف. ولكن بالنظر إلى سرعة تطور هذه التكنولوجيا، يرى العديد من خبراء التكنولوجيا أن مسألة استبدال الذكاء الاصطناعي لأنواع أخرى من العاملين في وظائف ذوي الياقات البيضاء ليست مسألة «هل سيحدث ذلك؟»، بل «متى سيحدث؟».

قبل بضع سنوات فقط، كانت هذه الأنظمة لا تزال في بداياتها، تُظهر مهارات برمجية بدائية للغاية. يقول أليكس إيماس، الخبير الاقتصادي في كلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو: «لقد شهدت هذه الأنظمة تحسينات هائلة. في كل مرة يُطرَح فيها إصدار جديد رئيسي، يُفاجأ الناس بقدراته الهائلة». لكن التكنولوجيا التي تُضيف إلى ما يمكن للعاملين القيام به دون استبدالهم لها سوابق كثيرة، وهذا ما يتوقعه بعض باحثي الذكاء الاصطناعي والاقتصاديين.

أهمية العنصر البشري

منذ ستينات القرن الماضي، كانت الآلة الحاسبة الجيبية قادرة على الجمع والطرح والضرب بسرعة تفوق سرعة الإنسان بكثير. لكن هذا لم يكن يعني أن الآلة الحاسبة يمكن أن تحل محل المحاسب. أما الآن؛ فبإمكان أنظمة مثل «كلود» من أنثروبيك و«كودكس» من «أوبن إيه آي» كتابة برامج حاسوبية بسرعة أكبر بكثير أيضاً. لكنها لا تجيد فهم كيفية اندماج كل جزء من الرموز الكومبيوترية في تطبيق برمجي أكبر؛ فهي تحتاج إلى مساعدة بشرية في ذلك.

يقول الدكتور إيماس: «إذا كانت الوظيفة تتضمن مجموعة من المهام المختلفة - ومعظم الوظائف كذلك - فستتم أتمتة بعض المهام، بينما لن تُؤتمت أخرى. وفي هذه الحالة، قد يتوفر للعامل وقت أطول للقيام بأمور أهم».

في الشهر الماضي، أطلق فرانسوا شوليه، الباحث البارز في مجال الذكاء الاصطناعي، اختباراً رقمياً جديداً يُسمى «ARC-AGI 3»، ويطلب الاختبار حلولاً لمئات الألغاز الشبيهة بالألعاب دون تقديم أي تعليمات لحلها. يستطيع أي شخص عادي غير مُدرَّب حل جميع الألغاز، لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تعجز عن إتقان أي منها، وفقاً لاختبارات أجراها شوليه.

يقول خبراء مثل شوليه إنه بمجرد أن يُدرك الناس أن الذكاء الاصطناعي ذكاء غير مُتطوّر، فإنهم يُطوّرون فهماً أفضل لكيفية تطوّر الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة، وما قد يكون له من تأثير على سوق العمل. ويقول الدكتور إيماس: «سيعتمد هذا على المهام التي يُؤتمتها، وكيف ومتى».

حدود نتاجات الذكاء الاصطناعي

إن نظم الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود» و«تشات جي بي تي» تتعلم مهاراتها، من خلال تحديد الأنماط في البيانات الرقمية، بما في ذلك مقالات ويكيبيديا، والأخبار، وبرامج الحاسوب، وغيرها من النصوص المُجمّعة من الإنترنت.. لكن هذا لا يكفي.

لا تُمثّل الإنترنت سوى جزء ضئيل من المعرفة البشرية، فهي تُسجّل ما يفعله الناس في العالم الرقمي، ولكنها تحتوي على معلومات قليلة نسبياً عمّا يحدث في العالم المادي.

لا تخطيط ولا أفكار جديدة

وهذا يعني أن هذه الأنظمة قادرة على كتابة رسائل البريد الإلكتروني، والإجابة عن الأسئلة، والتعليق على أي موضوع تقريباً، وتوليد رموز برمجية. ولكن نظراً لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُعيد إنتاج الأنماط التي تجدها في البيانات الرقمية، فإنها لا تُجيد التخطيط المُسبق، أو توليد أفكار جديدة، أو التعامل مع مهام لم تُصادفها من قبل.

* لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً بل مجموعة واسعة من المهارات المختلفة*

يقول شوليه: «لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً، بل يمتلك مجموعة واسعة من المهارات المختلفة».

والآن، تُعلّم شركات مثل «أنثروبيك» و«أوبن ايه آي» هذه الأنظمة مهارات إضافية باستخدام تقنية تُسمى التعلّم المُعزّز. فمن خلال حلّ آلاف المسائل الرياضية، على سبيل المثال، يُمكنها تعلّم أيّ الطرق تُؤدي إلى الإجابة الصحيحة وأيّها لا تُؤدي إليها.

«نعم» في الرياضيات... «لا» في الكتابة الإبداعية

يُجدي هذا الأسلوب نفعاً في مجالاتٍ كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، حيث تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي تحديد السلوك الجيد والسيئ بوضوح؛ فإجابة المسألة الرياضية إما صحيحة أو خاطئة، وكذلك الأمر بالنسبة لبرنامج الحاسوب، فإما أن يجتاز اختبار الأداء أو يفشل.

لكن التعلم المعزز لا يُجدي نفعاً في مجالاتٍ كالكتابة الإبداعية أو الفلسفة أو حتى بعض العلوم، حيث يصعب التمييز بين الجيد والسيئ.

يقول جوشوا غانز، الخبير الاقتصادي في كلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو: «البرمجة - التي يُبدي الجميع حماساً لها حالياً - لا تُمثل كل ما يفعله الذكاء الاصطناعي. ففي البرمجة، يسهل استخدام حلقة التغذية الراجعة لتحديد ما يُجدي وما لا يُجدي».

تطور التكنولوجيا

أما بالنسبة للمستخدمين؛ فغالباً ما يصعب عليهم تحديد ما يُجيده الذكاء الاصطناعي وما لا يُجيده. وعندما يُدرك الناس تماماً نقاط قوة وضعف الأنظمة، تتغير التكنولوجيا.

قال الدكتور غانز: «إنّ عدم استقرار الذكاء الاصطناعي يعني أن المشكلات قد تنشأ من أي مكان. هناك ثغرات، ولا نعرف دائماً أين تكمن». لكن العامل الحاسم هو أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. فالعديد من نقاط الضعف التي أشار إليها الدكتور كارباثي وآخرون في عامي 2024 وبداية 2025 لم تعد موجودة. وستكتشف الشركات أوجه قصور أخرى وتعمل على إصلاحها أيضاً... لذا فان «ثغرات التكنولوجيا تتقلص»، كما قال الدكتور إيماس.

* خدمة «نيويورك تايمز».


منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
TT

منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»

يبدو أن الجميع يطمح للسيطرة على الفضاء. ولكن المشكلة تتمثل في أنه وكلما زاد عدد الأقمار الاصطناعية التي تطلقها الجيوش وتعتمد عليها، ازدادت الحاجة إلى نظام رقابي فعَّال لحماية تلك الأقمار، كما كتبت لورين سي. ويليامز(*).

منصة دعم فضائية

وهنا يأتي دور نظام جديد لقمر اصطناعي مزود بذراع آلية قادرة على تزويد الأقمار بالوقود اللازم: منصة«ميدنايت» من شركة «إم دي إيه» MDA Midnight الكندية هذه، التي كُشف عنها النقاب في ندوة الفضاء في كولورادو هذا الأسبوع. وقالت هولي جونسون، نائبة رئيس قسم الروبوتات والعمليات الفضائية في الشركة، لموقع «ديفنس وان»: «يستطيع هذا القمر الاصطناعي المزوَّد بذراع آلية، الاقتراب من السفن الفضائية الأخرى لفحصها، ومراقبة محيطها، واستكشاف الأجسام المقتربة، والدفاع ضد التهديدات المحتملة عند الحاجة».

التزويد بالوقود بسلامة

وأضافت جونسون أن هذه المنصة تستطيع أيضاً تزويد الأقمار الاصطناعية الأخرى بالوقود باستخدام ذراعه مع الحفاظ على مسافة آمنة من القمر الاصطناعي الذي يحتاج إلى التزويد بالوقود، وضمان استمرارية عمله.

وتابعت: «يتصل الذراع بواجهة تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود، بينما ستعوِّض الروبوتات معدلات الانحراف النسبي لهاتين المنصتين، لتأمين تزوبد القمر الاصطناعي بالوقود بسلاسة تامة».

10 آلاف قمر اصطناعي

وأضافت جونسون: «هناك مساعٍ حثيثة للحصول على مزيد من المعلومات حول الأجسام الموجودة في الفضاء - بما في ذلك ما يزيد عن 10 آلاف قمر اصطناعي - وما تقوم به، ومن يملكها، وأي تهديدات محتملة... ولكن الجزء المفقود من الوعي بالمجال الفضائي كان القدرة على اتخاذ أي إجراء حيال ذلك».

التنافس مع الصين

يأتي إطلاق هذا المنتج بعد أن أعرب الجنرال ستيفن وايتينغ قائد القيادة الفضائية الأميركية عن مخاوفه بشأن تجارب الصين الأخيرة في تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود؛ كما شدَّد في الآونة الأخيرة على ضرورة القدرة على نقل الأقمار الاصطناعية.

وقال وايتينغ أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الشهر الماضي: «ما يقلقني هو أنه إذا طوَّروا هذه القدرة، فسيكون لديهم القدرة على المناورة لتحقيق التفوق كما فعلت الولايات المتحدة لعقود - براً وبحراً وجوَّاً - حيث استخدمنا المناورة لصالحنا». وأضاف: «نحن بحاجة إلى تطوير قدراتنا الخاصة في حرب المناورة لضمان قدرتنا على الاستفادة من المزايا التي طوَّرتها القوات المشتركة على مدى عقود في الفضاء، كما فعلنا في مجالات أخرى».

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «ترييون ميديا».