400 مليون شخص مصابون بـ«كوفيد طويل الأمد» في العالم

الأبحاث ترسم صورة أوضح للتأثيرات الدائمة له على الجسم

400 مليون شخص مصابون بـ«كوفيد طويل الأمد» في العالم
TT

400 مليون شخص مصابون بـ«كوفيد طويل الأمد» في العالم

400 مليون شخص مصابون بـ«كوفيد طويل الأمد» في العالم

بعد 5 سنوات -ومئات الملايين من الحالات- من إعلان منظمة الصحة العالمية عن جائحة «كوفيد-19»، يحصل العلماء على صورة أوضح لكيفية تأثير الفيروس على الجسم فترة طويلة، بعد انحسار العدوى وانتهائها كما يبدو.

عدوى خطيرة

أصبحت بعض تأثيرات «كوفيد-19» واضحة بعد وقت قصير من بدء انتشار الفيروس. لقد فهمنا بسرعة مدى خطورة العدوى، وخصوصاً بالنسبة لأولئك الذين يعانون حالات كامنة، مثل مرض السكري وأمراض القلب. لكن الأمر استغرق سنوات من البحث لبدء فهم كيف يمكن أن تؤدي نوبة «كوفيد-19» إلى تغييرات دائمة وغير مرئية في بعض الأحيان في أجزاء مختلفة من الجسم.

التعب المزمن وضباب الدماغ

تعد بعض هذه التأثيرات، مثل التعب المزمن وضباب الدماغ: «كوفيد-19 طويل الأمد». وتُعرف بأنها أعراض من عدوى تستمر لمدة 3 أشهر على الأقل. ووفقاً لبعض التقديرات، تم تشخيص 400 مليون شخص في جميع أنحاء العالم بنوع من «كوفيد-19 طويل الأمد». ولكن العدوى يمكن أن تؤدي أيضاً إلى مشكلات أخرى، بما في ذلك تلف الرئة والقلب وتغيرات الميكروبيوم في الأمعاء التي قد لا يتم التعرف عليها دائماً على أنها «كوفيد طويل الأمد»، ولكن لا يزال من الممكن أن يكون لها تأثير دائم على صحتنا.

لدينا الآن إحساس أفضل بما قد يكون وراء هذه التغييرات، بما في ذلك دور الالتهاب الواسع النطاق الذي يمكن أن يسببه «كوفيد».

بالنسبة لمعظم الناس، يهدأ الالتهاب بمجرد اختفاء الفيروس. ولكن بالنسبة للبعض، إذا «اشتد» أو استمر كـ«حرق بطيء» فترة طويلة، فقد يسبب دماراً في جميع أنحاء الجسم، كما قال الدكتور برادن كو، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي العصبي في مستشفى ماساتشوستس العام.

التهابات وتأثيرات متواصلة

إليك ما تعلَّمه العلماء حتى الآن عن الالتهاب والعوامل الأخرى التي تدفع هذه التأثيرات.

- الرئتان: يسبب «كوفيد» تهيجاً للرئتين، ويمكن أن يسبب مشكلات طويلة الأمد، مثل ضيق التنفس المستمر والسعال. وفي حالات نادرة، يمكن أن يؤدي «كوفيد» إلى إصابة المرضى بالالتهاب الرئوي، وترك ندبات وكتل صغيرة من الأنسجة، تسمى العقيدات، في جميع أنحاء الرئتين. ويمكن أن تجعل هذه الندوب التنفس أكثر صعوبة.

وأشارت دراسات صغيرة إلى أن أكثر من 10 في المائة من الأشخاص الذين دخلوا المستشفى بسبب عدوى «كوفيد-19» أصيبوا بندوب في الرئة ومشكلات أخرى بعد عامين.

ويكمن السبب في أن الفيروس يغزو الخلايا على طول مجرى الهواء، مما يسبب التهاباً يمكن أن يهاجم ويدمر أحياناً أنسجة الرئة السليمة. وقال الدكتور زياد العلي، باحث أول في الصحة العامة السريرية بجامعة واشنطن في سانت لويس، إن هذا يمكن أن يضعف قدرة الرئتين على توصيل الأكسجين إلى جميع أنحاء الجسم.

وعندما تحاول الرئتان التعافي والإصلاح، تتشكل الندوب. وهذا النسيج الندبي نفسه يسبب تصلُّب الرئتين ويقلل من سعتهما، ما يؤدي إلى أعراض دائمة، مثل السعال وضيق التنفس.

التهابات الجهاز الهضمي

- الأمعاء: يمكن أن يسبب «كوفيد» أعراضاً قصيرة المدى، مثل الغثيان والقيء والإسهال.

ولكن في بعض الأشخاص، يمكن أن يؤدي «كوفيد» إلى مشكلات مزمنة في الجهاز الهضمي، مثل الارتجاع والإمساك والإسهال وآلام البطن. يمكن أن تستمر هذه المشكلات لأشهر أو حتى سنوات.

في دراسة أجريت عام 2024، قدر الباحثون أن نوبات «كوفيد» تركت ما يصل إلى 10 في المائة من الأشخاص يعانون آلاماً دائمة في البطن، و13 في المائة يعانون مشكلات في الجهاز الهضمي بعد عام.

أما السبب، فلا يعرف العلماء السبب الدقيق وراء قدرة «كوفيد» على إعاقة وظيفة الأمعاء الطبيعية كثيراً؛ لكنهم يحصلون على فهم أفضل لما قد يكون على المحك. على سبيل المثال، أصبح من الواضح الآن أن الفيروس يمكن أن يعطل ميكروبيوم الأمعاء، ما يقلل من الميكروبات المفيدة ويزيد من أعداد الميكروبات الضارة. يمكن أن تساعد الميكروبات «الجيدة» في كبح الالتهاب، بينما يمكن للميكروبات «السيئة» أن تزيده.

قد يؤدي الالتهاب الناتج عن العدوى نفسها، وكذلك بسبب الميكروبات المعوية المتغيرة، إلى إلحاق الضرر ببطانة الأمعاء. وقد يسمح هذا للسموم ومكونات الطعام المتحللة بالتسلل من الأمعاء إلى أنسجة أخرى من الجسم. وقد تستجيب الخلايا المناعية بعد ذلك لحساسية تجاه بعض الأطعمة، مما يؤدي إلى عدم تحمل الطعام.

وقال كو إن الالتهاب قد «يمضغ» أيضاً الأعصاب التي تشير إلى الألم في الأمعاء، أو التي تتحكم في تقلصات الأمعاء التي تحافظ على تحرك الطعام. وقد يتسبب هذا في حدوث آلام في المعدة أو الأمعاء، أو يجعل الطعام يتحرك بسرعة كبيرة أو ببطء شديد عبر الجهاز الهضمي، مما يؤدي إلى أعراض مثل الإسهال أو الإمساك.

مشكلات الدماغ

- الدماغ: في ذروة العدوى، غالباً ما يصاب المرضى بالصداع، وقد يشعرون بالدوار والارتباك. ويكافحون أحيانا للعثور على الكلمات المناسبة، ويواجهون صعوبة في التركيز أو متابعة محادثة، أو يجدون أن لديهم فجوات في ذاكرتهم.

وقد تستمر هذه الأعراض؛ إذ وجدت الدراسات أن ما يقرب من 20 في المائة إلى 30 في المائة من المصابين بـ«كوفيد» يعانون ضباب الدماغ بعد 3 أشهر على الأقل من الإصابة الأولية. كما تظهر الأبحاث أن «كوفيد» يمكن أن يؤدي إلى حالات مثل القلق أو الاكتئاب، أو تفاقم مشكلات الصحة العقلية الموجودة.

أما الأسباب، فلا يزال العلماء يعملون على تحديد جميع العوامل التي تساهم في استمرار المشكلات العصبية بعد «كوفيد». ولكن يبدو أن أحد الجناة واضح: الالتهاب المستمر الذي يتلف الخلايا العصبية ويمنع إنشاء اتصالات رئيسية بين المشابك (العصبية). كل هذا قد يسبب أعراضاً مثل تلك الموصوفة أعلاه.

يعتقد بعض الباحثين أيضاً أن مناطق الدماغ المعنية بالإدراك والعاطفة معرضة بشكل خاص للالتهابات، ما يساعد في تفسير سبب قدرة العدوى على إحداث أو تفاقم مشكلات الصحة العقلية. وتقول نظرية أخرى إن الفيروس يعطل حاجز الدم في الدماغ الذي يحمي أنسجة المخ، وهو أمر حيوي للوظيفة الإدراكية.

قد تبقى أجزاء من الفيروس أيضاً في الدماغ لفترة طويلة، مما قد يفسر سبب استمرار بعض الأعراض المعرفية بعد الإصابة الأولية.

القلب والأوعية الدموية

- القلب: تزيد عدوى «كوفيد-19» من خطر الإصابة بأمراض القلب، بما في ذلك النوبات القلبية، والسكتات الدماغية، وتلف عضلة القلب، وعدم انتظام ضربات القلب. وجدت إحدى الدراسات الكبيرة أن الإصابة بـ«كوفيد-19» تضاعف خطر الإصابة بحدث قلبي وعائي كبير لمدة تصل إلى 3 سنوات.

وتكمن الأسباب في أن عدوى «كوفيد» الحادة، يمكن أن تؤدي إلى حمى شديدة والتهابات تضغط ضغطاً زائداً على القلب. في شخص يعاني بالفعل من تراكم اللويحات في الشرايين أو عضلة القلب التي بدأت تصبح متيبسة، يمكن أن يؤدي هذا الضغط إلى عدم انتظام ضربات القلب أو النوبة القلبية.

لكن العلماء يعتقدون أن الأمر الأكثر شيوعاً هو أن الفيروس يثير التهاباً يؤذي عضلة القلب.

وقد يتسبب الفيروس أيضاً في تلف الخلايا المبطنة للأوعية الدموية، مما يؤدي إلى التهاب هناك. ويمكن أن يتسبب هذا في تكوين جلطة جديدة أو انفصال اللويحات الموجودة وانسداد الأوعية الدموية. يمكن أن يتسبب هذا النوع من الانسداد في الوفاة المفاجئة بسبب نوبة قلبية، أو يؤدي إلى تلف لاحق لعضلات القلب والأنسجة الأخرى، مما قد يؤدي إلى فشل القلب أو عدم انتظام ضربات القلب.

الأشخاص الذين تم إدخالهم إلى المستشفى بسبب «كوفيد» لديهم أعلى خطر قصير وطويل المدى للإصابة بمضاعفات القلب. وتشير بعض الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين لديهم فصيلة دم غير O - A أو B أو AB - لديهم خطر متزايد بشكل خاص؛ ربما لأن فصيلة الدم قد تكون مرتبطة بكيفية تجلط الدم.

- الجهاز الدوري للأوعية الدموية: تُظهر دراسات المرضى المصابين بـ«كوفيد طويل الأمد» أن أجسامهم تواجه صعوبة في نقل الدم من الساقين والبطن والعودة إلى القلب. يمكن أن يقلل ذلك من كمية الدم التي يضخها القلب، مما يسبب التعب وضيق التنفس والشعور بالإعياء بعد التمرين.

وأما عن السبب، فليس من الواضح سبب حدوث هذه المشكلات في الدورة الدموية؛ لكن العلماء يفترضون أنه في بعض المرضى، يضر الالتهاب بألياف عصبية معينة خارج الدماغ والحبل الشوكي التي تنظم قدرة الأوعية الدموية على الضغط. وقال الدكتور ديفيد سيستروم، طبيب أمراض الرئة والعناية الحرجة في مستشفى «بريغهام والنساء» في بوسطن، إن هذا قد يؤدي إلى ضعف تدفق الدم.

وأضاف أن لدى بعض المرضى المصابين بـ«كوفيد طويل الأمد»، يبدو أيضاً أن العضلات أقل قدرة على استخراج الأكسجين من الدم عن المعتاد، ما يعيق قدرتها على مواكبة التمارين الرياضية. بالإضافة إلى ذلك، قد لا تعمل الميتوكوندريا (محطات توليد الطاقة في الخلايا) بشكل صحيح أو بكامل طاقتها، مما يوجه ضربة أخرى للأنسجة العضلية.

* بمشاركة نينا أغراوال، خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

صحتك ممرض يحضِّر جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

سُحبت دراسة مثيرة للجدل كانت تحلل الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»، وكانت قد قوبلت بانتقادات واسعة النطاق؛ كونها عززت الشكوك بشأن اللقاحات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك سيدة مصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (رويترز)

«كوفيد طويل الأمد» قد يؤثر في إنتاج الدوبامين بالدماغ

أظهرت دراسة جديدة أن مرضى «كوفيد - 19» ذوي الأعراض طويلة الأمد يعانون نقصاً بنسبة 18 في المائة في النهايات العصبية الدوبامينية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق تشير نتائج الدراسة إلى أن تأثير العمل عن بُعد قد يختلف باختلاف الأشخاص وظروفهم (بيكسلز)

بعد سنوات من انتشاره... دراسة جديدة تكشف الوجه الآخر للعمل عن بُعد

دراسة أميركية حديثة كشفت أن العمل عن بُعد قد يحمل آثاراً غير متوقعة على الصحة النفسية مع مرور الوقت

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

العمل عن بُعد لا يحقق بالضرورة مكاسب بيئية

تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
TT

العمل عن بُعد لا يحقق بالضرورة مكاسب بيئية

تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)

مع التوسع في تبنِّي العمل عن بُعد خلال السنوات الأخيرة، بات هذا النموذج يُنظَر إليه كأحد الحلول الواعدة للحد من الانبعاثات الكربونية، كونه يقلل من التنقل اليومي بين المنزل ومقر العمل، وما يصاحبه من استهلاك للوقود وانبعاثات غازات الدفيئة. ولكن دراسة سويسرية تكشف أن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو عليه.

أجرى الدراسة باحثون من جامعة لوسرن للعلوم التطبيقية والفنون في سويسرا، بهدف تقييم الأثر الحقيقي للعمل عن بُعد على البصمة الكربونية، من خلال تحليل الانبعاثات المرتبطة بالتنقل، واستخدام المساحات المنزلية، وتقنيات المعلومات والاتصالات.

العمل عن بعد يقتصر على المهن التي تعتمد على الحاسوب (جامعة ريدنغ)

العمل عن بُعد

خلصت النتائج إلى أن العمل عن بُعد لا يؤدي تلقائياً إلى خفض الانبعاثات كما يُعتقد على نطاق واسع؛ إذ يمكن أن تتلاشى المكاسب البيئية الناتجة عن تقليل التنقل إذا صاحبها ارتفاع في استهلاك الطاقة والمساحات المخصصة للعمل داخل المنزل. ونُشرت النتائج في عدد 13 يوليو (تموز) الماضي من دورية «PLOS Climate».

وحسب الباحثين، يساهم تقليل التنقل اليومي فعلياً في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ولكن هذه الفائدة قد تُعوِّضها انبعاثات تشغيل مكتب منزلي واستخدام الأجهزة الإلكترونية؛ خصوصاً إذا خصص الموظف غرفة مستقلة للعمل.

وتتقاطع هذه النتيجة مع بحوث سابقة رصدت ما تُعرف بـ«تأثيرات الارتداد»، كانتقال الموظفين للسكن في مناطق أبعد، أو زيادة الرحلات الترفيهية، إضافة إلى «تأثيرات غير مباشرة» تتمثل في زيادة استخدام الأجهزة الإلكترونية، وتخصيص غرف مستقلة للعمل، ما يرفع استهلاك الطاقة والانبعاثات.

واعتمدت الدراسة على استبيان إلكتروني أُجري أواخر عام 2024، شمل أكثر من ألف شخص في سويسرا مارسوا العمل عن بُعد خلال الشهر السابق للاستطلاع، وجمع بيانات تفصيلية عن أيام العمل عن بُعد، ومكانه، ووجود غرفة مستقلة، ومسافات التنقل ووسائله، واستخدام تقنيات المعلومات والاتصالات، إلى جانب ظروف السكن والخصائص الاجتماعية والديموغرافية للمشاركين.

وعلى أساس هذه البيانات، حَسَب الباحثون الانبعاثات الكربونية المكافئة في 3 مجالات رئيسية: التنقل، والمساحة السكنية، وتقنيات المعلومات والاتصالات، ليقدِّروا إجمالي البصمة الكربونية لكل مشارك.

وأظهرت النتائج أن زيادة أيام العمل عن بُعد تقلل فعلاً انبعاثات التنقل، ولكن هذه المكاسب تتراجع بشكل كبير بسبب ارتفاع الانبعاثات المرتبطة باستخدام المنزل كمكان عمل؛ فالموظفون الذين خصصوا غرفة مستقلة كمكتب منزلي سجلوا انبعاثات أعلى من غيرهم، نظراً لحاجة هذه الغرفة إلى طاقة إضافية للتدفئة أو التبريد والإضاءة، فضلاً عن ارتفاع استهلاك الكهرباء المرتبط بالحواسيب والشاشات وأجهزة الاتصال والبنية الرقمية للعمل.

وبيَّنت التحليلات أن تأثير العمل عن بُعد لا يرتبط بعدد أيام العمل خارج المكتب فقط؛ بل يتأثر أيضاً بطريقة تنظيم بيئة العمل المنزلية، وأنماط التنقل، والظروف المعيشية.

فوائد ملموسة

ولتحقيق فوائد بيئية حقيقية، أوصت الدراسة بتقليل المساحات المنزلية المخصصة للعمل، أو استخدام مساحات عمل مشتركة خارج المنزل، إلى جانب عدم تخصيص غرفة كاملة للعمل إن لم يكن ذلك ضرورياً، واستخدام مساحة صغيرة متعددة الاستخدامات، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة والأجهزة الرقمية.

وشدد الباحثون على أن مجرد تقليل التنقل لا يكفي لتحقيق انخفاض ملموس في الانبعاثات؛ بل يجب النظر إلى دورة العمل كاملة، بما فيها استهلاك الطاقة داخل المنزل. ولفتوا إلى أن الدراسة تمثل تقييماً أولياً، استند إلى تقديرات مبسطة، ولم يتضمن مجموعة مقارنة من الموظفين العاملين بالكامل من المكاتب، ما يستدعي دراسات مستقبلية أكثر شمولاً.

ويرى الدكتور تحسين شعلة، خبير البيئة والمناخ المصري، أن العمل عن بُعد لا يناسب جميع الوظائف؛ بل يقتصر أساساً على المهن التي تعتمد على الحاسوب، ويمكن إنجاز مهامها خارج مقر العمل. وأوضح -في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»- أن نجاح هذا النموذج يرتبط بوعي الموظف بترشيد استهلاك الطاقة، في حين تستفيد الدولة من تقليل الضغط على وسائل النقل وخفض الانبعاثات، إلى جانب منح الموظفين مرونة أكبر في أداء أعمالهم.

وأضاف شعلة أن تحقيق الفائدة الحقيقية من العمل عن بُعد يتطلب ربطه بمهام واضحة وأوقات محددة، على غرار الوظائف القائمة على إنجاز الأهداف، حتى يتحول إلى وسيلة لتوفير الطاقة بدلاً من زيادة استهلاكها.

ولتحقيق أقصى استفادة، يوصي شعلة بتحديد الأهداف وساعات العمل بدقة، مع تفضيل إنجاز المهام خلال الساعات الأولى من الصباح، عندما يكون الضغط على الشبكة الكهربائية أقل، ولا تكون الحاجة إلى تشغيل أجهزة التكييف كبيرة، مع تجنب ساعات الذروة قدر الإمكان.

ويرى أن هذا النموذج يحقق فوائد متوازنة للعامل، عبر توفير الوقت والجهد وتكاليف التنقل؛ وللبيئة، من خلال خفض الانبعاثات والازدحام المروري؛ وللدولة، عبر تقليل الضغط على شبكات الطاقة والمواصلات.

وأشار إلى أن مزايا العمل عن بُعد يمكن أن تمتد إلى التعليم؛ خصوصاً في المقررات النظرية، لما يوفره من خفض لتكاليف التشغيل والنقل، وإتاحة فرص أكبر للطلاب، ولا سيما في المناطق النائية، شريطة تطبيقه وفق معايير تضمن جودة العملية التعليمية.


الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية
TT

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

لحظة تلو الأخرى، يرسخ الذكاء الاصطناعي سريعاً وجوده بصفته جزءاً من البنية التحتية اليومية - لكن في بعض الأماكن فقط؛ فهو يساعد في كتابة الرسائل الإلكترونية ورموز البرمجيات، ويُستخدم في فرز طلبات التوظيف، ودعم أنظمة التوصية. كما يجري دمجه، على نحو متزايد، في مجالات التعليم والرعاية الصحية والتمويل والإدارة العامة. واليوم، ترفع قيادات الصناعة شعار «الذكاء الاصطناعي للجميع»، في حين تسارع الحكومات إلى نشر استراتيجيات وطنية، وبناء قدراتها السيادية بمجال الحوسبة.

غير أن التجربة على امتداد العقد الماضي، من خلال العمل على مشروعات الشمول الرقمي ومحو الأمية الرقمية في مناطق تمتد من أوروبا إلى أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا، تكشف عن نمط متكرر: فكل موجة جديدة من التكنولوجيا «التحويلية»، تصل إلى واقع قائم بالفعل على تفاوتات في الاتصال والمهارات والقدرات المؤسسية، كما كتبت دانيكا رادوفانوفيتش في مجلة «سبكترم» الصادرة عن جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركية.

إن الموجة الحالية من الذكاء الاصطناعي ليست استثناءً، بل إنها تُفاقم هذه الانقسامات القائمة على صعيد الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، تستكشف بعض الدول سبل المشاركة في تطوير الذكاء الاصطناعي، دون الدخول مباشرة في سباق النماذج المتقدمة، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين. وتكشف التطورات الأخيرة في جنوب أفريقيا وإندونيسيا، عن حجم الفرص والتحديات في آن واحد؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بإتاحة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي؛ إذ إن الدول التي تظل مجرد مستهلكة له، لا منتجة، تخاطر بفقدان فرص بناء منظومات ابتكار محلية، وتعزيز قدرات القطاع العام، وضمان تمثيل لغاتها وثقافاتها وأولوياتها المجتمعية داخل هذه الأنظمة. وبذلك، تتحول الفجوة على صعيد الذكاء الاصطناعي، إلى فجوة على صلة بالفرص الاقتصادية والنفوذ التكنولوجي.

تمركز القدرات وتفاوت المهارات

• تمركز قدرات الذكاء الاصطناعي. تشير تحليلات حديثة صادرة عن جامعة ستانفورد في تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026، إلى أن الولايات المتحدة وحدها تضم أكثر من 5000 مركز بيانات، أي ما يزيد على عشرة أضعاف أي دولة أخرى. ومع تزايد اعتماد أعباء العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على المنصات السحابية، بدلاً من البنية التحتية المحلية، يتحول هذا التركز إلى تركّز في التبعية كذلك. وحسب بيانات البنك الدولي، استحوذت الولايات المتحدة عام 2023 على نحو 87 في المائة من مجمل صادرات خدمات الحوسبة السحابية وتخزين البيانات عالمياً.

وفيما يخص معظم الدول، يعني ذلك أن تطوير الذكاء الاصطناعي يجري إسناده خارجياً، ليس فقط من الناحية التكنولوجية، بل كذلك من الناحيتين التجارية والجيوسياسية، بما يضعه خارج نطاق سيطرتها. وينتج من ذلك نظام بيئي يتركز فيه تشغيل المحركات الحاسوبية، التي تدعم الأنظمة العالمية، في أيدي عدد محدود من الدول والشركات.

أضف إلى ذلك، أن الأنظمة التي يجري تدريبها وتوحيد معاييرها وإدارتها ضمن بيئات مؤسسية ولغوية محدودة، قد تجابه صعوبة في خدمة جمهور عالمي حقيقي.

• تفاوت عميق في المهارات والمعرفة بالذكاء الاصطناعي. حتى في الأماكن التي تتوافر فيها خدمات الاتصال والوصول إلى الحوسبة السحابية، لا يتمتع الجميع بالقدرة نفسها على الاستفادة منها. وعلى سبيل المثال، عبر دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لا يمتلك سوى نحو 40 في المائة من البالغين مهارات تتجاوز المستوى الأساسي في حل المشكلات الرقمية، في حين تظل الكفاءات المتقدمة في مجالات الحوسبة والذكاء الاصطناعي متركزة بين العاملين ذوي التعليم العالي، والقطاعات كثيفة الاعتماد على التكنولوجيا.

وبالتزامن مع ذلك، تتسابق الحكومات لإدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم، وغالباً ما تبدأ من المراحل التعليمية العليا. وقد أفادت منظمة «يونيسكو» بوجود جهود متزايدة عالمياً لدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم، في حين لا يزال دعم ثقافة الذكاء الاصطناعي في صفوف التعليم الابتدائي والإعدادي، وكذلك تدريب المعلمين على الجوانب الأخلاقية المرتبطة به، متفاوتاً بين الدول.

بوجه عام، يعدّ الأفراد الذين يتمتعون بتعليم قوي، ومهارات رقمية متقدمة، واتصال مستقر بالإنترنت، الأكثر قدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي، بصفته أداة لتعزيز قدراتهم. وتُظهر بيانات حديثة صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن المشاركة في التدريب المرتبط بالذكاء الاصطناعي لا تزال متفاوتة بشكل واضح تبعاً للمستوى التعليمي؛ إذ أفاد 36 في المائة من الحاصلين على تعليم جامعي بمشاركتهم في تدريب متعلق بالذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي، مقابل 18 في المائة فقط من أصحاب شهادة التعليم الثانوي.

اللحاق بركب الذكاء الاصطناعي

• الاستثمار والحوكمة: ضعف الدول النامية. تظل سلطة تحديد الأجندة الأساسية محصورة في يد مجموعة ضيقة من الفاعلين داخل قطاع الذكاء الاصطناعي، بجانب عدد محدود من الدول المتقدمة تكنولوجياً. في المقابل، تبقى معظم الدول الأخرى في حالة سعي دائم للحاق بالركب، مع حرصها المستمر على تكييف النماذج والمعايير وقوالب «الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة» المستوردة مع سياقاتها المحلية، في ظل محدودية قدرتها على تقييم المفاضلات أو طرح بدائل مستقلة.

وفي دول مثل إندونيسيا وجنوب أفريقيا، تُنتج المجتمعات بيانات على نطاق واسع. ومع ذلك، لا تزال تملك حضوراً محدوداً في تحديد كيفية تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي أو حوكمتها أو نشرها. كما أن لغاتها ممثلة بشكل ضعيف في بيانات التدريب، في حين تعاني مؤسساتها من نقص الموارد داخل المنتديات التنظيمية. ونادراً ما تنعكس تجاربها في مجموعات البيانات المرجعية. وفيما يتعلق بالكثير من دول الجنوب العالمي، يظل الانخراط في مجال الذكاء الاصطناعي قائماً بصورة أساسية على تكييف أنظمة مستوردة، لا على التأثير في تصميمها أو إدارتها أو توجيهها.

في جنوب أفريقيا، أطلقت وزارة الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية مشروع سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي، في أبريل (نيسان) هذا العام، تضمن مقترحات لإنشاء مؤسسات رقابية جديدة. غير أن المشروع سُحب بعد أيام قليلة، عقب اكتشاف صحافي أن ستة على الأقل من المراجع الأكاديمية الواردة فيه لا وجود لها، ويُرجح أنها نتاج هلوسات أفرزها الذكاء الاصطناعي. ووصف الوزير الواقعة بأنها «خطأ غير مقبول».

ويسلط هذا الحادث الضوء على الفجوة بين طموحات حوكمة الذكاء الاصطناعي والقدرات المؤسسية اللازمة لتنفيذها، رغم أن اللجنة الجديدة التي جرى تشكيلها لاحقاً قد تمثل فرصة للاستفادة من خصوصية موقع جنوب أفريقيا.

أما إندونيسيا، فتقدم نموذجاً لمحاولة واعية، وإن كانت مقيدة، لتعزيز دور القطاع العام. وفي هذا الإطار، عملت الوكالة الوطنية للبحث والابتكار، التي تقود تنفيذ استراتيجية الذكاء الاصطناعي، على تطوير أدوات عملية تستهدف المجتمعات الأقل حظاً، بدلاً من التركيز على القدرات المتقدمة، من بينها تطبيق يستخدم بيانات الأقمار الاصطناعية وتقنيات التعلم الآلي، لمساعدة الصيادين التقليديين في تحديد مواقع تجمعات الأسماك، ونماذج لغوية متعددة اللغات مدربة على اللغة الإندونيسية ولغات محلية مثل الجاوية والسوندية، إضافة إلى روبوتات محادثة تُستخدم في الخدمات الحكومية.

وفي أغسطس (آب) عام 2025، أصدرت وزارة الاتصالات والشؤون الرقمية خريطة طريق وطنية للذكاء الاصطناعي، تستهدف تدريب 100 ألف عامل سنوياً على المهارات المرتبطة بهذا المجال.

في الواقع، فإن الخيار ليس مجرد الاختيار بين «قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي» و«متلقٍ سلبي»؛ فالتعاون الإقليمي يكتسب أهمية متزايدة. وفي عام 2024، اعتمد وزراء أفارقة استراتيجية قارية للذكاء الاصطناعي وميثاقاً رقمياً أفريقياً. واستكشف المشاركون في قمة الذكاء الاصطناعي العالمية لأفريقيا، التي عُقدت في كيغالي في أبريل 2025، كيف يمكن للتنسيق الإقليمي، ونماذج الذكاء الاصطناعي باللغات المحلية، والجامعات الحكومية، وأنظمة المصادر المفتوحة، أن تُقلل من الاعتماد، على المدى الطويل، على أنظمة الذكاء الاصطناعي المطورة بالخارج.

• طريقة مختلفة للتفكير في فجوة الذكاء الاصطناعي. لا يعني أي من هذا أن على الناس إبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي أو التخلي عنه، ولا أن تركّز الحوسبة السحابية أو رأس المال الاستثماري أمر سيئ بطبيعته، وإنما ينبغي لنا عندما نتحدث عن «ثورة الذكاء الاصطناعي»، أن نتساءل كذلك: من يستطيع تشكيلها، ومن يستطيع التكيف معها فقط؟

فيما مضى ركزت النقاشات حول الفجوة الرقمية على الأجهزة والاتصال، ثم توسعت لاحقاً لتشمل المهارات والنتائج. إلا أن موجة الذكاء الاصطناعي الحالية تُضيف بعداً آخر: التفاوتات المتعلقة بمن يستطيع المشاركة بفاعلية في تحديد غاية الذكاء الاصطناعي، والمشاكل التي يُفترض أن يحلها، والأولويات الاجتماعية التي يخدمها في نهاية المطاف.

وفيما يتعلق بالمهندسين وصناع السياسات، يطرح هذا الأمر تساؤلات صعبة، لكنها ضرورية: هل يجب عليهم أن يصمموا أنظمة وبنى تحتية للذكاء الاصطناعي تُوسّع نطاق المشاركة في تشكيل التغيير التكنولوجي، بدلاً من تضييقه؟ وكذلك وعندما تُطلق الحكومات استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي أو تُدمجه في الخدمات العامة، فما القيود واللغات والواقع المؤسسي الذي تضعه في الحسبان؟

من جهتهم، يصور الكثير من المراقبين الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي بوصفه منافسة، لكن في واقع الأمر لا تقتصر المنافسة التكنولوجية على السرعة فحسب، بل تتعلق كذلك بمن يستطيع التأثير على مسار التغيير.

اليوم، ينتشر الذكاء الاصطناعي بالفعل على مستوى العالم. ومع ذلك، يبقى السؤال الأعمق: هل سيضمن خبراء التكنولوجيا وصناع السياسات المسؤولون عنه، توسع رقعة المشاركة الفعّالة في صياغة المستقبل؟

كل موجة جديدة من التكنولوجيا «التحويلية» تقود إلى واقع قائم على تفاوتات في الاتصال والمهارات والقدرات المؤسسية


فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب
TT

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

لطالما حيّرت العلماء قدرة بعض الطفرات الوراثية على التسبب في عيوب خلقية خطيرة رغم احتفاظ المصابين بنسخة سليمة من الجين نفسه. واليوم توصل باحثون أميركيون إلى تفسير جديد قد يغيّر فهمنا لكثير من الأمراض الوراثية، مفاده أن المشكلة لا تكمن دائماً في الشفرة الجينية ذاتها، بل في الطريقة التي يُطوى بها الحمض النووي داخل الخلايا.

جين محوري لنمو القلب

وكشف باحثون من معاهد غلادستون في الولايات المتحدة، عن أن جيناً محورياً في نمو القلب يُعرف باسم TBX5 يعمل كمهندس معماري ينظم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي (دي إن إيه) DNA داخل الخلايا القلبية. وأظهرت الدراسة التي نُشرت في دورية Science في 23 يوليو (تموز) 2026 أن فقدان نسخة واحدة فقط من هذا الجين يكفي لإحداث اضطراب واسع في تنظيم الحمض النووي؛ ما يؤثر في نشاط عدد كبير من الجينات الضرورية لتطور القلب بصورة طبيعية.

وتقدم النتائج تفسيراً جديداً لأحد أكثر العيوب الخلقية شيوعاً، وهو مرض القلب الخلقي الذي يصيب نحو طفل واحد من كل مائة مولود حول العالم.

• ما وراء الشفرة الوراثية. غالباً ما يُنظر إلى الحمض النووي بوصفه مخطط الحياة أو دليل التعليمات الخاص بالجسم. لكن هذا الدليل لا يقتصر على محتواه الوراثي فحسب، بل يعتمد أيضاً على الطريقة التي يُطوى بها داخل نواة الخلية. فلو جرى فَرد الحمض النووي الموجود في خلية واحدة بالكامل لبلغ طوله نحو مترين. لذلك؛ يجب ضغطه وتنظيمه بدقة شديدة داخل حيز مجهري. غير أن هذا التنظيم ليس مجرد وسيلة لتوفير المساحة، بل إنه يحدد أيضاً أي الجينات يمكن تشغيلها وأيها يبقى خاملاً.

وتوضح الدراسة الجديدة أن جين TBX5 يؤدي دوراً أساسياً في بناء هذا التنظيم المعقد؛ إذ ينسق الروابط بين الجينات والعناصر التنظيمية التي تتحكم في نشاطها. ويقول البروفسور بينوا برونو، مدير معهد غلادستون لأمراض القلب والأوعية الدموية وأحد كبار الباحثين في الدراسة، إن جين TBX5 ليس سوى مثال واحد لفئة واسعة من الجينات التي تؤدي خسارة نسخة واحدة منها إلى عيوب خلقية. وما يثير الحماس في نتائجنا أنها تشير إلى أن كثيراً من هذه الاضطرابات قد تنشأ للسبب نفسه، أي طيّ خاطئ لدليل التعليمات ثلاثي الأبعاد داخل الخلية.

• رسم خريطة ثلاثية الأبعاد للحمض النووي. ولاختبار هذه الفرضية استخدم الباحثون خلايا جذعية بشرية تحتوي على نسختين سليمتين من الجين، أو نسخة واحدة، أو لا تحتوي عليه إطلاقاً ثم حفزوها لتتحول خلايا عضلة قلبية. وبالاستعانة بتقنيات متطورة لرسم الخرائط ثلاثية الأبعاد للحمض النووي، تمكن الفريق من تتبع كيفية تنظيم المادة الوراثية داخل آلاف الخلايا الفردية. كما استعانوا بنماذج حاسوبية متقدمة لتحليل ملايين البيانات الناتجة عن التجارب.

وأظهرت النتائج أن فقدان الجين TBX5 يؤدي إلى انهيار واسع في تنظيم الجينوم على مختلف المستويات من البنى الوراثية الكبيرة وصولاً إلى الحلقات الدقيقة التي تربط الجينات بالعناصر المسؤولة عن تشغيلها.

واكتشف الباحثون أن الجين يعمل بمثابة نظام تحديد مواقع جزيئي molecular GPS يوجه بروتيناً يُعرف باسم «كوهيسين» Cohesin إلى مواقع محددة على الحمض النووي لتشكيل هذه الحلقات التنظيمية. وعندما تنخفض مستويات الجين يفشل الحمض النووي في تكوين الروابط اللازمة فتتعطل الجينات الحيوية المسؤولة عن نمو القلب.

واللافت، أن وجود نصف الكمية الطبيعية فقط من البروتين كان كافياً لإحداث اضطراب كبير في البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي.

رؤية جديدة للأمراض الوراثية

• لماذا تختلف الحالات المرضية؟ كما كشفت الدراسة عن أن تأثير فقدان الجين لا يكون متماثلاً في جميع خلايا القلب. فقد لاحظ الباحثون اختلافات واضحة بين الخلايا الأذينية والبطينية، بل وحتى بين خلايا تنتمي إلى النوع نفسه. ويرى العلماء أن هذه النتيجة قد تفسر سبب ظهور عيوب قلبية مختلفة لدى أشخاص يحملون الطفرة الوراثية ذاتها.

• رؤية جديدة للأمراض الوراثية. ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على العيوب الخلقية في القلب، بل تمتد إلى طيف واسع من الاضطرابات النمائية. فالكثير من هذه الأمراض يرتبط بحالة تُعرف بـ«قصور الجرعة الجينية» Haploinsufficiency، حيث لا يمتلك الفرد سوى نسخة وظيفية واحدة من جين معين. وتشير النتائج الجديدة إلى أن هذه الاضطرابات قد لا تنجم فقط عن تغير نشاط بعض الجينات، بل لأن انخفاض مستويات بروتينات رئيسية يؤدي إلى اضطراب التنظيم ثلاثي الأبعاد للحمض النووي داخل الخلية. ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تكشف عن آلية جديدة تماماً لحدوث الأمراض الوراثية.

وبدلاً من النظر إلى الاضطرابات الوراثية بصفتها مجرد خلل في تسلسل الحمض النووي، قد يتجه العلماء إلى التركيز على كيفية طيّ الجينوم وتنظيمه داخل الخلايا. ومن شأن فهم هذه التغيرات البنيوية أن يمهد الطريق لتطوير أساليب جديدة لتشخيص الاضطرابات النمائية والوقاية منها وربما تصحيحها قبل أن تُحدث أضراراً دائمة.

ومع استمرار الباحثين في استكشاف الكيفية التي يسهم بها الجين TBX5 في تشكيل البنية المعمارية للجينوم خلال المراحل المبكرة من نمو الجنين تفتح هذه الدراسة نافذة جديدة لفهم أحد أكثر الأسئلة جوهرية في علم الأحياء هي كيف تسهم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي في تحديد صحة الإنسان قبل الولادة بوقت طويل.