الذكاء الاصطناعي نجح في إنجاز محرك صاروخي متطور في 3 أسابيع

استغرق تطويره من وكالة «ناسا» عقوداً

الذكاء الاصطناعي نجح في إنجاز محرك صاروخي متطور في 3 أسابيع
TT

الذكاء الاصطناعي نجح في إنجاز محرك صاروخي متطور في 3 أسابيع

الذكاء الاصطناعي نجح في إنجاز محرك صاروخي متطور في 3 أسابيع

نجح نظام ذكاء اصطناعي يسمى «نويرون Noyron» في تصميم وتصنيع واختبار أحد أكثر محركات الصواريخ تحدياً في صناعة الطيران والفضاء: محرك دفع هوائي مبرد.

محركات «آيروسبايك»

من الناحية النظرية، يحافظ تصميم محرك الدفع الهوائي cryogenic aerospike thruster (محرك آيروسبايك)على كفاءة عالية عبر مجموعة واسعة من الارتفاعات، مما يجعلها مثالية للصواريخ التي يمكنها الانتقال من سطح الأرض إلى المدار على متن سفينة فضائية واحدة. هذا النوع من المركبات -المسمى مرحلة واحدة إلى المدار (بدلاً من المحركات الصاروخية المختلفة لمختلف المراحل)- هو أحد الأهداف «المقدسة» لاستكشاف الفضاء بسبب كفاءته وبساطته وفاعليته من حيث التكلفة.

إنجاز الذكاء الاصطناعي غلب «ناسا»

وعلى عكس مهندسي وكالة «ناسا» الذين قضوا سنوات في تصميم وتصنيع واختبار محرك هوائي مبرّد في التسعينات من القرن الماضي، نجح الذكاء الاصطناعي في إنجاز ذلك في دقائق معدودة.

كنت قد تحدثت مع لين كايزر، المؤسس المشارك لشركة «ليب 71»، Leap71، حول نظام «نويرون»، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما أخبرني بأن الهدف النهائي له ولشريكته جوزفين ليسنر، هو إنشاء نظام ذكاء اصطناعي هندسي متعدد الأغراض في العالم الحقيقي، يشابه «جارفيس» الخيالي الذي يعمل مع توني ستارك في أفلام «الرجل الحديدي»، Iron Man.

ونجح المصممون، الخريف الماضي، في اختبار «تي كيه إل-5»، TKL-5، وهو محرك صاروخي مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد (الطباعة التجسيمية) بقوة 5 كيلونيوتنات، أنتجته الشركة باستخدام الإصدار الأول من نظام « نويرون». وقد استخدموا جميع البيانات التي حصلوا عليها في أثناء تطوير الصاروخ مجدداً لإعادتها بهدف تطوير نظام جديد هو Noyron 2.0.

ابتكار محرك بدلاً من تحسين النموذج الموجود

وقال لي كايزر، عبر البريد الإلكتروني: «كان معظم الشركات تركز على تحسين المحرك الحالي، ولكن نظراً لأن هدفنا هو إتقان نموذج الذكاء الاصطناعي الحسابي، فقد قررنا اتِّباع استراتيجية لتوسيع كمية البيانات التي سنحصل عليها».

اقترح ليزنر أن يركزوا على ابتكار محرك مختلف جذرياً -وصعب للغاية- مثل فوهة «آيروسبايك». وعلى النقيض من «فوهة الجرس» التقليدية التي نعرفها جميعاً، فإن فوهة «آيروسبايك» توجِّه العادم الأسرع من الصوت على طول سنبلة مخروطية الشكل تمتد إلى الخارج. ويتناقص الشكل نحو الخلف، مما يضمن تدفق غازات العادم على طول سطحه، والتمدد بشكل طبيعي. ويتكيف هذا الشكل الخارجي مع تغيرات الضغط الجوي ويوفر أداءً متفوقاً في أثناء صعود المركبة الفضائية، من مستوى سطح البحر إلى فراغ الفضاء.

حلم «آيروسبايك»

يقول لي كايزر: «تحتاج المحركات التقليدية إلى طول فوهة مختلف، اعتماداً على الارتفاع الذي تحلِّق فيه». وعلى الأرض، يمكن للمحركات أن تكتفي بفوهة قصيرة، ولكن في فراغ الفضاء يجب أن تمتد الفوهات وتصبح طويلة جداً، «وإلا فإن الغاز سوف يتجه جانباً ولن يُنتج قوة دفع»، وهذا يجعل فوَّهات الفراغ للمراحل العليا من رحلات الفضاء طويلة وثقيلة، مما يزيد من تكلفة إطلاق كل صاروخ استخدمته البشرية على الإطلاق، من «ساتورن 5» إلى «ستارشيب سبيس إكس». ولأنك لا تستطيع تحسين الفوهة إلا لنظام جوي واحد، فإن المحرك على مستوى سطح البحر يبدأ بقوة كبيرة، ولكنه يصبح أقل كفاءة بعد ذلك عندما يبدأ العادم في التحرك جانبياً في الغلاف الجوي الأعلى والأخف وزناً.

ولهذا السبب تحتوي الصواريخ الحالية على مرحلتين أو ثلاث مراحل، مما يُعقِّد تصميمها وتكلفتها. ويتم تجنب كل هذا بواسط «آيروسبايك».

ولكن على الرغم من المزايا الواضحة لهذا المحرك، كما يشير كايزر، فإن «عدداً قليلاً فقط من الفرق نجحت في إطلاقه في العقود الأربعة الماضية». والمشكلة الرئيسية هي التبريد.

ويقول: «نظراً إلى أن سبايك يقع في وسط غاز العادم الساخن الذي تبلغ درجة حرارته 5430 درجة فهرنهايت (3000 مئوية)، فإنه من الصعب جداً تبريده بشكل صحيح، إذ حتى السبائك المعدنية عالية الحرارة القادرة للغاية لها نقاط انصهار تبلغ نحو 2732 درجة فهرنهايت (1500 مئوية) وتَضعُف قبل ذلك بكثير». من الصعب تصميم سبايك الطيران لأنه يتطلب قنوات تبريد داخلية معقدة وهندسة دقيقة، مما يجعل من الصعب تصنيعه باستخدام الطرق التقليدية.

محاولات إنتاج المحرك

وجرت محاولات لإنتاجه في الستينات من القرن الماضي، ثم تابعت وكالة «ناسا» وشركة «لوكهيد مارتن» الفكرة مرة أخرى لإنتاجه لبرنامج طائرة الفضاء دون المدارية «إكس 33». وقد أُلغي عام 2001 بسبب التحديات الفنية والميزانية. وقد حاول كثير من الشركات الأخرى وفشلت، لا سيما «فايرفلاي Firefly»، وهي شركة ناشئة أفلست عام 2017 وعادت مؤخراً إلى الحياة بعد إلغاء تصميم «آيروسبايك» الخاص بها.

ومع ذلك، نجح البعض، بما في ذلك شركة «Pangea Aerospace» الإسبانية، التي اختبرت بنجاح محرك «آيروسبايك» الخاص بها «DemoP1» الذي يعمل بالميثان والأكسجين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021. وتخطط هذه الشركة لتوسيع نطاقها إلى محرك بقوة 300 كيلونيوتن.

وجاء أحدث جهد قبل إنتاج محرك «نويرون» من «Polaris»، من شركة «Raumflugzeuge» الألمانية التي نجحت في تصميم وإشعال محرك «آيروسبايك» في أثناء اختبار طيران للنموذج التجريبي «MIRA-II» فوق بحر البلطيق.

الذكاء الاصطناعي ينقذ الموقف

وفق ليسنر، تمكن المصممون من توسيع فهم «نويرون» للفيزياء لمعالجة التعقيد الفريد لهذا النوع من المحركات. وابتكر الذكاء الاصطناعي الخاص بـ«Leap71» تصميماً ذاتياً يجري فيه تبريد المسامير بواسطة قنوات معقدة مغمورة بالأكسجين المبرد، فيما يجري تبريد الجزء الخارجي من الغرفة باستخدام وقود الكيروسين.

بعد الانتهاء من تصميم الإصدار الجديد، أنشأ المصممون تصميماً لـ«آيروسبايك» في ملف CAD، جاهز للطباعة ثلاثية الأبعاد في قطعة واحدة صلبة من النحاس. ويقول كايزر إن هذا شيء لم يقم أحد به من قبل وقد تعاقدوا مع شركة ألمانية.

كما عمل المصممون مع معهد «فراونهوفر» لتكنولوجيا الليزر، الذي أجرى المعالجة الحرارية لتقوية المعدن، فيما كانت شركة ألمانية ثالثة مسؤولة عن تنظيف المسحوق المتبقي تماماً من التجاويف الداخلية للمحرك.

نجاح الاختبارات

بعد التصنيع، أرسلت «Leap71» المسمار الهوائي إلى فريق «Race 2 Space» في جامعة شيفيلد، الذي ساعد على تحضير المحرك للاختبار في مرافق الهندسة المحمولة جواً في ويستكوت، بالمملكة المتحدة، وهو مخبأ خرساني يعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية يمكنه احتواء أي انفجارات إذا حدث خطأ ما.

كان عليهم في الأساس إجراء الاختبار بشكل أعمى. «كنا متأكدين نسبياً من النظرية وراء ذلك، ولكن لا يمكن اكتشاف كثير من الأشياء إلا في أثناء الاختبار، مثل المقاومة في قنوات التبريد، بسبب خشونة سطح الطباعة ثلاثية الأبعاد»، كما يقول كايزر. كل شيء تقريباً في هذا المحرك كان جديداً وغير مُختبَر.

على الرغم من المخاطر المحتملة، نجح فريق الاختبار في إشعال المحرك في المحاولة الأولى 18 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

يرى ليسنر أن هذا الإنجاز «يعد بمثابة تصديق رائع على نهج الذكاء الاصطناعي القائم على الفيزياء». والواقع أنه من الجدير بالذكر أن شركة برمجيات الذكاء الاصطناعي المكونة من شخصين أنفقت نحو ثلاثة أسابيع في المجموع لتصميم أحد أصعب محركات الصواريخ التي يمكن تخيلها.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

خاص النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

يفرض تسارع الذكاء الاصطناعي ضغطاً على البنية التحتية، حيث يصبح تخزين البيانات وكفاءته واستدامته عاملاً حاسماً في القدرة على التوسع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)

«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

«غوغل» تطلق استيراد الذاكرة في «جيميناي»، لنقل السياق والتفضيلات بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز تجربة شخصية مستمرة للمستخدمين.

نسيم رمضان (لندن)
شؤون إقليمية لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز) p-circle

اغتيالات مدعومة بالذكاء الاصطناعي... كيف تمكنت إسرائيل من استهداف قادة إيران؟

بينما اجتمع القادة العسكريون الأميركيون والإسرائيليون لوضع خطة الحرب مع إيران، من الواضح أنهم اتفقوا على تولي إسرائيل لمهمة ملاحقة قادة إيران وقتلهم.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الاقتصاد موظفون بقاعة التداول في بورصة نيويورك (أ.ب)

مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» يسجل أسوأ أداء ربع سنوي منذ 2022

يسجل مؤشر الأسهم الأميركية الرئيسي أسوأ أداء ربع سنوي له منذ 4 سنوات؛ مما يعكس انخفاضاً واضحاً في إنفاق المستثمرين؛ بسبب مخاوف التضخم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم حين يصبح الصوت مرآة للصحة

هل يكشف صوتك مرضك؟

تحليل الكلام العفوي مؤشر رقمي دقيق لتقييم القدرات الإدراكية

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية
TT

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

سواء رغبنا في ذلك أم لا، فقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل، ويتعرض كل الموظفين لضغوط لاستخدامه. ومع ذلك، ووفقاً لدراسة جديدة، قد يكون من الأفضل تجنب طلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونك العاطفية، كما كتبت سارة بريغل(*).

ذكاء اصطناعي «متملق»

نُشرت الدراسة المكونة من جزأين، بعنوان «الذكاء الاصطناعي المتملق يقلل من النيّات الاجتماعية الإيجابية ويعزز الاعتماد»، أخيراً في مجلة «ساينس». وأظهرت التجربة أن استخدام روبوتات الدردشة للحصول على نصائح شخصية والتعامل مع المواقف العاطفية قد يكون ضاراً، لأن النظام مصمَّم ليقول للناس ما يريدون سماعه. كما قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم، والاعتذار.

عدم تحمل المسؤولية... وعدم الاعتذار

قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم والاعتذار.

استطلاعات ودراسات

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة «Cognitive FX» أخيراً أن نحو 38 في المائة من الأميركيين يستخدمون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعياً للحصول على الدعم النفسي، فيما وجدت دراسة حديثة أجراها مركز «بيو» للأبحاث أن 12 في المائة من المراهقين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «كايزر فاميلي فاونديشن (KFF)»، فإن عدم وجود تأمين صحي يُعدّ أيضاً عاملاً مُحفزاً للاستخدام، حيث إن البالغين غير المُؤمّنين صحياً ​​أكثر استخداماً له من أولئك المُؤمّنين ​​(30 في المائة مقابل 14 في المائة).

رصد انتشار «التملّق»

في الدراسة الأخيرة، بحث الباحثون مدى انتشار التملق -الذي يُعرَّف بأنه «ميل نماذج اللغة الكبيرة القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى الموافقة المفرطة على آراء المستخدمين، أو التملق لهم، أو إضفاء الشرعية عليهم»- عبر 11 نموذجاً رائداً للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك «جي بي تي 40» و«كلود» و«جيميناي».

أجرى الباحثون ثلاث تجارب شملت 2405 مشاركين.

* في الدراسة الأولى، زوّد الباحثون نظام الذكاء الاصطناعي بسلسلة من الأسئلة لطلب المشورة، ومنشورات من منتدى «هل أنا المخطئ AITA؟» على موقع «ريديت»، وسلسلة من الأوصاف حول الرغبة في إيذاء الآخرين أو النفس، ثم قارنوا ردود الذكاء الاصطناعي، بالأحكام البشرية. وبشكل عام، كانت النماذج أكثر ترجيحاً بنسبة 49 في المائة من الإنسان لتأييد تصرفات المستخدم، حتى لو كانت ضارة أو غير قانونية.

* في الدراسة الثانية، تخيّل المشاركون أنهم في سيناريو موصوف في منشور «AITA»، حيث حُكم على تصرفاتهم بأنها خاطئة. ثم قرأوا رداً كتبه إنسان يقول إنهم مخطئون، أو رداً كتبه الذكاء الاصطناعي يقول إنهم على صواب.

* في الدراسة الثالثة، ناقش المشاركون صراعاً حقيقياً في حياتهم مع ذكاء اصطناعي أو إنسان.

ثقة أكثر بردود الذكاء الاصطناعي

المثير للقلق أن المشاركين وثقوا وفضّلوا ردود الذكاء الاصطناعي المتملقة التي أكدت تصرفاتهم. كما ازداد اقتناعهم بصحة تصرفاتهم الأصلية، مؤكدين بذلك معتقداتهم السابقة بدلاً من أن يتحدى برنامج الدردشة الآلي تفكيرهم في الموقف بشكل مختلف. وأشارت الدراسة إلى أن تأكيد معتقداتهم جعلهم أقل ميلاً للاعتذار بعد التحدث مع برنامج الدردشة الآلي.

وأوضحت الدراسة: «في تجاربنا على البشر، فإن تفاعلاً واحداً فقط مع ذكاء اصطناعي متملق، قلَّل من رغبة المشاركين في تحمل المسؤولية وإصلاح النزاعات الشخصية، فيما زاد من قناعتهم بصواب موقفهم».

مدى الضرر

مع أن تلقي النصائح من الذكاء الاصطناعي ليس بالأمر الجديد، إلا أن هذه الدراسة تُظهر مدى ضرره. فبينما تُحفز خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التفاعل من خلال إثارة غضب المستخدمين، يُضعف الذكاء الاصطناعي قدرتنا على الاعتذار وتحمل مسؤولية إيذاء الآخرين. وكما أشار مؤلفو الدراسة، فإن هذا يعني أن «الخاصية التي تُسبب الضرر هي نفسها التي تُحفز التفاعل».

* مجلة «فاست كومباني».


كيف تحوّل بيضةَ دجاجة مصنعاً للأدوية؟

عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
TT

كيف تحوّل بيضةَ دجاجة مصنعاً للأدوية؟

عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج

توجد أمام الباحثة إستر أولواغبينغا، بيضةٌ على حامل ثلاثي أزرق، وقد قُطعت نافذة مثلثة صغيرة في قشرتها. وعندما وضعت أولواغبينغا الفتحة تحت المجهر، كشفت عن جنين الدجاجة في الداخل.

أجنة الدجاج المختبرية

في يومه الثالث، تطوّر الجنين إلى سحابة ضبابية، بقلب نابض بحجم رأس الدبوس.

وتتدفق الخلايا عبر شرايين قرمزية اللون بشكل متقطع، كحركة المرور في ساعة الذروة.

إستر أولواغبينغا Esther Oluwagbenga، عالمة في شركة ناشئة للتكنولوجيا الحيوية تُدعى «نيون بايو» (Neion Bio)، وهي واحدة من العلماء القلائل في العالم الذين يمتلكون مهارة الحقن في شريان جنين الدجاجة. تقول أولواغبينغا: «عندما رأيت أحدهم يفعل ذلك لأول مرة، اندهشت. أردت حقاً أن أتعلم كيف أفعل ذلك. لكن الأمر كان أكثر تعقيداً مما كنت أتصور. أتدرب (على ذلك) مرتين على الأقل أسبوعياً».

حقنة في شريان الجنين

لإثبات هذه العملية الاستثنائية، تأخذ أنبوباً بلاستيكياً طويلاً من خطاف رف وتضع أحد طرفيه في فمها. أما الطرف الآخر، فيحتوي على إبرة محملة بصبغة زرقاء.

وبينما تنظر الباحثة إلى الجنين على شاشة الكمبيوتر، تُدخل الإبرة عبر نافذة قشرة البيضة، إلى داخل الجنين، ثم إلى شريان. وبنفخة خفيفة، تدفع الصبغة إلى الوعاء الدموي. وما أن ينبض لب الكتكوت، حتى يتحول جهازه الدوري لوحةً زرقاء.

الباحثة فستر أولواغبينغا

بيض الدجاج مصانع للأدوية

تُوظّف أولواغبينغا هذه المهارة الجديدة في مهمة شركة «نيون بايو»، وهي: تحويل بيض الدجاج مصانعَ للأدوية. فهي وزملاؤها يُجرون هندسة وراثية على الطيور لإنتاج مركبات طبية.

محاولات علمية دؤوبة

حاول العلماء على مدى ثلاثة عقود إنتاج الأدوية في البيض، ولكن النتائج كانت ضئيلة حتى الآن. ولم تُجز إدارة الغذاء والدواء الأميركية سوى دواء واحد مُنتَج من الدجاج للاستخدام في الولايات المتحدة، هو دواء «كانوما» Kanuma لعلاج اضطراب كبدي نادر، حصل على الموافقة في عام 2016، بتكلفة سنوية للمريض الواحد تبلغ 310000 دولار.

3 مركبات طبية

ولكن منذ ذلك الحين، سهّلت سلسلة من الاكتشافات عملية هندسة الدجاج. يقول كين-إيتشي نيشيجيما، عالم الأحياء بجامعة ناغويا في اليابان: «لقد تحسّن الوضع بشكل كبير».

وخرجت شركة «نيون بايو»، التي تأسست عام 2024، من مرحلة التأسيس السري يوم الخميس لتعلن عن اتفاقية لتطوير ثلاثة مركبات مع شركة أدوية كبرى. ولم تُحدّد الشركة في إعلانها الأدوية التي ستعمل عليها.

تكلفة علاج متدنية

وقال سام ليفين، أحد مؤسسي الشركة، إن استخدام البيض في صناعة الأدوية قد يُخفّض تكلفتها إلى عُشر أو حتى جزء من مائة من تكلفتها الحالية.

وأضاف: «إنها سلسلة إمداد طبي تعتمد على الحبوب الزراعية والماء».

حيوانات لإنتاج الأدوية

أما العديد من الأدوية الأكثر مبيعاً في العالم، مثل دواء السرطان كيترودا ودواء التهاب المفاصل هيوميرا، فهي عبارة عن بروتينات كبيرة ومعقدة، ولا يستطيع العلماء تصنيعها بالتفاعلات الكيميائية؛ لذا يقومون بهندسة خلايا من مبيض الهامستر الصيني لإنتاج هذه الأدوية.

الهامستر الصيني

كان اختيار مبيض الهامستر الصيني محض صدفة تاريخية. ففي أوائل القرن العشرين، رغب علماء في جامعات بكين في الحصول على حيوانات للدراسة. ولعدم تمكنهم من الحصول على فئران المختبر من الغرب، قاموا باصطياد الهامستر من الحقول المحيطة بالمدينة.

وفي نهاية المطاف، أثبت الهامستر فائدته الكبيرة لدرجة أن العلماء الأميركيين تمكنوا من الحصول عليه. وفي خمسينات القرن الماضي، اكتشف عالم الوراثة ثيودور باك أن خلايا مبيضه تقوم بأمر نادر الحدوث بين خلايا الثدييات (اللبائن): سهولة إنمائها مختبرياً.

واستخدم العلماء خلايا المبيض لدراسة الحمض النووي، وفي ثمانينات القرن الماضي، اكتشفوا كيفية هندستها بإضافة جينات أخرى، ثم استخلاص البروتينات المُصنّعة من تلك الجينات.

واليوم، تُزرع خلايا الهامستر الصيني في خزانات فولاذية ضخمة، لإنتاج دواء كيترودا والعديد من الأدوية الأخرى. لكن إنتاج الأدوية من هذه الخلايا ليس بالأمر الهين.

للحفاظ على نمو الخلايا في خزاناتها؛ يتعين على الفنيين إضافة مزيج معقد من المكونات والتخلص من النفايات الناتجة. قد تصل تكلفة تصنيع غرام واحد من الدواء إلى مئات أو آلاف الدولارات. وحتى المرافق اللازمة لزراعة الخلايا باهظة الثمن. في العام الماضي، بدأت شركة «ميرك» في بناء مصنع في ولاية ديلاوير لإنتاج دواء «كيترودا»، وستنفق الشركة مليار دولار على بنائه.

تهيئة حقنة الشريان الجنيني

التوجه إلى بيض الدجاج

في تسعينات القرن الماضي، تساءل بعض العلماء عما إذا كان بيض الدجاج قد يوفر طريقة أفضل لإنتاج بعض هذه الأدوية. على عكس خلايا مبيض الهامستر الصيني، يُعدّ بيض الدجاج مصدراً غنياً بالبروتين؛ إذ يحتوي بياض البيضة الواحدة على 6 غرامات من البروتين. يقول جاي يونغ هان، عالم الأحياء في جامعة سيول الوطنية: «يمكن للبيض أن يعمل كمفاعلات حيوية مكتفية ذاتياً».

لكن تحويل البيض مصانعَ للأدوية لم يكن بالأمر السهل؛ إذ كانت التقنية معقدة للغاية.

وقال مايكل ماكغرو، عالم الأحياء في معهد روزلين بإدنبره، اسكوتلندا، والعضو في المجلس الاستشاري لشركة «نيون بايو»: «كانت التقنية بالغة الصعوبة». في معظم الأحيان، فشلت هذه التقنية في هندسة الحمض النووي للدجاج بشكل صحيح؛ ما أدى إلى سنوات من التجربة والخطأ لإنتاج طيور قادرة على إنتاج دواء بكفاءة.

وأسهم ماكغرو في تطوير أساليب أفضل. فقد استغل حقيقة أن الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية والبويضات تدور في مجرى الدم في المراحل المبكرة من نمو جنين الطائر، ولا تهاجر إلى أعضائه التناسلية إلا لاحقاً. وقد ابتكر ماكغرو طرقاً لاستخلاص هذه الخلايا الجرثومية الأولية من أجنة الدجاج، ثم تنميتها بالملايين.

دجاج معدل وراثياً

سمح هذا التقدم للعلماء بإجراء تعديلات دقيقة على الحمض النووي للخلايا الجرثومية الأولية. في السنوات الأخيرة، أسس عدد من العلماء شركات للاستفادة من هذه التقنيات الجديدة، من بينها شركة «أفينوجين»، التي أسسها هان، وشركة «نيون بايو».

أخيراً... فقست الكتاكيت الأولى

لإنتاج أول قطيع من الدجاج المعدل وراثياً، أدخل فريق «نيون بايو»، جينات في الخلايا الجرثومية الأولية لإنتاج دواء في بياض البيض. وحقنت أولواغبينغا وزملاؤها الخلايا المعدلة في مجرى دم أجنة الدجاج. ثم أغلقوا قشرة البيض بإحكام وانتظروا حتى تنقر الكتاكيت طريقها للخروج.

فقست الكتاكيت الأولى في سبتمبر (أيلول) الماضي. والآن، يمتلك فريق «نيون» قطيعاً من 50 ديكاً من سلالة ليغورن المعدلة وراثياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»


هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة
TT

هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة

قد لا يكون الصوت مجرد وسيلة للتعبير، بل نافذة بيولوجية دقيقة تحمل إشارات خفية عن حالة الإنسان الصحية. فاهتزاز الأحبال الصوتية، وتغيّر الإيقاع، وحتى الترددات غير المسموعة للأذن البشرية قد تعكس تغيرات فسيولوجية معقدة داخل الجسم، لا يلاحظها الإنسان، لكنها تترك أثراً يمكن رصده، وتحليله.

وفي هذا السياق، بدأ الذكاء الاصطناعي يقترب من الصوت بوصفه «بياناً طبياً» جديداً، حيث تعمل الخوارزميات على تحليل نبرة الكلام بدقة غير مسبوقة، بحثاً عن أنماط دقيقة قد ترتبط بأمراض عصبية، أو تنفسية، أو حتى نفسية، في تحول يفتح باباً مختلفاً تماماً لفهم العلاقة بين الصوت والصحة.

حين يصبح الصوت بصمة صحية للجسد

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في أحدث ما توصلت إليه الأبحاث، أظهرت دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine)، قادها الباحث تشن زيي (Ziyi Chen) من كلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School)، أن تحليل الكلام العفوي يمكن أن يتحول إلى مؤشر رقمي دقيق لتقييم القدرات الإدراكية. وقد نجحت الخوارزميات في ربط خصائص الصوت بوظائف الدماغ، مع قدرة ملحوظة على اكتشاف التدهور المعرفي في مراحله المبكرة.

ويأتي هذا التطور امتداداً لنتائج سابقة، إذ أشارت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) التابعة لمجموعة «نتشر» (Nature)، أعدّها باحثون من جامعة ستانفورد (Stanford University) الأميركية، إلى أن تحليل تسجيلات صوتية قصيرة يمكن أن يكشف مؤشرات على اضطرابات عصبية ونفسية، اعتماداً على أنماط دقيقة في الترددات الصوتية، وسرعة الكلام، والتغيرات في النبرة.

وتكشف هذه النتائج مجتمعة عن تحول نوعي في فهم الصوت البشري؛ إذ لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح أداة تحليل يمكن أن تعكس الحالة العصبية، والوظائف الإدراكية للإنسان.

كيف يمكن للصوت أن يكشف المرض؟

يرتبط الصوت البشري ارتباطاً وثيقاً بالجهاز العصبي الذي يتحكم بدقة في حركة عضلات الحنجرة، ونمط التنفس، وتنسيق اللسان والشفتين أثناء الكلام. وعندما تتأثر هذه الأنظمة نتيجة اضطراب عصبي أو مرض عضوي، تظهر تغيرات دقيقة في خصائص الصوت، غالباً ما تكون خفية، ولا يمكن ملاحظتها بسهولة بالسمع البشري.

غير أن ما لا تلتقطه الأذن تستطيع الخوارزميات تحليله. إذ تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بفحص آلاف السمات الصوتية داخل تسجيل واحد، من ترددات دقيقة إلى اختلافات طفيفة في الإيقاع والتنفس، لتحديد أنماط قد تعكس تغيرات بيولوجية داخل الجسم.

وبذلك يتحول الصوت من مجرد وسيلة للتواصل إلى إشارة فسيولوجية قابلة للتحليل، وتحمل في طياتها معلومات قد تساعد على الكشف المبكر عن اضطرابات صحية قبل أن تظهر أعراضها بوضوح.

حين يتحول الهاتف إلى طبيب صامت

هل يصبح الهاتف أداة تشخيص؟

مع التقدم المتسارع في تقنيات تحليل الصوت، لم يعد هذا التصور مجرد احتمال نظري، بل يقترب تدريجياً من التطبيق العملي. فقد يتحول الهاتف الذكي إلى نقطة مراقبة صحية أولية قادرة على التقاط إشارات صوتية دقيقة خلال المكالمات، أو أثناء قراءة نص بسيط.

وفي هذا السياق، يمكن لتطبيق صحي مدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يحلل صوت المستخدم في الخلفية، ويرصد تغيرات طفيفة في النبرة أو الإيقاع قد لا يلاحظها الشخص نفسه، ثم يرسل تنبيهاً مبكراً بوجود مؤشرات تستدعي المتابعة الطبية.

ولا تكمن أهمية هذا النموذج في دقته التقنية فحسب، بل في قدرته على نقل التشخيص المبكر من العيادة إلى الحياة اليومية، بحيث يصبح الاكتشاف جزءاً من الروتين، ولا يكون حدثاً متأخراً بعد ظهور الأعراض.

لكن هل يمكن الوثوق بالصوت؟

رغم هذا التقدم، يطرح استخدام الصوت كأداة تشخيص تحديات مهمة. فالصوت يتأثر بعوامل متعددة لا ترتبط بالمرض وحده، مثل الحالة النفسية، والبيئة المحيطة، وحتى ثقافة الكلام وطبيعته لدى كل فرد. كما أن الاعتماد المفرط على التحليل الصوتي قد يحمل خطر تفسير الإشارات خارج سياقها السريري.

وهنا لا يكمن التحدي في دقة الخوارزمية فقط، بل في قدرتها على فهم الإنسان في تعقيده الكامل، وهو ما يظل حتى اليوم خارج نطاق أي نموذج حسابي.

ماذا يعني ذلك للطب؟

رغم أن هذه الأبحاث لا تزال في مراحلها المبكرة، فإنها تشير بوضوح إلى اتجاه جديد في الطب يقوم على تحليل الإشارات الحيوية التي ينتجها الجسم بشكل يومي دون تدخل مباشر، في انتقال تدريجي من الفحوصات المتقطعة إلى المراقبة المستمرة.

وفي هذا الإطار قد لا يبقى التشخيص معتمداً فقط على اختبارات تُجرى داخل المختبرات، بل يمتد ليشمل بيانات تُجمع من حياة الإنسان اليومية، مثل صوته، وحركته، ونمط تنفسه، ضمن منظومة تحليل ذكية تعمل في الخلفية.

وقد يأتي وقت يصبح فيه الصوت أحد المؤشرات الحيوية المعتمدة للصحة، إلى جانب تحاليل الدم، والفحوصات التقليدية، وليس بديلاً عنها، بل يكون مكملاً لها، ويضيف بعداً جديداً لفهم الإنسان في مراحله المبكرة.

لكن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الصوت يستطيع كشف المرض...

بل ما إذا كنا مستعدين للإصغاء لما يقوله الجسد قبل أن يصرخ بالألم.