400 مليون شخص مصابون بـ«كوفيد طويل الأمد» في العالم

الأبحاث ترسم صورة أوضح للتأثيرات الدائمة له على الجسم

400 مليون شخص مصابون بـ«كوفيد طويل الأمد» في العالم
TT

400 مليون شخص مصابون بـ«كوفيد طويل الأمد» في العالم

400 مليون شخص مصابون بـ«كوفيد طويل الأمد» في العالم

بعد 5 سنوات -ومئات الملايين من الحالات- من إعلان منظمة الصحة العالمية عن جائحة «كوفيد-19»، يحصل العلماء على صورة أوضح لكيفية تأثير الفيروس على الجسم فترة طويلة، بعد انحسار العدوى وانتهائها كما يبدو.

عدوى خطيرة

أصبحت بعض تأثيرات «كوفيد-19» واضحة بعد وقت قصير من بدء انتشار الفيروس. لقد فهمنا بسرعة مدى خطورة العدوى، وخصوصاً بالنسبة لأولئك الذين يعانون حالات كامنة، مثل مرض السكري وأمراض القلب. لكن الأمر استغرق سنوات من البحث لبدء فهم كيف يمكن أن تؤدي نوبة «كوفيد-19» إلى تغييرات دائمة وغير مرئية في بعض الأحيان في أجزاء مختلفة من الجسم.

التعب المزمن وضباب الدماغ

تعد بعض هذه التأثيرات، مثل التعب المزمن وضباب الدماغ: «كوفيد-19 طويل الأمد». وتُعرف بأنها أعراض من عدوى تستمر لمدة 3 أشهر على الأقل. ووفقاً لبعض التقديرات، تم تشخيص 400 مليون شخص في جميع أنحاء العالم بنوع من «كوفيد-19 طويل الأمد». ولكن العدوى يمكن أن تؤدي أيضاً إلى مشكلات أخرى، بما في ذلك تلف الرئة والقلب وتغيرات الميكروبيوم في الأمعاء التي قد لا يتم التعرف عليها دائماً على أنها «كوفيد طويل الأمد»، ولكن لا يزال من الممكن أن يكون لها تأثير دائم على صحتنا.

لدينا الآن إحساس أفضل بما قد يكون وراء هذه التغييرات، بما في ذلك دور الالتهاب الواسع النطاق الذي يمكن أن يسببه «كوفيد».

بالنسبة لمعظم الناس، يهدأ الالتهاب بمجرد اختفاء الفيروس. ولكن بالنسبة للبعض، إذا «اشتد» أو استمر كـ«حرق بطيء» فترة طويلة، فقد يسبب دماراً في جميع أنحاء الجسم، كما قال الدكتور برادن كو، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي العصبي في مستشفى ماساتشوستس العام.

التهابات وتأثيرات متواصلة

إليك ما تعلَّمه العلماء حتى الآن عن الالتهاب والعوامل الأخرى التي تدفع هذه التأثيرات.

- الرئتان: يسبب «كوفيد» تهيجاً للرئتين، ويمكن أن يسبب مشكلات طويلة الأمد، مثل ضيق التنفس المستمر والسعال. وفي حالات نادرة، يمكن أن يؤدي «كوفيد» إلى إصابة المرضى بالالتهاب الرئوي، وترك ندبات وكتل صغيرة من الأنسجة، تسمى العقيدات، في جميع أنحاء الرئتين. ويمكن أن تجعل هذه الندوب التنفس أكثر صعوبة.

وأشارت دراسات صغيرة إلى أن أكثر من 10 في المائة من الأشخاص الذين دخلوا المستشفى بسبب عدوى «كوفيد-19» أصيبوا بندوب في الرئة ومشكلات أخرى بعد عامين.

ويكمن السبب في أن الفيروس يغزو الخلايا على طول مجرى الهواء، مما يسبب التهاباً يمكن أن يهاجم ويدمر أحياناً أنسجة الرئة السليمة. وقال الدكتور زياد العلي، باحث أول في الصحة العامة السريرية بجامعة واشنطن في سانت لويس، إن هذا يمكن أن يضعف قدرة الرئتين على توصيل الأكسجين إلى جميع أنحاء الجسم.

وعندما تحاول الرئتان التعافي والإصلاح، تتشكل الندوب. وهذا النسيج الندبي نفسه يسبب تصلُّب الرئتين ويقلل من سعتهما، ما يؤدي إلى أعراض دائمة، مثل السعال وضيق التنفس.

التهابات الجهاز الهضمي

- الأمعاء: يمكن أن يسبب «كوفيد» أعراضاً قصيرة المدى، مثل الغثيان والقيء والإسهال.

ولكن في بعض الأشخاص، يمكن أن يؤدي «كوفيد» إلى مشكلات مزمنة في الجهاز الهضمي، مثل الارتجاع والإمساك والإسهال وآلام البطن. يمكن أن تستمر هذه المشكلات لأشهر أو حتى سنوات.

في دراسة أجريت عام 2024، قدر الباحثون أن نوبات «كوفيد» تركت ما يصل إلى 10 في المائة من الأشخاص يعانون آلاماً دائمة في البطن، و13 في المائة يعانون مشكلات في الجهاز الهضمي بعد عام.

أما السبب، فلا يعرف العلماء السبب الدقيق وراء قدرة «كوفيد» على إعاقة وظيفة الأمعاء الطبيعية كثيراً؛ لكنهم يحصلون على فهم أفضل لما قد يكون على المحك. على سبيل المثال، أصبح من الواضح الآن أن الفيروس يمكن أن يعطل ميكروبيوم الأمعاء، ما يقلل من الميكروبات المفيدة ويزيد من أعداد الميكروبات الضارة. يمكن أن تساعد الميكروبات «الجيدة» في كبح الالتهاب، بينما يمكن للميكروبات «السيئة» أن تزيده.

قد يؤدي الالتهاب الناتج عن العدوى نفسها، وكذلك بسبب الميكروبات المعوية المتغيرة، إلى إلحاق الضرر ببطانة الأمعاء. وقد يسمح هذا للسموم ومكونات الطعام المتحللة بالتسلل من الأمعاء إلى أنسجة أخرى من الجسم. وقد تستجيب الخلايا المناعية بعد ذلك لحساسية تجاه بعض الأطعمة، مما يؤدي إلى عدم تحمل الطعام.

وقال كو إن الالتهاب قد «يمضغ» أيضاً الأعصاب التي تشير إلى الألم في الأمعاء، أو التي تتحكم في تقلصات الأمعاء التي تحافظ على تحرك الطعام. وقد يتسبب هذا في حدوث آلام في المعدة أو الأمعاء، أو يجعل الطعام يتحرك بسرعة كبيرة أو ببطء شديد عبر الجهاز الهضمي، مما يؤدي إلى أعراض مثل الإسهال أو الإمساك.

مشكلات الدماغ

- الدماغ: في ذروة العدوى، غالباً ما يصاب المرضى بالصداع، وقد يشعرون بالدوار والارتباك. ويكافحون أحيانا للعثور على الكلمات المناسبة، ويواجهون صعوبة في التركيز أو متابعة محادثة، أو يجدون أن لديهم فجوات في ذاكرتهم.

وقد تستمر هذه الأعراض؛ إذ وجدت الدراسات أن ما يقرب من 20 في المائة إلى 30 في المائة من المصابين بـ«كوفيد» يعانون ضباب الدماغ بعد 3 أشهر على الأقل من الإصابة الأولية. كما تظهر الأبحاث أن «كوفيد» يمكن أن يؤدي إلى حالات مثل القلق أو الاكتئاب، أو تفاقم مشكلات الصحة العقلية الموجودة.

أما الأسباب، فلا يزال العلماء يعملون على تحديد جميع العوامل التي تساهم في استمرار المشكلات العصبية بعد «كوفيد». ولكن يبدو أن أحد الجناة واضح: الالتهاب المستمر الذي يتلف الخلايا العصبية ويمنع إنشاء اتصالات رئيسية بين المشابك (العصبية). كل هذا قد يسبب أعراضاً مثل تلك الموصوفة أعلاه.

يعتقد بعض الباحثين أيضاً أن مناطق الدماغ المعنية بالإدراك والعاطفة معرضة بشكل خاص للالتهابات، ما يساعد في تفسير سبب قدرة العدوى على إحداث أو تفاقم مشكلات الصحة العقلية. وتقول نظرية أخرى إن الفيروس يعطل حاجز الدم في الدماغ الذي يحمي أنسجة المخ، وهو أمر حيوي للوظيفة الإدراكية.

قد تبقى أجزاء من الفيروس أيضاً في الدماغ لفترة طويلة، مما قد يفسر سبب استمرار بعض الأعراض المعرفية بعد الإصابة الأولية.

القلب والأوعية الدموية

- القلب: تزيد عدوى «كوفيد-19» من خطر الإصابة بأمراض القلب، بما في ذلك النوبات القلبية، والسكتات الدماغية، وتلف عضلة القلب، وعدم انتظام ضربات القلب. وجدت إحدى الدراسات الكبيرة أن الإصابة بـ«كوفيد-19» تضاعف خطر الإصابة بحدث قلبي وعائي كبير لمدة تصل إلى 3 سنوات.

وتكمن الأسباب في أن عدوى «كوفيد» الحادة، يمكن أن تؤدي إلى حمى شديدة والتهابات تضغط ضغطاً زائداً على القلب. في شخص يعاني بالفعل من تراكم اللويحات في الشرايين أو عضلة القلب التي بدأت تصبح متيبسة، يمكن أن يؤدي هذا الضغط إلى عدم انتظام ضربات القلب أو النوبة القلبية.

لكن العلماء يعتقدون أن الأمر الأكثر شيوعاً هو أن الفيروس يثير التهاباً يؤذي عضلة القلب.

وقد يتسبب الفيروس أيضاً في تلف الخلايا المبطنة للأوعية الدموية، مما يؤدي إلى التهاب هناك. ويمكن أن يتسبب هذا في تكوين جلطة جديدة أو انفصال اللويحات الموجودة وانسداد الأوعية الدموية. يمكن أن يتسبب هذا النوع من الانسداد في الوفاة المفاجئة بسبب نوبة قلبية، أو يؤدي إلى تلف لاحق لعضلات القلب والأنسجة الأخرى، مما قد يؤدي إلى فشل القلب أو عدم انتظام ضربات القلب.

الأشخاص الذين تم إدخالهم إلى المستشفى بسبب «كوفيد» لديهم أعلى خطر قصير وطويل المدى للإصابة بمضاعفات القلب. وتشير بعض الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين لديهم فصيلة دم غير O - A أو B أو AB - لديهم خطر متزايد بشكل خاص؛ ربما لأن فصيلة الدم قد تكون مرتبطة بكيفية تجلط الدم.

- الجهاز الدوري للأوعية الدموية: تُظهر دراسات المرضى المصابين بـ«كوفيد طويل الأمد» أن أجسامهم تواجه صعوبة في نقل الدم من الساقين والبطن والعودة إلى القلب. يمكن أن يقلل ذلك من كمية الدم التي يضخها القلب، مما يسبب التعب وضيق التنفس والشعور بالإعياء بعد التمرين.

وأما عن السبب، فليس من الواضح سبب حدوث هذه المشكلات في الدورة الدموية؛ لكن العلماء يفترضون أنه في بعض المرضى، يضر الالتهاب بألياف عصبية معينة خارج الدماغ والحبل الشوكي التي تنظم قدرة الأوعية الدموية على الضغط. وقال الدكتور ديفيد سيستروم، طبيب أمراض الرئة والعناية الحرجة في مستشفى «بريغهام والنساء» في بوسطن، إن هذا قد يؤدي إلى ضعف تدفق الدم.

وأضاف أن لدى بعض المرضى المصابين بـ«كوفيد طويل الأمد»، يبدو أيضاً أن العضلات أقل قدرة على استخراج الأكسجين من الدم عن المعتاد، ما يعيق قدرتها على مواكبة التمارين الرياضية. بالإضافة إلى ذلك، قد لا تعمل الميتوكوندريا (محطات توليد الطاقة في الخلايا) بشكل صحيح أو بكامل طاقتها، مما يوجه ضربة أخرى للأنسجة العضلية.

* بمشاركة نينا أغراوال، خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري
TT

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

تمكن فريق من الباحثين لأول مرة من تحديد مجموعة محددة من الجينات التي تنشط في أثناء التواصل اللحظي بين خلايا الدماغ، الأمر الذي يتيح فرصة غير مسبوقة لفهم الآليات الجزيئية التي تقف وراء الأفكار والمشاعر والسلوك البشري.

وتمثل هذه النتائج التي نُشرت في 19 فبراير (شباط) الماضي في دورية Molecular Psychiatryقفزة نوعية كبرى، فحتى وقت قريب كان العلماء الذين يدرسون وظائف الدماغ من منظور جيني يعتمدون بشكل أساسي على فحص الأنسجة بعد الوفاة. وهو ما يشبه النظر إلى دماغ صامت لمحاولة فهم كيفية عمله عندما يكون حياً. أما النهج الجديد الذي ابتكرته الفرق البحثية في كلية «إيكان للطب» في ماونت سايناي بنيويورك، فقد مكّن العلماء من مشاهدة هذه العملية وهي تجري في الزمن الحقيقي.

ويوضح قائد الدراسة الدكتور ألكسندر تشارني، أستاذ الطب النفسي وعلم الأعصاب والعلوم الجينية في كلية إيكان للطب نيويورك، أهمية هذا التحول قائلاً: «لعقود من الزمن كان فهمنا للتعبير الجيني في الدماغ البشري محصوراً في الدراسات التي تجرى على الأنسجة بعد الوفاة. أما هذا العمل فيتيح لنا الآن فحص البنية الجزيئية للتواصل العصبي وهو يحدث داخل أفراد أحياء، مما يقربنا خطوة كبيرة من ربط الجينات مباشرة بوظائف الدماغ في الوقت الفعلي».

جسر بين عالمين منفصلين

وركزت الدراسة على عملية «النقل العصبي» (Neurotransmission)، وهي تلك الإشارات الكهربائية والكيميائية التي تنتقل بين الخلايا العصبية، وتشكل الأساس لكل فكرة وذكرى وحركة يقوم بها الإنسان. ولالتقاط هذه العملية الدقيقة دمج الفريق البحثي بين تقنيتين متطورتين.

حلل الباحثون أنماط التعبير الجيني في منطقة «قشرة الفص الجبهي» Prefrontal Cortex لأكثر من مائة مريض كانوا يخضعون لعمليات جراحية عصبية. وبالتزامن مع ذلك جمعوا قياسات مباشرة للإشارات العصبية من أدمغة هؤلاء المرضى في أثناء وعيهم الكامل. ومن خلال دمج البيانات الجزيئية مع التسجيلات الفسيولوجية الحية تمكن الفريق من تحديد مجموعة متجانسة من الجينات يرتفع وينخفض نشاطها بتناغم مع انطلاق الإشارات العصبية.

ويؤكد الدكتور برايان كوبيل، مدير مركز التعديل العصبي في كلية إيكان للطب نيويورك والمشارك بالدراسة، الأهمية الكبيرة للجمع بين هذين التخصصين العلميين، قائلاً: «من خلال الجمع بين التسجيلات داخل الجمجمة والتحليل الجزيئي نقوم ببناء جسر بين عالمين كانا يُدرسان تقليدياً بشكل منفصل. هذا النهج يقدم لنا صورة أوضح عن كيفية عمل الدوائر العصبية على المستويين الكهربائي والجيني معاً، مما يحمل آثاراً عميقة على تطوير أساليب التعديل العصبي والعلاجات الدقيقة».

إطار لفهم الأمراض العقلية

كما أكدت الدراسة أن هذا «البرنامج النسخي» Transcriptional Program المكتشف حديثاً ليس مجرد ظاهرة عشوائية بل هو نمط يتكرر عبر مجموعات مختلفة من المرضى، ويتوافق مع المسارات البيولوجية المعروفة المرتبطة بالإشارات العصبية الاستثارية والوظائف التشابكية بين الخلايا العصبية.

أما الآثار المترتبة على هذا الاكتشاف فستكون واسعة النطاق؛ فاضطراب عملية النقل العصبي هو السمة الأساسية المشتركة في جميع الاضطرابات النفسية والعصبية الكبرى تقريباً، بما في ذلك الاكتئاب والفصام والصرع ومرض ألزهايمر. ومن خلال تحديد الجينات التي تدعم التواصل العصبي السليم أصبح لدى العلماء الآن هدف أكثر وضوحاً لفهم مواطن الخلل في الأمراض المختلفة.

ويشير الدكتور إغناسيو سايز، أستاذ علم الأعصاب وجراحة المخ والأعصاب في كلية إيكان للطب وأحد المشاركين بالدراسة، إلى أن هذه الدراسة تُحدث نقلة نوعية أيضاً في طريقة تفسير البيانات الجينية المعقدة، قائلاً: «تكمن قوة هذه الدراسة في قدرتها على دمج بيانات النسخ الجيني واسعة النطاق مع قياسات مباشرة لنشاط الدماغ. كما إن تحديد برنامج نسخي منسق يرتبط بالنقل العصبي يوفر لنا إطاراً جديداً لفهم كيفية تأثير الاختلافات الجينية على وظائف الدماغ وقابليته للإصابة بالأمراض».

مشهد حيّ لا خرائط ساكنةتقليدياً، اعتمد العلماء على الدراسات الجينية لتحديد عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض النفسية؛ أي تحديد الجينات التي قد تكون معطلة. لكن معرفة الجين المعطل لا تكفي وحدها لتفسير كيفية اختلال عمل الدوائر العصبية في الزمن الحقيقي. ويأتي هذا البحث الجديد ليشكل جسراً يربط بين المخاطر الجينية والنشاط الفعلي للدماغ.

ومن خلال تحديد الشكل «الصحي» للأنماط الجينية في أثناء عملية التواصل الدماغي النشط يمكن للباحثين الآن فهم الاضطرابات الجزيئية التي تحدث في الأمراض النفسية بشكل أفضل. وقد يؤدي هذا في النهاية إلى تطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة تعتمد على الآليات البيولوجية للمرض بدلاً من الأعراض فقط، بالإضافة إلى علاجات دقيقة مصممة لتصحيح أخطاء جينية محددة في مسارات الإشارات العصبية.

وفي المحصلة يحول هذا البحث دراسة الدماغ البشري من تمرين تشريحي ساكن إلى استكشاف ديناميكي للكائن الحي. فمن خلال التقاط اللحظة التي يتشكل فيها الفكر على المستوى الجيني يضع العلماء الأسس اللازمة للجيل المقبل من الرعاية النفسية والعصبية.


ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
TT

ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)

قبل نحو 6 عقود، أحدث عالم الوراثة الأميركي نورمان بورلاوغ، الملقب بـ«أبو الثورة الخضراء»، تحولاً جذرياً في تاريخ البشرية؛ فمن خلال تطوير أصناف قمح قصيرة القامة وعالية الإنتاجية، ساهم في إنقاذ أكثر من مليار إنسان من براثن المجاعة، وهو إنجاز تُوّج بنيله جائزة نوبل للسلام عام 1970. ومع ذلك، لم يخلُ هذا النجاح من ضريبة بيئية باهظة؛ إذ اعتمدت الزراعة بشكل مفرط على الأسمدة الكيميائية، والمبيدات الحشرية لتعويض ضعف المناعة الطبيعية للنباتات، ما أدى إلى تدهور بيئي ملموس.

وتمتلك النباتات، تماماً كالبشر، جهازاً مناعياً ذكياً؛ فبمجرد تعرضها لتهديد من آفة، أو مرض، تستنفر دفاعاتها الطبيعية. لكن هذه الحماية لها ثمن، إذ يتوقف نمو النبات، وتتراجع إنتاجيته عند تفعيل نظامه المناعي، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً في المحاصيل الغذائية، وعلى رأسها القمح.

الباحثون اكتشفوا طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض (جامعة ولاية كولورادو)

«الدماغ الكيميائي» للنبات

وفي ابتكار علمي وُصف بأنه «الثورة الخضراء الصديقة للبيئة»، نجح باحثون من جامعة ولاية كولورادو في اكتشاف طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض.

ويأمل الفريق في تطبيق هذا الاكتشاف على محاصيل حيوية مثل القمح، والذرة، وفول الصويا، ما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاج العالمي، وتقليل الاعتماد على المبيدات الحشرية، ونُشرت النتائج في عدد 23 فبراير (شباط) 2026 من دورية (Current Biology).

وتتعامل النباتات مع الظروف المحيطة عبر ما يسميه الفريق بـ«الدماغ الكيميائي»، وهو منظومة من الهرمونات النباتية المتخصصة. وعند تعرض النبات للإجهاد، تنخفض مستويات هرمونات «السيتوكينين» المسؤولة عن انقسام الخلايا. ومن خلال فهم هذه التفاعلات الهرمونية، استطاع العلماء استعادة مستويات «السيتوكينين» في النباتات ذات المناعة المفرطة، ما أعاد تنشيط النمو دون إضعاف الدفاعات، بل وجعل النباتات أكثر مقاومة للأمراض.

وحسب الدراسة، تتميز هذه الطريقة بكونها أسرع وأسهل من الأساليب التقليدية التي تتطلب رسم خرائط جينية كاملة؛ إذ يشبهها الفريق بوصفة طبية تعالج خللاً كيميائياً محدداً. ومن خلال التلاعب الجيني بالاستجابة الهرمونية في نبات «رشاد الصخر» (Arabidopsis thaliana)، تمكن العلماء من تحقيق المعادلة الصعبة، وهي حصانة قوية ضد الآفات، وإنتاجية عالية في آنٍ واحد.

وجاءت النتائج لافتة؛ إذ حصل الباحثون على نباتات تقاوم الأمراض بشراسة، وفي الوقت نفسه تنمو بمعدلات طبيعية، أو أعلى، من دون أي خسائر في المحصول.

الباحثون اختبروا الطريقة الجديدة على النبات وحققت نتائج ملموسة (جامعة ولاية كولورادو)

تعزيز المقاومة والإنتاجية

واعتبرت الدكتورة كريستينا أرغيسو، الأستاذة المشاركة في قسم البيولوجيا الزراعية بجامعة ولاية كولورادو والباحثة الرئيسة في الدراسة، أن هذا الإنجاز يمكن أن يشكل طفرة تضاهي «الثورة الخضراء» التي حدثت قبل 60 عاماً، فيما يتعلق بتحقيق الأمن الغذائي، مشيرة إلى أن أثر هذا الإنجاز سيتضح مع تطبيقه على المحاصيل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «نجح فريقنا في تحديد جينات نباتية ترفع مستوى الإنتاجية، وهو مسار يشبه ما حققه نورمان بورلاوغ قبل عقود، ورغم أن الجينات التي استخدمناها تختلف عن تلك التي اعتمد عليها بورلاوغ، فإن الدراستين تشتركان في استهداف الجينات المتحكمة في التخليق الحيوي للهرمونات النباتية (Phytohormones)، وهي جزيئات صغيرة ينتجها النبات طبيعياً للتحكم في نموه».

وأشارت أرغيسو إلى أن وجه الابتكار في دراسة الفريق لا يقتصر على زيادة الإنتاجية، بل يشمل أيضاً تعزيز مقاومة النباتات لأمراض متعددة، ما يفتح الباب أمام زيادة المحاصيل، مع تقليل الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الكيماوية في آنٍ واحد.

وأُجريت الدراسة بداية على نبات «رشاد الصخر»، وهو من عائلة الصليبيات مثل الملفوف، ورغم أن هذا النبات لا يتمتع بقيمة غذائية كبيرة، فإنه يُعد أساساً للأبحاث البيولوجية والوراثية، لبساطة تركيبه الجيني، وقصر دورة حياته التي لا تتجاوز ستة أسابيع، ما يسمح للعلماء بمراقبة نتائج تجاربهم وتعديلاتهم الجينية بسرعة.

وعن إمكان تطبيق النتائج على نباتات أخرى، أوضحت أرغيسو أن الفريق يعمل حالياً، بالتعاون مع عدة برامج لتربية النباتات، على نقل هذه الطفرات الجينية إلى أنواع مختلفة من المحاصيل، بهدف تعميم الفائدة على القطاع الزراعي حول العالم، مع توقعات بأن يكون لها تأثير طويل الأمد في الزراعة العالمية. وأكدت أن الفوائد البيئية الكبرى لهذا الابتكار تكمن في خفض استخدام المبيدات الحشرية بشكل ملحوظ، بفضل مستوى المقاومة العالي للأمراض الذي أظهرته النباتات المُهندسة في التجارب.


من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟

"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
TT

من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟

"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص

في زمنٍ كان الطبيب فيه يقرأ ليعرف... إلا أنه أصبح اليوم يقرأ ليختار ما يتجاهل.

في كل شهر، يُنشر في المجلات العلمية حول العالم ما يقارب ربع مليون دراسة جديدة، وهو رقمٌ لا يعبّر فقط عن تسارع المعرفة، بل يكشف عن مفارقة مقلقة: كلما ازداد العلم اتساعاً... ضاق الزمن عن استيعابه.

لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة؛ فالمعلومة أصبحت وفيرة إلى حد الإغراق. بل تحوّل التحدي سؤالاً أكثر عمقاً وخطورة: أيّ معرفة تستحق أن نثق بها؟ وأيّها يجب أن نتجاوزها؟ هنا يبدأ التحوّل الحقيقي في الطب؛ إذ لم يعد بإمكان أي طبيب، مهما بلغ من اجتهاد أو خبرة، أن يواكب هذا السيل المتدفق من الأبحاث. ومع هذا العجز الإنساني الطبيعي، يتغيّر جوهر السؤال الطبي ذاته: لم يعد «كيف نقرأ أكثر؟» بل أصبح «كيف نقرّر ماذا لا نقرأ؟».

التعليم الطبي أمام مفترق جديد

> تضخم المعرفة. اعتمد التعليم الطبي تقليدياً على التراكم المعرفي: قراءة مستمرة، مراجعة دورية، وتحديث دائم للمعلومات. وكان يُفترض أن الطبيب، من خلال هذا الجهد الفردي المنتظم، يستطيع أن يواكب التطورات العلمية في تخصصه.

إلا أن المشكلة لم تعد في نقص المعرفة، بل في تضخمها. كما لم تعد الفجوة بين من يعرف ومن لا يعرف، بل أصبحت بين سرعة إنتاج المعرفة وقدرة الإنسان على استيعابها وتحليلها. ومع هذا التحول، أصبح من الواضح أن الاعتماد الكامل على القراءة الفردية لم يعد كافياً لضمان مواكبة التطورات العلمية.

لم يعد التحدي في التعلم بحد ذاته، بل في إدارة هذا الكم الهائل من المعلومات بشكل فعّال. وهنا يبرز تساؤل أساسي: هل ما زال النموذج التقليدي للتعليم الطبي قادراً على الاستمرار في ظل هذا التسارع غير المسبوق؟

> دخول «الوكيل الذكي». في هذا السياق، بدأ دور ما يُعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي يتوسع بشكل واضح، فلم تعد هذه الأنظمة مجرد أدوات بحث تقليدية، بل أصبحت قادرة على متابعة آلاف الدراسات يومياً، تحليلها، واستخلاص أهم نتائجها خلال وقت قصير.

ولا يقدم الذكاء الاصطناعي نتائج عند الطلب فحسب، بل أصبح يعمل بشكل مستمر في الخلفية، يقرأ، يفرز، ويعيد ترتيب المعرفة قبل أن تصل إلى الطبيب. وتشير التقديرات إلى أن هذه الأنظمة قادرة على معالجة وتحليل قواعد بيانات تضم ملايين الأوراق العلمية خلال ثوانٍ إلى دقائق، وهو ما يتجاوز بكثير القدرة البشرية على القراءة أو حتى المتابعة.

وبهذا المعنى، يمكن عدّه «القارئ الأول» للأدبيات العلمية؛ إذ يمرّ على كمّ هائل من الأبحاث ويعيد تقديمها في صورة مختصرة ومركزة. ولا يقتصر هذا التحول على تسريع الوصول إلى المعلومات، بل يغيّر طريقة التعامل معها. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب بالبحث، أصبح يبدأ بما تم اختياره له مسبقاً.

وهنا يتجاوز التأثير الجانب التقني، ليصل إلى جوهر العملية التعليمية نفسها: كيف نتعلم، وعلى ماذا نعتمد في بناء معرفتنا، ومن الذي يحدد أولويات ما نقرأه.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي_ ويفك الطبيب الرموز

تجربة شخصية: «ابن سينا»

> وكيل ذكاء اصطناعي مخصص. انطلاقاً من هذا التحدي؛ قمتُ بتصميم وتطوير وتدريب وكيل ذكاء اصطناعي ضمن أحد النماذج اللغوية الكبرى (Large Language Models - LLMs)، وأطلقتُ عليه اسم «ابن سينا». لم يكن اختيار الاسم رمزياً فقط، بل محاولة لربط عمق التراث الطبي العربي بأدوات التحليل المعرفي الحديثة.

لا يعمل هذا الوكيل كأداة بحث تقليدية، بل كنظام متابعة يومي، يقوم بتلخيص ما يُنشر في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، مع تركيز خاص على الجوانب الأخلاقية، إضافة إلى رصد أحدث ما يُكتب في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان.

ومع الوقت، لم يعد دوره مجرد تجميع للمعلومات، بل أصبح وسيلة لإعادة تنظيمها، بحيث تصل إلى الطبيب في صورة مركزة تساعد على الفهم واتخاذ القرار.

الفكرة لم تكن استبدال قراءة الطبيب، بل إعادة تعريفها: أن يصبح الطبيب قادراً على الوصول إلى جوهر المعرفة دون أن يغرق في تفاصيلها.

> من التراكم إلى هندسة المعرفة. في هذا النموذج الجديد، لم يعد متوقعاً من الطبيب أن يقرأ كل ما يُنشر، بل أن يركّز على ما هو الأكثر صلة بممارسته. لم يعد التعلّم سباقاً مع عدد المقالات، بل أصبح عملية اختيار واعٍ للمعلومة ذات القيمة.

وبدلاً من جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، أصبح التحدي في تنظيمها، وتصنيفها، وربطها بطريقة تساعد على الفهم واتخاذ القرار. لم تعد القيمة في كمية ما يُقرأ، بل في جودة ما يُفهم وكيفية استخدامه في السياق السريري.

وفي هذا الإطار، يصبح دور الطبيب أقرب إلى «مهندس معرفة»، يحدد ما يحتاج إليه، ويقيّم ما يُعرض عليه، ويتخذ القرار بناءً على فهم مركّز ومدعوم، وليس على قراءة عشوائية أو مجهدة.

حين تتحول المعرفة إلى تدفق عارم.. ويصبح القرار إنسانيا

أخطار خفيّة

• من الفهم إلى الاعتماد. لكن هذا التحول لا يخلو من أخطار. فحين يبدأ الذكاء الاصطناعي في تلخيص المعرفة، يظهر سؤال جوهري: هل ما نقرأه مفهوم فعلاً، أم أننا نكتفي بالاعتماد عليه؟

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة، أشار الفريق البحثي إلى أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية قد يغيّر أنماط التفكير السريري لدى الأطباء، خاصة عندما تُقدَّم النتائج بشكل جاهز ومختصر دون الحاجة إلى تحليل تفصيلي.

وأوضحت الدراسة أن هذا النمط من التفاعل مع المعرفة قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع مهارات التقييم النقدي، حيث يميل المستخدم إلى قبول المخرجات المدعومة بالخوارزميات دون تمحيص كافٍ.

وهنا يظهر خطر جديد: أن تتحول المعرفة من عملية فهم إلى عملية اعتماد.

• الطبيب في عصر «المصفاة الذكي». في عالم يفيض بالمعلومات، أصبح الذكاء الاصطناعي أشبه بـ«مصفاة ذكية» تمرّ عبرها الأبحاث قبل أن تصل إلى الطبيب. لكن هذه المصفاة، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحكم البشر؛ فالذكاء الاصطناعي قد يختار، لكنه لا يتحمّل مسؤولية القرار. وقد يلخّص، لكنه لا يدرك السياق الإنساني الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية.

وهنا تتضح معادلة المرحلة المقبلة: كلما زادت قدرة الأنظمة الذكية على تصفية المعرفة، ازدادت أهمية دور الطبيب في تفسيرها.

لم يعد الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي مجرد قارئ للمعلومة، بل أصبح مسؤولاً عن فهم ما وراءها، وتقدير حدودها، واتخاذ القرار النهائي بناءً على مزيج من المعرفة والخبرة والسياق الإنساني. وفي هذا التوازن تحديداً... يتحدد مستقبل الطب.

• ما الذي يبقى للطبيب؟ يبقى للطبيب ما لا تستطيع الخوارزميات أن تقوم به: الفهم، والحكم السريري، والقدرة على الربط بين ما تشير إليه البيانات وما يعيشه المريض في واقعه. فالأنظمة الذكية قادرة على تحليل الأنماط واستخلاص النتائج، لكنها لا تدرك السياق الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية؛ لا ترى القلق في عينَي المريض، ولا توازن بين الخيارات ضمن ظروفه الإنسانية والاجتماعية.

وماذا عما بعد القراءة؟ في زمنٍ يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي قراءة وتحليل آلاف المقالات يومياً، قد لا تكون المهارة الأهم للطبيب هي أن يقرأ أكثر، بل أن يعرف متى يتوقف عن القراءة، ويبدأ في التفكير؛ فالمعرفة وحدها لا تكفي.

الطب، في جوهره، ليس تراكم معلومات، بل فهم لما تعنيه هذه المعلومات في حياة المريض، وكيف تُترجم إلى قرار مسؤول في لحظة محددة.