قائد «قسد» لـ«الشرق الأوسط»: تركيا لا تستجيب للوساطة... وكوباني مهدَّدة بكارثة

قال إن قواته مستعدة «مبدئياً» لنقل أمن الحدود إلى سلطة دمشق

TT

قائد «قسد» لـ«الشرق الأوسط»: تركيا لا تستجيب للوساطة... وكوباني مهدَّدة بكارثة

قائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي (الشرق الأوسط)
قائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي (الشرق الأوسط)

كشف قائد «قوات سوريا الديمقراطية»، مظلوم عبدي، عن تنسيق ميداني مع «إدارة العمليات العسكرية» منذ اليوم الثاني لمعارك «ردع العدوان»، رغم عدم وجود مفاوضات سياسية مباشرة مع «هيئة تحرير الشام» التي يقودها أحمد الشرع. وقال إن قوات «قسد» مستعدة للاندماج في الجيش السوري الجديد، لكن بعد الاتفاق على «صيغة مناسبة» عبر التفاوض.

وشدد عبدي، خلال حوار مع «الشرق الأوسط»، على ضرورة أن «تبقى سوريا بلداً موحداً»، لكن تحديد شكل نظامها السياسي «متروك لإرادة الشعب السوري والنقاشات الدستورية».

وحذر عبدي من «كارثة» تهدد مدينة «كوباني» مع استمرار التحشيد العسكري التركي، رغم أن «قسد» اقترحت على أنقرة عبر وسطاء «منطقة منزوعة السلاح»، لكنها لا تستجيب حتى الآن.

ودعا عبدي إلى حوار كامل ومباشر، وبشكل عاجل، لتحقيق «عصر من السلام والأمن حتى تتمكن سوريا من المضي قدماً وإعادة البناء»، على حد تعبيره، كما أعرب عن استعداده «من حيث المبدأ» لنقل مسؤولية أمن الحدود إلى السلطات الجديدة في دمشق.

وفيما يلي نصّ الحوار الذي أُجري عن بُعد:

* هل كانت لديكم معلومات عن تحرك الفصائل السورية قبل يوم 27 ديسمبر (كانون الأول) 2024؟ وهل توقعتم انهيار نظام الأسد في عشرة أيام؟

- كانت هناك معلومات تشير إلى بدء حملة عسكرية من الفصائل السورية المسلحة على النظام السوري السابق، وهذا كان متوقعاً، لكن ما لم يكن متوقعاً هو الانهيار السريع في صفوف الجيش السوري وعدم مقاومته، وأيضاً تخلي حلفائه الداعمين له على طول عمر الثورة السورية. لقد حدث ما حدث، وأعتقد أنه سيُكشف عن المزيد مستقبلاً، وما دار خلف الكواليس عن هذه المرحلة.

* هل كان هناك تنسيق أو اتصالات مع «هيئة تحرير الشام» خلال أيام المعارك العشرة؟

- لم يكن هناك تنسيق قبل بدء عملية «ردع العدوان» من «هيئة تحرير الشام»، لكن حدث تنسيق ميداني بيننا في اليوم الثاني من المعركة لتجنب الاصطدام بين قواتنا الموجودة في بعض أحياء حلب، وأيضاً لإجلاء النازحين من المخيمات في منطقة تل رفعت التي تعرضت لهجوم من فصائل مدعومة تركياً، وما زال هذا التنسيق الميداني مستمراً.

مظلوم عبدي قال إن شكل النظام السياسي لسوريا الجديدة تحدده النقاشات الدستورية (الشرق الأوسط)

* كيف ترون مستقبل سوريا بعد إسقاط نظام بشار الأسد؟ هل تشاركون في مفاوضات مع «هيئة تحرير الشام» حول شكل الدولة ونظامها السياسي؟

- لم نصل بعد إلى مفاوضات مباشرة مع «هيئة تحرير الشام»، لكن نعتقد أنه يجب أن تكون سوريا دولة لا مركزية تعددية ديمقراطية، حيث تتم حماية هوية البلاد المتنوعة دستورياً، وحقوق جميع مكونات الشعب السوري بمن فيهم الشعب الكردي.

لا نبحث عن تقسيم سوريا ومستعدون للعب دورنا في البناء والمشاركة في الحكومة التي ستدير البلاد. لقد شهدت سوريا الكثير من إراقة الدماء. وندعو اليوم بشكل عاجل إلى حوار كامل ومباشر لتحقيق عصر من السلام والأمن حتى تتمكن سوريا من المضي قدماً وإعادة البناء.

* هل سوريا التي يطمح إليها الكرد فيدرالية أم كونفيدرالية؟

- من المهم أن تبقى سوريا موحَّدة قبل كل شيء، أما شكل نظام الحكم الذي نعتقد أنه ستتم مناقشته كثيراً، فهو أمر متروك لإرادة الشعب السوري والمناقشات الدستورية.

* ما شروط «قسد» لو حدث تفاوض حول مصير مناطق الإدارة الذاتية؟

- لا نرغب في تسميتها شروطاً، لكن هناك أمور يفرضها الواقع لا بد من أخذها بعين الاعتبار. الأولوية تكمن في أن تتوقف العمليات العسكرية على كامل التراب السوري خصوصاً الهجمات التي تقوم بها تركيا والفصائل الموالية لها على قوات سوريا الديمقراطية لنتمكن، نحن بوصفنا سوريين، من مناقشة مستقبل بلدنا فيما بيننا من دون تدخلات خارجية أو وصايات. مناطق الإدارة الذاتية هي مناطق سورية ويجب أن يكون لممثليها دور وصوت مسموع، ويتم مشاركتهم لبناء المستقبل.

وبخصوص موارد البلاد، فإن ملكيتها تعود إلى جميع الشعب السوري. ونحن ملتزمون بمستقبل تُوزع فيه الموارد من الدولة لصالح جميع السوريين، بطريقة عادلة ومتساوية تحقق الاستقرار والازدهار للجميع مع الأخذ بالاعتبار وضع المناطق التي هُمِّشت من نظام بشار الأسد.

قوات «قسد» في أثناء تقدمها باتجاه مدينة منبج (أرشيفية - المرصد السوري)

* قائد الإدارة الجديدة في دمشق أحمد الشرع طالب جميع الفصائل السورية بنزع سلاحها، بعضها وافق بالفعل. ما موقف «قسد»؟

- سوريا المستقبل يجب أن يكون لها جيش وطني واحد يدافع عن البلاد والمواطنين السوريين. هذا أمر لا خلاف عليه، وسلاح قوات سوريا الديمقراطية سيكون سلاحاً لهذا الجيش الوطني ومندمجاً فيه بكل تجاربه وقوته، ولكي يحدث هذا لا بد من مناقشات مباشرة للتوصل إلى صيغة حول كيفية تنفيذ هذا الأمر.

* تتفاقم المخاوف الكردية بشأن مدينة عين العرب (كوباني). ما مصير المدينة؟ ما خطة «قسد» مع احتمالات الهجوم عليها؟

- ما زال التهديد بالهجوم على كوباني من الفصائل المدعومة تركياً مرتفعاً جداً، وهناك خطر حقيقي. نعمل مع شركائنا في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية على خفض التصعيد هناك، لذا اقترحنا منطقة منزوعة السلاح لتبديد المخاوف التي تدّعيها تركيا، لكنّ الأخيرة لم تستجب حتى الآن لهذه الوساطة، ولا تزال التحشيدات العسكرية التركية متواصلة. في الحقيقة، الهجوم على كوباني سيكون بمثابة الكارثة، وسيشكل تهديداً كبيراً لاستقرار المنطقة، وهذا ما لا نرغب فيه.

* هل هناك اتصالات أو مفاوضات -مباشرة أو غير مباشرة- مع أنقرة حول وضع المناطق السورية المحاذية للحدود التركية؟

- الاتصالات مع تركيا غير مباشرة، إذ تتم عن طريق شركائنا في التحالف الدولي الذي تقود الولايات المتحدة الأميركية، لكننا نرغب في أن تكون هناك مفاوضات مباشرة لتحييد المخاوف التركية، لكن إلى الآن لم تُبدِ تركيا جاهزيتها لهكذا مفاوضات رغم جاهزيتنا لها.

* قوى إقليمية ودولية تطالبكم باستمرار بفك الارتباط مع حزب «العمال الكردستاني». كيف تتعاطون مع هذه المطالبات التي تشغل دولاً وجهات دولية؟

- أكدنا سابقاً أن «قسد» ليست لديها ارتباطات تنظيمية مع حزب العمال الكردستاني. بعض عناصره وآخرون انضموا إلينا في معركتنا مع «داعش» وشاركونا القتال جنباً إلى جنب، لكن سيتم إخراجهم فور توقف العمليات العسكرية وإيجاد آلية مناسبة لتنفيذ ذلك. القرار في شمال وشرق سوريا لطالما كان بيد السكان وسيبقى، وليس هناك أي مبرر لهذه المخاوف.

مظاهرة دعم لـ«قسد» في القامشلي بمحافظة الحسكة ضد التصعيد التركي (أ.ف.ب)

* ثمة قلق كردي من غياب جبهة سياسية موحدة في مناطق الإدارة الذاتية. كيف تتعاملون مع القوى الكردية الأخرى في مناطقكم؟

- مناطق الإدارة الذاتية لا تضم الكرد فقط. يفضل أن تكون هناك رؤية متفق عليها بين جميع المكونات التي تعيش في هذه المناطق بمن فيهم الكرد الذين نعمل على توحيد وجهات نظرهم ليمثّلوا أنفسهم بالشكل المطلوب.

* هل ستسمح «قسد» بعودة «البيشمركة» السوريين من كردستان العراق إلى سوريا؟

- نحن نتحدث عن بناء جيش وطني سوري ونزع السلاح ودمج الفصائل في هذا الجيش، وإذا عاد أفراد «بيشمركة روج» إلى وطنهم من الخارج فهذا أمر طبيعي للمساهمة في بناء وطنهم.

* كيف تقيّمون المخاطر التي يشكّلها تنظيم «داعش» في الأراضي السورية؟

- محاربة «داعش» أولوية للشعب السوري والمنطقة. قوات «قسد» مستعدة للعمل مع الحكومة الجديدة بدمشق في العمليات ضد التنظيم ومشاركتها مسؤوليات مكافحة الإرهاب.

نحن ملتزمون بضمان حماية أمن جيراننا، لأن سوريا لن تشكل تهديداً لسلامتهم واستقرارهم. ومستعدون للعمل مع الحكومة المركزية لوضع تدابير تضمن عدم تهديد أي جهة غير سورية لأمن سوريا أو جيرانها، كما أننا جاهزون من حيث المبدأ لنقل مسؤوليات مراقبة الحدود بشكل سلس إلى السلطات في دمشق وفق صيغة يُتفَق عليه.

* هل يخطط مظلوم عبدي لزيارة دمشق؟

- بكل تأكيد، دمشق هي عاصمتنا، سنزورها عندما تكون الظروف مهيَّأة.


مقالات ذات صلة

الأجهزة اللبنانية تتوسع بتحقيقاتها مع شبكة «حزب الله» وفلول الأسد

المشرق العربي اعتقال عنصر تابع لخلايا «حزب الله» في منطقة السيدة زينب قرب دمشق (أرشيفية-«الداخلية السورية»)

الأجهزة اللبنانية تتوسع بتحقيقاتها مع شبكة «حزب الله» وفلول الأسد

وسعت دائرة التحقيقات مع الشبكة السورية اللبنانية التي فككتها الأجهزة الأمنية اللبنانية خلال الأيام الماضية، مع ظهور معطيات جديدة حول طبيعة نشاطها ومصادر تمويلها

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي وفد عسكري من وزارة الدفاع خلال اجتماع في محافظة الحسكة (أرشيفية - المحافظة)

آراء متباينة في الحسكة السورية بشأن التغييرات بعد حل «قسد»

أعرب البعض عن ارتياحه لتلك التطورات التي بدأت بدخول قوى الأمن الداخلي لمدينة الحسكة في حين رأى آخرون أن من المبكر الحكم على التغيير الجاري لأنه ما زال في بدايته

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي (حسابه عبر منصة «إكس»)

سوريا بدأت تدمير أسلحة كيميائية تعود إلى عهد الأسد

أبلغت سوريا مجلس الأمن الدولي، الخميس، أنها بدأت عملية تدمير المواد الكيميائية التي تعود الى حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية عناصر من «قسد» خلال دورية في الحسكة بعد اندماجهم في صفوف الجيش السوري (أ.ب)

تركيا تنفي عودة عناصر من «قسد» إليها بعد انتهاء دمجها

نفت تركيا ادعاءات بشأن عودة عناصر أجنبية نشطت ضمن «قسد» إليها بعد إعلان حلها وانتهاء دمجها في مؤسسات الدولة السورية، مجددةً دعمها لدمشق في هذه المرحلة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي لبنانيون وسوريون يحتفلون في بيروت بسقوط النظام السوري ورئيسه بشار الأسد (أ.ف.ب)

دمشق طالبت لبنان بتسليم العشرات من فلول الأسد في قائمتين

مع الإعلان عن إحباط السلطات اللبنانية مخططاً أمنياً يستهدف الأمن في لبنان وسوريا، وتفكيك شبكة أمنية خطيرة تنشط بين البلدين وتتبع «حزب الله» وفلول النظام السوري

«الشرق الأوسط» (دمشق)

إسرائيل تتشدد ميدانياً في لبنان... وتبادر تفاوضياً

دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تتشدد ميدانياً في لبنان... وتبادر تفاوضياً

دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تشددت إسرائيل ميدانياً في جنوب لبنان، وبادرت تفاوضياً عبر إعلانها الإفراج عن 5 أسرى لبنانيين مدنيين، في خطوة من شأنها أن تمهد لتحديد موعد لجولة جديدة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية وعودة بيروت إلى طاولة التفاوض في روما. وبدأت عملية الإفراج بتسليم الشاب مالك كمال غازي (20 عاماً)، أمس (الخميس)، على أن تستكمل اليوم (الجمعة)، في وقت تتواصل فيه الاتصالات الأميركية ـ الإسرائيلية تمهيداً للجولة المقبلة، وسط مساعٍ لإبقاء المسار التفاوضي قائماً.

وأكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن «عودة أي لبناني محرر إلى وطنه تشكّل خطوة مهمة لمعالجة هذا الملف»، فيما قالت مصادر وزارية إن الإفراج عن الأسرى جاء نتيجة ضغط أميركي، لا سيما الحثّ على تقديم خطوة إيجابية قبل موعد المفاوضات.

في موازاة ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي مجدداً تحقيق «سيطرة عملياتية» على مرتفعات «علي الطاهر» فوق الأرض وتحتها. وقال إن قواته طهّرت المنطقة من عناصر «حزب الله»، حيث قُتل بعضهم، فيما فرّ آخرون.

وصرحت المتحدثة باسم الجيش إيلا واوية أن قوات الفرقة 36 «عملت خلال الفترة الأخيرة على تطهير مسارين تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر الواقعة ضمن المنطقة الأمنية».


الكونغو الديمقراطية ستنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
TT

الكونغو الديمقراطية ستنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)

أعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية، الخميس، أنها ستنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس، لتنضم إلى دول منها الولايات المتحدة، اتخذت هذه الخطوة الرمزية الداعمة للسيادة الإسرائيلية على المدينة المتنازع عليها.

وعقب زيارة قام بها الرئيس فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي، أعلن الجانبان في بيان أنهما سيتخذان خطوات من أجل «نقل سفارة جمهورية الكونغو الديمقراطية من تل أبيب إلى القدس»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».


نصف سكان إسرائيل شربوا من مياه ملوثة بمجاري غزة

تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

نصف سكان إسرائيل شربوا من مياه ملوثة بمجاري غزة

تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

دخلت إسرائيل في أزمة مياه متفاقمة، نتيجة للتلوث، وقد ظهرت هذه الأزمة قبل أسبوعين، عندما كُشف عن أن مدينة عسقلان (أشكلون) الجنوبية ومنطقتها تشرب مياهاً ملوثة بمجاري قطاع غزة، من جراء تدمير البنى التحتية.

وتسبب قصف الجيش الإسرائيلي على الشوارع والمرافق الحيوية والبنى التحتية بغزة في خلق فوضى جعلت مياه المجاري تتدفق من القطاع بلا انضباط نحو البحر الأبيض المتوسط، ومن هناك نقلتها الأمواج شمالاً، وتسربت إلى محطات تحلية المياه الإسرائيلية.

لكن تحقيقات إسرائيلية أظهرت، قبل أيام، أن عسقلان ليس الوحيدة التي تشرب مياهاً ملوثة، بل إن نصف سكان إسرائيل تعرضوا للأمر نفسه.

ووفق إفادات محلية إسرائيلية، أدى التلوث البحري الاستثنائي إلى تعطيل شبه كامل لمنظومة تحلية المياه في إسرائيل، بعد ارتفاع حاد في عكارة مياه البحر. وتوقفت خمس محطات تحلية مياه ممتدة على طول ساحل البحر المتوسط عن العمل؛ أسدود، وشورك أ، وشورك بـوبلماحيم، وعسقلان، فيما واصلت محطة التحلية في الخضيرة وفي الجليل الغربي وفي إيلات عملها بصورة طبيعية، وفق المعطيات الواردة.

نازحون فلسطينيون يرفعون حاويات فارغة للتعبير عن النقص الحاد في المياه خلال مظاهرة بخان يونس جنوب غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وأدى توقف معظم منشآت التحلية إلى نقص في كميات المياه المحلاة، التي يشربها 88 في المائة من سكان إسرائيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات في إمدادات المياه في مناطق مختلفة من البلاد، وإلى شح شديد في مياه الري.

وتبين أن نحو نصف السكان في إسرائيل الذين يعتمدون على تحلية المياه في المحطات الجنوبية يعانون من تلوث، وربما وصل الأمر إلى مواقع في الضفة الغربية والأردن، تشرب مياهاً محلاة من إسرائيل.

وأعلنت بلديات الجنوب في بئر السبع، وعسقلان وأسدود وغيرها عن أعطال في إمدادات المياه وانخفاض في ضغط المياه في عدد من الأحياء، ودعت السلطات السكان إلى التعامل مع الوضع وفق التعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، في وقت تعمل فيه الجهات المسؤولة على ضمان استمرار إمدادات المياه للمنازل.

تداعيات كبيرة في الزراعة

وبموجب تعليمات إدارة المياه في حالات الطوارئ، بدأت السلطات المحلية بتقليص كبير في ري المساحات الخضراء العامة والاستخدامات البلدية للمياه. وتتركز التداعيات الكبرى في القطاع الزراعي؛ إذ تلقى مزارعون في أنحاء البلاد، للمرة الأولى منذ سنوات، إخطاراً بشأن تقليص شامل في حصص المياه أو وقف الإمدادات بصورة كاملة. ومن المتوقع أن يؤدي تقليص المياه المخصصة للزراعة إلى أضرار كبيرة بالمحاصيل، في حال استمرار الأزمة لفترة طويلة.

وأكدت سلطة المياه أن الأولوية الأساسية في هذه المرحلة تتمثل في ضمان إمدادات المياه للمنازل، موضحة أن المشكلات الموضعية التي قد تظهر في مناطق مختلفة ستخضع لمعالجة سريعة بهدف إعادة الإمدادات إلى انتظامها.

وفي أعقاب المطالبة بإقالته، قال وزير الطاقة والبنية التحتية، إيلي كوهين، المسؤول عن سلطة المياه وكل شؤون الطاقة، إن ما يحدث «ظاهرة طبيعية لم نشهد مثلها خلال السنوات العشرين الماضية». وأضاف أن السلطات تعمل على زيادة وتيرة ضخ المياه من الآبار ومن بحيرة طبريا، كما صودق على تشغيل محطتي تحلية إضافيتين تحت مراقبة دقيقة.

وأوضح كوهين أن «أولوية الدرجة الأولى هي توفير المياه للسكان»، مشيراً إلى أن الجهات المختصة تدرس حلولاً تتيح إعادة إمدادات المياه إلى المزارعين في أقرب وقت ممكن.

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

وفي موازاة جهود معالجة الأزمة، حذرت منظمة «آدم طيفع ودين» من أن الوضع الحالي يكشف، بحسب رأيها، عن إخفاقات استراتيجية في التخطيط لإدارة مصادر المياه. وقال خبراء في المنظمة إن السياسة التي تعتمد بصورة شبه حصرية على تحلية مياه البحر «خطيرة وخاطئة»؛ لأنها لا تأخذ في الاعتبار مخاطر محتملة، من بينها تلوث مياه البحر وتعطل منشآت التحلية.

وأضافت المنظمة أن «مرونة منظومة المياه في إسرائيل هي أمنها»، مؤكدة أنه لا يمكن الاعتماد على مصدر واحد للمياه. وانتقدت ما وصفته بإهمال مخزونات الطوارئ الطبيعية، مشيرة إلى إغلاق آبار لمياه الشرب بسبب التلوث من دون إعادة تأهيلها.

وكانت وسائل الإعلام قد وضعت هذا الموضوع على رأس اهتماماتها، طيلة يومي الثلاثاء والأربعاء، فكشف عدة خبراء عن أن هناك غطرسة إسرائيلية تقليدية قادت إلى هذه الأزمة. فمنذ أن بدأت إسرائيل مشاريع تحلية مياه البحر وهي تعاني من ظاهرة تدفق الطحالب من مياه النيل في مصر، ولذلك لا يجوز لها أن تفشل في معالجة مياه المجاري من غزة.