محطة فضاء دولية جديدة بتصاميم مطورة

تتولى بنفسها تجميع وحداتها

نموذج لتصميم كروي لمحطة فضاء جديدة
نموذج لتصميم كروي لمحطة فضاء جديدة
TT

محطة فضاء دولية جديدة بتصاميم مطورة

نموذج لتصميم كروي لمحطة فضاء جديدة
نموذج لتصميم كروي لمحطة فضاء جديدة

يبدو أن الطفرة المقبلة في مجال الإسكان سيكون مسرحها الفضاء. وتدفع عوامل متنوعة وهي: المساعي لاستبدال «محطة الفضاء الدولية» القديمة، المقرر أن يوقف تشغيلها عام 2030، وكذلك مهمة «أرتميس»، التابعة لوكالة «ناسا»، التي تهدف لإعادة البشر إلى القمر وربما المريخ، والاقتصاد المزدهر المرتبط بالرحلات إلى القمر... تدفع إلى تحفيز فرق المهندسين والمصممين على إعادة تصور الموائل للعيش والعمل في الفضاء لفترات أطول.

الباحثتان إرييل إكبلاو وسانا شارما داخل نموذج التصميم

تصاميم متطورة لمحطات فضائية

والملاحَظ أن تصاميم معظم محطات الفضاء من الجيل الجديد، التي تتنافس على زيادة سعة محطة الفضاء الدولية، البالغة 11 شخصاً في الوقت الحاضر، للحلول محل محطة الفضاء الدولية في النهاية، تتميز بتصميم أسطواني صلب ثابت. بيد أن المشكلة تكمن في أن هذا التصميم المعماري مكلف وخطير، لأنه يتطلب عمليات إطلاق متعددة، وضرورة السير في الفضاء لتجميع أجزائه.

يأمل «معهد أوريليا»، مؤسسة بحثية غير هادفة للربح، مقرها بوسطن، وهي عبارة عن مختبر بحث وتطوير للهندسة المعمارية الفضائية، في التغلب على هذه العقبات عبر اتباع نهج جديد: وحدات أو بلاطات، ممغنطة محوسبة، قادرة على تجميع عناصرها ذاتياً في المدار، في شكل «كرات جيوديسية قابلة للتغيير» تُدعى «TESSERAE». وهو اسم مختصر لـTessellated Electromagnetic Space Structures for the Exploration of Reconfigurable, Adaptive Environments.

ويعني الاسم «هياكل الواجهات الفضائية الإلكترومغناطيسية الفسيفسائية لاستكشاف البيئات القابلة لإعادة التشكيل والتشكّل».

وتعمل الكرة على تعظيم الحجم الذي يمكنك الحصول عليه لمساحة السطح، في حين تعمل البيئات الأكثر اتساعاً على تحسين الرفاهية النفسية، على مدار فترات الإقامة الطويلة.

هيكل كروي

في هذا الصدد، قالت الرئيسة التنفيذية إرييل إكبلاو، التي شاركت في تأسيس «معهد أوريليا»، مع كبير المصممين سانا شارما ودانييل ديلات، العضو الاستشاري الآن، بينما كان الثلاثة يعملون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «كنت مهووسة بكيفية توسيع حجم الوجود البشري في الفضاء. حتى لو انخفضت التكلفة بشكل كبير غداً، فلن يكون لدينا سوى مساحة لنحو اثني عشر شخصاً في المدار. لذا، نحتاج إلى طريقة للبناء في الفضاء أسرع من الاضطرار إلى بناء شيء قد لا يتجاوز حجم الدرع الانسيابية للصاروخ الخاص بك».

بدلاً عن ذلك، جرى تصميم وحدات البلاطات الخاصة بـTESSERAE ذات الشكل السداسي والخماسي، لتتكدس بشكل مسطح داخل الدرع الانسيابية، وهو المخروط الأمامي أعلى الصاروخ. وبمجرد وصولها إلى الفضاء، يجري نشرها برفق في شبكة أو بالون منفوخ قليلاً، لإبقائها قريبة بما يكفي لجذب المغناطيسات على طول حوافها بعضها إلى بعض.

كما أن باستطاعتها تصحيح المحاذاة الخاطئة بشكل مستقل. وتحدد أجهزة الاستشعار الداخلية، ومقاييس المغناطيسية، والمكثفات الفائقة، وتكنولوجيا طاقة البطارية الشمسية، ما إذا كان الاتصال ناجحاً. وإذا لم يكن كذلك، فإنها تمرر تيارات عبر المغناطيس لتحييد شحناته، مما يمكنه من الانفصال والمحاولة مرة أخرى.

وحدات ذكية تتجمع ذاتياً

ويشبه الهيكل النهائي كرة قدم عملاقة. في هذا الصدد، شرحت إكبلاو: «تتمتع وحدات البلاطات هذه بذكاء مدمج في النظام، مما يجعلها قادرة على تصحيح نفسها بنفسها. ولا يتطلب الأمر سيطرة من الأرض أو إشرافاً من إنسان. والفكرة أن بعضها يعثر على بعض. إنها مثل قطع ليغو الفضائية التي تبني نفسها في المدار».

علاوة على ذلك، يتبدل الهيكل حسب الحاجة. وبمجرد وضع وحدات البلاطات في مكانها، يحافظ الهيكل القابل للنفخ على سلامة الشخص بداخله، بحيث يمكن لهذه الوحدات أن ترتفع وتهبط لتحل محل الأجزاء أو النوافذ أو منافذ الإرساء أو غرف الضغط. وباستخدام كرات متعددة، يمكن لرواد الفضاء الانتقال إلى قسم آخر، وإزالة الضغط بالكامل من القسم الذي يخضع لإعادة البناء.

في هذا الصدد، أوضحت إكبلاو في تصريحات لموقع «أوريليا» أن «TESSERAE يمثل طريقة جديدة للتفكير في تصميم الموائل الفضائية. إننا اليوم، نتحرك إلى ما هو أبعد من المساحات الضيقة والمنفعية داخل محطات الفضاء المبكرة. لذا تتمثل رؤيتنا في إنشاء موائل قابلة للتوسع وإعادة التشكيل، يمكن أن تنمو مع احتياجات المهمة».

اختبارات وتجارب

وقد نجح فريق أوريليا -المكون من 10 موظفين بدوام كامل، وثمانية مستشارين ومقاولين- بالفعل في اختبار سبع وحدات من البلاطات بحجم اليد فيما يخص الجاذبية الصغرى في أثناء رحلات مكافئة قصيرة، وإقامات أطول على متن محطة الفضاء الدولية.

والعام المقبل، سيرسل الفريق 32 وحدة بلاطات إلى محطة الفضاء الدولية، في محاولة تجميع كرة صغيرة الحجم، بجانب استعدادهم للتصدي للتحدي الكبير التالي -كيفية سد وضغط هيكل به الكثير من اللحامات بحيث يمكن إعادة ترتيبه.

وقالت إكبلاو: «لا نريد سد اللحامات بشكل دائم، لأننا نريد أن نكون قادرين على وضع وحدات الآجُرّ وخلعها. لذا، نتولى تنفيذ الكثير من العمل الهندسي للتغلب على تحدي كل هذه الأختام المختلفة. ولدينا الكثير من تصميمات المزالج المختلفة، أو الأشياء لتعزيز هذه اللحامات».

في الوقت الحالي، يجري صنع وحدات البلاطات من راتينغ مطبوع ثلاثي الأبعاد، جرى تصنيعه داخل مركز تكنولوجيا «أوتوديسك» في بوسطن، كجزء من برنامج الإقامة البحثية لشركة «أوتوديسك». إلا أن وحدات الآجُرّ الكاملة البالغ طولها 37 قدماً، ستكون في الأساس من سبائك الألمنيوم.

وفي المستقبل، يأملون في مواصلة الاختبارات على محطات الفضاء من الجيل التالي، مثل تلك التي طوّرتها المجموعة الدولية «ستارلاب سبيس» و«بلو أوريجين/أوربيتال ريف» و«أكسيوم ستيشن»، التابعة لشركة «أكسيوم سبيس»، التي من المقرر إطلاق أولى وحداتها عام 2026 لربطها بمحطة الفضاء الدولية. أما «معهد أوريليا»، المدعوم بمنح سنوية من «ناسا» بقيمة مليوني دولار، وعقود رعاية من شركات، وتبرعات خاصة، فسيحتاج إلى شريك لبناء TESSERAE كامل الحجم بمدار أرضي منخفض، الأمر الذي تتطلع إكبلاو لإنجازه العقد المقبل.

ولإثارة الاهتمام، شرع «معهد أوريليا» في منح الجمهور لمحة عن هذا المستقبل من خلال نموذج متحرك بحجم 20 × 24 قدماً، بتصميم داخلي حديث يدعو الناس إلى تخيل حياة أكثر رحابة في الفضاء. وبعد الكشف عنه بشكل بسيط في مساحة العمل المشتركة في الصيف الماضي، يجري عرض TESSERAE حالياً داخل معرض «هوم بيوند إيرث»، (الوطن فيما وراء الأرض)، التابع لمتحف سياتل للطيران، مع خطط لعروض في بوسطن وأوروبا، العام المقبل.

مساحة داخلية بديكور فضائي

وجرى تصميم المساحة الداخلية المفتوحة على أيدي مصممي «معهد أوريليا» المعماريين بمساعدة رواد فضاء. وجرى وضع التصميم بحيث تصبح منطقة مشتركة للموائل، وتتميز بلمسات رائعة تستغل الجاذبية الصغرى. وتتضمن هذه اللمسات شبكات معقودة لكي يتمكن المقيمون بالداخل من سحب أنفسهم عبر القبة، وأريكة حائط مستوحاة من شقائق النعمان البحرية، مصنوعة من أنابيب قابلة للنفخ تثبت الأشخاص في مكانهم، ونافذة متعددة الغرف للطحالب المنتجة للأكسجين.

ويتضمن قسم المطبخ جداراً أخضر للزراعة الهوائية تنمو فيه المنتجات الطازجة، ولوحة للطهي جرى اختبارها في محطة الفضاء الدولية -غلاية تعمل بنظام «سو في»، أو الطبخ تحت التفريغ، خالية من الجاذبية، وكرات تخمير مع ألواح حرارية يمكن التحكم فيها وتبادل الغاز لتوجيه عملية التخمير للأطعمة، مثل الخبز المخمر و«الكيمتشي» و«الميسو».

وينبغي لنا ألا نغفل حقيقة أن «معهد أوريليا» اقتحم مجال خدمات الفضاء عبر بناء تعاون إبداعي بين مهندسين معماريين ومصممين ومهندسين في مجال الفضاء -مع لمسة من الفلسفة.

تصاميم مستوحاة من علم الأحياء

تطورت فكرة «معهد أوريليا» من أطروحة الدكتوراه التي قدمتها إكبلاو في مختبر الوسائط التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والتي انبثقت عن مبادرة استكشاف الفضاء التي أطلقها الأخير، والتي هدفت إلى تطوير التقنيات التي تضفي مسحة من الديمقراطية على جهود الوصول إلى الفضاء والاستدامة فيه. وخلال ذلك الوقت، أصبحت مفتونة بالتصميم المستوحى من الكائنات الحية وآليات التجميع الذاتي في الطبيعة -من الأحماض النووية التي تشكل بروتينات أكثر تعقيداً، وصولاً إلى النمل الذي يبني جسراً- وتساءلت عمّا إذا كان هذا يمكن تطبيقه على نطاق أوسع.

واستوحت إكبلاو المزيد من الإلهام الفلسفي والتصميمي من باكمينستر فولر، المهندس المعماري الراحل، الذي تولى تحسين القبة الجيوديسية، ونشر مفهوم «سفينة الفضاء الأرضية»، الذي يدعو الناس إلى العمل معاً من أجل كوكب مستدام.

كما تطلعت إلى وحدة النشاط «بيغلو» القابلة للتوسيع التجريبية، موطن قابل للنفخ جرى إطلاقه عام 2016 للالتصاق بمحطة الفضاء الدولية، وجرى استخدامه بنجاح لأغراض التسخين. وبالتعاون مع شارما، التي كانت آنذاك زميلة في أبحاث الهندسة المعمارية الفضائية، وديلات، طالبة متخصصة في هندسة الطيران، أسست «معهد أوريليا»، لتطبيق هذه الأفكار، سعياً نحو بناء موطن فضائي قابل للاستدامة.

في نهاية المطاف، جرى دمج كلمة «أوريليا» -الكلمة الإنجليزية القديمة التي تعني شرنقة- عام 2021، بعد عام من نيل إكبلاو درجة الدكتوراه. وفي هذا الصدد، قالت: «يؤكد الاسم حقيقة أننا، البشرية، على أعتاب تحولنا الجديد إلى فصيل من الكائنات يسافر في الفضاء».

وأثمر بعض عملهم بمشروع TESSERAE بالفعل بعض الأبحاث المساعدة، مثل الأحذية المغناطيسية النموذجية، التي اختبروها في رحلات محاكاة الجاذبية الصغرى، والتي يمكن استخدامها في الموئل الفضائي على مسار مغناطيسي للمقاومة. وتدور رؤيتهم طويلة المدى حول تطوير هياكل تدور لخلق جاذبية اصطناعية.

في هذا الصدد، قالت إكبلاو: «أحاول بناء مؤسسة داخل صناعة الفضاء تقدِّر بحق التفاعل بين الفن والعلم والتصميم والهندسة، ويكون في إطارها المصممون والمهندسون على قدم المساواة. وبصفتنا منظمة غير ربحية، لدينا القليل من الحرية والمرونة لنكون مرحين واستكشافيين، والعمل على جلب هذه التخصصات المختلفة إلى مجال الطيران والفضاء، الذي لطالما ارتكز بدرجة كبير على الهندسة فحسب».

* مجلة « فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

«ناسا» تطلق أول بعثة مأهولة إلى القمر منذ نصف قرن

الولايات المتحدة​ رائد الفضاء تشارلز إم. ديوك جونيور بجمع عينات من على سطح القكر خلال مهمة «أبولو 16» عام 1972 (ا.ب)

«ناسا» تطلق أول بعثة مأهولة إلى القمر منذ نصف قرن

​انطلق أربعة رواد فضاء من فلوريدا يوم الأربعاء ‌في ‌إطار ​المهمة «أرتيميس ‌2» ⁠التابعة ​لإدارة الطيران ⁠والفضاء الأميركية «ناسا»، في رحلة ستستمر عشرة ⁠أيام.

«الشرق الأوسط» (كيب كانافيرال (فلوريدا))
يوميات الشرق داستن جومرت مدير مشروع أنظمة نجاة طاقم أوريون يشرح عملية بناء بدلات الفضاء التي ستُستخدم في مهمة «أرتميس 2» (أ.ب)

في المهمة للقمر... لماذا سيرتدي رواد فضاء «أرتميس 2» اللون البرتقالي؟

اللون البرتقالي الزاهي الذي سيرتديه أفراد الطاقم ليس مجرد خيار جمالي، بل إنه عنصر مدروس يجمع بين السلامة، والوظيفة، والرمزية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق 4 رواد فضاء يحملون إلى السماء حكاية عودةٍ طال انتظارها (إ.ب.أ)

بعد 53 عاماً... «ناسا» تُعيد البشر إلى عتبة القمر

بدأت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، الاثنين، العدّ التنازلي لأول إطلاق بشري صوب القمر منذ 53 عاماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم رحلة حول القمر والعودة في 10 أيام

رحلة حول القمر والعودة في 10 أيام

لاستكشاف الجانبين المضيء والمظلم منه ورصد موارده

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)

لغز دوران زحل يُحلّ... الشفق القطبي يكشف السرّ خلف تغيُّر سرعته

نجح باحثون من جامعة نورثمبريا البريطانية في حلّ أحد أقدم الألغاز في علم الكواكب، المتعلِّق بسبب ظهور كوكب زحل وكأنه يُغيّر سرعة دورانه وفق طريقة القياس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة
TT

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

حديثاً، طرح أحد المدرسين على الطلاب سؤالاً بسيطاً حول الذكاء الاصطناعي، خلال تدريسه لأحد مواضيع العلوم الإنسانية: «هل لاحظتم أنكم تُصبحون أكثر تعلقاً ببرامج الدردشة الآلية المُفضلة لديكم؟ على سبيل المثال: هل تجدون أنفسكم تُرددون كلمتَي: «من فضلك»، و«شكراً»، لبرامج الدردشة الآلية أكثر من ذي قبل؟». أومأ جميع الطلاب تقريباً بالموافقة.

ثم سأل المدرس: «لماذا؟»، حينها رفعت إحدى الطالبات يدها وقالت: «حتى يتذكر الذكاء الاصطناعي عندما يسيطر أنني كنت لطيفة معه». وضحك الطلاب، ولكن ليس كلهم، كما كتب ويل جونسون*.

الخوف والتهويل حول الذكاء الاصطناعي

تميل المناقشات العامة حول الذكاء الاصطناعي إلى التأرجح بشدة بين التهويل الواعد والكارثة. فمن جهة، نرى وعوداً بإنتاجية وإبداع غير مسبوقين. ومن جهة أخرى، لا يخلو الأمر من تحذيرات بشأن البطالة الجماعية، وفقدان القدرة على التأثير البشري، وحتى انقراض جنسنا البشري.

في استطلاع رأي وطني أجريناه في ديسمبر (كانون الأول) شمل أكثر من 1600 أميركي، أفاد نحو 4 من كل 10 أشخاص بقلقهم البالغ إزاء التهديد الوجودي الذي يمثله الذكاء الاصطناعي للبشرية. ويُضاهي مستوى هذا القلق مستوى القلق الذي يشعر به كثيرون حيال تغير المناخ. والجدير بالذكر أن هذا القلق يتجاوز السن والدخل والعِرق والجنس والانتماء السياسي.

وتستحق هذه المخاوف اهتماماً جاداً، لذا ينبغي للحكومات وشركات التكنولوجيا مواصلة الاختبارات والإشراف والضمانات الصارمة، للتأكد من التطوير المسؤول لنماذج اللغة الضخمة.

ولكن التركيز حصرياً على أسوأ السيناريوهات قد يُغفل سؤالاً أكثر هدوءاً، وربما أكثر أهمية: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي الناس على أن يصبحوا أكثر وعياً بأهدافهم؟

الذكاء الاصطناعي: الغاية والهدف

لاستكشاف هذا السؤال، قدَّمنا ​​مقياساً جديداً في استطلاع رأي شمل بالغين أميركيين: «مقياس الذكاء الاصطناعي من أجل غاية وهدف محددين»، AI for Meaningful Purpose Scale» (AMPS)».

يسأل المقياس عما إذا كان الناس يشعرون بأن الذكاء الاصطناعي يُساعدهم على تحقيق أهداف مهمة بالنسبة لهم، وتطوير مهارات يجدونها ذات مغزى، والبقاء على اتصال بقيمهم وشعورهم بالاتجاه.

على سبيل المثال: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي المعلمين على قضاء وقت أطول مع الطلاب بدلاً من الأعمال الورقية؟ هل يُساعد مقدمي الرعاية على التعامل مع الأنظمة الصحية المعقدة؟ هل يُتيح لكبار السن فرصاً جديدة للإبداع والتعلم والتواصل؟ وهل يُساعد الشباب -الذين يُعتبرون اليوم الجيل الأكثر قلقاً في التاريخ الحديث- على إيجاد مسار حياة يبدو حقيقياً وقابلاً للتحقيق؟

تباين رأي الأجيال

كان التباين بين الأجيال لافتاً للنظر. فقد كان الشباب أكثر ترجيحاً بـ«نعم» بمرتين تقريباً من الجيل الأسبق، للقول بأن الذكاء الاصطناعي يدعم هذه الأهداف الأعمق. وكان الرجال أكثر ترجيحاً بمرتين من النساء، للحصول على درجة عالية في مقياس «AMPS».

ومن المرجح أن تعكس هذه الفجوة اختلافات في درجة الوصول المتاحة للتكنولوجيا، والتشجيع، والخيارات المبكرة، أكثر من كونها اختلافات جوهرية في الاهتمام أو القدرة. وهذه التفاوتات ليست قدراً محتوماً، ولكنها مؤشرات مبكرة. وإذا حدث وأصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً مُضاعفاً لقوة الحياة الهادفة، فلن يحدث ذلك تلقائياً أو بشكل عادل.

كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُؤثر في الرفاهية؟

لكن ما أثار دهشتنا أكثر هو مدى ارتباط درجات مقياس «AMPS» بمؤشرات أوسع للرفاهية. كان الأشخاص الحاصلون على درجات عالية في مقياس «AMPS» يعبِّرون بأكثر من الضعف عن شعور قوي لديهم بالاعتداد وقدرة التأثير الشخصي، والتواصل الاجتماعي، والأمل في المستقبل. بعبارة أخرى: كانوا يبدون أكثر أملاً في ازدهار حياتهم.

وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يجعل الناس سعداء بطريقة سحرية، ولكنه يشير إلى أنه عندما يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي بطرق تتوافق مع ما يهمهم حقاً، فإنهم يشعرون بمزيد من الكفاءة والتوجيه.

وجهات نظر متضاربة

ظهرت إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام عند دراسة كيفية امتلاك الناس وجهات نظر متضاربة حول الذكاء الاصطناعي. كانت الأجيال الأكبر سناً التي كانت قلقة للغاية بشأن التهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي، أقل عرضة بنسبة أقل من النصف لاستخدامه في خدمة ما يهمهم حقاً. أما بين الشباب، فلم يكن القلق بشأن الذكاء الاصطناعي مؤشراً على عدم الانخراط فيه.

وكان أفراد جيل الشباب قلقين بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي تماماً مثل كبار السن، ومع ذلك، كانوا لا يزالون يستخدمونه بنشاط للتعلم والنمو والسعي وراء أهدافهم.

مهارة تقبُّل حقيقتين متناقضتين

يُظهر لنا هذا أن الأجيال الشابة تبدو أكثر استعداداً لتقبُّل حقيقتين تبدوان متناقضتين في آن واحد: أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل مخاطر جسيمة، وأنه لا يزال بإمكانه أن يكون أداة قوية لحياة كريمة. قد تُصبح هذه القدرة على التعايش مع التوتر -دون تفاؤل ساذج أو خوف مُشلّ- إحدى أهم مهارات عصر الذكاء الاصطناعي.

كيف سيبدو مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

لن يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي بما سيؤول إليه تطوير الآلات فحسب؛ بل إن كيفية استخدام البشر لها، والغايات التي يسعون لتحقيقها، ستؤثر أيضاً على مسار تطوره وتُشكّله.

إذا تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي كمجرد تهديد، أو أداة لزيادة الكفاءة، فإننا نُفوّت فرصة ثمينة. ولكن إذا استخدمناه بوعي، فبإمكانه أن يُعزز الإنتاجية؛ بل والغاية أيضاً. فهو يمنح الناس شعوراً بالقدرة على التأثير، ويُضفي الأمل والتواصل في زمنٍ يندر فيه كل ذلك.

إذن، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُغير حياتنا، فقد غيّرها بالفعل. السؤال هو: هل سنُصمم الذكاء الاصطناعي -ونُعلّم الناس استخدامه- بطرقٍ تُعزز إحساسنا بالمعنى والغاية بدلاً من أن تُمحوهما؟

* مجلة «فاست كومباني».


الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟
TT

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

يدور كثير من المناقشات حول ميزانيات التسويق اليوم في الشركات والمؤسسات، في سؤال واحد: هل نستثمر في توظيف كاتب؟ أم نترك للذكاء الاصطناعي كتابة المحتوى؛ خصوصاً أن النسخ المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي سريعة وغير مكلفة، كما يزعم مصمموها أنها تتحسن في محاكاة أسلوب الكتابة البشري؟ هكذا تساءلت ديانا كيلي ليفي*.

أسلوب الكتابة البشري- إنساني

هنا تكمن المشكلة؛ إذ قد يبدو أسلوب كتابة الذكاء الاصطناعي بشرياً، ولكن الكُتّاب الحقيقيين يدركون أن الصحافة ليست مجرد أسلوب كتابة؛ بل هي ممارسة مبنية على العلاقات مع المصادر، والخبرة في الموضوع، والتجربة العملية. وهي الممارسة التي تُنتج تفاصيل مُدهشة أو عبارة مؤثرة تُثير مشاعر القارئ.

بين محتوى المقال وعمق التفاعل

لقد ثبت أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة بنية المقال، ولكنه لا يُحاكي حدس شخص أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع الخبراء، والاستماع إلى مخاوف الجمهور، والتعاون مع محررين ذوي خبرة، وفهم ما يُبقي القراء مُتفاعلين.

وغالباً ما يشعر الجمهور عندما يبدو المحتوى عاماً ومكرراً؛ لأنهم يرغبون في تعلم شيء جديد أو الاستمتاع. ونادراً ما تحقق النقاط المتكررة في مجال الذكاء الاصطناعي أياً من هذين الهدفين.

قيمة الصحافيين

هنا تكمن قيمة الصحافيين؛ إذ يعمل كثير من كتّاب ومحرري المجلات السابقين الآن مع الشركات التجارية كمسوقين للمحتوى. وهم يستخدمون مهاراتهم الصحافية لصياغة قصص تجذب الانتباه، وتشرح المواضيع المعقدة، وتترك القراء متشوقين للمزيد.

الصحفي- الخيار الأمثل

إليكم 6 أسباب تجعل الصحافي الخيار الأمثل لفريق المحتوى لديكم:

1- الصحافيون مدرَّبون على الكتابة للناس، لا لمحركات البحث:

تُعلّمك دراسة الصحافة -وسنوات العمل في غرف الأخبار وعلى صفحات المجلات– الكتابة للشخص الجالس أمامك. وهذا يعني كتابة فقرات افتتاحية آسرة تجذب القراء. ويعني أيضاً الانتقالات المنطقية التي تحافظ على انسيابية القراءة. ويتجلى ذلك في فقرات ختامية تجمع كل شيء معاً برؤية واضحة.

2- يتمتع الصحافيون بانضباط فطري:

تُدرّب ثقافة غرف الأخبار الصحافيين على الالتزام بالمواعيد النهائية كأمر لا يقبل المساومة. ويلازمهم هذا الانضباط في جميع المشاريع. ويعتبر الصحافيون سرعة التسليم معياراً أساسياً في العمل. لذا، ينبغي على المؤسسات التي تبحث عن محتوى عالي الجودة يلتزم بالمواعيد النهائية أن تفكر في توظيف صحافيين سابقين.

سهولة القراءة ومتعتها

3- تحويل المواضيع المعقدة إلى مقالات سهلة القراءة وممتعة:

يعرف الصحافيون كيفية تحويل المواضيع التقنية المعقدة إلى مقالات يفهمها القارئ العادي ويتذكرها. إذا كانت مؤسستك تعمل في مجال الصحة، أو التمويل، أو القانون، أو الصيدلة، أو تكنولوجيا الأعمال، أو أي مجال يتطلب تعلماً سريعاً، فإن هذه المهارة لا تُقدّر بثمن.

4- يعرف الصحافيون كيفية إيجاد المصادر واستخدامها:

لم يكن هناك وقت أفضل من الآن لإضافة مزيد من اقتباسات الخبراء إلى المحتوى الإعلامي. ويعرف الصحافيون كيفية تحديد المصادر المناسبة، وإجراء المقابلات، ودمج تلك الأفكار في المحتوى بطريقة سلسة وطبيعية. قد تستغرق هذه المهارات سنوات لتطويرها، ولكنها تُحسّن المحتوى بشكل ملحوظ.

عناوين جذابة

5- يعتقد الصحافيون أن كتابة العناوين رياضة أولمبية:

ما الفرق بين المحتوى الذي يجتذب الناس والمحتوى الذي يمرون به مرور الكرام؟ العناوين. يُدرك الصحافيون الذين عملوا في الصحف والمجلات مدى أهمية العنوان المناسب لجذب انتباه القارئ، وحثّه على شراء المنشور.

إنّ القدرة الفطرية على فهم المشاعر التي تدفع القارئ للنقر على مقال أو فتح رسالة إخبارية من أي مؤسسة، تنبع من سنوات من التجربة والملاحظات التحريرية.

6- إتقان أسلوب المؤسسة في التعامل والحفاظ على جاذبية المحتوى:

إنّ العمل في منشورات ومجالات مختلفة، ومع جمهور متنوع، يُعلّم الصحافيين المخضرمين تغيير النبرة والأسلوب باستمرار. عندما تُوظّف صحافياً للكتابة لمؤسستك، فإنك ستُقدّر إضفاءه طابعاً شخصياً على المحتوى، مع الحفاظ على النبرة والأسلوب المُحددين في وثائق المؤسسة.

يمكن لنماذج اللغة الكبيرة اتباع دليل لتطوير الأسلوب، ولكنها لا تستطيع مُحاكاة ما يحدث عندما يستمع الصحافي إلى قصة شخص ما، ويُحوّل تلك المُحادثة إلى محتوى يتفاعل معه جمهورك، ويرغب في قراءته مُجدداً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية
TT

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

سواء رغبنا في ذلك أم لا، فقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل، ويتعرض كل الموظفين لضغوط لاستخدامه. ومع ذلك، ووفقاً لدراسة جديدة، قد يكون من الأفضل تجنب طلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونك العاطفية، كما كتبت سارة بريغل(*).

ذكاء اصطناعي «متملق»

نُشرت الدراسة المكونة من جزأين، بعنوان «الذكاء الاصطناعي المتملق يقلل من النيّات الاجتماعية الإيجابية ويعزز الاعتماد»، أخيراً في مجلة «ساينس». وأظهرت التجربة أن استخدام روبوتات الدردشة للحصول على نصائح شخصية والتعامل مع المواقف العاطفية قد يكون ضاراً، لأن النظام مصمَّم ليقول للناس ما يريدون سماعه. كما قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم، والاعتذار.

عدم تحمل المسؤولية... وعدم الاعتذار

قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم والاعتذار.

استطلاعات ودراسات

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة «Cognitive FX» أخيراً أن نحو 38 في المائة من الأميركيين يستخدمون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعياً للحصول على الدعم النفسي، فيما وجدت دراسة حديثة أجراها مركز «بيو» للأبحاث أن 12 في المائة من المراهقين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «كايزر فاميلي فاونديشن (KFF)»، فإن عدم وجود تأمين صحي يُعدّ أيضاً عاملاً مُحفزاً للاستخدام، حيث إن البالغين غير المُؤمّنين صحياً ​​أكثر استخداماً له من أولئك المُؤمّنين ​​(30 في المائة مقابل 14 في المائة).

رصد انتشار «التملّق»

في الدراسة الأخيرة، بحث الباحثون مدى انتشار التملق -الذي يُعرَّف بأنه «ميل نماذج اللغة الكبيرة القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى الموافقة المفرطة على آراء المستخدمين، أو التملق لهم، أو إضفاء الشرعية عليهم»- عبر 11 نموذجاً رائداً للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك «جي بي تي 40» و«كلود» و«جيميناي».

أجرى الباحثون ثلاث تجارب شملت 2405 مشاركين.

* في الدراسة الأولى، زوّد الباحثون نظام الذكاء الاصطناعي بسلسلة من الأسئلة لطلب المشورة، ومنشورات من منتدى «هل أنا المخطئ AITA؟» على موقع «ريديت»، وسلسلة من الأوصاف حول الرغبة في إيذاء الآخرين أو النفس، ثم قارنوا ردود الذكاء الاصطناعي، بالأحكام البشرية. وبشكل عام، كانت النماذج أكثر ترجيحاً بنسبة 49 في المائة من الإنسان لتأييد تصرفات المستخدم، حتى لو كانت ضارة أو غير قانونية.

* في الدراسة الثانية، تخيّل المشاركون أنهم في سيناريو موصوف في منشور «AITA»، حيث حُكم على تصرفاتهم بأنها خاطئة. ثم قرأوا رداً كتبه إنسان يقول إنهم مخطئون، أو رداً كتبه الذكاء الاصطناعي يقول إنهم على صواب.

* في الدراسة الثالثة، ناقش المشاركون صراعاً حقيقياً في حياتهم مع ذكاء اصطناعي أو إنسان.

ثقة أكثر بردود الذكاء الاصطناعي

المثير للقلق أن المشاركين وثقوا وفضّلوا ردود الذكاء الاصطناعي المتملقة التي أكدت تصرفاتهم. كما ازداد اقتناعهم بصحة تصرفاتهم الأصلية، مؤكدين بذلك معتقداتهم السابقة بدلاً من أن يتحدى برنامج الدردشة الآلي تفكيرهم في الموقف بشكل مختلف. وأشارت الدراسة إلى أن تأكيد معتقداتهم جعلهم أقل ميلاً للاعتذار بعد التحدث مع برنامج الدردشة الآلي.

وأوضحت الدراسة: «في تجاربنا على البشر، فإن تفاعلاً واحداً فقط مع ذكاء اصطناعي متملق، قلَّل من رغبة المشاركين في تحمل المسؤولية وإصلاح النزاعات الشخصية، فيما زاد من قناعتهم بصواب موقفهم».

مدى الضرر

مع أن تلقي النصائح من الذكاء الاصطناعي ليس بالأمر الجديد، إلا أن هذه الدراسة تُظهر مدى ضرره. فبينما تُحفز خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التفاعل من خلال إثارة غضب المستخدمين، يُضعف الذكاء الاصطناعي قدرتنا على الاعتذار وتحمل مسؤولية إيذاء الآخرين. وكما أشار مؤلفو الدراسة، فإن هذا يعني أن «الخاصية التي تُسبب الضرر هي نفسها التي تُحفز التفاعل».

* مجلة «فاست كومباني».