طرق مبتكرة لتخزين الطاقة المتجددة

«بالونات» تخزن ثاني أكسيد الكربون نهاراً وتحرره ليلاً لإنتاجها

منشأة "دوم انرجي" الايطالية
منشأة "دوم انرجي" الايطالية
TT

طرق مبتكرة لتخزين الطاقة المتجددة

منشأة "دوم انرجي" الايطالية
منشأة "دوم انرجي" الايطالية

لا تعد منطقة وسط سردينيا في إيطاليا مرتعاً للابتكار بصفة عامة: فهي منطقة قاحلة وريفية.

في أوتانا، وفي موقع سابق لمصنع للبتروكيميائيات، بدأت تتشكل تكنولوجيا جديدة قد تساعد العالم في إبطاء تغير المناخ. والمكون الرئيسي لهذه التكنولوجيا بعيد الاحتمال مثل الموقع البعيد ذاته: ثاني أكسيد الكربون، السبب الرئيسي للاحترار العالمي.

«بالونات الطاقة»

تدير شركة «دوم إنرجي»، وهي شركة ناشئة تتخذ من ميلانو مقراً لها، محطة تجريبية لتخزين الطاقة تساعد في معالجة حالة عدم التطابق في سوق الكهرباء المحلية. ويقول كلاوديو سباداسيني، الرئيس التنفيذي للشركة: «في سردينيا خلال النهار يذهب الجميع إلى البحر». ويضيف: «إنهم لا يستخدمون الكهرباء، ولكن هناك الكثير من الإمدادات» (من الطاقة الكهربائية)، مشيراً بيده إلى أشعة الشمس الوفيرة في الجزيرة الإيطالية.

الالواح الشمسية لانتاج الكهرباء قرب منشأة "دوم انرجي "

تستخدم «دوم إنرجي» ثاني أكسيد الكربون المحتفظ به في بالون ضخم، المسمى «القبة» على اسم الشركة، مثل نوع من البطاريات. وخلال النهار، تُستخدم الكهرباء من الشبكة المحلية - التي تنتج بعضها من مساحات كبيرة من الخلايا الشمسية المجاورة - في ضغط ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى سائل. وفي الليل، يتمدد ثاني أكسيد الكربون السائل مجدداً إلى حالته الغازية، لكي يدير التوربينات وينتج الكهرباء التي يُعاد إرسالها مرة ثانية إلى الشبكة.

تعد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من المصادر المتجددة سريعة النمو، ولكنها تعتمد على جدول الطبيعة الزمني المتقطع لإنتاج الكهرباء. ويقول العديد من الباحثين وصناع السياسات إن تخزين مثل هذه الطاقة حتى الوقت الذي نحتاج إليها، لساعات أو حتى لأيام، يشكل ضرورة أساسية لتحويل الاقتصادات بعيداً عن الوقود الأحفوري.

وكانت وزيرة الطاقة الأميركية جنيفر غرانهولم قالت في بيان صدر عام 2022، عندما أعلنت وزارتها أنها تعتزم تخصيص أكثر من 300 مليون دولار لتخزين الطاقة على المدى الطويل، إن «تطوير تقنيات تخزين الطاقة أمر بالغ الأهمية لتحقيق شبكة للطاقة خالية من الكربون».

طرق مبتكرة لتخزين الطاقة

تعمل الشركات على تطوير وتسويق طرق متنوعة ومبتكرة لتخزين الطاقة المتجددة: تسييل ثاني أكسيد الكربون، ونزع الصدأ من الحديد، وبناء أبراج التدفئة المليئة بالرمال إلى درجات حرارة تكاد تكون ساخنة بما يكفي لصهر الألمنيوم. ولكن التنبؤ باحتياجاتنا من تخزين الطاقة في المستقبل، أمر في غاية الصعوبة، ومن غير الواضح أي من هذه السبل قد يثبت فعاليته وربحه.

تقول إلين هارت، المديرة المؤسسة لشركة «مومنت إنرجي إنسايتس»، وهي مؤسسة استشارية في مجال الطاقة النظيفة: «هناك حاجة ملحة حقيقية لإزالة الكربون من (عملية توليد) الكهرباء في جدول زمني أسرع بكثير مما توقعناه في الماضي». وتضيف: «نحن لا نحتاج إلى تقنيات مثل تخزين الطاقة طويلة الأمد أو الهيدروجين اليوم، ولكننا قد نحتاج إليها على نطاق واسع في السنوات الـ15 إلى 20 المقبلة، لذلك نحن في وقت حساس لتطويرها».

ولعقود، استجابت العديد من مرافق الكهرباء للطلب المتقلب عليه، باستخدام تخزين الطاقة الكهرومائية بهدف توليد الكهرباء عندما يكون الطلب عليه مرتفعاً. ولكن عندما يكون هناك فائض في العرض من الكهرباء يضخ الماء من خزان أدنى إلى خزان أعلى لتخزين الطاقة.

الادارة الالكترونية في منشأة "دوم انرجي "

وتعمل بعض المرافق الآن على تركيب خزانات كهرومائية جديدة تعمل بالضخ لموازنة إنتاج الطاقة الشمسية والرياح، بينما يعمل العديد من المرافق الأخرى على تركيب صفائف من بطاريات «الليثيوم» أيون لتخزين الطاقة الزائدة الناتجة عن مصادر الطاقة المتجددة، التي تشهد ازدهاراً واضحاً في السوق.

غير أن أساليب التخزين هذه لها حدود. إذ يستلزم ضخ الطاقة الكهرومائية وجود مناطق مرتفعة من جهة وهو يغير المناظر الطبيعية لها من جهة أخرى، كما أن بناء المرافق يُكلف الكثير من الأموال. والليثيوم مورد محدود، وعمليات استخراجه غالباً ما تكون ملوثة للبيئة، ويصبح باهظ التكلفة عندما يُصمم لتخزين الطاقة لأكثر من 4 ساعات.

مضخات حرارية

يقول سكوت مورتيشو، المدير التنفيذي لتحالف كاليفورنيا لتخزين الطاقة، وهو مجموعة صناعية تدعو للمزيد من التخزين على الشبكات الكهربائية: «التخزين طويل الأمد لا يصبح ضرورياً بصفة عامة إلا عند بلوغ مستويات عالية من طاقة الرياح والطاقة الشمسية. ولكنه من الأهمية بمكان إن كنت ملتزماً بنزع الكربون عن الشبكة حقاً».

مضخة ثاني أكسيد الكربون

تقول شركة «ويستنغهاوس إلكتريك»، وهي مورد للمنتجات والخدمات لمشغلي المحطات النووية، إن تقنيات تخزين الطاقة الجديدة، التي تعتمد على ثاني أكسيد الكربون، مثل نهج شركة «دوم إنرجي»، تمثل تحسناً ملموساً مقارنة بالطاقة المائية العاملة بالضخ والليثيوم أيون.

تعمل تكنولوجيا الشركة مثل مضخة حرارية، باستخدام ثاني أكسيد الكربون في حالة حرجة للغاية - في درجة حرارة وضغط كبيرين لدرجة أنها تعمل مثل هجين من السائل والغاز - لنقل الحرارة، الناتجة عن الكهرباء الزائدة، إلى كتل خرسانية. وفي وقت لاحق، تُستخدم الحرارة المخزنة في تلك الكتل لتوليد الكهرباء.

يقول جون باتاغليني، نائب رئيس شركة ويستنغهاوس لتنمية الأسواق الجديدة في الأميركتين، إنه «لمن السخرية نوعاً ما أن يكون ثاني أكسيد الكربون المادة التي أسفرت عن الكثير من الابتكارات في هذا المجال».

وقد أعلنت شركة ويستنغهاوس، في سبتمبر (أيلول) الماضي، اعتزامها بناء منشأة للتخزين بقدرة 100 ميغاواط في ألاسكا، وهو ما يكفي لتزويد نحو 80 ألف منزل أميركي في المتوسط بالكهرباء لمدة تصل إلى 12 ساعة. ويضيف أن «تكلفة المنشأة ستبلغ حوالي نصف تكلفة المنشأة التي تستخدم بطاريات الليثيوم أيون... وأن الشركة تشعر بالارتياح الشديد حيال الجانب الاقتصادي».

تخزين طويل من صدأ الحديد

وتتوقع بعض الشركات زمناً ينبع فيه معظم الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة والشبكات التي تتطلب تخزيناً أطول بكثير. وتهدف شركة «فورم إنرجي»، ومقرها في سومرفيل بولاية ماساتشوستس، إلى توفير الكهرباء لمدة 100 ساعة، بعد أن خلصت بعض الدراسات إلى أن الشبكات القائمة على مصادر الطاقة المتجددة ستحتاج إلى أن تكون قادرة على توفير الطاقة الاحتياطية لفترة طويلة.

لتوفير هذا القدر الكبير من القدرة بأسعار معقولة، كان على «فورم إنرجي» أن تجد عملية تخزين منخفضة التكلفة للغاية، لذا تحولت الشركة إلى مادة رخيصة في كل مكان وتخضع لردود فعل مفهومة جيداً: «أكسدة، أو تصدّأ»، الحديد. عندما يصدأ الحديد، فإنه ينتج الطاقة؛ وعبر تغذية الطاقة مرة أخرى إلى النظام، يمكن لشركة «فورم إنرجي» أن تعكس التفاعل وتخزن الطاقة، التي يمكن إطلاقها لاحقاً عن طريق تصدّأ الحديد مرة أخرى.

يستخدم نظام «فورم إنرجي» للتخزين شكلاً مضبوطاً بصورة خاصة من الحديد لزيادة إمكانية عكس التفاعل وزيادة المتانة. وقال ماتيو جاراميلو، أحد مؤسسي شركة «فورم إنرجي» ومديرها التنفيذي: «هذا هو الموضع الذي شهد الكثير من الاختراعات من جانبنا. وهي واحدة من الحيل الرئيسية - أو سر تجارتنا». وتقول شركة «فورم إنرجي» إنها تستطيع تركيب سعة تخزينية بسعر يعادل تقريباً 10 بطاريات الليثيوم أيون.

هواء التجاويف الملحية وتسخين الرمال

تعمل شركة «كوري إنرجي»، ومقرها هولندا، على تخزين الطاقة لعدة أيام من خلال ضغط الهواء إلى ضغط عال داخل التجاويف الملحية، حيث يتم حلّ رواسب الملح الطبيعية تحت الأرض لتترك جيوباً فارغة كبيرة.

أعلنت شركة «كوري إنرجي»، في يونيو (حزيران)، عن صفقة في ألمانيا لتوفير ما يصل إلى 640 ميغاوات من الكهرباء، وهو ما يكفي لتزويد نحو 1.6 مليون منزل ألماني، لمدة تصل إلى 125 ساعة، أي حوالي عُشر تكلفة الليثيوم أيون. وتقوم شريكة «كوري إنرجي» بتطوير أربع تجاويف هناك الآن، ومن المقرر أن يبدأ تشغيل اثنين منها عام 2027.

تقول شركة «كوري إنرجي» إن الطلب على التخزين طويل الأمد مرتفع في شمال أوروبا، التي تحرص على مصادر الطاقة المتجددة ولكنها مُعرضة لفترات متعددة من الرياح وأشعة الشمس القليلة، والمعروفة في دوائر الطاقة الخضراء (والدوائر الألمانية) باسم Dunkelflaute (الهدوء المظلم).

يقول كيث ماكغراني، الرئيس التنفيذي لشركة «كوري إنرجي»: «إننا نحاول معالجة هذا الطلب المتسارع للتخزين طويل الأمد».

وتنتهج بعض الشركات أساليب قد تبدو بسيطة إلى حد مدهش، إذ تستخدم شركة فنلندية ناشئة تُدعى «بولار نايت إنرجي» الكهرباء الزائدة في تسخين الرمال إلى درجات حرارة مرتفعة تصل إلى 1100 درجة فهرنهايت (593.3 درجة مئوية). يمكن استخدام الرمال لاحقاً في توفير ما يصل إلى 100 ساعة من الحرارة للمنازل والشركات المحلية.

وفي هذا الشهر، أعلنت الشركة عن اتفاق لبناء منشأة تخزين لمدينة بورناينين، مع خفض الانبعاثات المتوقع بنسبة تقرب من 70 في المائة. وتعمل الشركة أيضاً على تطوير طريقة للمباشرة في توفير الطاقة الكهربائية بالإضافة إلى الحرارة.

وكان تومي إرونين، الرئيس التنفيذي لشركة «بولار نايت إنرجي»، قد تحدث في مؤتمر المناخ في فيينا في مايو (أيار) الماضي. وشرع في الترويج للشركة بين الحضور من ذوي الميول البيئية الخضراء.

خلق سوق جديدة

الطريق من المفهوم إلى تأسيس الشركة إلى وضع البنية الأساسية تظل محفوفة بالمخاطر دوماً، لذا يواجه تخزين الطاقة على الأمد البعيد تحديات خاصة.

يقول مورتيشو: «لا يمكنك أن تعرف ما تحتاج إليه إذا لم تتمكن من تصميمه. إنه مثل هاتف أيفون، وهو منتج لم تكن تعرف أنك بحاجة إليه حتى صنعه أحدهم».

هناك مسألة أخرى تتعلق بأساليب التخزين الجديدة، وهي الهيمنة والتحسين المستمر لبطاريات الليثيوم أيون. مع قيام الشركات المصنعة بتحسين تصميم البطاريات وزيادة إنتاجها، تستمر التكلفة في الانخفاض، مما يجعل الليثيوم أيون أكثر اقتصاداً تدريجياً لفترات أطول.

ألحقت هذه التحديات الضرر ببعض صانعي التخزين طويل الأمد. إذ أعلنت شركة «أزيليو»، وهي شركة تخزن الطاقة كحرارة في سبائك الألومنيوم داخل وحدات معيارية، الإفلاس في يوليو (تموز) الماضي.

مع ذلك، يقول بعض مزودي خدمات التخزين طويل الأمد إن السوق تنمو بسرعة وإنهم يكثفون من أعمال البناء لتلبية الطلب.

في أوتانا، يزيل الحفارون الأنقاض السوداء من بقايا المباني الصناعية القديمة لإفساح المجال لمنشأة تخزين تابعة لشركة «دوم إنرجي» ذات سعة تجارية تستوعب 40 ضعف الطاقة التي تستهلكها المحطة التجريبية المجاورة. برغم الاختلافات السطحية، وصف سباداسيني منشأة «دوم إنرجي» البراقة كنوع منحدر من المولدات القذرة العاملة بالنفط التي كانت تعمل في الموقع نفس. وقال إن «طاقة النفط كانت طاقة من الشمس، وكانت مخزنة بكفاءة معينة في النفط»، مشيراً إلى أن النفط يُستمد في الغالب من النباتات بالتمثيل الضوئي. و«نحن بحاجة إلى تخزين واستخدام تلك الطاقة بشكل مباشر وفعال قدر الإمكان».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

العراق: 5 % رسوماً على مستلزمات الطاقة الشمسية

الاقتصاد حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)

العراق: 5 % رسوماً على مستلزمات الطاقة الشمسية

حددت الهيئة العامة للجمارك العراقية، الأحد، نسبة الرسوم على مستلزمات الطاقة الشمسية عند 5 % فقط، وذلك لتشجيع المواطنين على استخدام الطاقة النظيفة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد التوسع السريع في مراكز البيانات الكبيرة في إطار طفرة الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة كبيرة في الطلب على الكهرباء (إكس)

ألمانيا تدعو إلى حلول طويلة الأجل لمواجهة استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة

أعرب وزير الرقمنة الألماني عن اعتقاده أن الطلب المتزايد على الكهرباء المدفوع بالذكاء الاصطناعي يمكن تلبيته في السنوات المقبلة عبر إمدادات الطاقة القائمة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد وزيرا الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان آل سعود والتركي ألب أرسلان بيرقدار شهدا توقيع اتفاقية شراء الطاقة بين تركيا وشركة «أكوا» السعودية في إسطنبول الجمعة (من حساب الوزير التركي في «إكس»)

تركيا والسعودية توقعان اتفاقية شاملة لشراء الكهرباء

وقّعت وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية اتفاقية شاملة لشراء الكهرباء مع شركة «أكوا» السعودية العملاقة للطاقة، تتضمن إنشاء محطات ومشروعات للطاقة الشمسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد شعار وكالة «ستاندرد آند بورز» على أحد المباني (أ.ب)

توقعات بوصول السندات المستدامة بالشرق الأوسط إلى 25 مليار دولار في 2026

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» للتصنيفات الائتمانية أن تبلغ إصدارات السندات المستدامة في منطقة الشرق الأوسط ما بين 20 و25 مليار دولار خلال عام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رجل يركب دراجة نارية بجوار الألواح الشمسية في «متنزه ولاية غوغارات للطاقة الشمسية» بالهند (رويترز)

عراقيل متعددة أمام الهند لتوسيع استخدام الطاقة النظيفة

يقول بائعون ومحللون إن جهود رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، لتسريع نشر استخدام ألواح الطاقة الشمسية على أسطح المنازل، لا تحقق الأهداف المرجوة.

«الشرق الأوسط» (مومباي (الهند))

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.