محطة فضاء دولية جديدة بتصاميم مطورة

تتولى بنفسها تجميع وحداتها

نموذج لتصميم كروي لمحطة فضاء جديدة
نموذج لتصميم كروي لمحطة فضاء جديدة
TT

محطة فضاء دولية جديدة بتصاميم مطورة

نموذج لتصميم كروي لمحطة فضاء جديدة
نموذج لتصميم كروي لمحطة فضاء جديدة

يبدو أن الطفرة المقبلة في مجال الإسكان سيكون مسرحها الفضاء. وتدفع عوامل متنوعة وهي: المساعي لاستبدال «محطة الفضاء الدولية» القديمة، المقرر أن يوقف تشغيلها عام 2030، وكذلك مهمة «أرتميس»، التابعة لوكالة «ناسا»، التي تهدف لإعادة البشر إلى القمر وربما المريخ، والاقتصاد المزدهر المرتبط بالرحلات إلى القمر... تدفع إلى تحفيز فرق المهندسين والمصممين على إعادة تصور الموائل للعيش والعمل في الفضاء لفترات أطول.

الباحثتان إرييل إكبلاو وسانا شارما داخل نموذج التصميم

تصاميم متطورة لمحطات فضائية

والملاحَظ أن تصاميم معظم محطات الفضاء من الجيل الجديد، التي تتنافس على زيادة سعة محطة الفضاء الدولية، البالغة 11 شخصاً في الوقت الحاضر، للحلول محل محطة الفضاء الدولية في النهاية، تتميز بتصميم أسطواني صلب ثابت. بيد أن المشكلة تكمن في أن هذا التصميم المعماري مكلف وخطير، لأنه يتطلب عمليات إطلاق متعددة، وضرورة السير في الفضاء لتجميع أجزائه.

يأمل «معهد أوريليا»، مؤسسة بحثية غير هادفة للربح، مقرها بوسطن، وهي عبارة عن مختبر بحث وتطوير للهندسة المعمارية الفضائية، في التغلب على هذه العقبات عبر اتباع نهج جديد: وحدات أو بلاطات، ممغنطة محوسبة، قادرة على تجميع عناصرها ذاتياً في المدار، في شكل «كرات جيوديسية قابلة للتغيير» تُدعى «TESSERAE». وهو اسم مختصر لـTessellated Electromagnetic Space Structures for the Exploration of Reconfigurable, Adaptive Environments.

ويعني الاسم «هياكل الواجهات الفضائية الإلكترومغناطيسية الفسيفسائية لاستكشاف البيئات القابلة لإعادة التشكيل والتشكّل».

وتعمل الكرة على تعظيم الحجم الذي يمكنك الحصول عليه لمساحة السطح، في حين تعمل البيئات الأكثر اتساعاً على تحسين الرفاهية النفسية، على مدار فترات الإقامة الطويلة.

هيكل كروي

في هذا الصدد، قالت الرئيسة التنفيذية إرييل إكبلاو، التي شاركت في تأسيس «معهد أوريليا»، مع كبير المصممين سانا شارما ودانييل ديلات، العضو الاستشاري الآن، بينما كان الثلاثة يعملون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «كنت مهووسة بكيفية توسيع حجم الوجود البشري في الفضاء. حتى لو انخفضت التكلفة بشكل كبير غداً، فلن يكون لدينا سوى مساحة لنحو اثني عشر شخصاً في المدار. لذا، نحتاج إلى طريقة للبناء في الفضاء أسرع من الاضطرار إلى بناء شيء قد لا يتجاوز حجم الدرع الانسيابية للصاروخ الخاص بك».

بدلاً عن ذلك، جرى تصميم وحدات البلاطات الخاصة بـTESSERAE ذات الشكل السداسي والخماسي، لتتكدس بشكل مسطح داخل الدرع الانسيابية، وهو المخروط الأمامي أعلى الصاروخ. وبمجرد وصولها إلى الفضاء، يجري نشرها برفق في شبكة أو بالون منفوخ قليلاً، لإبقائها قريبة بما يكفي لجذب المغناطيسات على طول حوافها بعضها إلى بعض.

كما أن باستطاعتها تصحيح المحاذاة الخاطئة بشكل مستقل. وتحدد أجهزة الاستشعار الداخلية، ومقاييس المغناطيسية، والمكثفات الفائقة، وتكنولوجيا طاقة البطارية الشمسية، ما إذا كان الاتصال ناجحاً. وإذا لم يكن كذلك، فإنها تمرر تيارات عبر المغناطيس لتحييد شحناته، مما يمكنه من الانفصال والمحاولة مرة أخرى.

وحدات ذكية تتجمع ذاتياً

ويشبه الهيكل النهائي كرة قدم عملاقة. في هذا الصدد، شرحت إكبلاو: «تتمتع وحدات البلاطات هذه بذكاء مدمج في النظام، مما يجعلها قادرة على تصحيح نفسها بنفسها. ولا يتطلب الأمر سيطرة من الأرض أو إشرافاً من إنسان. والفكرة أن بعضها يعثر على بعض. إنها مثل قطع ليغو الفضائية التي تبني نفسها في المدار».

علاوة على ذلك، يتبدل الهيكل حسب الحاجة. وبمجرد وضع وحدات البلاطات في مكانها، يحافظ الهيكل القابل للنفخ على سلامة الشخص بداخله، بحيث يمكن لهذه الوحدات أن ترتفع وتهبط لتحل محل الأجزاء أو النوافذ أو منافذ الإرساء أو غرف الضغط. وباستخدام كرات متعددة، يمكن لرواد الفضاء الانتقال إلى قسم آخر، وإزالة الضغط بالكامل من القسم الذي يخضع لإعادة البناء.

في هذا الصدد، أوضحت إكبلاو في تصريحات لموقع «أوريليا» أن «TESSERAE يمثل طريقة جديدة للتفكير في تصميم الموائل الفضائية. إننا اليوم، نتحرك إلى ما هو أبعد من المساحات الضيقة والمنفعية داخل محطات الفضاء المبكرة. لذا تتمثل رؤيتنا في إنشاء موائل قابلة للتوسع وإعادة التشكيل، يمكن أن تنمو مع احتياجات المهمة».

اختبارات وتجارب

وقد نجح فريق أوريليا -المكون من 10 موظفين بدوام كامل، وثمانية مستشارين ومقاولين- بالفعل في اختبار سبع وحدات من البلاطات بحجم اليد فيما يخص الجاذبية الصغرى في أثناء رحلات مكافئة قصيرة، وإقامات أطول على متن محطة الفضاء الدولية.

والعام المقبل، سيرسل الفريق 32 وحدة بلاطات إلى محطة الفضاء الدولية، في محاولة تجميع كرة صغيرة الحجم، بجانب استعدادهم للتصدي للتحدي الكبير التالي -كيفية سد وضغط هيكل به الكثير من اللحامات بحيث يمكن إعادة ترتيبه.

وقالت إكبلاو: «لا نريد سد اللحامات بشكل دائم، لأننا نريد أن نكون قادرين على وضع وحدات الآجُرّ وخلعها. لذا، نتولى تنفيذ الكثير من العمل الهندسي للتغلب على تحدي كل هذه الأختام المختلفة. ولدينا الكثير من تصميمات المزالج المختلفة، أو الأشياء لتعزيز هذه اللحامات».

في الوقت الحالي، يجري صنع وحدات البلاطات من راتينغ مطبوع ثلاثي الأبعاد، جرى تصنيعه داخل مركز تكنولوجيا «أوتوديسك» في بوسطن، كجزء من برنامج الإقامة البحثية لشركة «أوتوديسك». إلا أن وحدات الآجُرّ الكاملة البالغ طولها 37 قدماً، ستكون في الأساس من سبائك الألمنيوم.

وفي المستقبل، يأملون في مواصلة الاختبارات على محطات الفضاء من الجيل التالي، مثل تلك التي طوّرتها المجموعة الدولية «ستارلاب سبيس» و«بلو أوريجين/أوربيتال ريف» و«أكسيوم ستيشن»، التابعة لشركة «أكسيوم سبيس»، التي من المقرر إطلاق أولى وحداتها عام 2026 لربطها بمحطة الفضاء الدولية. أما «معهد أوريليا»، المدعوم بمنح سنوية من «ناسا» بقيمة مليوني دولار، وعقود رعاية من شركات، وتبرعات خاصة، فسيحتاج إلى شريك لبناء TESSERAE كامل الحجم بمدار أرضي منخفض، الأمر الذي تتطلع إكبلاو لإنجازه العقد المقبل.

ولإثارة الاهتمام، شرع «معهد أوريليا» في منح الجمهور لمحة عن هذا المستقبل من خلال نموذج متحرك بحجم 20 × 24 قدماً، بتصميم داخلي حديث يدعو الناس إلى تخيل حياة أكثر رحابة في الفضاء. وبعد الكشف عنه بشكل بسيط في مساحة العمل المشتركة في الصيف الماضي، يجري عرض TESSERAE حالياً داخل معرض «هوم بيوند إيرث»، (الوطن فيما وراء الأرض)، التابع لمتحف سياتل للطيران، مع خطط لعروض في بوسطن وأوروبا، العام المقبل.

مساحة داخلية بديكور فضائي

وجرى تصميم المساحة الداخلية المفتوحة على أيدي مصممي «معهد أوريليا» المعماريين بمساعدة رواد فضاء. وجرى وضع التصميم بحيث تصبح منطقة مشتركة للموائل، وتتميز بلمسات رائعة تستغل الجاذبية الصغرى. وتتضمن هذه اللمسات شبكات معقودة لكي يتمكن المقيمون بالداخل من سحب أنفسهم عبر القبة، وأريكة حائط مستوحاة من شقائق النعمان البحرية، مصنوعة من أنابيب قابلة للنفخ تثبت الأشخاص في مكانهم، ونافذة متعددة الغرف للطحالب المنتجة للأكسجين.

ويتضمن قسم المطبخ جداراً أخضر للزراعة الهوائية تنمو فيه المنتجات الطازجة، ولوحة للطهي جرى اختبارها في محطة الفضاء الدولية -غلاية تعمل بنظام «سو في»، أو الطبخ تحت التفريغ، خالية من الجاذبية، وكرات تخمير مع ألواح حرارية يمكن التحكم فيها وتبادل الغاز لتوجيه عملية التخمير للأطعمة، مثل الخبز المخمر و«الكيمتشي» و«الميسو».

وينبغي لنا ألا نغفل حقيقة أن «معهد أوريليا» اقتحم مجال خدمات الفضاء عبر بناء تعاون إبداعي بين مهندسين معماريين ومصممين ومهندسين في مجال الفضاء -مع لمسة من الفلسفة.

تصاميم مستوحاة من علم الأحياء

تطورت فكرة «معهد أوريليا» من أطروحة الدكتوراه التي قدمتها إكبلاو في مختبر الوسائط التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والتي انبثقت عن مبادرة استكشاف الفضاء التي أطلقها الأخير، والتي هدفت إلى تطوير التقنيات التي تضفي مسحة من الديمقراطية على جهود الوصول إلى الفضاء والاستدامة فيه. وخلال ذلك الوقت، أصبحت مفتونة بالتصميم المستوحى من الكائنات الحية وآليات التجميع الذاتي في الطبيعة -من الأحماض النووية التي تشكل بروتينات أكثر تعقيداً، وصولاً إلى النمل الذي يبني جسراً- وتساءلت عمّا إذا كان هذا يمكن تطبيقه على نطاق أوسع.

واستوحت إكبلاو المزيد من الإلهام الفلسفي والتصميمي من باكمينستر فولر، المهندس المعماري الراحل، الذي تولى تحسين القبة الجيوديسية، ونشر مفهوم «سفينة الفضاء الأرضية»، الذي يدعو الناس إلى العمل معاً من أجل كوكب مستدام.

كما تطلعت إلى وحدة النشاط «بيغلو» القابلة للتوسيع التجريبية، موطن قابل للنفخ جرى إطلاقه عام 2016 للالتصاق بمحطة الفضاء الدولية، وجرى استخدامه بنجاح لأغراض التسخين. وبالتعاون مع شارما، التي كانت آنذاك زميلة في أبحاث الهندسة المعمارية الفضائية، وديلات، طالبة متخصصة في هندسة الطيران، أسست «معهد أوريليا»، لتطبيق هذه الأفكار، سعياً نحو بناء موطن فضائي قابل للاستدامة.

في نهاية المطاف، جرى دمج كلمة «أوريليا» -الكلمة الإنجليزية القديمة التي تعني شرنقة- عام 2021، بعد عام من نيل إكبلاو درجة الدكتوراه. وفي هذا الصدد، قالت: «يؤكد الاسم حقيقة أننا، البشرية، على أعتاب تحولنا الجديد إلى فصيل من الكائنات يسافر في الفضاء».

وأثمر بعض عملهم بمشروع TESSERAE بالفعل بعض الأبحاث المساعدة، مثل الأحذية المغناطيسية النموذجية، التي اختبروها في رحلات محاكاة الجاذبية الصغرى، والتي يمكن استخدامها في الموئل الفضائي على مسار مغناطيسي للمقاومة. وتدور رؤيتهم طويلة المدى حول تطوير هياكل تدور لخلق جاذبية اصطناعية.

في هذا الصدد، قالت إكبلاو: «أحاول بناء مؤسسة داخل صناعة الفضاء تقدِّر بحق التفاعل بين الفن والعلم والتصميم والهندسة، ويكون في إطارها المصممون والمهندسون على قدم المساواة. وبصفتنا منظمة غير ربحية، لدينا القليل من الحرية والمرونة لنكون مرحين واستكشافيين، والعمل على جلب هذه التخصصات المختلفة إلى مجال الطيران والفضاء، الذي لطالما ارتكز بدرجة كبير على الهندسة فحسب».

* مجلة « فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

يوميات الشرق صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم صاروخ «أرتميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود في مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

«ناسا» تحدد 6 مارس أقرب موعد لإرسال رواد فضاء في رحلة حول القمر

أعربت وكالة «ناسا» عن التفاؤل، الجمعة، بعد أن كشف اختبار أرضي ثان لمهمتها المتمثلة في إرسال طاقم حول القمر في أقرب وقت ممكن تقدما كبيرا بعد مشاكل تقنية سابقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ رائدا الفضاء سوني ويليامز وباري ويلمور (أ.ب)

«ناسا» تصنف حادثة رواد الفضاء العالقين كحدث خطير

صنفت وكالة «ناسا» خلل المركبة الفضائية الذي أجبر رائدي فضاء على البقاء في محطة الفضاء الدولية لمدة أطول بنحو تسعة أشهر مما كان مخططا له كحدث خطير.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق السماء أيضاً تحتفظ ببقايا ما يعبُرها (شاترستوك)

ماذا يترك الصاروخ خلفه عندما يحترق؟

رصد باحثون على ارتفاع نحو 96 كيلومتراً تركيزاً مرتفعاً بشكل ملحوظ من ذرات الليثيوم، بلغ نحو 10 أضعاف المعدل الطبيعي.

«الشرق الأوسط» (كولونغسبورن (ألمانيا))
الولايات المتحدة​ لارا ترمب زوجة ابن الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لارا ترمب تكشف: الرئيس لديه خطاب جاهز للإعلان عن اكتشاف حياة فضائية

صرّحت لارا ترمب، زوجة ابن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بأن الأخير يمتلك خطاباً مُعدّاً مسبقاً وجاهزاً لإلقائه في حال الإعلان عن اكتشاف كائنات فضائية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.