طرق مبتكرة لتخزين الطاقة المتجددة

«بالونات» تخزن ثاني أكسيد الكربون نهاراً وتحرره ليلاً لإنتاجها

منشأة "دوم انرجي" الايطالية
منشأة "دوم انرجي" الايطالية
TT

طرق مبتكرة لتخزين الطاقة المتجددة

منشأة "دوم انرجي" الايطالية
منشأة "دوم انرجي" الايطالية

لا تعد منطقة وسط سردينيا في إيطاليا مرتعاً للابتكار بصفة عامة: فهي منطقة قاحلة وريفية.

في أوتانا، وفي موقع سابق لمصنع للبتروكيميائيات، بدأت تتشكل تكنولوجيا جديدة قد تساعد العالم في إبطاء تغير المناخ. والمكون الرئيسي لهذه التكنولوجيا بعيد الاحتمال مثل الموقع البعيد ذاته: ثاني أكسيد الكربون، السبب الرئيسي للاحترار العالمي.

«بالونات الطاقة»

تدير شركة «دوم إنرجي»، وهي شركة ناشئة تتخذ من ميلانو مقراً لها، محطة تجريبية لتخزين الطاقة تساعد في معالجة حالة عدم التطابق في سوق الكهرباء المحلية. ويقول كلاوديو سباداسيني، الرئيس التنفيذي للشركة: «في سردينيا خلال النهار يذهب الجميع إلى البحر». ويضيف: «إنهم لا يستخدمون الكهرباء، ولكن هناك الكثير من الإمدادات» (من الطاقة الكهربائية)، مشيراً بيده إلى أشعة الشمس الوفيرة في الجزيرة الإيطالية.

الالواح الشمسية لانتاج الكهرباء قرب منشأة "دوم انرجي "

تستخدم «دوم إنرجي» ثاني أكسيد الكربون المحتفظ به في بالون ضخم، المسمى «القبة» على اسم الشركة، مثل نوع من البطاريات. وخلال النهار، تُستخدم الكهرباء من الشبكة المحلية - التي تنتج بعضها من مساحات كبيرة من الخلايا الشمسية المجاورة - في ضغط ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى سائل. وفي الليل، يتمدد ثاني أكسيد الكربون السائل مجدداً إلى حالته الغازية، لكي يدير التوربينات وينتج الكهرباء التي يُعاد إرسالها مرة ثانية إلى الشبكة.

تعد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من المصادر المتجددة سريعة النمو، ولكنها تعتمد على جدول الطبيعة الزمني المتقطع لإنتاج الكهرباء. ويقول العديد من الباحثين وصناع السياسات إن تخزين مثل هذه الطاقة حتى الوقت الذي نحتاج إليها، لساعات أو حتى لأيام، يشكل ضرورة أساسية لتحويل الاقتصادات بعيداً عن الوقود الأحفوري.

وكانت وزيرة الطاقة الأميركية جنيفر غرانهولم قالت في بيان صدر عام 2022، عندما أعلنت وزارتها أنها تعتزم تخصيص أكثر من 300 مليون دولار لتخزين الطاقة على المدى الطويل، إن «تطوير تقنيات تخزين الطاقة أمر بالغ الأهمية لتحقيق شبكة للطاقة خالية من الكربون».

طرق مبتكرة لتخزين الطاقة

تعمل الشركات على تطوير وتسويق طرق متنوعة ومبتكرة لتخزين الطاقة المتجددة: تسييل ثاني أكسيد الكربون، ونزع الصدأ من الحديد، وبناء أبراج التدفئة المليئة بالرمال إلى درجات حرارة تكاد تكون ساخنة بما يكفي لصهر الألمنيوم. ولكن التنبؤ باحتياجاتنا من تخزين الطاقة في المستقبل، أمر في غاية الصعوبة، ومن غير الواضح أي من هذه السبل قد يثبت فعاليته وربحه.

تقول إلين هارت، المديرة المؤسسة لشركة «مومنت إنرجي إنسايتس»، وهي مؤسسة استشارية في مجال الطاقة النظيفة: «هناك حاجة ملحة حقيقية لإزالة الكربون من (عملية توليد) الكهرباء في جدول زمني أسرع بكثير مما توقعناه في الماضي». وتضيف: «نحن لا نحتاج إلى تقنيات مثل تخزين الطاقة طويلة الأمد أو الهيدروجين اليوم، ولكننا قد نحتاج إليها على نطاق واسع في السنوات الـ15 إلى 20 المقبلة، لذلك نحن في وقت حساس لتطويرها».

ولعقود، استجابت العديد من مرافق الكهرباء للطلب المتقلب عليه، باستخدام تخزين الطاقة الكهرومائية بهدف توليد الكهرباء عندما يكون الطلب عليه مرتفعاً. ولكن عندما يكون هناك فائض في العرض من الكهرباء يضخ الماء من خزان أدنى إلى خزان أعلى لتخزين الطاقة.

الادارة الالكترونية في منشأة "دوم انرجي "

وتعمل بعض المرافق الآن على تركيب خزانات كهرومائية جديدة تعمل بالضخ لموازنة إنتاج الطاقة الشمسية والرياح، بينما يعمل العديد من المرافق الأخرى على تركيب صفائف من بطاريات «الليثيوم» أيون لتخزين الطاقة الزائدة الناتجة عن مصادر الطاقة المتجددة، التي تشهد ازدهاراً واضحاً في السوق.

غير أن أساليب التخزين هذه لها حدود. إذ يستلزم ضخ الطاقة الكهرومائية وجود مناطق مرتفعة من جهة وهو يغير المناظر الطبيعية لها من جهة أخرى، كما أن بناء المرافق يُكلف الكثير من الأموال. والليثيوم مورد محدود، وعمليات استخراجه غالباً ما تكون ملوثة للبيئة، ويصبح باهظ التكلفة عندما يُصمم لتخزين الطاقة لأكثر من 4 ساعات.

مضخات حرارية

يقول سكوت مورتيشو، المدير التنفيذي لتحالف كاليفورنيا لتخزين الطاقة، وهو مجموعة صناعية تدعو للمزيد من التخزين على الشبكات الكهربائية: «التخزين طويل الأمد لا يصبح ضرورياً بصفة عامة إلا عند بلوغ مستويات عالية من طاقة الرياح والطاقة الشمسية. ولكنه من الأهمية بمكان إن كنت ملتزماً بنزع الكربون عن الشبكة حقاً».

مضخة ثاني أكسيد الكربون

تقول شركة «ويستنغهاوس إلكتريك»، وهي مورد للمنتجات والخدمات لمشغلي المحطات النووية، إن تقنيات تخزين الطاقة الجديدة، التي تعتمد على ثاني أكسيد الكربون، مثل نهج شركة «دوم إنرجي»، تمثل تحسناً ملموساً مقارنة بالطاقة المائية العاملة بالضخ والليثيوم أيون.

تعمل تكنولوجيا الشركة مثل مضخة حرارية، باستخدام ثاني أكسيد الكربون في حالة حرجة للغاية - في درجة حرارة وضغط كبيرين لدرجة أنها تعمل مثل هجين من السائل والغاز - لنقل الحرارة، الناتجة عن الكهرباء الزائدة، إلى كتل خرسانية. وفي وقت لاحق، تُستخدم الحرارة المخزنة في تلك الكتل لتوليد الكهرباء.

يقول جون باتاغليني، نائب رئيس شركة ويستنغهاوس لتنمية الأسواق الجديدة في الأميركتين، إنه «لمن السخرية نوعاً ما أن يكون ثاني أكسيد الكربون المادة التي أسفرت عن الكثير من الابتكارات في هذا المجال».

وقد أعلنت شركة ويستنغهاوس، في سبتمبر (أيلول) الماضي، اعتزامها بناء منشأة للتخزين بقدرة 100 ميغاواط في ألاسكا، وهو ما يكفي لتزويد نحو 80 ألف منزل أميركي في المتوسط بالكهرباء لمدة تصل إلى 12 ساعة. ويضيف أن «تكلفة المنشأة ستبلغ حوالي نصف تكلفة المنشأة التي تستخدم بطاريات الليثيوم أيون... وأن الشركة تشعر بالارتياح الشديد حيال الجانب الاقتصادي».

تخزين طويل من صدأ الحديد

وتتوقع بعض الشركات زمناً ينبع فيه معظم الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة والشبكات التي تتطلب تخزيناً أطول بكثير. وتهدف شركة «فورم إنرجي»، ومقرها في سومرفيل بولاية ماساتشوستس، إلى توفير الكهرباء لمدة 100 ساعة، بعد أن خلصت بعض الدراسات إلى أن الشبكات القائمة على مصادر الطاقة المتجددة ستحتاج إلى أن تكون قادرة على توفير الطاقة الاحتياطية لفترة طويلة.

لتوفير هذا القدر الكبير من القدرة بأسعار معقولة، كان على «فورم إنرجي» أن تجد عملية تخزين منخفضة التكلفة للغاية، لذا تحولت الشركة إلى مادة رخيصة في كل مكان وتخضع لردود فعل مفهومة جيداً: «أكسدة، أو تصدّأ»، الحديد. عندما يصدأ الحديد، فإنه ينتج الطاقة؛ وعبر تغذية الطاقة مرة أخرى إلى النظام، يمكن لشركة «فورم إنرجي» أن تعكس التفاعل وتخزن الطاقة، التي يمكن إطلاقها لاحقاً عن طريق تصدّأ الحديد مرة أخرى.

يستخدم نظام «فورم إنرجي» للتخزين شكلاً مضبوطاً بصورة خاصة من الحديد لزيادة إمكانية عكس التفاعل وزيادة المتانة. وقال ماتيو جاراميلو، أحد مؤسسي شركة «فورم إنرجي» ومديرها التنفيذي: «هذا هو الموضع الذي شهد الكثير من الاختراعات من جانبنا. وهي واحدة من الحيل الرئيسية - أو سر تجارتنا». وتقول شركة «فورم إنرجي» إنها تستطيع تركيب سعة تخزينية بسعر يعادل تقريباً 10 بطاريات الليثيوم أيون.

هواء التجاويف الملحية وتسخين الرمال

تعمل شركة «كوري إنرجي»، ومقرها هولندا، على تخزين الطاقة لعدة أيام من خلال ضغط الهواء إلى ضغط عال داخل التجاويف الملحية، حيث يتم حلّ رواسب الملح الطبيعية تحت الأرض لتترك جيوباً فارغة كبيرة.

أعلنت شركة «كوري إنرجي»، في يونيو (حزيران)، عن صفقة في ألمانيا لتوفير ما يصل إلى 640 ميغاوات من الكهرباء، وهو ما يكفي لتزويد نحو 1.6 مليون منزل ألماني، لمدة تصل إلى 125 ساعة، أي حوالي عُشر تكلفة الليثيوم أيون. وتقوم شريكة «كوري إنرجي» بتطوير أربع تجاويف هناك الآن، ومن المقرر أن يبدأ تشغيل اثنين منها عام 2027.

تقول شركة «كوري إنرجي» إن الطلب على التخزين طويل الأمد مرتفع في شمال أوروبا، التي تحرص على مصادر الطاقة المتجددة ولكنها مُعرضة لفترات متعددة من الرياح وأشعة الشمس القليلة، والمعروفة في دوائر الطاقة الخضراء (والدوائر الألمانية) باسم Dunkelflaute (الهدوء المظلم).

يقول كيث ماكغراني، الرئيس التنفيذي لشركة «كوري إنرجي»: «إننا نحاول معالجة هذا الطلب المتسارع للتخزين طويل الأمد».

وتنتهج بعض الشركات أساليب قد تبدو بسيطة إلى حد مدهش، إذ تستخدم شركة فنلندية ناشئة تُدعى «بولار نايت إنرجي» الكهرباء الزائدة في تسخين الرمال إلى درجات حرارة مرتفعة تصل إلى 1100 درجة فهرنهايت (593.3 درجة مئوية). يمكن استخدام الرمال لاحقاً في توفير ما يصل إلى 100 ساعة من الحرارة للمنازل والشركات المحلية.

وفي هذا الشهر، أعلنت الشركة عن اتفاق لبناء منشأة تخزين لمدينة بورناينين، مع خفض الانبعاثات المتوقع بنسبة تقرب من 70 في المائة. وتعمل الشركة أيضاً على تطوير طريقة للمباشرة في توفير الطاقة الكهربائية بالإضافة إلى الحرارة.

وكان تومي إرونين، الرئيس التنفيذي لشركة «بولار نايت إنرجي»، قد تحدث في مؤتمر المناخ في فيينا في مايو (أيار) الماضي. وشرع في الترويج للشركة بين الحضور من ذوي الميول البيئية الخضراء.

خلق سوق جديدة

الطريق من المفهوم إلى تأسيس الشركة إلى وضع البنية الأساسية تظل محفوفة بالمخاطر دوماً، لذا يواجه تخزين الطاقة على الأمد البعيد تحديات خاصة.

يقول مورتيشو: «لا يمكنك أن تعرف ما تحتاج إليه إذا لم تتمكن من تصميمه. إنه مثل هاتف أيفون، وهو منتج لم تكن تعرف أنك بحاجة إليه حتى صنعه أحدهم».

هناك مسألة أخرى تتعلق بأساليب التخزين الجديدة، وهي الهيمنة والتحسين المستمر لبطاريات الليثيوم أيون. مع قيام الشركات المصنعة بتحسين تصميم البطاريات وزيادة إنتاجها، تستمر التكلفة في الانخفاض، مما يجعل الليثيوم أيون أكثر اقتصاداً تدريجياً لفترات أطول.

ألحقت هذه التحديات الضرر ببعض صانعي التخزين طويل الأمد. إذ أعلنت شركة «أزيليو»، وهي شركة تخزن الطاقة كحرارة في سبائك الألومنيوم داخل وحدات معيارية، الإفلاس في يوليو (تموز) الماضي.

مع ذلك، يقول بعض مزودي خدمات التخزين طويل الأمد إن السوق تنمو بسرعة وإنهم يكثفون من أعمال البناء لتلبية الطلب.

في أوتانا، يزيل الحفارون الأنقاض السوداء من بقايا المباني الصناعية القديمة لإفساح المجال لمنشأة تخزين تابعة لشركة «دوم إنرجي» ذات سعة تجارية تستوعب 40 ضعف الطاقة التي تستهلكها المحطة التجريبية المجاورة. برغم الاختلافات السطحية، وصف سباداسيني منشأة «دوم إنرجي» البراقة كنوع منحدر من المولدات القذرة العاملة بالنفط التي كانت تعمل في الموقع نفس. وقال إن «طاقة النفط كانت طاقة من الشمس، وكانت مخزنة بكفاءة معينة في النفط»، مشيراً إلى أن النفط يُستمد في الغالب من النباتات بالتمثيل الضوئي. و«نحن بحاجة إلى تخزين واستخدام تلك الطاقة بشكل مباشر وفعال قدر الإمكان».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الطاقة المتجددة في السعودية تنتقل من مرحلة المبادرات إلى التوسع

خاص أحد مشاريع الألواح الشمسية في السعودية (واس)

الطاقة المتجددة في السعودية تنتقل من مرحلة المبادرات إلى التوسع

تشهد مشاريع الطاقة المتجددة في السعودية نمواً متسارعاً يعكس تنامي الاستثمارات، وتوسع المملكة في تطوير مصادر الطاقة النظيفة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد «مركز الملك عبد الله المالي» بالرياض (الشرق الأوسط)

88 % ارتفاعاً في سعة مشروعات الطاقة المتجددة بالسعودية خلال 2025

ارتفعت سعة مشروعات الطاقة المتجددة المشغّلة في السعودية بنسبة 88 في المائة خلال عام 2025، مقارنة بالعام السابق، لتبلغ 12.313 ألف ميغاواط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مشروع «أكوا مرافق البحر الأحمر» (أكوا)

«أكوا» السعودية تحقق التشغيل التجاري لمنظومة مرافق «البحر الأحمر»

«أكوا» تحقق التشغيل التجاري لمنظومة مرافق «البحر الأحمر» بالطاقة المتجددة ودون اتصال بالشبكة الوطنية لمدة 25 عاماً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الكهرباء المصري خلال لقائه مع وزير البيئة وأمن الطاقة الإيطالي (وزارة الكهرباء المصرية)

اتفاقات عديدة مع دول مجاورة... كيف تستفيد مصر من الربط الكهربائي؟

توسعت الحكومة المصرية، خلال السنوات الماضية، في إبرام اتفاقات عديدة لـ«الربط الكهربائي»، مع دول الجوار، في خطوة تقول إنها تستهدف تعزيز أمن الطاقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد رجل يسير في محطة طاقة شمسية تحت الإنشاء بمنطقة شينجيانغ الصينية (رويترز)

قدرة الطاقة الشمسية في الصين تتخطى المحطات العاملة بالفحم للمرة الأولى

تجاوزت القدرة المركّبة لألواح الطاقة الشمسية في الصين للمرة الأولى قدرة المحطات العاملة بالفحم، على ما أعلنت الإدارة المختصة، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بكين)

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا
TT

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

كشف علماء بريطانيون عن أدلة جديدة تشير إلى أن الجينوم البشري يبدأ بتنظيم نفسه استعداداً للقرارات التطورية المستقبلية قبل وقت طويل من تنشيط الجينات الرئيسية. وتوضح النتائج أن البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي (دي إن إيه) تلعب دوراً محورياً في تحديد كيفية اكتساب الخلايا لهويتها خلال المراحل الأولى من تطور الجنين البشري.

وقاد الدراسة التي نُشرت في مجلة «Cell Reports» في 23 يونيو (حزيران) 2026 باحثون من مختبر العلوم الطبية التابع لمجلس البحوث الطبية البريطاني (MRC) وكلية «إمبريال لندن»، بالتعاون مع «معهد بابراهام» المنظمة الشريكة لجامعة كمبردج في المملكة المتحدة. وتسلط النتائج الضوء على الكيفية التي تساعد بها البنية المكانية للجينوم في توجيه التطور الجنيني كما قد توفر أدلة مهمة لفهم أسباب بعض الاضطرابات النمائية.

الجينوم أكثر من مجرد مخطط وراثي

على الرغم من أن جميع خلايا الجسم البشري تحتوي على الحمض النووي (دي إن إيه) (DNA) نفسه، فإن اختلاف أنواع الخلايا يعود إلى تشغيل مجموعات معينة من الجينات في أوقات محددة. وتتحكم في هذه العملية مناطق من الحمض النووي تُعرف باسم المعززات الجينية (Enhancers) التي تعمل مفاتيح جزيئية لتنظيم نشاط الجينات.

وغالباً ما تكون هذه المعززات بعيدة عن الجينات التي تتحكم بها على امتداد شريط الحمض النووي. وللتأثير في تلك الجينات ينطوي الحمض النووي داخل نواة الخلية بطريقة تسمح بحدوث تلامس مباشر بين المعززات والجينات المستهدفة عبر حلقات ثلاثية الأبعاد. ويُعد فهم كيفية تشكل هذه الاتصالات وتوقيتها من الأسئلة الأساسية في علم الأحياء التطوري.

تتبع المراحل الأولى من التطور البشري

لتتبع المراحل الأولى من تطور الجنين البشري، استخدم الباحثون تقنية متطورة مكّنتهم من مراقبة كيفية تواصل أجزاء مختلفة من الحمض النووي داخل الخلايا الجذعية البشرية. وركزت الدراسة على فترة انتقال هذه الخلايا من مرحلة مبكرة جداً إلى مرحلة أكثر استعداداً للتخصص وتكوين أنسجة وأعضاء الجسم.

وخلال هذه المرحلة لاحظ العلماء أن عدداً من العناصر الجينية المسؤولة عن التحكم في نشاط الجينات المرتبطة بالنمو الجنيني لم يكن نشطاً بشكل كامل لكنه لم يكن خاملاً أيضاً، بل كان في حالة استعداد للعمل. والأكثر إثارة أن هذه العناصر بدأت مبكراً في إنشاء روابط مع الجينات التي ستحتاج إليها الخلية في مراحل لاحقة من التطور.

وتشير هذه النتائج إلى أن الخلايا لا تنتظر لحظة الحاجة إلى الجينات المهمة، بل تبدأ في تجهيزها مسبقاً وكأنها تضع خطة عمل مبكرة تضمن سير عملية النمو والتطور بشكل منظم ودقيق.

نظام «التوصيل المسبق» للجينات

كما كشفت الدراسة أن العديد من الاتصالات بين المناطق المنظمة للجينات، والجينات نفسها تتكوّن في وقت مبكر جداً قبل أن يتم تفعيل هذه الجينات بوقت طويل. والأهم أن هذه الروابط المبكرة غالباً ما تبقى ثابتة حتى لحظة تشغيل الجينات لاحقاً.

وقد وصف الباحثون هذه الظاهرة بأنها نوع من «التوصيل المسبق»، حيث يقوم الجينوم بإنشاء مسارات اتصال جاهزة مسبقاً بحيث تصبح الجينات المطلوبة مستعدة للعمل بسرعة وفي التوقيت المناسب عند الحاجة.

وللتأكد من أهمية هذه الروابط استخدم الفريق تقنية «كريسبر» (CRISPR) لتنشيط إحدى هذه المناطق الجينية بشكل تجريبي. وأظهرت النتائج أن هذه المنطقة قامت بتفعيل الجين الذي ترتبط به ثلاثياً داخل الخلية وليس الجين الأقرب لها على شريط الحمض النووي الذي لا يملك هذا الاتصال.

وتشير هذه النتائج إلى أن شكل الجينوم داخل الخلية يلعب دوراً أساسياً في تحديد أي الجينات يتم تشغيلها وليس فقط موقعها أو قربها على تسلسل الحمض النووي.

انعكاسات على النمو والأمراض

ويرى الدكتور ميخائيل سبيفاكوف من معهد العلوم السريرية، كلية الطب إمبريال كوليدج لندن، الباحث الرئيسي في الدراسة، أن النتائج تكشف الدور الأساسي الذي يؤديه الجينوم ثلاثي الأبعاد في توجيه القرارات التطورية للخلايا.

وأوضح أن الجينوم يكون منظماً مسبقاً بطريقة تسمح للمعززات المناسبة بتنشيط الجينات الصحيحة حتى قبل بدء التعبير الجيني الفعلي وهي عملية أساسية في تحديد هوية الخلايا والحفاظ عليها طوال الحياة.

ويعتقد الباحثون أن أي خلل في هذه البنية المبكرة قد يساهم في ظهور اضطرابات النمو والتشوهات الخلقية. لذلك فإن فهم كيفية تشكل هذه الهياكل قد يفتح آفاقاً جديدة لفهم الأسباب الجزيئية للعديد من الأمراض.

نافذة جديدة لفهم تطور الأجنة البشرية

تؤكد الدراسة أيضاً أهمية نماذج الخلايا الجذعية في دراسة المراحل المبكرة من تطور الإنسان. فقبل أن تتخصص الخلايا لتكوين الأنسجة والأعضاء المختلفة تمر بسلسلة من المراحل التحضيرية المهمة، من بينها إعادة تنظيم الجينوم في هياكل ثلاثية الأبعاد معقدة.

ومن خلال توضيح كيفية توجيه هذه البنية لنشاط الجينات المستقبلي توفر النتائج فهماً أعمق للرحلة البيولوجية التي تبدأ من بويضة مخصبة واحدة وتنتهي بتكوين كائن حي متكامل. ومع استمرار الأبحاث في هذا المجال يأمل العلماء أن يسهم فهم مبادئ تنظيم الجينوم ثلاثي الأبعاد في تعزيز المعرفة بالتطور البشري وفتح آفاق جديدة في الطب التجديدي ونمذجة الأمراض وتطوير علاجات مستقبلية مبتكرة.


«ناسا» توسع تعاقدها مع «سبيس إكس» لنقل مزيد من الرواد لمحطة الفضاء

محطة الفضاء الدولية (رويترز)
محطة الفضاء الدولية (رويترز)
TT

«ناسا» توسع تعاقدها مع «سبيس إكس» لنقل مزيد من الرواد لمحطة الفضاء

محطة الفضاء الدولية (رويترز)
محطة الفضاء الدولية (رويترز)

أعلنت إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، الجمعة، أنها منحت شركة «سبيس إكس» عقداً بقيمة 946 مليون دولار لإرسال ثلاث بعثات إضافية من رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية، مما يمدد رحلات الشركة المأهولة إلى المحطة حتى عام 2030.

وترفع الصفقة عدد رحلات رواد الفضاء التي تقوم بها شركة «سبيس إكس» لصالح «ناسا» بموجب العقد إلى 17 رحلة، كما تزيد القيمة الإجمالية للعقد إلى 5.92 مليار دولار. وتعتمد «ناسا» بشكل كبير على «سبيس إكس» في نقل رواد الفضاء من وإلى المحطة، في وقت تعمل فيه على الحفاظ على خيار أميركي ثان من خلال شركة «بوينغ»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

يغطي العقد إعداد رواد الفضاء والمركبات الفضائية على الأرض، وإطلاقها، وتشغيل المهمة في الفضاء، وإعادة الطواقم إلى الأرض، واستعادة الكبسولة. كما يتضمن نقل الإمدادات وإبقاء المركبة الفضائية في المحطة كمركبة هروب في حالات الطوارئ.

واختارت «ناسا» شركتي «سبيس إكس» و«بوينغ» في 2014 لتطوير مركبات فضائية قادرة على نقل رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية. وكان الهدف هو تزويد الولايات المتحدة بقدرة إطلاق محلية منتظمة بعد أن أوقفت «ناسا» برنامج مكوك الفضاء، منهية بذلك سنوات من الاعتماد على مركبة «سويوز» الروسية.

وتعرضت مركبة «ستارلاينر» التابعة لشركة «بوينغ» لمشكلات خلال رحلتها التجريبية المأهولة عام 2024، ما دفع «ناسا» إلى إعادة الكبسولة إلى الأرض دون طاقم، بينما عاد رائدا الفضاء بوتش ويلمور وسوني ويليامز على متن مركبة «دراغون» التابعة لشركة «سبيس إكس»، بعد أن امتدت مهمتهما، التي كان مقرراً أن تستمر 10 أيام، إلى أكثر من تسعة أشهر في محطة الفضاء الدولية.

ووافقت «ناسا» على نظام «سبيس إكس» لرحلات رواد الفضاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. ومنذ ذلك الحين، أصبحت «سبيس إكس» المزود الرئيسي للوكالة لعمليات تبديل الأطقم في المحطة.

وترغب «ناسا» في أن تقوم كل من شركتي «سبيس إكس» و«بوينغ» بتشغيل رحلات نقل الأطقم، حتى لا يؤدي وقوع حادث أو مشكلة فنية تؤثر على إحدى الشركتين إلى توقف وصول رواد الفضاء الأميركيين إلى المحطة.


رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية: «علينا الاستعداد لمعارك حول القمر»

حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر
حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر
TT

رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية: «علينا الاستعداد لمعارك حول القمر»

حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر
حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر

صرّح القائد العسكري الأعلى في الجيش الأميركي بأن القوات الأميركية يجب أن تكون على أهبة الاستعداد لخوض حرب بالقرب من القمر، أو ربما حتى عليه. ويأتي هذا التصريح في وقتٍ لا يزال فيه قادة الجيش يدرسون الأطر القانونية المحيطة بالأسلحة المدارية التي كُشِف عنها حديثاً، كما كتب توماس نوفيلّي(*).

معارك من قاع البحر إلى الفضاء القريب من القمر

وقال الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، خلال كلمته الرئيسية أمام الطيارين والحراس وقادة الصناعات الجوية والفضائية في مؤتمر الفضاء والجو والفضاء الإلكتروني: «مهمتنا، يا أصدقائي هي التكيف الآن، حتى تكون القوات المشتركة مستعدة للقتال والصمود والانتصار في بيئات التنازع العالمية، من قاع البحر إلى الفضاء القريب من القمر».

وكرر كين لاحقاً الفكرة نفسها - «ساحة المعركة الحديثة اليوم تمتد من قاع البحر إلى الفضاء القريب من القمر» - لكنه لم يوضح ما إذا كان يقصد سطح القمر. ويتسم القانون الأميركي بالغموض، إذ يُعرّف الفضاء القريب من القمر بأنه «المنطقة الفضائية الممتدة من الأرض إلى المنطقة المحيطة بسطح القمر، بما في ذلك تلك المنطقة».

وقد فسّرت إحدى مقالات مجلة هارفارد للقانون هذا البند على أنه يشمل سطح القمر نفسه، كما نصّت خطة العمل الوطنية للعلوم والتكنولوجيا القريبة من القمر الصادرة عن البيت الأبيض في أواخر عام 2024 صراحةً على أنها تشمل سطح القمر. إلا أن «دليل الفضاء القريب من القمر» الصادر عن مختبر أبحاث القوات الجوية عام 2021 يبدو أنه يتعامل مع الفضاء وسطح القمر كمجالين منفصلين.

أسلحة في مدارات فضائية

وأشار كين إلى تصريحات أدلى بها أخيراً وزير القوات الجوية ورئيس عمليات الفضاء في القوات الفضائية حول الأسلحة المدارية. وقد تردد كبار مسؤولي القوات الفضائية في تقديم مزيد من التفاصيل حول كيفية عملهم في هذا المجال وكيفية استخدامهم للأسلحة الفضائية بشكل مسؤول في النزاعات المستقبلية.

أجهزة استشعار قرب القمر

وبينما لم يُقدّم كبار مسؤولي القوات الفضائية سوى القليل من التفاصيل حول كيفية خوض القوات الأميركية للقتال بين الأرض والقمر، فقد أبدوا رغبتهم في إضافة أجهزة استشعار وقدرات لمراقبة تحركات العدو هناك. قال آرون برينيلدسون، أستاذ قانون الفضاء في جامعة ميسيسيبي، إنه من المفهوم رغبة الجيش في تعزيز الوعي في تلك المنطقة.

وأضاف برينيلدسون: «هناك مخاوف من أن تتجاوز الأنشطة الصينية الأخيرة على سطح القمر وفي الفضاء القريب منه أنشطة الولايات المتحدة».

خرق المعاهدات الدولية

وتحظر معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، التي وقّعتها الولايات المتحدة، بعض الممارسات العسكرية على سطح القمر، وتنص على استخدامه «حصرياً للأغراض السلمية». ونصت على أن «يُحظر إنشاء قواعد ومنشآت وتحصينات عسكرية، واختبار أي نوع من الأسلحة، وإجراء مناورات عسكرية على الأجرام السماوية. ولا يُحظر استخدام الأفراد العسكريين في البحوث العلمية أو لأي أغراض سلمية أخرى».

وصرح الفريق غريغوري غانيون، قائد قيادة القوات القتالية في القوات الفضائية، للصحافيين خلال اجتماع مائدة مستديرة، بأن السربين الثامن عشر والتاسع عشر للدفاع الفضائي يتشاركان الآن مهمة العمليات في الفضاء القريب من القمر. وأضاف: «خصومنا، خصومنا المحتملون مثل جمهورية الصين الشعبية، يسعون بنشاط إلى القيام بأنشطة في المناطق القريبة من القمر. وهذا بمثابة توسيع، إن صح التعبير، لمنطقة النهاية في لعبة كرة القدم».

وعند سؤاله عما إذا كانت معاهدة الفضاء الخارجي تحد من طموحات الجيش في الفضاء القريب من القمر، قال غانيون إنها لا تحدّ من العمليات المدارية. وأكد قائلاً: «ستواصل القوات الفضائية الأميركية تنفيذ عمليات فضائية آمنة ومسؤولة في جميع مناطق الفضاء وفي جميع المدارات».

التفاف قانوني

وقال برينيلدسون إنه بينما تحظر المعاهدة إنشاء قواعد عسكرية على سطح القمر، «تحتاج الولايات المتحدة إلى قدرات أفضل في الفضاء القريب من القمر لضمان امتثال الصين لهذا الالتزام وعدم عسكرة القمر. هناك فجوة حقيقية في التغطية من جانب الولايات المتحدة يجب سدّها».

أثار الكشف الذي أدلى به هذا الأسبوع وزير القوات الجوية تروي مينك ورئيس عمليات الفضاء الجنرال دوغلاس شييس عن امتلاك الولايات المتحدة أسلحة للتحكم في الفضاء في المدار تساؤلات قانونية حول استخدامها المسؤول. وقد تكهن الخبراء بأن هذه الأسلحة على الأرجح غير حركية، مثل أجهزة التشويش وقدرات الحرب الإلكترونية.

وعندما سُئل غانيون عما إذا كانت السياسة الأميركية تحدّ من استخدام سلاح فضائي حركي، أي ذي قدرة تدميرية من شأنها أن تُحدث حطاماً، أحال الأمر إلى مكاتب السياسات. وقال: «لدينا قدرات عسكرية لأننا نستعد للدفاع عن الوطن. والسبب في امتلاكنا لهذه القدرات هو المساعدة في خلق الردع. عندما تخوض حرباً، فإنك تُلحق أضراراً بالأشياء».

وأضاف برينيلدسون: «ليس من الواضح ما هي القيود القانونية المفروضة على استخدام الأسلحة الحركية أو غير الحركية في الفضاء. ولا تقدم معاهدة الفضاء الخارجي إجابات شافية حول العوامل التي يجب مراعاتها في أي عمل عسكري». وقال: «في نهاية المطاف، أعتقد أن أول صراع فضائي قد يكون الوقت الذي تُصاغ فيه معظم هذه القواعد».

* «مجلة «وان ديفينس»، خدمات «تريبيون ميديا».