اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال

فقدانه يزيد خطر إصابات السرطان والقلب وألزهايمر

اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال
TT

اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال

اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال

تعيش النساء في المتوسط عمراً أطول من الرجال. ويمكن ملاحظة هذا الاتجاه بالرجوع إلى أقدم السجلات، وهو صحيح في كل بلد في العالم اليوم. وقد طُرحت حوله العديد من التفسيرات: فالرجال يخاطرون أكثر أو يدخنون أكثر، وهرمون الاستروجين يحمي من المشكلات الصحية، ووجود كروموسومين «إكس» (X) أفضل من كروموسوم واحد... والقائمة تطول. ويمكن أن تفسر بعض هذه العوامل أموراً صغيرة من هذا الفرق، وقد تم دحض الكثير منها. ولا شيء منها مُقنع تماماً.

تفسير بديل

الآن، توصل الباحثون إلى تفسير بديل مثير للاهتمام للكثير من هذا الاختلاف في متوسط العمر، وهو أن الأمر كله يعود إلى كروموسوم «واي» (Y). وعلى وجه التحديد، تكمن الفكرة في أنه مع تقدم الرجال في العمر، فإنهم يفقدون هذا الكروموسوم من العديد من خلاياهم، ما يؤدي إلى الإصابة بالأمراض المرتبطة بالعمر.

إن فقدان كروموسوم «واي» بهذه الطريقة ليس شيئاً يمكن أن تلاحظ حدوثه. ويقول الدكتور لارس فورسبرغ من جامعة أوبسالا في السويد: «على حد علمي، لا توجد بيانات تشير إلى أن الرجال الذين يفقدون كروموسوم (واي) سيشعرون بذلك». ومع ذلك، فقد اتضح أن جزءاً كبيراً من الرجال الأكبر سناً يتأثرون به، ويكشف الباحثون الآن عن عواقب طويلة الأمد على الجهاز المناعي وخطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب وحتى ألزهايمر.

من جهته، يقول الدكتور كينيث والش من جامعة فيرجينيا: «إذا كنت ذكراً، فأنت لا تريد أن تفقد كروموسوم (واي) الخاص بك، فمن المؤكد أن ذلك سوف يُقصّر حياتك». إن الإدراك المتزايد لأهمية كروموسوم «واي» للصحة العامة يفتح الباب أمام طرق جديدة محتملة للحفاظ على صحة الرجال مع تقدمهم في العمر.

أصغر الكروموسومات بوظائف غامضة

يمتلك أغلب الناس 22 زوجاً من الكروموسومات، بالإضافة إلى اثنين من الكروموسومات الجنسية؛ زوج من الكروموسومات «إكس X» أو كروموسوم «إكس» مع «واي». ويحمل كروموسوم «Y» المفتاح الرئيسي لتحديد جنس الجنين. ولدى البالغين، يُحافظ على إنتاج الحيوانات المنوية. وهو واحد من أصغر الكروموسومات، حوالي ثلث حجم الكروموسوم «إكس»، ويحتوي على عدد قليل من الجينات. ومع ذلك، فإنه يحتوي أيضاً على الكثير من الميزات التي تجعل من الصعب تحليله، ما يعني أنه كان آخر كروموسوم بشري يتم تسلسله بالكامل في عام 2023، وقبل ذلك كان أكثر من نصف تسلسله لغزاً. ولا تزال العديد من وظائفه غير مفهومة بالكلية.

ظهرت حقيقة أن بعض الرجال يفقدون كروموسوم «واي» بصفة دائمة في بعض خلاياهم من خلال الدراسات الجينية التي أُجريت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ولكن كان يُعتقد أن هذا مجرد أثر جانبي حميد للشيخوخة. ثم في الثمانينات والتسعينات، أفاد علماء الأحياء السرطانية بأن أورام الرجال تفتقر في بعض الأحيان إلى كروموسومات «واي». ولكن مع قلة الاهتمام بمساهمة كروموسوم «واي» في وظائف الأعضاء لدى البالغين فيما يتجاوز إنتاج الحيوانات المنوية، لم يحظَ هذا الأمر أيضاً باهتمام جدي.

فقدان الكروموسوم والأمراض

تغيرت الأمور في عام 2014، عندما أسفرت دراسة صحية طويلة الأجل شملت 1153 رجلاً سويدياً في السبعينات والثمانينات من العمر عن اكتشاف تَصَادُفي. فقد أعطى هؤلاء المشاركون عينات دم لتحليل الحمض النووي، ووجد الدكتور فورسبرغ وزملاؤه أن كروموسوم «واي» مفقود من جزء كبير من خلايا الدم لدى حوالي 8 في المائة من المشاركين. ثم لاحظ الفريق شيئاً ملفتاً للنظر: كان متوسط عمر هؤلاء الرجال أقصر بخمس سنوات ونصف السنة من أولئك الذين لم يفقدوا كروموسوم «واي» من خلايا الدم لديهم.

كما وجد الدكتور فورسبرغ، ومشرفه آنذاك الدكتور يان دومانسكي، من جامعة أوبسالا، أن الرجال الذين فقدوا كروموسوم «واي» يصابون بالسرطان بشكل متكرر أكثر، ويصابون بمرض ألزهايمر بمعدلات مرتفعة بشكل صارخ. ففي إحدى الدراسات، على سبيل المثال، وجدوا أن الرجال الذين يعانون من فقدان كروموسوم «واي» كانوا أكثر عرضة للإصابة بألزهايمر بسبعة أضعاف الرجال الذين لا يعانون من فقدانه.

يقول الدكتور دومانسكي إن هذه السلسلة من النتائج «كانت مثيرة للجدل للغاية - ولم يرغب أحد في تصديق ذلك». لكن العديد من الدراسات الاستقصائية اللاحقة الأوسع نطاقاً قد أكدت النتائج وكشفت عن وجود روابط بين فقدان كروموسوم «واي» والعديد من الحالات الأخرى. والأبرز من ذلك أنه في عام 2022، قام الدكتور والش وزملاؤه بتحليل بيانات أكثر من 200 ألف مشارك في دراسة البنك الحيوي في المملكة المتحدة، وخلصوا إلى أن فقدان كروموسوم «واي» مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بعدة أشكال من أمراض القلب.

انحسار الكروموسوم

للبدء في الكشف عن سبب هذه التأثيرات لفقدان كروموسوم «واي»، نحتاج أولاً إلى فهم كيفية فقدانه. يحتوي جسم البالغين على حوالي 30 تريليون خلية، ويتم استبدال حوالي 300 مليار خلية منها يومياً بخلايا جديدة. وحوالي 90 في المائة من هذه الخلايا الجديدة هي خلايا دم مشتقة من الخلايا الجذعية المكونة للدم في نخاع العظم، بما في ذلك حوالي 100 مليار خلية دم بيضاء.

يحدث فقدان كروموسوم «واي» أثناء عملية الاستبدال هذه، عندما تنقسم الخلايا وتتكاثر. يقول الدكتور فورسبرغ إن هذا الأمر «شائع بشكل كبير - فهو ليس حادثاً غريباً»، ويشك في أنه يحدث لجميع الرجال إلى حد ما، لكن التقدم في العمر يزيده بصورة كبيرة. وقد وجدت دراسة أجريت في فبراير (شباط) الماضي على 25 ألف ذكر تتراوح أعمارهم بين 3 و 95 عاماً أن 11.5 في المائة من الذكور أظهروا بشكل عام فقداناً للكروموسوم «واي» في نسبة 5 في المائة على الأقل من خلايا الدم البيضاء. ومع ذلك، لم تظهر مستويات ملحوظة إلا لدى عدد قليل للغاية من المشاركين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً، في حين أن نحو 6 في المائة من المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و60 عاماً قد تأثروا، وأكثر من 40 في المائة من السكان الذين تزيد أعمارهم عن 80 عاماً قد تأثروا به أيضاً.

التدخين والتلوث والمبيدات عوامل خطر

وفيما عدا الشيخوخة، فإن عامل الخطر الرئيسي الثاني المعروف هو التدخين، ولكن فقدان كروموسوم «واي» يرتبط أيضاً بالتعرض لتلوث الهواء، ومبيدات الأعشاب التي تحتوي على «الغليفوسات» (مبيد أعشاب ضارة مستخدم على نطاق واسع)، والمياه الملوثة بالزرنيخ.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الخلايا المنقسمة أكثر عرضة لفقدان كروموسوم «واي» مقارنة بالكروموسومات الأخرى. ونظراً لأن كروموسوم «واي» صغير الحجم وله العديد من تمديدات الحمض النووي المتكررة، فقد يكون من الأسهل وضعه في مكانه الصحيح مقارنة بالكروموسومات الأخرى. ولكن الأهم من ذلك هو أن الخلية الذكرية التي تفقد كروموسوم «واي» تبقى على قيد الحياة، في حين أن فقدانها لأحد الكروموسومات غير الجنسية «ضار للغاية، لدرجة أن هذه الخلية ستموت»، كما يقول الدكتور دومانسكي.

في الواقع، يبدو أن الخلايا الجذعية المكونة للدم الخالية من كروموسوم «واي» تزدهر، ما يؤدي إلى إنتاج نسبة كبيرة من خلايا الدم المتداولة. وتعمل هذه الخلايا المتحولة - كما تقول النظرية - على تعزيز حالات صحية رئيسية ذات صلة بالعمر. (في الإناث، يمكن أن يحدث أيضاً فقدان أحد الكروموسومات «إكس»، وربما بنفس وتيرة فقدان كروموسوم «واي»، ولكن يبدو أن الخلايا المصابة تبدو أقل وفرة أي أقل عدداً).

يقول الدكتور دومانسكي إن أحد الأسئلة المهمة في هذا المجال هو تحديد الخلايا الأخرى لدى الرجال المعرضة لفقدان كروموسومات «واي». كما يجدر توضيح أن هذه الظاهرة تختلف عن مسألة ما إذا كان البشر، على مدى فترات التطور، يمكن بالفعل أن يفقدوا كروموسوم «واي» بشكل كامل ودائم. كما أنه يختلف عن فقدان كروموسوم «واي» العرضي للغاية من الخلايا التناسلية الذكرية، التي يمكن أن تؤدي إلى إنجاب ذرية ثنائية الجنس.

مشكلة خطيرة تهدد جهاز المناعة

مع ذلك، فإن اكتشاف أن العديد من الرجال الأكبر سناً يفقدون كروموسوم «واي» في جزء كبير من خلايا الدم ويعيشون أيضاً حياة أقصر يشير إلى أن شيئاً خطيراً جداً يجري.

منذ البداية، افترض العالمان فورسبرغ ودومانسكي أن اختلال وظيفة المناعة يمكن أن يكون السبب. في عام 2021، على سبيل المثال، وجدوا هم وزملاؤهم أن فقدان كروموسوم «واي» يغير التعبير عن العديد من الجينات في خلايا المناعة البشرية. ونتيجة لذلك «يكون الجهاز المناعي للذكور أكثر هشاشة»، كما يقول الدكتور دومانسكي.

وقد يكون لهذا العديد من التداعيات المباشرة، وهو أمر ملحوظ بشكل خاص في أعقاب الاعتراف المتزايد بدور الجهاز المناعي في الحفاظ على الصحة العامة، وليس فقط في مكافحة العدوى مع تورط الخلل الوظيفي في الجهاز المناعي المرتبط بالعديد من الحالات، وليس أقلها السرطان وأمراض القلب ومرض ألزهايمر.

ولكن ليس الجميع مقتنعين بهذه الفكرة. على سبيل المثال، يعتقد الدكتور جون بيري من جامعة كمبريدج أن فقدان كروموسوم «واي» ومعظم الأمراض المرتبطة به هي مظاهر موازية للمشكلة الحقيقية: زيادة عدم الاستقرار الجيني المرتبط بالعمر. ويقول بيري إن «أقوى عاملين يحددان ما إذا كنت سوف تصاب بفقدان كروموسوم (واي) من عدمه - ومدى ذلك - هما العمر والتدخين». كلاهما عامل كبير وخطير يسببان التلف الجيني والإصابة بالأمراض، لذلك يشتبه في أن العمليات التي تسبب تلف الحمض النووي تؤدي أيضاً إلى فقدان كروموسوم «واي». ويضيف قائلاً: «ليس من المستغرب أن ترى العلاقة بين فقدان كروموسوم (واي) وكل شيء سيئ تقريباً».

في عام 2019، بحثت دراسة أجراها الدكتور بيري وزملاؤه في العوامل الوراثية ذات الصلة بخطر فقدان كروموسوم «واي» في ما يقرب من مليون رجل، وكشفت عن 156 متغيراً جينياً مرتبطاً بزيادة معدل الإصابة. تشارك هذه الجينات إلى حد كبير في إصلاح تلف الحمض النووي وتنظيم تقسيم الخلايا، ما يشير إلى أن فقدان كروموسوم «واي» هو نتيجة لاضطراب في هذه العمليات، وليس حلقة سببية في السلسلة.

ولاختبار ذلك، حقق فريق بيري فيما إذا كانت النساء اللواتي لديهن المتغيرات الجينية نفسها التي تُعرّض الرجال لفقدان كروموسوم «واي» يُصبَن أيضاً بالمزيد من الأمراض ذات الصلة بالعمر. إنهن يُصبَن بالفعل. يقول الدكتور بيري: «لقد كان ذلك دليلاً قاطعاً على مبدأ أن كل ما تملكه هو كمية من الجينات التي تهيئ المجال لزعزعة استقرار الجينوم - ولكن أحد مظاهر ذلك لدى الرجال هو فقدان كروموسوم (واي)».

يوافق الدكتور فورسبرغ على أن هذه الآلية موجودة، لكنه يقول إنها لا تنفي احتمال أن يكون لفقدان كروموسوم «Y» أيضاً عواقب صحية مباشرة. كما دعمت دراسات حديثة دوره السببي في اعتلال الصحة، ما ساعد على دحض الفكرة التي طالما اعتبرها البعض سائدة من زمن طويل، بأن كروموسوم «واي» - بعيداً عن دوره في تحديد الجنس والإنجاب - هو خامل وراثياً إلى حد كبير.

تدهور الإدراك وأمراض القلب

وقد ثبت أن فقدان كروموسوم «واي» يلعب دوراً في مرض السرطان.

ولقد بدأت دراسات الآليات التي استندت إليها هذه العملية حين حوّل الدكتور والش اهتمامه إلى كروموسوم «واي» بعد أن درس لمدة طويلة كيف قد تؤدي الطفرات في خلايا الدم إلى أمراض القلب والأوعية الدموية. وللوقوف على ما إذا كان فقدان كروموسوم «واي» يسبب مشاكل صحية مباشرة من عدمه، لجأ فريق والش إلى الفئران. أولاً، عدّلوا الخلايا الجذعية المكونة للدم وراثياً لدى الفئران لكي تفتقر إلى وجود كروموسومات «واي». ثم أخذوا بعض الفئران السليمة الأخرى، واستأصلوا الخلايا المكونة للدم لديها واستبدلوا بها خلايا خالية من كروموسوم «واي».

ومن ثم، أصبحت خلايا الدم لدى هذه الحيوانات خالية من كروموسوم «واي»، بغض النظر عن جميع العوامل التي قد تؤدي عادة إلى فقدانه.

ويقول الدكتور والش إنه مع تقدم هذه الفئران في العمر، فإنها تُصاب بخلل وظيفي في القلب وتدهور إدراكي و«تموت بالأساس في وقت مبكر». وقد أظهر ذلك أن فقدان كروموسوم «واي» من الخلايا المناعية يمكن أن يسبب مشكلات صحية مباشرة. وكان هذا الاكتشاف هو الذي ألهم الدكتور والش وزملاءه للتحقيق في البيانات من البنك البيولوجي في المملكة المتحدة، في الدراسة واسعة النطاق وطويلة الأجل لعلم الوراثة والصحة. وهنا، وجدوا صلة بين النسبة المئوية لخلايا الدم التي فقدت كروموسوم «واي» واحتمال الوفاة من أمراض الجهاز الدوري على مدى السنوات الـ11 المقبلة. فعلى سبيل المثال، تعرض الرجال الذين لديهم 40 في المائة أو أكثر من خلايا الدم البيضاء التي لا تحتوي على كروموسوم «واي» لخطر متزايد للإصابة بالأمراض بنسبة 31 في المائة.

ثم استخدم الباحثون الفئران المعدلة وراثياً للتحقيق بدقة في كيف يمكن أن يسبب فقدان كروموسوم «واي» مشاكل قلبية. ولقد وجد الباحثون أن قلوب هذه الفئران - بل ورئتيها وكليتيها - تتراكم لديها كمية زائدة من الأنسجة الندبية، أو التليف، الذي من المرجح أن يكون مدفوعاً بنشاط خلايا مناعية خالية من كروموسوم «واي». وعندما أعطى الفريق الفئران دواءً مضاداً للتليف، حال ذلك دون الإصابة بأمراض القلب.

إذا ما تأكد هذا التأثير على التليف لدى البشر أيضاً، يعتقد الدكتور والش أن الأطباء قد يكونون قادرين يوماً ما على استخدام جرعات وقائية من الأدوية المضادة للتليف للوقاية من أمراض القلب لدى أولئك الذين يعانون من فقدان كروموسوم «واي».

الإصابة بالسرطان

في الآونة الأخيرة، ثبت أيضاً أن فقدان كروموسوم «واي» يلعب دوراً في الإصابة بمرض السرطان. ففي مركز «سيدارز سيناي» الطبي في لوس أنجليس، كان الدكتور دان ثيو دوريسكو يدرس سرطان المثانة - وهي حالة تصيب الرجال حوالي أربع مرات أكثر من النساء - وتساءل عما إذا كان كروموسوم «واي» يساهم في الاختلافات الجنسية في هذا المرض. وللتحري عن ذلك، قام هو وزملاؤه بتخليق خلايا مثانة سرطانية تحتوي على كروموسوم «واي» أو تفتقر إليه، وحقنها في الفئران. وكانت النتائج مذهلة: نمت الأورام التي لا تحتوي على كروموسوم «واي» أسرع مرتين من نمو الأورام التي تحتوي عليه.

عندما استشار فريق ثيودوريسكو محتويات قواعد البيانات البشرية، وجد أن 10 إلى 40 في المائة من أورام المثانة لدى الرجال تفتقر إلى الكروموسوم «واي»، وعندما يحدث ذلك، تحدث الوفاة بشكل أسرع بكثير من الرجال الذين تحتفظ أورامهم السرطانية بهذا الكروموسوم. ومع ذلك، عندما زرع الباحثون خلايا الورم الخالية من كروموسوم «واي» في الأوعية المختبرية وجدوا أنها تتكاثر بنفس معدل تكاثر خلايا الورم التي تحتوي على كروموسوم «واي». مما يشير إلى أن زيادة معدل النمو الملحوظ في الجسم لم تكن بسبب الخلايا الخالية من كروموسوم «Y» التي تتكاثر بشكل أسرع، ولكن ربما كان لها علاقة بقدرتها على التهرب من الجهاز المناعي.

وقد دعمت التجارب اللاحقة هذا الرأي، حيث وجد الدكتور ثيو دوريسكو وزملاؤه أنه في سرطان المثانة، يؤدي فقدان كروموسوم «واي» إلى جعل الخلايا السرطانية تنتج بروتينات تستنزف الخلايا التائية، وهي نوع من الخلايا المناعية التي تتعرف عادة على السرطانات وتهاجمها. ومع إمكانات أقل بكثير لعمليات القمع التي تنفذها هذه الخلايا التائية، يصبح السرطان قادراً على النمو بصورة أكثر شراسة.

ولهذا الاكتشاف آثار بالغة الأهمية على العلاج. اذ تعمل مثبطات الحواجز المناعية - وهي الأدوية التي أحدثت ثورة في علاج السرطان على مدى العقد الماضي - من خلال منع آلية الاستنزاف هذه، ما يُمكّن الخلايا التائية من مهاجمة العديد من أنواع السرطان المختلفة بصورة أفضل. وقد رأى فريق الدكتور ثيو دوريسكو أنه في الفئران، عملت الأدوية بصورة أكثر فاعلية ضد أورام المثانة الخالية من كروموسوم «واي» مقارنة مع تلك التي تحتوي عليه. ومرة أخرى، توافقت البيانات الإكلينيكية: يستجيب الأشخاص المصابون بسرطان المثانة بفقدان كروموسوم «واي» بشكل أفضل بكثير لمثبطات الحواجز المناعية مقارنة بتلك التي يحتوي ورم المثانة لديهم على كروموسوم «واي».

البحث عن أسباب الأمراض

يجري الآن التحقيق فيما إذا كان فقدان كروموسوم «واي» يمثل عاملاً مهماً في أنواع أخرى من الأورام السرطانية غير سرطان المثانة. وقد وجدت دراسة أجريت عام 2023 بقيادة الدكتورة إستر راينباي من جامعة هارفارد أنه «من الشائع للغاية» أن خلايا الأورام في العديد من الأنواع المختلفة من السرطان تفتقر إلى كروموسوم «واي»، ما يشير إلى تأثير واسع النطاق.

كما تشير الدراسات التي أجراها كل من والش وثيو دوريسكو أيضاً إلى السبب المحتمل لهذه الآثار: وجود جين في الكروموسوم «واي» يُسمى «يو تي واي - UTY». ويُنتج هذا الجين إنزيماً يشارك في تنظيم جينات أخرى - وعلى الأخص تلك التي تعبر عنها الخلايا المناعية - لذا فإن فقدانه ربما يؤدي إلى تغييرات واسعة النطاق في التعبير الجيني، وهو ما يشتبه الباحثون في أنه يخلق مشكلات صحية.

وعلى الرغم من تحذيرات الدكتور بيري، فإن الرسالة العامة هي، كما يصفها الدكتور ثيو دوريسكو: «فقدان الكروموسوم (واي) أمر سيئ». إن حجم الفرق في أعمار الذكور والإناث الذي قد يكون السبب في حدوثه لم يُحدد بعد، ولكن تقديرات الدكتور دومانسكي تشير إلى أنه قد يكون أكثر من النصف.

هناك سؤال رئيسي آخر - لم تتم الإجابة عليه بعد - وهو ما إذا كانت تغييرات نمط الحياة التي تعزز شيخوخة صحية، مثل نظام غذائي أفضل، وتحسين النوم، وتجنب الكثير من الضغط النفسي، وعدم تناول الكحول، قد تبطئ من فقدان كروموسوم «واي».

يقول الدكتور دومانسكي إن خلاصة كل ذلك هي أن وجهات نظرنا حول أهمية كروموسوم «واي» - الذي طالما تم تجاهله لفترة طويلة - «تتغير بصورة جذرية. ونحن فقط لا نزال في أول الطريق».

هل يختفي الكروموسوم «واي» تماماً؟

منذ أن تطورت الكروموسومات «X» و«Y» لدى الثدييات لأول مرة قبل حوالي 200 مليون سنة، ظل كروموسوم «إكس» على حاله تقريباً، في حين فقد كروموسوم «واي» نحو 97 في المائة من جيناته الأصلية. في واقع الأمر، يُعد كروموسوم «واي» الكروموسوم البشري الأسرع من حيث التغير. وقد أدى هذا إلى مخاوف من أن يختفي تماماً على نحو لا رجعة فيه، وأنه على وشك الاختفاء بصورة نهائية.

للوهلة الأولى، يبدو أن لذلك تأثيرات خطيرة على وجود الذكور بحد ذاته. ولكنْ هناك عدد قليل من أنواع الثدييات التي حدث لها هذا بالفعل، ولا تزال هذه الكائنات تأتي في صور ذكورية وأنثوية. وعلى سبيل المثال، فإن جرذ «آمامي الشوكي» (Amami spiny rat) لا يمتلك كروموسوم «واي»، ولكن الجين الموجود في مكان آخر في الجينوم الخاص به قد تطور ليصبح طريقة جديدة تماماً لتحديد الجنس.

ويبدو احتمال خضوع البشر لتغيرات مماثلة منخفضاً، وفقاً للدكتور كينيث والش من جامعة فرجينيا، الذي يقول إنه بعد بعض الانكماش الكبير في البداية، استقر حجم الكروموسوم «واي» في معظم الأنواع على مدى الـ25 مليون سنة الماضية. وفي ظل احتواء هذا الكروموسوم على جينات قد تخدم وظائف مهمة في الخلايا المناعية وربما في أماكن أخرى، فإن مستقبله في تلك الأنواع - بما في ذلك لدى البشر - يبدو مؤكداً.

* مجلة «نيوساينتست»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

لتعزيز صحتك... 6 أعشاب طازجة يُنصح بشرائها أسبوعياً

صحتك إكليل الجبل يُعرف بخصائصه القوية المضادة للالتهابات (بيكسلز)

لتعزيز صحتك... 6 أعشاب طازجة يُنصح بشرائها أسبوعياً

مع إدخال هذه الأعشاب بشكل منتظم إلى النظام الغذائي، يمكن الاستفادة من خصائصها المضادة للالتهابات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك المشروبات التي تحتوي على الكافيين قد تساعد في تقليل تكرار أعراض الربو (بيكسلز)

6 مشروبات تساعد في تخفيف أعراض الربو وتحسين التنفس

بعض المشروبات الشائعة لا تكتفي بترطيب الجسم، بل قد تُسهم في تقليل الالتهاب، وتخفيف تراكم المخاط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك كل من فقدان الثقة بالنفس وصعوبة مواجهة المشكلات ارتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف (بيكسلز)

6 أعراض في منتصف العمر قد تشير إلى خطر الخرف لاحقاً

لطالما أشار الباحثون إلى وجود علاقة وثيقة بين الاكتئاب وخطر الإصابة بالخرف، إلا أن فهم طبيعة هذه العلاقة ظلّ محدوداً لفترة طويلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك من المهم بعد سن الخمسين الانتباه إلى نوعية الغذاء وكميته (بيكسلز)

ما الذي يحتاج إليه جسمك بعد الخمسين؟ 4 عناصر أساسية

يصبح من المهم بعد سن الخمسين الانتباه إلى نوعية الغذاء وكميته والتركيز على عناصر غذائية محددة يحتاج إليها الجسم بكميات كافية للحفاظ على الصحة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الأكل بسرعة يؤدي إلى ابتلاع كميات أكبر من الهواء وهو ما قد يسبب الانتفاخ (بيكسلز)

ما الذي يسبب انتفاخ البطن؟ حقائق قد لا تعرفها

يعتقد كثير من الأشخاص أن الغازات هي السبب الرئيسي لانتفاخهم لكن الدراسات تشير إلى أن الكثير منهم يعاني في الحقيقة من حساسية مفرطة تجاه كميات طبيعية من الغازات

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين
TT

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

الحصول على قسط كافٍ من النوم أمر بالغ الأهمية. فقد وجدت دراسة أجريت عام 2018 أن الأشخاص الذين ينامون من خمس إلى ست ساعات أقل إنتاجية بنسبة 19 في المائة من أولئك الذين ينامون بانتظام من سبع إلى ثماني ساعات في الليلة. أما الأشخاص الذين ينامون أقل من خمس ساعات، فتكون إنتاجيتهم أقل بنسبة 30 في المائة تقريباً... صحيح أنهم يبقون مستيقظين لفترة أطول، لكنهم في الواقع ينجزون أقل.

النوم مفيد لحل المشكلات الأصعب

يعود ذلك إلى أن أبحاثاً أخرى تُظهر أن الاكتفاء بست ساعات من النوم يجعل أي مهمة تتطلب تركيزاً أو تفكيراً عميقاً أو حلاً للمشكلات أكثر صعوبة.

*النوم 4 ساعات فقط يشبه شرب 5 أقداح مشروبات كحولية*

وفي الواقع، وفيما يتعلق بجوانب مثل الانتباه وسرعة رد الفعل، فإن النوم ست ساعات فقط يُشبه شرب بضعة أقداح من مشروبات كحولية، بينما يشبه النوم أربع ساعات فقط شرب خمسة أقداح مشروبات كحولية. كما تُظهر أبحاث أخرى أن الحرمان من النوم يجعل إنجاز أي نشاط يتطلب إجراء خطوات متعددة – إذ إن أي شيء تحاول القيام به تقريباً – يضحى أكثر صعوبة.

وإن لم يكن ذلك كافياً، فقد أظهرت دراسة أخرى أن قلة النوم تُسبب زيادة في نشاط مراكز المكافأة في الدماغ المسؤولة عن الطعام. كما أن اتباع نظام غذائي سيئ يُؤدي إلى قلة النوم، ما يُؤدي بدوره، للأسف، إلى اتباع نظام غذائي أسوأ.

«طريقة النوم العسكرية»

كيف تنام أسرع وبطريقة سهلة؟ في كتاب «استرخِ واربح: أداء البطولة» (Relax and Win: Championship Performance) الصادر عام 2012، يصف لويد باد وينتر روتيناً ابتكرته مدرسة الطيران التمهيدية التابعة للبحرية، لمساعدة الطيارين على النوم بشكل أسرع وأسهل.

وظهر أنه بعد ستة أسابيع من اتباع الطريقة، تمكّن 96 في المائة من الطيارين من النوم في غضون دقيقتين أو أقل: أثناء جلوسهم على كرسي، والاستماع إلى تسجيل لإطلاق نار رشاش، وبعد شرب القهوة.

خطوات الطريقة

إليك الطريقة:

* أرخِ عضلات وجهك بالكامل. أغمض عينيك. تنفّس ببطء وعمق. ثم أرخِ جميع عضلات وجهك ببطء. (ابدأ مثلاً بعضلات جبهتك وانزل تدريجياً). أرخِ فكّك، وخديك، وفمك، ولسانك، وكل شيء... حتى عينيك؛ دعهما يسترخيان.

* أرخِ كتفيك ويديك. تخلّص من أي توتر. أرخِ رقبتك، وعضلات ظهرك؛ اشعر وكأنك تغوص في الكرسي أو السرير. ثم ابدأ من أعلى ذراعك الأيمن، وأرخِ عضلات ذراعيك، وساعديك، ويديك ببطء. كرّر ذلك على الجانب الآخر. ولا تنسَ أن تستمر في التنفس ببطء وعمق.

* ازفر وأرخِ صدرك. مع استرخاء كتفيك وذراعيك، سيكون ذلك سهلاً.

* أرخِ ساقيك. ابدأ بفخذك اليمنى؛ دعها تغوص في الكرسي أو السرير. ثم افعل الشيء نفسه مع ساقك، وكاحلك، وقدمك. كرّر العملية مع ساقك اليسرى.

* الآن صفِّ ذهنك. صحيح أن من الصعب عدم التفكير في أي شيء. إذا كنت كذلك، فحاول أن تُبقي صورة في ذهنك. اختر شيئاً مُريحاً. تخيّل نفسك مُستلقياً بشكل مريح في الظلام. لكن إن لم ينجح ذلك، فجرّب تكرار عبارة «لا تُفكّر» لمدة عشر ثوانٍ. على الأقل، سيساعدك هذا على تشتيت انتباهك عن التفكير في أي شيء قد يُبقيك مستيقظاً.

الممارسة هي المفتاح

قد لا تُساعدك طريقة النوم العسكرية على النوم أسرع في المرات الأولى، ولكن كلما استخدمتها بانتظام، درّبت نفسك على الاسترخاء والتخلص من الأفكار.

* مجلة «فاست كومباني»


هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟

هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟
TT

هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟

هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟

تبدأ كل شعرة بشكل شبه شفاف، ثم يُحدد لونها بواسطة الميلانين، وهو صبغة دقيقة. فإذا كانت شعرة كثيفة التركيب، يكون الشعر داكناً، أما إذا كانت تحتوي على بقع سوداء وبنية قليلة، فيبدو أشقر، كما كتب سيمار باجاج (*).

توقف خلايا إنتاج الصبغة

مع مرور الوقت، تميل الخلايا المنتجة للصبغة في كل بصيلة شعر إلى التباطؤ أو التوقف عن العمل؛ ما يؤدي إلى ظهور الشيب، كما يقول ديزموند توبين مدير معهد تشارلز للأمراض الجلدية في جامعة دبلن في آيرلندا. وتميل هذه الشعيرات إلى أن تكون أكثر صلابة وأصعب في التحكم، وتنمو أسرع بنسبة 10في المائة من الشعر الحاملة للصبغة. ويتقبلها البعض كجزء من الشيخوخة، بينما يراها آخرون مصدر إزعاج يجب صبغه أو نتفه أو إخفاؤه.

عوامل محفزة

لكن العلماء ليسوا متأكدين من العوامل المحفزة لظهور الشيب أو مدى قدرتنا على التحكم فيه. قد يبدأ الشيب بالظهور في العشرينات من العمر، أو قد يحتفظ الشخص بلونه الطبيعي حتى الثمانينات. ورغم أن هذه العملية تبدو غير قابلة للعكس إلى حد كبير، فإن الباحثين يكتشفون أن اللون قد يعود أحياناً، على شكل بقع أو جذور داكنة.

وحتى الآن، لا يوجد حل جذري لمنع الشيب أو عكسه، لكن الخبراء يحاولون فهم هذه المشكلة وإيجاد حلول لها.

ماذا يعرف العلماء حتى الآن؟

لا يتحول شعرنا إلى اللون الرمادي دفعة واحدة؛ ولهذا فإنك قد تلاحظ ظهور خصلات فضية متفرقة، ثم تمر بمرحلة شيب جزئي. بل قد يصبح لون بعض الشعر أفتح أو أغمق مرة أخرى.

إن كل بصيلة شعر هي وحدة مستقلة، تحتوي على خلاياها المنتجة للصبغة، التي تُسمى الخلايا الصبغية، بالإضافة إلى مخزون من الخلايا الجذعية البديلة. ومع تقدمنا ​​في العمر، تتراكم الأضرار في هذه الخلايا بشكل طبيعي، نتيجة لأسباب مثل الإجهاد والتلف الخلوي.

تضرر الخلايا الصبغية واستنفاد الجذعية

عادةً ما يبدأ شيب الشعر عندما تتضرر الخلايا الصبغية في بصيلة معينة، ولكنه يصبح دائماً عند استنفاد مخزون الخلايا الجذعية، كما أوضحت إيمي نيشيمورا، أستاذة الشيخوخة والتجدد في جامعة طوكيو. وتشير الأبحاث إلى أنه إذا حدثت العملية الأولى دون الثانية، يمكن عكس الشيب.

في دراسة صغيرة أُجريت عام 2021، جمع العلماء عينات شعر من أشخاص بدأ الشيب يظهر لديهم، ووجدوا خطوطاً داكنة وبيضاء مميزة. ولأن الشعر ينمو بمقدار سنتيمتر تقريباً كل شهر؛ فقد وفرت هذه الخطوط تسلسلاً زمنياً، لذا طلب الباحثون من المشاركين تدوين تجاربهم المجهدة خلال العام الماضي. وتوافقت فترات التوتر الشديد مع الخطوط الفاتحة، بينما توافقت فترات التوتر المنخفض مع الخطوط التي عاد فيها اللون. بعبارة أخرى، يبدو أن خفض مستويات التوتر يُعكس أو يُبطئ شيب الشعر.

تنشيط الخلايا الجذعية بعد علاج السرطان

كما لوحظ لدى بعض الأشخاص الذين يعانون من الشيب عودة لون الشعر تلقائياً في بعض المناطق بعد خضوعهم لأنواع معينة من العلاج الكيميائي أو الإشعاعي أو المناعي. يشتبه الخبراء في أنه في هذه الحالات النادرة، قد تحفز علاجات السرطان الخلايا الجذعية الخاملة على إعادة بناء الخلايا الصبغية الوظيفية.

عكس عملية فقدان الصبغة

يشير هذا البحث إلى أن شيب الشعر ليس عملية خطية تماماً، وأن هناك «فرصة سانحة» يمكن خلالها عكس فقدان الصبغة، كما يقول الدكتور رالف باوس، طبيب الأمراض الجلدية في جامعة ميامي. ولا يزال من غير الواضح مدة بقاء هذه الفرصة، وما هي الطرق الآمنة لإعادة تنشيط الخلايا الجذعية.

ماذا يمكنك فعله حيال شيب الشعر؟

تقول الدكتورة جيسيكا شيو، طبيبة الأمراض الجلدية في جامعة كاليفورنيا إرفاين هيلث، إن جزءاً كبيراً من شيب الشعر وراثي. لذا؛ فإن آباءك وأجدادك يقدمون أفضل المعلومات.

* الشيب لدى البيض والآسيويين والسود. وقد وجد الباحثون أيضاً أن الشيب يبدأ عادةً في منتصف الثلاثينات لدى البيض، وفي أواخر الثلاثينات لدى الآسيويين، وفي منتصف الأربعينات لدى السود.

* تغييرات مفيدة. لكن خيارات نمط الحياة قد تُحدث فرقاً أيضاً. وتشير أقوى الأدلة إلى الإقلاع عن التدخين وتقليل مستويات التوتر. وقالت شيو إن الحصول على قسط كافٍ من النوم واتباع نظام غذائي صحي غني بمضادات الأكسدة قد يحدّان من تلف خلايا الصبغة، على الرغم من أن الأدلة غير مباشرة.

كما رُبط الشيب المبكر بانخفاض مستويات الحديد وفيتامين بي12، لكن في الولايات المتحدة، نادراً ما تحدث حالات نقص حادة تؤثر على صبغة الشعر، حسب توبين.

* وعود المكملات الغذائية. ولا يوجد دليل على أن المكملات الغذائية تساعد في علاج الشيب. ونصحت شيو بالحذر عند استخدام مكملات مكافحة الشيب عموماً؛ لأنها تُباع غالباً بناءً على وعود لا أدلة. فحتى لو احتوت هذه المكملات على مكونات مفيدة، لا يوجد دليل على أن تناول الحبوب أو استخدام الكريمات يصل إلى خلايا الصبغة في أعماق بصيلات الشعر.

لا توجد علاجات طبية للشيب

* الأدوية والشيب. على الرغم من عدم وجود علاجات طبية للشيب، يُنصح باستشارة الطبيب بشأن الشيب المفاجئ أو المبكر، إذ ترتبط نسبة ضئيلة من الحالات بأدوية موصوفة أو أمراض معينة، وقد تكون قابلة للعلاج. على سبيل المثال، ارتبطت بعض أدوية الصرع، ومضادات الملاريا، والريتينويدات الفموية، وأدوية تشنج العضلات بشيب الشعر. كما أن الكثير من أدوية السرطان تُسبب فقدان الصبغة، على الرغم من ندرة حالات استعادة التصبغ.

* الاضطرابات الصحية والشيب. يستطيع الأطباء أيضاً التمييز بين الشيب المرتبط بالتقدم في السن والحالات المرضية التي تُسببه. فقد ارتبطت اضطرابات الغدة الدرقية وغيرها من الاضطرابات الهرمونية بالشيب المبكر، وكذلك أمراض المناعة الذاتية التي تستهدف بصيلات الشعر، مثل البهاق والثعلبة البقعية. يُمكن للعلاج الحد من فقدان الصبغة، وفي بعض الأحيان يُساعد على عودة اللون.

* خدمة «نيويورك تايمز»


أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر
TT

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

تمكن علماء أميركيون من إعداد أكثر خريطة تفصيلاً حتى الآن توضح كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر. ويقدم هذا «الأطلس الجيني - اللاوراثي» الجديد الذي طوره باحثون في معهد سالك بكاليفورنيا، فهماً أعمق للعمليات البيولوجية المرتبطة بالشيخوخة، وقد يساعد العلماء في فهم أمراض مثل مرض ألزهايمر وباركنسون والتصلب الجانبي الضموري.

ويعاني أكثر من 57 مليون شخص حول العالم من أمراض تنكسية عصبية. ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم كل 20 عاماً مع تقدم السكان في العمر.

وعلى الرغم من أن الشيخوخة تُعدّ العامل الأكبر خطورة للإصابة بهذه الأمراض، فإن العلماء ما زالوا يسعون لفهم الآليات الدقيقة التي تؤدي إلى تغير الدماغ مع مرور الزمن.

وتمثل الدراسة الجديدة التي نُشرت في مجلة «Cell» في 10 مارس (آذار) 2026، خطوة مهمة نحو الإجابة عن هذا السؤال؛ إذ ترسم خريطة للتغيرات الكيميائية الصغيرة التي تطرأ على الحمض النووي «دي إن إيه» (DNA)، وكيف تؤثر في نشاط الجينات داخل الدماغ مع التقدم في العمر.

خريطة مفصلة للدماغ المتقدم في العمر

أنشأ فريق البحث أطلساً واسع النطاق يوضح كيف يؤثر التقدم في العمر في خلايا الدماغ المختلفة ومناطقه المتعددة. وباستخدام تقنيات جينية متقدمة، درس العلماء أكثر من 200 ألف خلية دماغية منفردة، كما حللوا ما يقارب 900 ألف خلية أخرى باستخدام تقنية تُعرف باسم «التحليل الجيني المكاني» أو «علم النسخ المكاني» (spatial transcriptomics) التي تتيح تحديد موقع الخلايا داخل أنسجة الدماغ بدقة.

تغيرات في 36 نوعاً من خلايا الدماغ

ويضم الأطلس 8 مناطق رئيسية في الدماغ، ويغطي التغيرات التي تحدث في 36 نوعاً مختلفاً من الخلايا الدماغية.

وقال عالم الوراثة جوزيف إيكر من مختبر التحليل الجينومي بمعهد سالك للدراسات البيولوجية في كاليفونيا وأحد المشرفين الرئيسيين على الدراسة، إن هذه الخرائط تتيح لنا رؤية كيف يعيد التقدم في العمر تشكيل الدماغ على المستوى الجزيئي، كما توفر إطاراً علمياً يمكن أن يساعد الباحثين في فهم الآليات التي تقف وراء الأمراض التنكسية العصبية.

دور التغيرات اللاجينية

كما ركزت الدراسة بشكل خاص على عملية بيولوجية تُعرف باسم التغيرات اللاجينية (Epigenetics). وعلى عكس الطفرات التي تغير تسلسل الحمض النووي نفسه، فإن هذه التغيرات تتمثل في علامات كيميائية صغيرة ترتبط بالحمض النووي، وتتحكم في تشغيل الجينات أو إيقافها.

وتتراكم هذه العلامات مع مرور الزمن، ويعتقد العلماء أنها تلعب دوراً مهماً في عملية الشيخوخة. ومن أبرز هذه التغيرات ما يُعرف بـ«مثيلة الحمض النووي» (DNA methylation)، وهي إضافة علامات كيميائية إلى الحمض النووي تساعد في التحكم في تشغيل الجينات أو إيقافها، والتي قد تؤثر في وظيفة الخلايا وتسهم في ظهور الأمراض المرتبطة بالعمر.

ومن خلال تحليل أنماط «مثيلة الحمض النووي» في خلايا الدماغ الفردية، اكتشف الباحثون أن الشيخوخة تؤثر في أنواع الخلايا بطرق مختلفة. وقد كانت التغيرات أكثر وضوحاً في الخلايا غير العصبية، وهي الخلايا التي تدعم الخلايا العصبية، لكنها لا تنقل الإشارات العصبية بنفسها.

تنشيط «الجينات القافزة»

وكشف الباحثون أيضاً عن ظاهرة تتعلق بما يسمى «الجينات القافزة» المعروفة علمياً باسم «Transposable elements»، وهي مقاطع من الحمض النووي «دي إن إيه» قادرة على الانتقال من موقع إلى آخر داخل الجينوم، وغالباً ما تبقى خاملة بفضل آليات تنظيم كيميائية مثل «مثيلة الحمض النووي».

وفي الظروف الطبيعية تبقى هذه العناصر غير نشطة بفضل آليات تنظيمية داخل الخلية. لكن الدراسة أظهرت أن هذه الضوابط تضعف مع التقدم في العمر، ما يسمح للجينات القافزة بأن تصبح أكثر نشاطاً. ويعتقد العلماء أن زيادة نشاطها قد تسهم في اضطراب عمل الخلايا، وتراجع وظائف الدماغ مع الشيخوخة.

كما تمكن الباحثون من تحديد مؤشرات حيوية جديدة مرتبطة بشيخوخة الدماغ تتعلق بالطريقة التي يُنظم بها الحمض النووي في بنية ثلاثية الأبعاد داخل الخلية.

مناطق الدماغ لا تشيخ بالطريقة نفسها

ومن النتائج اللافتة أيضاً أن الشيخوخة لا تؤثر في جميع مناطق الدماغ بالتساوي. فحتى النوع نفسه من الخلايا يمكن أن يشيخ بطريقة مختلفة تبعاً لموقعه داخل الدماغ.

وعلى سبيل المثال، أظهرت الخلايا غير العصبية الموجودة في المناطق الخلفية من الدماغ، مستويات أعلى من الالتهاب مقارنة بالخلايا المشابهة في المناطق الأمامية. ويعكس ذلك التعقيد الكبير في عملية شيخوخة الدماغ، وقد يساعد في تفسير سبب تأثر بعض المناطق الدماغية بالأمراض أكثر من غيرها.

مورد علمي مفتوح للعالم

ولتعزيز التعاون العلمي جعل الباحثون كامل قاعدة البيانات متاحة للعلماء حول العالم عبر منصات مثل «خدمات أمازون السحابية» (Amazon Web Services)، و«مجموعة التعبير الجيني» (Gene Expression Omnibus).

وقد بدأ الفريق بالفعل في استخدام هذه البيانات لتطوير نماذج تعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنها التنبؤ بكيفية تغير نشاط الجينات مع تقدم الدماغ في العمر. وفي المستقبل قد تساعد هذه النماذج العلماء في محاكاة عملية شيخوخة الدماغ واكتشاف أهداف علاجية جديدة.

ويأمل الباحثون في أن يسهم هذا الأطلس في تسريع الأبحاث المتعلقة بالشيخوخة وأمراض الدماغ، وأن يفتح الطريق أمام تطوير استراتيجيات جديدة لإبطاء تدهور الدماغ المرتبط بالعمر وتحسين جودة حياة ملايين الأشخاص حول العالم.