طرق مبتكرة لتخزين الطاقة المتجددة

«بالونات» تخزن ثاني أكسيد الكربون نهاراً وتحرره ليلاً لإنتاجها

منشأة "دوم انرجي" الايطالية
منشأة "دوم انرجي" الايطالية
TT

طرق مبتكرة لتخزين الطاقة المتجددة

منشأة "دوم انرجي" الايطالية
منشأة "دوم انرجي" الايطالية

لا تعد منطقة وسط سردينيا في إيطاليا مرتعاً للابتكار بصفة عامة: فهي منطقة قاحلة وريفية.

في أوتانا، وفي موقع سابق لمصنع للبتروكيميائيات، بدأت تتشكل تكنولوجيا جديدة قد تساعد العالم في إبطاء تغير المناخ. والمكون الرئيسي لهذه التكنولوجيا بعيد الاحتمال مثل الموقع البعيد ذاته: ثاني أكسيد الكربون، السبب الرئيسي للاحترار العالمي.

«بالونات الطاقة»

تدير شركة «دوم إنرجي»، وهي شركة ناشئة تتخذ من ميلانو مقراً لها، محطة تجريبية لتخزين الطاقة تساعد في معالجة حالة عدم التطابق في سوق الكهرباء المحلية. ويقول كلاوديو سباداسيني، الرئيس التنفيذي للشركة: «في سردينيا خلال النهار يذهب الجميع إلى البحر». ويضيف: «إنهم لا يستخدمون الكهرباء، ولكن هناك الكثير من الإمدادات» (من الطاقة الكهربائية)، مشيراً بيده إلى أشعة الشمس الوفيرة في الجزيرة الإيطالية.

الالواح الشمسية لانتاج الكهرباء قرب منشأة "دوم انرجي "

تستخدم «دوم إنرجي» ثاني أكسيد الكربون المحتفظ به في بالون ضخم، المسمى «القبة» على اسم الشركة، مثل نوع من البطاريات. وخلال النهار، تُستخدم الكهرباء من الشبكة المحلية - التي تنتج بعضها من مساحات كبيرة من الخلايا الشمسية المجاورة - في ضغط ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى سائل. وفي الليل، يتمدد ثاني أكسيد الكربون السائل مجدداً إلى حالته الغازية، لكي يدير التوربينات وينتج الكهرباء التي يُعاد إرسالها مرة ثانية إلى الشبكة.

تعد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من المصادر المتجددة سريعة النمو، ولكنها تعتمد على جدول الطبيعة الزمني المتقطع لإنتاج الكهرباء. ويقول العديد من الباحثين وصناع السياسات إن تخزين مثل هذه الطاقة حتى الوقت الذي نحتاج إليها، لساعات أو حتى لأيام، يشكل ضرورة أساسية لتحويل الاقتصادات بعيداً عن الوقود الأحفوري.

وكانت وزيرة الطاقة الأميركية جنيفر غرانهولم قالت في بيان صدر عام 2022، عندما أعلنت وزارتها أنها تعتزم تخصيص أكثر من 300 مليون دولار لتخزين الطاقة على المدى الطويل، إن «تطوير تقنيات تخزين الطاقة أمر بالغ الأهمية لتحقيق شبكة للطاقة خالية من الكربون».

طرق مبتكرة لتخزين الطاقة

تعمل الشركات على تطوير وتسويق طرق متنوعة ومبتكرة لتخزين الطاقة المتجددة: تسييل ثاني أكسيد الكربون، ونزع الصدأ من الحديد، وبناء أبراج التدفئة المليئة بالرمال إلى درجات حرارة تكاد تكون ساخنة بما يكفي لصهر الألمنيوم. ولكن التنبؤ باحتياجاتنا من تخزين الطاقة في المستقبل، أمر في غاية الصعوبة، ومن غير الواضح أي من هذه السبل قد يثبت فعاليته وربحه.

تقول إلين هارت، المديرة المؤسسة لشركة «مومنت إنرجي إنسايتس»، وهي مؤسسة استشارية في مجال الطاقة النظيفة: «هناك حاجة ملحة حقيقية لإزالة الكربون من (عملية توليد) الكهرباء في جدول زمني أسرع بكثير مما توقعناه في الماضي». وتضيف: «نحن لا نحتاج إلى تقنيات مثل تخزين الطاقة طويلة الأمد أو الهيدروجين اليوم، ولكننا قد نحتاج إليها على نطاق واسع في السنوات الـ15 إلى 20 المقبلة، لذلك نحن في وقت حساس لتطويرها».

ولعقود، استجابت العديد من مرافق الكهرباء للطلب المتقلب عليه، باستخدام تخزين الطاقة الكهرومائية بهدف توليد الكهرباء عندما يكون الطلب عليه مرتفعاً. ولكن عندما يكون هناك فائض في العرض من الكهرباء يضخ الماء من خزان أدنى إلى خزان أعلى لتخزين الطاقة.

الادارة الالكترونية في منشأة "دوم انرجي "

وتعمل بعض المرافق الآن على تركيب خزانات كهرومائية جديدة تعمل بالضخ لموازنة إنتاج الطاقة الشمسية والرياح، بينما يعمل العديد من المرافق الأخرى على تركيب صفائف من بطاريات «الليثيوم» أيون لتخزين الطاقة الزائدة الناتجة عن مصادر الطاقة المتجددة، التي تشهد ازدهاراً واضحاً في السوق.

غير أن أساليب التخزين هذه لها حدود. إذ يستلزم ضخ الطاقة الكهرومائية وجود مناطق مرتفعة من جهة وهو يغير المناظر الطبيعية لها من جهة أخرى، كما أن بناء المرافق يُكلف الكثير من الأموال. والليثيوم مورد محدود، وعمليات استخراجه غالباً ما تكون ملوثة للبيئة، ويصبح باهظ التكلفة عندما يُصمم لتخزين الطاقة لأكثر من 4 ساعات.

مضخات حرارية

يقول سكوت مورتيشو، المدير التنفيذي لتحالف كاليفورنيا لتخزين الطاقة، وهو مجموعة صناعية تدعو للمزيد من التخزين على الشبكات الكهربائية: «التخزين طويل الأمد لا يصبح ضرورياً بصفة عامة إلا عند بلوغ مستويات عالية من طاقة الرياح والطاقة الشمسية. ولكنه من الأهمية بمكان إن كنت ملتزماً بنزع الكربون عن الشبكة حقاً».

مضخة ثاني أكسيد الكربون

تقول شركة «ويستنغهاوس إلكتريك»، وهي مورد للمنتجات والخدمات لمشغلي المحطات النووية، إن تقنيات تخزين الطاقة الجديدة، التي تعتمد على ثاني أكسيد الكربون، مثل نهج شركة «دوم إنرجي»، تمثل تحسناً ملموساً مقارنة بالطاقة المائية العاملة بالضخ والليثيوم أيون.

تعمل تكنولوجيا الشركة مثل مضخة حرارية، باستخدام ثاني أكسيد الكربون في حالة حرجة للغاية - في درجة حرارة وضغط كبيرين لدرجة أنها تعمل مثل هجين من السائل والغاز - لنقل الحرارة، الناتجة عن الكهرباء الزائدة، إلى كتل خرسانية. وفي وقت لاحق، تُستخدم الحرارة المخزنة في تلك الكتل لتوليد الكهرباء.

يقول جون باتاغليني، نائب رئيس شركة ويستنغهاوس لتنمية الأسواق الجديدة في الأميركتين، إنه «لمن السخرية نوعاً ما أن يكون ثاني أكسيد الكربون المادة التي أسفرت عن الكثير من الابتكارات في هذا المجال».

وقد أعلنت شركة ويستنغهاوس، في سبتمبر (أيلول) الماضي، اعتزامها بناء منشأة للتخزين بقدرة 100 ميغاواط في ألاسكا، وهو ما يكفي لتزويد نحو 80 ألف منزل أميركي في المتوسط بالكهرباء لمدة تصل إلى 12 ساعة. ويضيف أن «تكلفة المنشأة ستبلغ حوالي نصف تكلفة المنشأة التي تستخدم بطاريات الليثيوم أيون... وأن الشركة تشعر بالارتياح الشديد حيال الجانب الاقتصادي».

تخزين طويل من صدأ الحديد

وتتوقع بعض الشركات زمناً ينبع فيه معظم الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة والشبكات التي تتطلب تخزيناً أطول بكثير. وتهدف شركة «فورم إنرجي»، ومقرها في سومرفيل بولاية ماساتشوستس، إلى توفير الكهرباء لمدة 100 ساعة، بعد أن خلصت بعض الدراسات إلى أن الشبكات القائمة على مصادر الطاقة المتجددة ستحتاج إلى أن تكون قادرة على توفير الطاقة الاحتياطية لفترة طويلة.

لتوفير هذا القدر الكبير من القدرة بأسعار معقولة، كان على «فورم إنرجي» أن تجد عملية تخزين منخفضة التكلفة للغاية، لذا تحولت الشركة إلى مادة رخيصة في كل مكان وتخضع لردود فعل مفهومة جيداً: «أكسدة، أو تصدّأ»، الحديد. عندما يصدأ الحديد، فإنه ينتج الطاقة؛ وعبر تغذية الطاقة مرة أخرى إلى النظام، يمكن لشركة «فورم إنرجي» أن تعكس التفاعل وتخزن الطاقة، التي يمكن إطلاقها لاحقاً عن طريق تصدّأ الحديد مرة أخرى.

يستخدم نظام «فورم إنرجي» للتخزين شكلاً مضبوطاً بصورة خاصة من الحديد لزيادة إمكانية عكس التفاعل وزيادة المتانة. وقال ماتيو جاراميلو، أحد مؤسسي شركة «فورم إنرجي» ومديرها التنفيذي: «هذا هو الموضع الذي شهد الكثير من الاختراعات من جانبنا. وهي واحدة من الحيل الرئيسية - أو سر تجارتنا». وتقول شركة «فورم إنرجي» إنها تستطيع تركيب سعة تخزينية بسعر يعادل تقريباً 10 بطاريات الليثيوم أيون.

هواء التجاويف الملحية وتسخين الرمال

تعمل شركة «كوري إنرجي»، ومقرها هولندا، على تخزين الطاقة لعدة أيام من خلال ضغط الهواء إلى ضغط عال داخل التجاويف الملحية، حيث يتم حلّ رواسب الملح الطبيعية تحت الأرض لتترك جيوباً فارغة كبيرة.

أعلنت شركة «كوري إنرجي»، في يونيو (حزيران)، عن صفقة في ألمانيا لتوفير ما يصل إلى 640 ميغاوات من الكهرباء، وهو ما يكفي لتزويد نحو 1.6 مليون منزل ألماني، لمدة تصل إلى 125 ساعة، أي حوالي عُشر تكلفة الليثيوم أيون. وتقوم شريكة «كوري إنرجي» بتطوير أربع تجاويف هناك الآن، ومن المقرر أن يبدأ تشغيل اثنين منها عام 2027.

تقول شركة «كوري إنرجي» إن الطلب على التخزين طويل الأمد مرتفع في شمال أوروبا، التي تحرص على مصادر الطاقة المتجددة ولكنها مُعرضة لفترات متعددة من الرياح وأشعة الشمس القليلة، والمعروفة في دوائر الطاقة الخضراء (والدوائر الألمانية) باسم Dunkelflaute (الهدوء المظلم).

يقول كيث ماكغراني، الرئيس التنفيذي لشركة «كوري إنرجي»: «إننا نحاول معالجة هذا الطلب المتسارع للتخزين طويل الأمد».

وتنتهج بعض الشركات أساليب قد تبدو بسيطة إلى حد مدهش، إذ تستخدم شركة فنلندية ناشئة تُدعى «بولار نايت إنرجي» الكهرباء الزائدة في تسخين الرمال إلى درجات حرارة مرتفعة تصل إلى 1100 درجة فهرنهايت (593.3 درجة مئوية). يمكن استخدام الرمال لاحقاً في توفير ما يصل إلى 100 ساعة من الحرارة للمنازل والشركات المحلية.

وفي هذا الشهر، أعلنت الشركة عن اتفاق لبناء منشأة تخزين لمدينة بورناينين، مع خفض الانبعاثات المتوقع بنسبة تقرب من 70 في المائة. وتعمل الشركة أيضاً على تطوير طريقة للمباشرة في توفير الطاقة الكهربائية بالإضافة إلى الحرارة.

وكان تومي إرونين، الرئيس التنفيذي لشركة «بولار نايت إنرجي»، قد تحدث في مؤتمر المناخ في فيينا في مايو (أيار) الماضي. وشرع في الترويج للشركة بين الحضور من ذوي الميول البيئية الخضراء.

خلق سوق جديدة

الطريق من المفهوم إلى تأسيس الشركة إلى وضع البنية الأساسية تظل محفوفة بالمخاطر دوماً، لذا يواجه تخزين الطاقة على الأمد البعيد تحديات خاصة.

يقول مورتيشو: «لا يمكنك أن تعرف ما تحتاج إليه إذا لم تتمكن من تصميمه. إنه مثل هاتف أيفون، وهو منتج لم تكن تعرف أنك بحاجة إليه حتى صنعه أحدهم».

هناك مسألة أخرى تتعلق بأساليب التخزين الجديدة، وهي الهيمنة والتحسين المستمر لبطاريات الليثيوم أيون. مع قيام الشركات المصنعة بتحسين تصميم البطاريات وزيادة إنتاجها، تستمر التكلفة في الانخفاض، مما يجعل الليثيوم أيون أكثر اقتصاداً تدريجياً لفترات أطول.

ألحقت هذه التحديات الضرر ببعض صانعي التخزين طويل الأمد. إذ أعلنت شركة «أزيليو»، وهي شركة تخزن الطاقة كحرارة في سبائك الألومنيوم داخل وحدات معيارية، الإفلاس في يوليو (تموز) الماضي.

مع ذلك، يقول بعض مزودي خدمات التخزين طويل الأمد إن السوق تنمو بسرعة وإنهم يكثفون من أعمال البناء لتلبية الطلب.

في أوتانا، يزيل الحفارون الأنقاض السوداء من بقايا المباني الصناعية القديمة لإفساح المجال لمنشأة تخزين تابعة لشركة «دوم إنرجي» ذات سعة تجارية تستوعب 40 ضعف الطاقة التي تستهلكها المحطة التجريبية المجاورة. برغم الاختلافات السطحية، وصف سباداسيني منشأة «دوم إنرجي» البراقة كنوع منحدر من المولدات القذرة العاملة بالنفط التي كانت تعمل في الموقع نفس. وقال إن «طاقة النفط كانت طاقة من الشمس، وكانت مخزنة بكفاءة معينة في النفط»، مشيراً إلى أن النفط يُستمد في الغالب من النباتات بالتمثيل الضوئي. و«نحن بحاجة إلى تخزين واستخدام تلك الطاقة بشكل مباشر وفعال قدر الإمكان».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«أكوا» السعودية تعيّن سمير سرحان رئيساً تنفيذياً اعتباراً من أول مارس

الاقتصاد مبنى «أكوا» في السعودية (موقع الشركة)

«أكوا» السعودية تعيّن سمير سرحان رئيساً تنفيذياً اعتباراً من أول مارس

أعلنت شركة «أكوا»، أكبر شركة خاصة في مجال تحلية المياه في العالم، يوم الأحد، تعيين سمير سرحان رئيساً تنفيذياً للشركة اعتباراً من أول مارس 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)

العراق: 5 % رسوماً على مستلزمات الطاقة الشمسية

حددت الهيئة العامة للجمارك العراقية، الأحد، نسبة الرسوم على مستلزمات الطاقة الشمسية عند 5 % فقط، وذلك لتشجيع المواطنين على استخدام الطاقة النظيفة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد التوسع السريع في مراكز البيانات الكبيرة في إطار طفرة الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة كبيرة في الطلب على الكهرباء (إكس)

ألمانيا تدعو إلى حلول طويلة الأجل لمواجهة استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة

أعرب وزير الرقمنة الألماني عن اعتقاده أن الطلب المتزايد على الكهرباء المدفوع بالذكاء الاصطناعي يمكن تلبيته في السنوات المقبلة عبر إمدادات الطاقة القائمة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد وزيرا الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان آل سعود والتركي ألب أرسلان بيرقدار شهدا توقيع اتفاقية شراء الطاقة بين تركيا وشركة «أكوا» السعودية في إسطنبول الجمعة (من حساب الوزير التركي في «إكس»)

تركيا والسعودية توقعان اتفاقية شاملة لشراء الكهرباء

وقّعت وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية اتفاقية شاملة لشراء الكهرباء مع شركة «أكوا» السعودية العملاقة للطاقة، تتضمن إنشاء محطات ومشروعات للطاقة الشمسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد شعار وكالة «ستاندرد آند بورز» على أحد المباني (أ.ب)

توقعات بوصول السندات المستدامة بالشرق الأوسط إلى 25 مليار دولار في 2026

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» للتصنيفات الائتمانية أن تبلغ إصدارات السندات المستدامة في منطقة الشرق الأوسط ما بين 20 و25 مليار دولار خلال عام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا
TT

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

يعيش الأميركيون في عوالم متوازية للذكاء الاصطناعي، فبالنسبة لمعظم البلاد، أصبح الذكاء الاصطناعي مرادفاً لـ«تشات جي بي تي»، ولتطبيق «غوغل إيه آي اوفرفيو». وفي الوقت نفسه، ينجذب هواة التكنولوجيا إلى هذه البرامج الروبوتية التي تعمل لساعات متواصلة، مُختصرةً شهوراً من العمل إلى أسابيع.

الوكيل الذكي المتخصص

وحديثاً، بدأ المزيد من الناس في تجربة أدوات مثل «كلود كود» Claude Code، المنتج الذي طوَّرته شركة «أنثروبيك» الناشئة، بصفتها «وكيلاً»، أي أنه قادر على القيام بجميع أنواع العمل التي قد يقوم بها الإنسان على جهاز كمبيوتر.

ويختبر بعض الأكاديميين قدرة «كلود كود» – وهو تطبيق خُصص بالأساس للمبرمجين - على إنشاء وتأليف أوراق بحثية تلقائياً؛ بينما يستخدمه آخرون في أبحاث علم الأحياء. ويجري الصحافيون تجارب عليه لكتابة مقالات تعتمد على البيانات. وفي وقت سابق من هذا الشهر، استخدم اثنان منهم البرنامج لإنشاء منافس وهمي لموقع «مونداي.كوم» Monday.com، وهي شركة برمجيات عامة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. وفي أقل من ساعة، كان لديهم نموذج أولي يعمل.

ورغم أن الجودة الفعلية لجميع هذه الأوراق والتحليلات المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لا تزال غير واضحة، فإن التقدم مذهل ومثير للقلق في آن واحد. ويقول دين بول، وهو زميل بارز في مؤسسة الابتكار الأميركية: «بمجرد أن يتمكن الكمبيوتر من استخدام الكمبيوترات الأخرى، فإن المنافسة ستنطلق».

وحتى مع تطور الذكاء الاصطناعي، لم تنتشر أكثر البرامج الروبوتية تطوراً على نطاق واسع بعد. فعلى عكس «جي بي تي» الذي يوفر نسخة مجانية، فإن الأدوات الآلية مثل «كلود كود» أو «كوديكس» Codex من«أوبن إيه آي» عادةً ما تعمل عند دفع الأجور، وقد يكون إعدادها معقداً.

ليس من الواضح دائماً كيفية توجيه روبوتات الدردشة الذكية على النحو الأمثل: فقد يُنشئ المستخدم المُتمرس فرقاً من الروبوتات تتواصل فيما بينها أثناء العمل، بينما قد لا يُدرك المستخدم المبتدئ وجود مثل هذه الإمكانات أصلاً.

برامج لعموم المستخدمين

يتسابق قطاع التكنولوجيا الآن لتطوير نسخ أكثر سهولة من هذه المنتجات لعامة المستخدمين. ففي الشهر الماضي، أطلقت شركة «أنثروبيك» نسخة مدفوعة جديدة من برنامج «كلود كود» مُصممة للمستخدمين غير التقنيين. كما كشفت عن نموذج جديد لجميع المستخدمين، يُقدم، من بين أمور أخرى، «قدرات تُضاهي القدرات البشرية في مهام مثل التعامل مع جداول البيانات المُعقدة». في الوقت نفسه، أعلنت شركة «أوبن إيه آي» أخيراً عن نسخة جديدة من برنامج «كودكس»، الذي تدّعي الشركة أنه قادر على فعل أي شيء تقريباً «يُمكن للمحترفين فعله على الكمبيوتر». مع ازدياد شهرة هذه المنتجات، يبدو أن الناس يُدركون فجأة أن الذكاء الاصطناعي يُقدم أكثر بكثير من مجرد كتابة نصوص تسويقية وتقديم محادثات ودية. لقد بدأ عصر ما بعد روبوتات الدردشة.

قد تبدو أدوات مثل «تشات جي بي تي» و«جيميني» قوية بما يكفي في حد ذاتها. في الواقع، اكتسبت روبوتات الدردشة الكثير من الميزات الجديدة الرائعة خلال السنوات القليلة الماضية. أصبحت هذه البرامج الآن تمتلك ذاكرةً تُمكّنها من الرجوع إلى المحادثات السابقة، واستخدام تقنية تُسمى الاستدلال لإنتاج ردود أكثر تطوراً. فبينما كانت برامج الدردشة الآلية القديمة قادرة على استيعاب بضعة آلاف من الكلمات في المرة الواحدة، باتت اليوم قادرة على تحليل ملفات بحجم كتاب، بالإضافة إلى معالجة وإنتاج الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية.

البرمجيات: تنفيذ سريع

لكن كل هذا يتضاءل أمام صعود الأدوات الذكية. لنأخذ هندسة البرمجيات مثالاً، حيث أثبتت هذه الأدوات قدرتها التحويلية بشكل خاص. أصبح من الشائع الآن أن يُسلّم المهندسون التعليمات إلى برنامج آلي مثل «كلود كود» أو «كوديكس» ويتركون له مهمة التنفيذ. ولأن البرامج الآلية غير مقيدة بالقدرات البشرية، يُمكن للمبرمج تشغيل جلسات عدة في وقت واحد، تعمل كل منها على جوانب مختلفة من المشروع.

وقد كتب مبرمج الكمبيوتر سالفاتور سانفيليبو في مقال انتشر أخيراً: «بشكل عام، بات من الواضح الآن أنه بالنسبة لمعظم المشاريع، لم يعد من المنطقي كتابة الكود بنفسك». وأشار سانفيليبو إلى أنه في غضون ساعات قليلة فقط، أنجز مهام عدة كانت تستغرق أسابيع في السابق. كما صرح الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت» بأن ما يصل إلى 30 في المائة من البرمجيات تُكتب حالياً بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويتوقع كبير المسؤولين التقنيين في الشركة أن تصل هذه النسبة إلى 95 في المائة على مستوى القطاع بحلول نهاية العقد. وتشير تقارير شركة «أنثروبيك» بالفعل إلى أن ما يصل إلى 90 في المائة من برمجيات الشركة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

«جائحة» الذكاء الاصطناعي

بدأ بعض المبرمجين بالتحذير من أن تطورات مماثلة قد تُهدد جميع أنواع العمل المعرفي. ففي الأسبوع الماضي، شبّه مات شومر، الرئيس التنفيذي لشركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي ببدايات جائحة «كوفيد - 19»، عندما كان معظم الأميركيين لا يزالون غافلين عن الجائحة الوشيكة. وكتب شومر: «كان جعل الذكاء الاصطناعي بارعاً في البرمجة هو الاستراتيجية التي تُمهد الطريق لكل شيء آخر». وأضاف: «إن التجربة التي خاضها العاملون في مجال التكنولوجيا خلال العام الماضي، بمشاهدة الذكاء الاصطناعي ينتقل من كونه (أداة مفيدة) إلى كونه (يؤدي عملي بشكل أفضل مني)، هي التجربة التي سيخوضها الجميع قريباً». وحظيت مقالته بأكثر من 80 مليون مشاهدة، وقد كُتبت جزئياً باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وفي الأسبوع الماضي، توقع رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في «مايكروسوفت» أن يقوم الذكاء الاصطناعي بأتمتة «معظم، إن لم يكن كل» مهام العمل المكتبي في غضون 18 شهراً.

ليس من الواضح بعد مدى رسهولة تطبيق التقدم في أدوات الذكاء الاصطناعي على مجالات أخرى. فالبرمجة مجالٌ ملائمٌ للأتمتة: إما أن تعمل البرامج أو لا تعمل. أما تحديد ما يُعدّ مقالاً جيداً، على سبيل المثال، فهو مهمةٌ أكثر تعقيداً، وتتطلب قدراً أكبر من التمييز البشري. ورغم أن أدوات الذكاء الاصطناعي غالباً ما تتفوق في الأعمال المعقدة، مثل تجميع كميات هائلة من النصوص، فإنها تُعاني في القيام بأمر بسيط كنسخ ولصق النصوص. ولأنها قويةٌ جداً، فقد تكون خطيرةً أيضاً عند ارتكابها الأخطاء. ومع أن الذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى مستوى المحلل المالي أو المهندس المعماري العالمي، فقد تطورت برامج الروبوت البرمجية إلى درجة تمكنها من المساعدة في جميع أنواع الأعمال المعرفية.

ترويج يفشل في إقناع الجمهور

وعلى الرغم من روعة أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية، فإنه قد يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تصبح آمنة وموثوقة بما يكفي للاستخدام الواسع. حتى مع استمرار التطور السريع للقدرات التقنية، يبقى العالم الحقيقي معقداً ومليئاً بالتحديات.

لقد بذلت شركات التكنولوجيا جهوداً جبارة لإقناع المستثمرين بضخّ الأموال في أعمالها، لكنّ القطاع نفسه فشل فشلاً ذريعاً في إقناع الجمهور برؤيته. فبدلاً من التركيز على الفوائد الملموسة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، أمضى وادي السيليكون سنوات في الترويج لهذه التقنية بأسلوبٍ مُبالغ فيه، مُقدّماًً تقارير أعمالٍ تُشبه الخيال العلمي.

في إحدى المقالات المؤثرة، كتب داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، أن الذكاء الاصطناعي القوي قد يقضي قريباً على معظم أنواع السرطان، وعلى جميع الأمراض المعدية تقريباً. وفي مقالٍ آخر، حذّر فريقٌ من الباحثين من أن الذكاء الاصطناعي المارق قد يُطلق، خلال عقدٍ من الزمن، أسلحةً بيولوجية، مُبيداً بذلك البشرية جمعاء تقريباً. صحيحٌ أن الروبوتات القادرة على التعامل مع جداول البيانات وأتمتة البرمجة قد لا تُصنّف ضمن الذكاء الخارق، إلا أنها لا تزال تتمتع بقدراتٍ هائلة. وإذا كان عامة الناس لا يزالون في حيرةٍ من أمرهم بشأن القدرات الحقيقية للذكاء الاصطناعي، فإن وادي السيليكون لا يلوم إلا نفسه.

* «ذا أتلانتيك أونالاين»

- خدمات «تريبيون ميديا»


الجيل المقبل من الألواح الشمسية... إنتاج أكبر وانبعاثات أقل

صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
TT

الجيل المقبل من الألواح الشمسية... إنتاج أكبر وانبعاثات أقل

صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)

تشهد صناعة الطاقة الشمسية تحولات متسارعة مدفوعة بالحاجة المتزايدة إلى مصادر كهرباء نظيفة ومستدامة لمواجهة تحديات تغير المناخ. وتُعدّ الألواح الشمسية، أو الخلايا الكهروضوئية، ركيزة أساسية في مسار التحول نحو طاقة منخفضة الكربون. ومع التوسع الكبير في نشر هذه التكنولوجيا عالمياً برزت تساؤلات متزايدة حول الأثر البيئي المرتبط بتصنيع ألواح السيليكون التقليدية من نوع «PERC».

جيل جديد من الخلايا الشمسية

وخلال السنوات الأخيرة، ظهر جيل جديد من خلايا السيليكون الشمسية يُعرف باسم «توب كون» (TOPCon)، يتميز بكفاءة أعلى وبصمة بيئية أقل مقارنة بالتقنية التقليدية. وقد صُمم هذا الجيل لتحسين الأداء في مختلف الظروف التشغيلية، وتقليل الفاقد الكهربائي، ودعم الانتشار الواسع للطاقة الشمسية دون زيادة كبيرة في التأثير البيئي.

خلايا السيليكون الشمسية لا تزال الخيار السائد والأكثر انتشاراً في الأسواق (جامعة سيدني)

ولحساب الأثر البيئي للتحول إلى هذه الخلايا، توصلت دراسة أجراها باحثون بجامعات «وارويك» و«نورثمبريا» و«برمنغهام» و«أكسفورد» في بريطانيا، إلى أن التحول إلى تقنية «توب كون» يمكن أن يُسهم في خفض الانبعاثات الكربونية العالمية بنحو 8.2 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2035، وهو ما يعادل قرابة 14 في المائة من إجمالي الانبعاثات العالمية السنوية الحالية، حسب النتائج التي نُشرت في عدد 16 فبراير (شباط) 2026 من دورية «Nature Communications».

وقدّمت الدراسة مقارنة شاملة لدورة حياة التصنيع لكلّ من تقنيتَي «PERC» التقليدية وخلايا «توب كون» الجديدة، بهدف تقييم ما إذا كانت التقنية الأحدث قادرة على تقليص البصمة البيئية للطاقة الشمسية بالتوازي مع زيادة انتشارها عالمياً.

وأشارت النتائج إلى أن التصنيع على نطاق «التيراواط» يتطلّب فهماً دقيقاً للأثر البيئي عبر سلسلة الإمداد، وأن إدخال تحسينات محددة في مراحل الإنتاج يمكن أن يعزّز استدامة الصناعة بشكل ملموس. وأظهرت التحليلات أن ألواح «توب كون» تسجل انخفاضاً في الأثر البيئي ضمن 15 من أصل 16 فئة تقييم مقارنة بالخلايا التقليدية، مع تقليل الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ بنسبة 6.5 في المائة لكل وحدة قدرة كهربائية.

كما خلص الباحثون إلى أن الجمع بين اعتماد هذه التقنية وتحسين عمليات التصنيع قد يجنّبان العالم ما يصل إلى 25 مليار طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالإنتاج بحلول 2035، إذا ما استُخدمت هذه الألواح لاستبدال الكهرباء المولدة من الوقود الأحفوري.

تقنية «توب كون»

يقول الأستاذ بمركز بحوث وتطوير الفلزات في مصر، الدكتور أحمد مرتضى السمان، إن الخلايا الشمسية التقليدية المصنوعة من السيليكون لا تزال الخيار السائد والأكثر انتشاراً في الأسواق، إذ تُعد النوع الأكثر موثوقية وكفاءة في تحويل ضوء الشمس مباشرة إلى كهرباء، رغم ظهور تقنيات أخرى مثل خلايا البيروفسكايت التي تتميز بسهولة التصنيع وكفاءة واعدة، ولكنها لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالاستقرار وطول العمر التشغيلي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن تصنيع خلايا السيليكون التقليدية يظل مرتبطاً بتحديات بيئية، أبرزها استهلاك كميات كبيرة من الطاقة في عملية تحويل الرمال إلى سيليكون عالي النقاء، وغالباً ما تأتي هذه الطاقة من مصادر حرارية تقليدية، مما يؤدي إلى انبعاثات ملحوظة من ثاني أكسيد الكربون وغازات الدفيئة. كما تتطلب مراحل التصنيع استخدام مواد كيميائية ومذيبات ومعادن مثل الفضة لتوصيل الكهرباء، ومع ذلك يظل الأثر البيئي لهذه الخلايا أقل بكثير مقارنة بتوليد الكهرباء من الوقود الأحفوري، خصوصاً عند دمج الطاقة المتجددة في عمليات الإنتاج.

وأوضح أن تقنية «توب كون» لا تمثل نوعاً جديداً بالكامل من الخلايا الشمسية، بل تُعد تطويراً متقدماً لخلايا السيليكون التقليدية يهدف إلى رفع كفاءة تحويل الضوء إلى كهرباء وتقليل الفاقد الناتج عن فقد الإلكترونات داخل الخلية، وتمثّل هذه التقنية الجيل الأحدث من خلايا السيليكون، إذ تختلف عن التصميمات التقليدية في البنية الداخلية وطريقة العمل. وبينما تعتمد الخلايا التقليدية على طبقة عازلة خلفية لتقليل فقد الإلكترونات، تستخدم خلايا «توب كون» طبقة فائقة الرقة من أكسيد السيليكون يتراوح سمكها بين 1 و2 نانومتر، تسمح بمرور الإلكترونات بكفاءة وتحدّ من فقد الشحنات غير المرغوبة، مما يحسّن أداء الخلية ويزيد إنتاجيتها لكل وحدة من ضوء الشمس، وفق السمان.

وأشار السمان إلى أن رفع كفاءة الخلايا عبر تقنية «توب كون» يحقق عدة فوائد، أبرزها تقليل عدد الألواح اللازمة لإنتاج كمية الطاقة نفسها بنحو الثلث تقريباً، مما ينعكس على خفض التكاليف. كما يُسهم في إطالة العمر التشغيلي للألواح إلى نحو 30 عاماً، وتقليل كمية السيليكون المستخدمة في تصنيع الخلايا، وبالتالي خفض تكاليف النقل والتصنيع والأثر البيئي الإجمالي.

وبيّن أن الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذه التقنية يمكن أن تقلل الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ بنحو 6.5 في المائة لكل وحدة قدرة كهربائية، نتيجة زيادة كفاءة الخلايا، وتظهر هذه الفوائد بشكل أوضح في الدول التي تعتمد على الطاقة النظيفة في مزيج الكهرباء، مثل الصين وعدد من الدول الأوروبية.

وفي المقابل، لفت إلى أن التقنية لا تزال تواجه تحديات، أبرزها محدودية انتشارها الصناعي حتى الآن، لكنه أشار إلى أن تبني كبرى الشركات خطوط إنتاج قائمة على تقنية «توب كون» سيسرّع انتشارها ويخفّض تكلفتها ويعزز كفاءتها. كما شدد على أهمية الاعتماد على الطاقة النظيفة في تصنيع هذه الخلايا، لتحقيق أعلى معايير الاستدامة وتقليل الأثر البيئي لصناعة الألواح الشمسية.


«بروتينات مصمَّمة صناعياً» تستجيب للتأثيرات المغناطيسية

بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
TT

«بروتينات مصمَّمة صناعياً» تستجيب للتأثيرات المغناطيسية

بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر

أظهرت دراسات علمية حديثة نجاح العلماء في هندسة بروتينات قادرة على الاستجابة للحقول المغناطيسية الضعيفة، وتغيير سلوكها داخل الخلايا عند تعرّضها لمجالات مغناطيسية، ونبضات راديوية دقيقة. وتُعد هذه النتائج خطوة واعدة نحو تطوير أدوات تصوير طبية أكثر دقة، وإنتاج أدوية يمكن التحكّم في نشاطها عن بُعد.

وتشير الأبحاث -التي نُشرت في مجلة «Nature» في 21 يناير (كانون الثاني) 2026، وقادها باحثون من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وجامعة هارفارد ومؤسسات تقنية حيوية في الولايات المتحدة- إلى أن هذه البروتينات المصمَّمة خصيصاً تستطيع تعديل خصائصها الحيوية، مثل شدة الضوء الذي تُصدره استجابةً للمغناطيس. وقد يتيح ذلك تتبّع بروتينات مرتبطة بالأمراض داخل الجسم بطريقة شبيهة بالتصوير بالرنين المغناطيسي، ولكن باستخدام أدوات أصغر، وأقل تكلفة.

ويُمثّل هذا التقدم تحولاً في الفهم العلمي لتأثير المغناطيس على الأحياء. وكان الاعتقاد السائد لعقود أن الحقول المغناطيسية لا تؤثر تقريباً في الخلايا، وهو ما سمح باستخدامها بأمان في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. كما تشير هذه النتائج إلى إمكانية توظيف المغناطيس ليكون وسيلة نشطة للتأثير في العمليات الحيوية، وفتح آفاق جديدة للتشخيص، والعلاج الموجّه.

بروتينات مرئية بالمغناطيس

يعتمد الأطباء اليوم على أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) التي تستخدم حقولاً مغناطيسية قوية، وموجات راديوية لرؤية ما بداخل الجسم. ورغم دقة هذه التقنية، فإنها تُظهر صورة عامة للأنسجة، ولا تستطيع تتبّع جزيئات محددة، مثل البروتينات المرتبطة بمرض معيّن. ولهذا يسعى العلماء منذ سنوات إلى ابتكار طرق تمكّنهم من «رؤية» هذه البروتينات داخل الجسم الحي. وفي خطوة واعدة نحو هذا الهدف، نجح باحثون من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة -بقيادة غابرييل أبراهامز، وهاريسون ستيل من قسم العلوم الهندسية- في هندسة بروتينات فلورية (التي تشع بلون أخضر فلوري عند تعرضها لضوء أزرق اللون). تُستخدم عادة في المختبرات لإضاءة الخلايا بحيث يتغيّر سطوعها عند تعرّضها لحقول مغناطيسية ضعيفة. فعند وضع مغناطيس قريب منها تصبح هذه البروتينات أكثر خفوتاً أو سطوعاً بطريقة يمكن التنبؤ بها، ما يجعل تتبّعها ممكناً باستخدام المغناطيس.

ويعتمد هذا الابتكار على جزء بروتيني حساس للضوء يُعرف باسم LOV، وهو شائع الاستخدام في أبحاث البيولوجيا.

ومن خلال تعديل هذا الجزء وربطه ببروتينات فلورية طوّر العلماء نسخاً شديدة الحساسية للمجالات المغناطيسية أُطلق على بعضها اسم MagLOV، ويمكن لهذه البروتينات المعدّلة أن تفقد نصف شدة إضاءتها أو أكثر عند التعرّض لمجال مغناطيسي قريب.

وتعود جذور هذا الاكتشاف إلى أعمال بحثية سابقة نُشرت عام 2024 قادها باحثون من شركة «Calico Life Sciences» في الولايات المتحدة، من بينهم أندرو يورك، وماريا إنغارامو. وقد أظهرت تلك الدراسات أن البروتينات الفلورية الشائعة -مثل البروتين الأخضر المضيء (GFP)، وبروتينات نطاق LOV - يمكن جعلها مستجيبة للمغناطيس عند تعديلها بعناية باستخدام ما يُعرف بالتطوّر الموجَّه. وفي إحدى النسخ المطوّرة تمكّن الباحثون من خفض شدة الإضاءة بنحو 75 في المائة عند التعرّض لمجالات مغناطيسية ضعيفة نسبياً.

ويرى العلماء أن هذه التقنية قد تمهّد الطريق لأدوات تصوير جديدة قادرة على تتبّع بروتينات مرتبطة بالأمراض داخل الجسم بدقة غير مسبوقة، وربما في المستقبل تمهد لأدوية يمكن التحكّم في نشاطها عن بُعد باستخدام المغناطيس، ما يفتح آفاقاً جديدة في التشخيص، والعلاج.

وسيلة تشخيص وعلاج

• تشخيص بالفيزياء الكمّية. تعود هذه الظاهرة إلى تأثيرات كمّية دقيقة داخل البروتين، حيث تتفاعل إلكترونات صغيرة عند امتصاص الطاقة. ويؤدي المجال المغناطيسي إلى تغيير طريقة تفاعل هذه الإلكترونات ما يؤثر في كمية الضوء التي يصدرها البروتين.

وفي أحدث تطوّر أظهر الباحثون أنهم يستطيعون التحكم في هذا التغيّر باستخدام نبضات ترددات راديوية شبيهة بتلك المستخدمة في أجهزة الرنين المغناطيسي. وقد مكّنهم ذلك من تحديد مواقع البروتينات الحساسة للمغناطيس بدقة أعلى حتى عندما كانت مدفونة داخل مواد صلبة.

وفي تجارب مخبرية، تمكّن العلماء من رسم خرائط لبكتيريا تحمل هذه البروتينات داخل كتل صلبة، وهو ما يشير إلى إمكانية تطبيق التقنية مستقبلاً في الكائنات الحية.

• أدوية يمكن التحكم بها عن بُعد. ولا يقتصر الأمل على التصوير فقط، بل يتعدّاه إلى تطوير علاجات يمكن تشغيلها أو تعطيلها بالمغناطيس. ففي أعمال بحثية لم تُنشر بعد أظهر العلماء أن الحقول المغناطيسية قد تُضعف أو تُعزّز قدرة الأجسام المضادة على الارتباط بأهدافها.

وقد يتيح ذلك تطوير أدوية تعمل فقط في المكان المطلوب، مثل تنشيط علاج داخل ورم سرطاني دون التأثير في الأنسجة السليمة، ما يقلل من الآثار الجانبية التي تُعد من أكبر تحديات العلاجات الحالية.

ورغم هذا التقدّم اللافت، يؤكد العلماء أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الاستخدام السريري. فبعض البروتينات الحالية تحتاج إلى ضوء ليزري للعمل، وهو أمر يصعب تطبيقه في أعماق الجسم. لكن الباحثين يعملون بالفعل على تطوير بروتينات تُصدر الضوء عبر تفاعلات كيميائية بدلاً من الضوء الخارجي.

ومع ذلك يرى كثيرون أن هذه الأبحاث تمثل بداية حقيقية لمجال علمي جديد، حيث لا تكتفي المغانيط بمساعدة الأطباء على رؤية الجسم، بل تصبح أداة فعّالة للتشخيص، والعلاج.