«اللغة المعكوسة» تجسد قدرات الدماغ على التلاعب بالألفاظ

دراسات علمية للبحث في منشئها

يمكن اختلاق اللغة المعكوسة عند وجود توافق مباشر بين الحروف والأصوات
يمكن اختلاق اللغة المعكوسة عند وجود توافق مباشر بين الحروف والأصوات
TT

«اللغة المعكوسة» تجسد قدرات الدماغ على التلاعب بالألفاظ

يمكن اختلاق اللغة المعكوسة عند وجود توافق مباشر بين الحروف والأصوات
يمكن اختلاق اللغة المعكوسة عند وجود توافق مباشر بين الحروف والأصوات

عندما درس باحثون أرجنتينيون لغة عامية إقليمية تعمد إلى عكس ترتيب مقاطع الكلمات أو الحروف، أظهرت النتائج التي توصلوا إليها أن المتحدثين قد يحملون قدرات طبيعية تؤهلهم للانخراط في التلاعب بالألفاظ، وفقاً لما كتبته ماريا دي لوس أنجليس أورفيلا في «نيويورك تايمز»*.

لغة معكوسة

في عام 2020، أتيحت الفرصة لأدولفو غارسيا، عالِم اللغويات العصبية بجامعة سان أندريس الأرجنتينية، للقاء مصوّر فوتوغرافي كان يسلّي العارضات من خلال الدردشة معهن بشكل عكسي - على سبيل المثال، تحولت الكلمة الإسبانية casa (منزل) إلى «asac». وبعد أن علم الباحث أن المصور كان يجيد «الكلام المعكوس» منذ الطفولة وكان قادراً على إجراء محادثة بشكل عكسي تماماً، شرع غارسيا في دراسة هذه الظاهرة.

وقد لفت بحثه حول أسلوب التحدث الممتع هذا، ما يكفي من الاهتمام ليحصل على جائزة «إيغ نوبل»، وهي جائزة ترعاها «جامعة هارفارد» منذ عام 1991 للبحث الذي «يجعل الناس يضحكون أولاً ثم يفكرون».

إن الكلام المعكوس لا يمنح أية فائدة عملية لمتحدثيه، إذ ربما يُستخدم فقط من أجل المتعة المطلقة للمتحدث والمستمع. ومع ذلك فإن هذه المهارة، التي يقول غارسيا إن معارفه وزملاءه رفضوها في البداية باعتبارها «سخيفة وعديمة الفائدة»، ليست، بأية حال من الأحوال، هدراً تاماً؛ لأنها تقدم نظرة ثاقبة حول كيفية معالجة الدماغ البشري للغة بطرق غير نمطية.

يقول غارسيا، عن دراسته المنشورة في مجلة «Scientific Reports» عام 2020، التي فاز بها هو وفريقه بجائزة «إيغ نوبل»: «لقد أتيحت لنا الفرصة لاستكشاف شيء غير عادي، بل في بعض الأحيان سخيف». لقد فاجأه هذا الاعتراف، خصوصاً أنه لم يستمر في متابعة هذا النوع من البحث بعد نشر الدراسة.

وتركز أبحاثه الآن على معالجة الصعوبات اللغوية لدى الأشخاص المصابين بالتوحد، والأشخاص الذين يعانون من الترنح أو مرض باركنسون أو اضطرابات التنكس العصبي. لكن غارسيا، وهو يأمل في الواقع أن تثبت قيمة عمله في تطوير علاجات أكثر فعالية لاضطرابات اللغة.

اللغة ذات الحروف الملفوظة صحيحاً صوتياً يمكن أن تصبح معكوسة

اللغات الممكن عكس ألفاظها

يمكن ممارسة الكلام المعكوس في أية لغة ذات قواعد نحوية «شفافة»، ما يعني أن الوحدات الصوتية - الوحدات الصوتية المميزة للغة - لها الصوت نفسه، بغض النظر عن موقعها بالنسبة إلى أجزاء أخرى من الكلمة، وفقاً لماريا خوسيه توريس بريوريس، باحث في كلية علم النفس بجامعة مالقة في إسبانيا وفي «معهد البحوث الطبية الحيوية» في مالقة، الذي شارك في تأليف دراسة 2020 المذكورة.

ويمكن عكس الكلمات في لغات، مثل الإسبانية أو الباسكية، أو بعض لغات حضارة المايا، حيث يوجد توافق مباشر بين الحروف والأصوات. على سبيل المثال، تحتوي اللغة الإسبانية خمسة حروف متحركة، ولكل منها صوت مميز يظل ثابتاً في جميع الكلمات. في المقابل، فإن اللغة الإنجليزية، التي تعدّ لغة «مبهمة»، لها 12 صوتاً مختلفاً لحروف العلة الخمسة نفسها. في اللغة الإسبانية، يتمتع الحرف A بصوت ثابت، وتجري كتابته بالطريقة نفسها، بينما في اللغة الإنجليزية، يمكن أن يصدر أصواتاً متنوعة.

سكان جزر الكناري يعشقون اللغة المعكوسة

ربما يصل العشق الثقافي للكلام المعكوس إلى ذروته في سان كريستوبال دي لا لاغونا، وهي مدينة في جزر الكناري الإسبانية، حيث يضغط السكان من أجل الاعتراف الرسمي بالكلام المعكوس. هنا بدأ التقليد في ثلاثينات القرن العشرين على يد حلاق كان يتحدث بالعكس.

واليوم، طلب أولئك الذين تأثروا بتلك اللغة المعكوسة، من «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)» إعلان هذه الممارسة «تراثاً ثقافياً غير مادي للإنسانية»، حتى إن بعض سكان سان كريستوبال تشاجروا مع أساتذة اللغة الإسبانية والسلطات في «أكاديمية اللغة الكناريية» الذين أكدوا أن طريقة التحدث هذه لا تعني أكثر من لعبة لغوية.

«المتحدثون المعكوسون» لديهم حجم أكبر من المادة الرمادية في الدماغ والوصلات بين الخلايا العصبية

قدرة لغوية لعكس الكلمات

في الدراسة المذكورة صمم العلماء مهامّ مختلفة لتقييم قدرة المشاركين على إنتاج الكلمات ذهاباً وإياباً. وقام الباحثون بقياس الدقة والسرعة في إعادة ترتيب تسلسلات الصوت، وحصلوا على تسجيلات التصوير بالرنين المغناطيسي الهيكلية والوظيفية.

تُظهر إحدى نتائج الدراسة أن المشاركين لديهم القدرة على الانخراط الفوري في عكس الكلمات، وهو ما لا يمكن تفسيره، على سبيل المثال، بامتلاك ذاكرة عاملة متفوقة (نوع الذاكرة التي تسمح للأشخاص بتذكر رقم هاتف لفترة وجيزة، على سبيل المثال). بالإضافة إلى ذلك، لم يُظهر هؤلاء الأفراد أية مهارات عكسية أخرى، مثل الكتابة في المرآة، أو الكتابة في الاتجاه المعاكس.

كشف التصوير العصبي أن المتحدثين المعاكسين لديهم حجم أكبر من المادة الرمادية والوصلات بين الخلايا العصبية، ليس فقط في المناطق المرتبطة بمعالجة الصوت (على طول ما يسمى المسار الظهري للنصف الأيسر من الدماغ)، ولكن أيضاً في مناطق الدماغ الأخرى المشارِكة في العمليات الدلالية، وبعض الوظائف البصرية، والسيطرة المعرفية. ومن ثم فإن الكلام المعكوس يؤدي إلى تفعيل الآليات المعرفية التي تتجاوز دوائر اللغة الكلاسيكية.

هناك جانب آخر مثير للاهتمام في النتائج التي توصّل إليها الفريق، وفقاً لتوريس بريوريس، يُظهر أن مرونة الدماغ، التي أظهرها المتحدثون الخلفيون في الدراسة، مكّنتهم من «إنجاز المهمة نفسها باستخدام موارد عصبية مختلفة».

وتعتقد ماريا كاستيلو، الأستاذة المشارِكة في الأبحاث في علم الأعصاب التكاملي والحاسوبي بـ«معهد كليمنتي للأبحاث البيولوجية» في الأوروغواي، التي لم تشارك في تلك الدراسة، أنها فتحت «نافذة على آليات الترميز الصوتي» - تسجيل الكلمات المكتوبة، المعلومات الإملائية في رمز قائم على الصوت. وعلى وجه التحديد، فإنها تسلط الضوء على «مجال لم يجرِ استكشافه إلا قليلاً في علم اللغة العصبي».

وتضيف: «لقد كشفت دراسات التصوير العصبي أن مناطق الدماغ المحددة المعنية يمكن أن تختلف بين الأفراد، مما يؤكد مرونة الدماغ البشري في التكيف مع القدرات اللغوية الاستثنائية». وتتابع كاستيلو أن أهم مساهمة لتلك الدراسة أنها تقدم رؤى تعزز فهم الآليات العصبية المشارِكة في معالجة الأصوات وبناء الكلمات.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

5 طرق فعالة لإيقاظ الجسم من خمول الشتاء

يوميات الشرق الحرص على التعرض لضوء الشمس منذ الصباح يعزز النشاط (مجلة ريل سمبل)

5 طرق فعالة لإيقاظ الجسم من خمول الشتاء

مع انتهاء أشهر البرد وقِصر ساعات النهار، يشعر كثيرون بانخفاض في مستويات الطاقة وصعوبة في استعادة النشاط المعتاد مع بداية فصل الربيع.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الدكتور شريف الشرقاوي الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة كينجز كوليدج لندن يحمل مجسماً لجمجمة بشرية (جامعة كينجز كوليدج لندن)

مادة مبتكرة من الصوف لعلاج كسور العظام

تمكن باحثون في بريطانيا من تطوير مادة حيوية مبتكرة مشتقة من الصوف، قد تمثل بديلاً واعداً للمواد المستخدمة حالياً في علاج كسور وإصابات العظام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك مكملات «أوميغا 3» (أرشيفية - رويترز)

ماذا يحدث لذاكرتك عند تناول مكملات «أوميغا 3» مع التقدم في العمر؟

تبرز أحماض «أوميغا-3» الدهنية بوصفها عنصراً غذائياً أساسياً قد يلعب دوراً مهماً في دعم وظائف الدماغ.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الزعتر عشبة من عائلة النعناع (بيكساباي)

ما تأثير تناول الزعتر على صحة القلب؟

ظهرت الدراسات أن تناول الزعتر (Thymus vulgaris) له آثار إيجابية على صحة القلب، وذلك بفضل خصائصه القوية المضادة للأكسدة والالتهابات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الحليب يُعد مكوناً مرناً يمكن إدخاله بسهولة في النظام الغذائي اليومي (بيكسلز)

ما أفضل منتج ألبان لخفض الكوليسترول؟

عند محاولة خفض مستويات الكوليسترول يلجأ كثيرون إلى تقليل استهلاك منتجات الألبان، أو تجنبها تماماً، اعتقاداً بأنها ترفع الكوليسترول في الدم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟
TT

هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟

في تطور علمي لافت، لم يعد طول الإنسان مجرد سمة شكلية، بل تحوَّل مؤشراً حيوياً قد ينبئ بمخاطر صحية متعددة. فقد كشفت دراستان حديثتان، ركزت إحداهما على سكان شرق آسيا وشملت الأخرى مجموعات سكانية متنوعة حول العالم، عن أدلة جديدة بشأن العلاقة المعقدة بين طول القامة والإصابة بأمراض خطيرة.

مرضان.. لطوال القامة

وقد حللت الدراسة الأولى، التي نشرتها مجلة «بلوس جينيتكس (PLOS Genetics)» في 13 مارس (آذار) 2026، بيانات أكثر من 120 ألف شخص من أصول تايوانية. وخلص الباحثون إلى أن الأشخاص الأطول قامة قد يكونون أكبر عرضة للإصابة بحالتين صحيتين رئيسيتين؛ هما: «اضطراب نظم القلب» المعروف بـ«الرجفان الأذيني»، ومرض «بطانة الرحم المهاجرة» لدى النساء.

في المقابل، أظهرت النتائج أن قصر القامة قد يرتبط بانخفاض خطر الإصابة ببعض هذه الحالات؛ مما يشير إلى أن الطول، الذي يحدَّد بمزيج من العوامل الجينية والبيئية، قد يلعب دوراً محورياً في رسم خريطة المخاطر الصحية لكل فرد.

وتمكن الباحثون بقيادة يينغ جو لين، وزميله تينغ يوان ليو، من «المركز الوراثي» بقسم البحوث الطبية في «مستشفى جامعة الصين الطبية» في تايوان، من تحديد نحو 300 متغير جيني مرتبط بالطول، إلى جانب عدد قليل من المتغيرات المرتبطة بما يُعرف بـ«قصر القامة الوراثي». وعند تحليل هذه البيانات مع قواعد بيانات جينية أخرى في شرق آسيا، ظهرت صورة أوضح، هي أن الجينات التي تؤثر على الطول قد تؤثر أيضاً على وظائف الجسم، مثل حجم الرئتين، وصحة القلب، وحتى توقيت بدء الدورة الشهرية لدى النساء.

ويرى العلماء أن هذه النتائج قد تساعد مستقبلاً في استخدام الطول مؤشراً مبكراً على بعض الأمراض، خصوصاً في المجتمعات الآسيوية التي لم تُدرس بشكل كافٍ في السابق.

الطول «متعدد التأثيرات»

وفي دراسة أخرى، نُشرت بمجلة «إن بي جيه جينوميك ميديسن (npj Genomic Medicine)» بتاريخ 27 فبراير (شباط) 2025، حلل فريق دولي بيانات جينية وصحية لنحو 840 ألف شخص من خلفيات عرقية مختلفة. وكانت النتائج أشمل؛ حيث رُصدت 254 علاقة بين الطول والأمراض.

وأظهرت الدراسة أن الطول قد يكون «سلاحاً ذا حدين»، فقد ارتبط الطول بزيادة خطر الإصابة بـ164 حالة صحية، منها «الرجفان الأذيني» وبعض اضطرابات الجهازَين العصبي والهرموني. في المقابل، ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بـ90 حالة أخرى، مثل ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون.

وقالت إيريني مارولي، الباحثة الرئيسية في الدراسة من «معهد ويليام هارفي للأبحاث» بكلية الطب وطب الأسنان في جامعة «كوين ماري» البريطانية في لندن، إن هذه النتائج تؤكد أن الطول صفة «متعددة التأثيرات»، أي إنه يرتبط بأنظمة عدة بالجسم في الوقت نفسه.

ومن المثير للاهتمام أن تأثير الطول لم يكن متساوياً بين جميع الفئات. فقد أظهرت الدراسة أن بعض العلاقات بين الطول والأمراض تختلف من الرجال إلى النساء، ومن مجموعات عرقية إلى أخرى.

على سبيل المثال، ارتبط الطول لدى الرجال بانخفاض خطر بعض الاضطرابات النفسية، بينما لم يظهر هذا التأثير لدى النساء. كما رُصدت روابط بين الطول وبعض اضطرابات النمو العصبي، مثل فرط الحركة والتوحد، لكنها لم تكن واضحة عند تحليل النساء بشكل منفصل.

الطول وخطر الأمراض

لماذا يرتبط الطول بخطر الإصابة بالأمراض؟يفسر العلماء هذه الظاهرة بأن الجينات المسؤولة عن تحديد طول القامة لا تعمل في عزلة، بل تؤثر أيضاً على عمليات حيوية أخرى داخل الجسم، مثل نمو العظام، ووظائف الغدة الدرقية، وصحة الجهاز العصبي. إضافة إلى ذلك، فقد يعاني الأشخاص الأطول قامة من اختلافات فسيولوجية ملحوظة، أبرزها بطء توصيل الإشارات العصبية، مما قد يرفع لديهم احتمالية الإصابة ببعض الحالات، مثل اعتلال الأعصاب الطرفية.

وتكشف هاتان الدراستان عن أهمية توظيف المعلومات الجينية في تحسين الرعاية الصحية. فمع التقدم المتسارع في تحليل البيانات الجينية، قد يصبح من الممكن مستقبلاً توقع المخاطر الصحية بناءً على صفات بسيطة وواضحة مثل طول القامة. غير أن الباحثين يوجهون تحذيراً مهماً، هو أن هذه النتائج لا تعني أن الطول يسبب الأمراض بشكل مباشر، بل هو مجرد جزء من شبكة معقدة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والبيئية.

الطول-مؤشر صحي مهم

وتؤكد الدراستان أيضاً على ضرورة إشراك مجموعات سكانية متنوعة في الأبحاث الجينية؛ ذلك أن معظم الدراسات السابقة ركزت على أصول أوروبية فقط، مما قد يَحدّ من دقة النتائج عند تعميمها على شعوب أخرى. ومع توفر بيانات أوسع تنوعاً، يصبح العلماء قادرين على فهم أعمق للعلاقة بين الجينات والصحة، وتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية أعلى فاعلية وملاءَمةً لكل مجموعة سكانية.

في النهاية، يبدو أن طول القامة ليس مجرد رقم يُقاس بالسنتيمترات؛ بل قد يكون حاملاً مؤشرات مهمة عن صحة الإنسان. وبينما لا يمكننا تغيير جيناتنا، فإن فهمها قد يساعدنا في اتخاذ قرارات صحية أفضل، بدءاً من الفحوصات المبكرة، ووصولاً إلى تعديل نمط الحياة. نحن نعيش في عصر يتجه بخطى ثابتة نحو طب شخصي مُصمم خصيصاً لكل فرد، وقد يكون الطول أحد مفاتيح هذا التصميم.


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل

في الطب التقليدي، كان التشخيص يبدأ من الشكوى، من عرض يشعر به المريض ويدفعه إلى طلب المساعدة. وكان الطبيب، في هذا السياق، يُصغي أولاً قبل أن يرى، ويبحث عمّا يمكن ملاحظته أو قياسه ضمن ما يُقال أو يظهر. غير أن هذا النموذج بدأ يتغير تدريجياً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئة التشخيص، حيث لم يعد الاعتماد مقتصراً على ما يُقال، بل امتد إلى ما يمكن تحليله من أنماط خفية لا تُدرك بسهولة.

الخطوات تتحول إلى بيانات

المشي مرآة صامتة للصحة

• إشارات الجسد المبكرة. وهنا يبرز سؤال مختلف: ماذا لو كان الجسد يرسل إشارات مبكرة لا يشعر بها صاحبه؟ وماذا لو أصبحت هذه الإشارات قابلة للقراءة قبل أن تتحول إلى أعراض واضحة؟ في هذا السياق، لا يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تشخيص تقليدية، بل بوصفه وسيلة لإعادة قراءة الجسد نفسه، بوصف الجسد نظاماً مليئاً بالإشارات الدقيقة... لغة صامتة لم نكن نملك أدوات فهمها من قبل.

طريقة المشي ليست مجرد حركة تنقل الإنسان من مكان إلى آخر، بل هي انعكاس معقد لتفاعل مستمر بين الدماغ والجهاز العصبي والعضلات ونظام التوازن. فالإيقاع، وطول الخطوة، ودرجة التناسق بين الجانبين، جميعها تحمل إشارات دقيقة يمكن أن تعكس الحالة الصحية للفرد.

وقد بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل هذه الأنماط بمنهجية مختلفة، تعتمد على القياس المستمر واستخراج الأنماط من بيانات يصعب على العين البشرية تتبعها. وهنا لا تكمن القوة في «رؤية» أكثر، بل في القدرة على رصد فروق دقيقة تتكرر بصمت، وقد تحمل دلالات لا تظهر عند النظر إلى كل خطوة بشكل منفصل.

• نمط المشي لرصد التغيرات الصحية. تشير أبحاث حديثة إلى أن تحليل نمط المشي لم يعد مجرد أداة لمراقبة الحركة، بل أصبح وسيلة لرصد تغيرات صحية قد تسبق ظهور الأعراض. وتشمل هذه التغيرات أمراضاً عصبية مثل باركنسون، والتدهور الإدراكي المبكر، إضافة إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق.

وفي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي - نيتشر بارتنر جورنال» (npj Digital Medicine)، طوّر فريق بحثي دولي نظاماً يعتمد على تحليل مقاطع فيديو بسيطة لخطوات المرضى باستخدام الجوال، وتمكّن من تقييم اضطرابات المشي بدقة تقارب أداء الأطباء المختصين، بل ورصد تغيرات دقيقة في استجابة المرضى للعلاج. وهنا لا تقتصر أهمية هذه النتائج على دقتها، بل فيما تعكسه من تحول في فهم العلاقة بين الحركة والمرض، إذ لم تعد الأعراض نقطة البداية، بل أصبحت الحركة نفسها حاملاً لإشارات مبكرة.

الحركة تتحول إلى تشخيص

مراقبة صحية متواصلة

• من الفحص إلى المراقبة المستمرة. في النموذج التقليدي، كان التشخيص يرتبط بلحظة محددة داخل العيادة. أما اليوم، ومع تطور التقنيات الرقمية، بدأ يأخذ شكلاً مختلفاً لا يرتبط بموعد، بل بعملية مستمرة تعمل في الخلفية.

فلم تعد البيانات الطبية مقتصرة على ما يُجمع خلال الزيارة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحول خطوات الإنسان إلى مصدر غني للمعلومات الصحية. وهنا لا يقتصر التغيير على الأدوات، بل يشمل مفهوم الرعاية الصحية نفسه، التي بدأت تنتقل من الاستجابة للمرض إلى التنبؤ به قبل ظهوره.

• السعودية: الخطوات بيانات وقائية. في المملكة، يتسارع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن تحول صحي شامل تقوده «رؤية 2030»، حيث تسعى مؤسسات متقدمة مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث (King Faisal Specialist Hospital & Research Centre) إلى توظيف التحليل الذكي في دعم القرار السريري، بالتوازي مع أطر تنظيمية تشرف عليها «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا) (Saudi Data and AI Authority – SDAIA) لضمان حوكمة البيانات وحمايتها. وفي هذا السياق، لا تبدو تقنيات تحليل المشي مجرد ابتكار بحثي، بل هي امتداد طبيعي لمنظومة صحية رقمية تتجه نحو الاستباق لا الاستجابة، حيث يمكن أن تتحول تفاصيل الحياة اليومية - مثل خطوات الإنسان - إلى مؤشرات دقيقة تسهم في اكتشاف المرض قبل أن يعلن عن نفسه.

• دقة الخوارزمية وحدودها. رغم هذا التقدم، تبقى هذه الأنظمة قائمة على تحليل الأنماط، لا على فهم التجربة الإنسانية في تعقيدها الكامل. فالمشي قد يتغير لأسباب بسيطة مثل التعب أو التوتر أو حتى نوع الحذاء، وليس بالضرورة نتيجة اضطراب مرضي.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي: ليس فقط ماذا تكشف البيانات، بل كيف تُفسَّر. فغياب السياق قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، أو حتى إلى إثارة القلق دون مبرر. لذلك، لا يمكن التعامل مع هذه التقنيات بمعزل عن التقييم السريري، بل ضمن منظومة متكاملة توازن بين التحليل الرقمي والفهم الإنساني.

• الخصوصية وملكية البيانات. لا شك أن هذه التقنيات تفتح آفاقاً واسعة في الكشف المبكر، خصوصاً في الأمراض التي يصعب تشخيصها في مراحلها الأولى. لكن هذا التقدم يطرح أيضاً أسئلة تتعلق بالخصوصية وملكية البيانات. فإذا أصبح الجسد مصدراً مستمراً للمعلومات من خلال تفاصيل الحياة اليومية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بجمع البيانات، بل بكيفية استخدامها، ومن يملكها، وكيف يمكن ضمان أن تبقى في خدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى أداة للسيطرة عليه. وفي عالم تزداد فيه قدرة الذكاء الاصطناعي على قراءة ما لا نراه، لم يعد السؤال الطبي مرتبطاً فقط بما يشعر به المريض، بل بما تكشفه حركته اليومية من إشارات دقيقة. ومع هذا التحول، قد يأتي وقت لا يحتاج فيه الطبيب إلى أن يسأل: «كيف تشعر؟»، بقدر ما يراقب كيف يتحرك الجسد. لكن يبقى السؤال الأعمق: هل ما نراه في خطواتنا مجرد حركة عابرة أم بداية قصة مرض تُكتب بصمت؟


طاقة نظيفة من النفايات

المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)
المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)
TT

طاقة نظيفة من النفايات

المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)
المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)

ينتج العالم نحو 400 مليون طن من نفايات البلاستيك سنوياً، كما تتكدس ملايين البطاريات المستهلكة، ورغم ذلك فإن نسبة إعادة تدوير تلك النفايات لا تتجاوز 18 في المائة، في حين يُحرق الباقي أو يُدفن في مكبات النفايات أو يتسرب إلى البيئة.

وهنا يُطرح سؤال: هل يمكن لنوع من النفايات أن يتحول إلى حل للتخلص من نوع آخر؟ تأتي الإجابة من مختبرات جامعة كمبريدج البريطانية، حيث نجح باحثون في تحويل الحمض المستعاد من البطاريات القديمة ومخلفات البلاستيك المستعصية إلى وقود هيدروجيني نظيف، في ابتكار يعكس مفهوم الاقتصاد الدائري، ويفتح آفاقاً جديدة لإنتاج الطاقة من قلب المهملات، حسب الفريق.

وطوّر الفريق البحثي مفاعلاً يعمل بالطاقة الشمسية قادراً على تفكيك أنواع البلاستيك الصعبة في إعادة التدوير، مثل زجاجات المشروبات والأقمشة النايلون، باستخدام الحمض المستعاد من بطاريات السيارات القديمة، وتحويله إلى وقود هيدروجيني نظيف ومواد كيميائية صناعية قيّمة، ونُشرت النتائج في عدد 6 أبريل (نيسان) 2026 من دورية «Joule».

يتميز المفاعل بأنه يعمل بالطاقة الشمسية، مما يجعله بديلاً أكثر استدامة وأقل تكلفة مقارنة بأساليب التدوير الكيميائية التقليدية.

آلية العمل

تعتمد أساليب التدوير الكيميائي التقليدية على معالجة البلاستيك باستخدام حرارة عالية أو مواد كيميائية قوية لإعادة تشكيله إلى منتجات جديدة، وغالباً ما تكون هذه العمليات مكلفة وتتطلّب طاقة كبيرة، كما تنتج أحياناً مواد ثانوية ضارة بالبيئة.

أما الطريقة التي طورها الفريق فتستفيد من الطاقة الشمسية لتشغيل المفاعل، مع استخدام الحمض المستعاد من البطاريات المستهلكة لتفكيك سلاسل البوليمرات الطويلة إلى مواد كيميائية أساسية.

وصمّم الفريق محفزاً ضوئياً يتحمّل الظروف التآكلية الشديدة للحمض المستخرج من البطاريات، مما يسمح بتشغيل المفاعل لإنتاج الهيدروجين والمواد الكيميائية دون تلف المعدات. وأثبت المفاعل قدرة على التشغيل المتواصل لأكثر من 260 ساعة دون فقدان الأداء، مع إنتاج عالٍ للهيدروجين وانتقائية كبيرة لإنتاج حمض الأسيتيك.

ويشير الباحثون إلى أن الطريقة لا تعمل مع الحمض النقي فقط، بل تعمل أيضاً مع الحمض المستعاد من بطاريات السيارات، الذي يشكّل 20-40 في المائة من حجم البطاريات التي تُستبدل سنوياً بأعداد ضخمة حول العالم، وعادة ما يُستخرج الرصاص من هذه البطاريات لإعادة بيعه، في حين يتحول الحمض إلى نفايات بعد تحييده.

وتُعدّ هذه التقنية أقل استهلاكاً للطاقة وأكثر استدامة؛ إذ تحول النفايات إلى هيدروجين نظيف ومواد كيميائية قيمة، في حين تقلل الأثر البيئي المصاحب لعمليات التدوير التقليدية.

ووفق النتائج، تغطي هذه الطريقة نطاقاً واسعاً من أنواع البلاستيك بما في ذلك الأصعب حالياً في إعادة التدوير، مثل النايلون والبولي يوريثان، المستخدمَين في بدائل الخشب والرخام الصناعي وقطع غيار السيارات، وهذا يمثّل توسعاً كبيراً مقارنة بتقنيات إعادة التدوير التقليدية التي تركز غالباً على البلاستيك المستخدم في زجاجات المشروبات والأغلفة وبعض الأقمشة الصناعية.

المفاعل الجديد يتميز بأنه يعمل بالطاقة الشمسية (جامعة كمبريدج)

طرق متعددة

في السياق ذاته، تعمل عدة فرق بحثية في الصين والولايات المتحدة وأوروبا على تطوير تقنيات تحفيزية تحول المخلفات البلاستيكية مباشرة إلى هيدروجين نظيف.

وتشمل هذه الطرق التحفيز الحراري والضوئي والكهربائي، بالإضافة إلى أساليب مختلطة تمكّن من تفكيك البوليمرات البلاستيكية لإنتاج الهيدروجين إلى جانب مواد كيميائية قيمة، مما يدمج بين معالجة النفايات وتوليد الطاقة النظيفة.

كما تطورت تقنيات التحلل الحراري لتصبح من أكثر الطرق نضجاً على المستوى الصناعي، حيث يتم تسخين البلاستيك في غياب الأكسجين لإنتاج وقود سائل وغازات تفاعلية، ويمكن دمجها مع التحفيز الكيميائي لإنتاج هيدروجين نظيف أو وقود للسيارات، وتشمل الأساليب الحديثة استخدام الميكروويف لتحسين كفاءة الإنتاج وجودة الهيدروجين الناتج.

أما المسارات الأكثر استدامة فتتركز على التحفيزَيْن الضوئي والكهروضوئي، اللذَيْن يستخدمان الطاقة الشمسية والمحفزات الكيميائية لدفع التفاعلات دون الحاجة إلى حرارة عالية، مما يسمح بإنتاج الهيدروجين النظيف مع مواد كيميائية جانبية مفيدة، وهو ما استخدمه فريق جامعة كمبريدج، في محاولة لإعادة تدوير البلاستيك المعقّد والصعب التحلل.

يقول أستاذ العلوم البيئية بجامعة عين شمس في القاهرة، الدكتور وحيد إمام، إن الدراسة تمثل خطوة مهمة لإعادة التفكير في كيفية التعامل مع النفايات، خصوصاً البلاستيك الذي يشكل أحد أكبر التحديات البيئية عالمياً.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»: تحويل المخلفات البلاستيكية، إلى جانب الاستفادة من نفايات خطرة مثل أحماض بطاريات السيارات، إلى وقود نظيف مثل الهيدروجين، يعكس توجهاً متقدماً نحو تطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري الذي لا تتوقف أهميته عند تقليل حجم النفايات فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الحد من التلوث البيئي وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.

ويستدعي انخفاVض معدلات إعادة تدوير البلاستيك عالمياً البحث عن حلول غير تقليدية للتعامل مع الأنواع صعبة التدوير، وفق إمام الذي أكد أن هذه التقنيات قد تمثّل جزءاً من الحل إذا ثبتت جدواها على نطاق صناعي، لكن التحدي الأكبر يكمن في نقل تلك الابتكارات من التجارب المعملية إلى التطبيق الفعلي.