قائد «قسد» لـ«الشرق الأوسط»: تركيا لا تستجيب للوساطة... وكوباني مهدَّدة بكارثة

قال إن قواته مستعدة «مبدئياً» لنقل أمن الحدود إلى سلطة دمشق

TT

قائد «قسد» لـ«الشرق الأوسط»: تركيا لا تستجيب للوساطة... وكوباني مهدَّدة بكارثة

قائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي (الشرق الأوسط)
قائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي (الشرق الأوسط)

كشف قائد «قوات سوريا الديمقراطية»، مظلوم عبدي، عن تنسيق ميداني مع «إدارة العمليات العسكرية» منذ اليوم الثاني لمعارك «ردع العدوان»، رغم عدم وجود مفاوضات سياسية مباشرة مع «هيئة تحرير الشام» التي يقودها أحمد الشرع. وقال إن قوات «قسد» مستعدة للاندماج في الجيش السوري الجديد، لكن بعد الاتفاق على «صيغة مناسبة» عبر التفاوض.

وشدد عبدي، خلال حوار مع «الشرق الأوسط»، على ضرورة أن «تبقى سوريا بلداً موحداً»، لكن تحديد شكل نظامها السياسي «متروك لإرادة الشعب السوري والنقاشات الدستورية».

وحذر عبدي من «كارثة» تهدد مدينة «كوباني» مع استمرار التحشيد العسكري التركي، رغم أن «قسد» اقترحت على أنقرة عبر وسطاء «منطقة منزوعة السلاح»، لكنها لا تستجيب حتى الآن.

ودعا عبدي إلى حوار كامل ومباشر، وبشكل عاجل، لتحقيق «عصر من السلام والأمن حتى تتمكن سوريا من المضي قدماً وإعادة البناء»، على حد تعبيره، كما أعرب عن استعداده «من حيث المبدأ» لنقل مسؤولية أمن الحدود إلى السلطات الجديدة في دمشق.

وفيما يلي نصّ الحوار الذي أُجري عن بُعد:

* هل كانت لديكم معلومات عن تحرك الفصائل السورية قبل يوم 27 ديسمبر (كانون الأول) 2024؟ وهل توقعتم انهيار نظام الأسد في عشرة أيام؟

- كانت هناك معلومات تشير إلى بدء حملة عسكرية من الفصائل السورية المسلحة على النظام السوري السابق، وهذا كان متوقعاً، لكن ما لم يكن متوقعاً هو الانهيار السريع في صفوف الجيش السوري وعدم مقاومته، وأيضاً تخلي حلفائه الداعمين له على طول عمر الثورة السورية. لقد حدث ما حدث، وأعتقد أنه سيُكشف عن المزيد مستقبلاً، وما دار خلف الكواليس عن هذه المرحلة.

* هل كان هناك تنسيق أو اتصالات مع «هيئة تحرير الشام» خلال أيام المعارك العشرة؟

- لم يكن هناك تنسيق قبل بدء عملية «ردع العدوان» من «هيئة تحرير الشام»، لكن حدث تنسيق ميداني بيننا في اليوم الثاني من المعركة لتجنب الاصطدام بين قواتنا الموجودة في بعض أحياء حلب، وأيضاً لإجلاء النازحين من المخيمات في منطقة تل رفعت التي تعرضت لهجوم من فصائل مدعومة تركياً، وما زال هذا التنسيق الميداني مستمراً.

مظلوم عبدي قال إن شكل النظام السياسي لسوريا الجديدة تحدده النقاشات الدستورية (الشرق الأوسط)

* كيف ترون مستقبل سوريا بعد إسقاط نظام بشار الأسد؟ هل تشاركون في مفاوضات مع «هيئة تحرير الشام» حول شكل الدولة ونظامها السياسي؟

- لم نصل بعد إلى مفاوضات مباشرة مع «هيئة تحرير الشام»، لكن نعتقد أنه يجب أن تكون سوريا دولة لا مركزية تعددية ديمقراطية، حيث تتم حماية هوية البلاد المتنوعة دستورياً، وحقوق جميع مكونات الشعب السوري بمن فيهم الشعب الكردي.

لا نبحث عن تقسيم سوريا ومستعدون للعب دورنا في البناء والمشاركة في الحكومة التي ستدير البلاد. لقد شهدت سوريا الكثير من إراقة الدماء. وندعو اليوم بشكل عاجل إلى حوار كامل ومباشر لتحقيق عصر من السلام والأمن حتى تتمكن سوريا من المضي قدماً وإعادة البناء.

* هل سوريا التي يطمح إليها الكرد فيدرالية أم كونفيدرالية؟

- من المهم أن تبقى سوريا موحَّدة قبل كل شيء، أما شكل نظام الحكم الذي نعتقد أنه ستتم مناقشته كثيراً، فهو أمر متروك لإرادة الشعب السوري والمناقشات الدستورية.

* ما شروط «قسد» لو حدث تفاوض حول مصير مناطق الإدارة الذاتية؟

- لا نرغب في تسميتها شروطاً، لكن هناك أمور يفرضها الواقع لا بد من أخذها بعين الاعتبار. الأولوية تكمن في أن تتوقف العمليات العسكرية على كامل التراب السوري خصوصاً الهجمات التي تقوم بها تركيا والفصائل الموالية لها على قوات سوريا الديمقراطية لنتمكن، نحن بوصفنا سوريين، من مناقشة مستقبل بلدنا فيما بيننا من دون تدخلات خارجية أو وصايات. مناطق الإدارة الذاتية هي مناطق سورية ويجب أن يكون لممثليها دور وصوت مسموع، ويتم مشاركتهم لبناء المستقبل.

وبخصوص موارد البلاد، فإن ملكيتها تعود إلى جميع الشعب السوري. ونحن ملتزمون بمستقبل تُوزع فيه الموارد من الدولة لصالح جميع السوريين، بطريقة عادلة ومتساوية تحقق الاستقرار والازدهار للجميع مع الأخذ بالاعتبار وضع المناطق التي هُمِّشت من نظام بشار الأسد.

قوات «قسد» في أثناء تقدمها باتجاه مدينة منبج (أرشيفية - المرصد السوري)

* قائد الإدارة الجديدة في دمشق أحمد الشرع طالب جميع الفصائل السورية بنزع سلاحها، بعضها وافق بالفعل. ما موقف «قسد»؟

- سوريا المستقبل يجب أن يكون لها جيش وطني واحد يدافع عن البلاد والمواطنين السوريين. هذا أمر لا خلاف عليه، وسلاح قوات سوريا الديمقراطية سيكون سلاحاً لهذا الجيش الوطني ومندمجاً فيه بكل تجاربه وقوته، ولكي يحدث هذا لا بد من مناقشات مباشرة للتوصل إلى صيغة حول كيفية تنفيذ هذا الأمر.

* تتفاقم المخاوف الكردية بشأن مدينة عين العرب (كوباني). ما مصير المدينة؟ ما خطة «قسد» مع احتمالات الهجوم عليها؟

- ما زال التهديد بالهجوم على كوباني من الفصائل المدعومة تركياً مرتفعاً جداً، وهناك خطر حقيقي. نعمل مع شركائنا في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية على خفض التصعيد هناك، لذا اقترحنا منطقة منزوعة السلاح لتبديد المخاوف التي تدّعيها تركيا، لكنّ الأخيرة لم تستجب حتى الآن لهذه الوساطة، ولا تزال التحشيدات العسكرية التركية متواصلة. في الحقيقة، الهجوم على كوباني سيكون بمثابة الكارثة، وسيشكل تهديداً كبيراً لاستقرار المنطقة، وهذا ما لا نرغب فيه.

* هل هناك اتصالات أو مفاوضات -مباشرة أو غير مباشرة- مع أنقرة حول وضع المناطق السورية المحاذية للحدود التركية؟

- الاتصالات مع تركيا غير مباشرة، إذ تتم عن طريق شركائنا في التحالف الدولي الذي تقود الولايات المتحدة الأميركية، لكننا نرغب في أن تكون هناك مفاوضات مباشرة لتحييد المخاوف التركية، لكن إلى الآن لم تُبدِ تركيا جاهزيتها لهكذا مفاوضات رغم جاهزيتنا لها.

* قوى إقليمية ودولية تطالبكم باستمرار بفك الارتباط مع حزب «العمال الكردستاني». كيف تتعاطون مع هذه المطالبات التي تشغل دولاً وجهات دولية؟

- أكدنا سابقاً أن «قسد» ليست لديها ارتباطات تنظيمية مع حزب العمال الكردستاني. بعض عناصره وآخرون انضموا إلينا في معركتنا مع «داعش» وشاركونا القتال جنباً إلى جنب، لكن سيتم إخراجهم فور توقف العمليات العسكرية وإيجاد آلية مناسبة لتنفيذ ذلك. القرار في شمال وشرق سوريا لطالما كان بيد السكان وسيبقى، وليس هناك أي مبرر لهذه المخاوف.

مظاهرة دعم لـ«قسد» في القامشلي بمحافظة الحسكة ضد التصعيد التركي (أ.ف.ب)

* ثمة قلق كردي من غياب جبهة سياسية موحدة في مناطق الإدارة الذاتية. كيف تتعاملون مع القوى الكردية الأخرى في مناطقكم؟

- مناطق الإدارة الذاتية لا تضم الكرد فقط. يفضل أن تكون هناك رؤية متفق عليها بين جميع المكونات التي تعيش في هذه المناطق بمن فيهم الكرد الذين نعمل على توحيد وجهات نظرهم ليمثّلوا أنفسهم بالشكل المطلوب.

* هل ستسمح «قسد» بعودة «البيشمركة» السوريين من كردستان العراق إلى سوريا؟

- نحن نتحدث عن بناء جيش وطني سوري ونزع السلاح ودمج الفصائل في هذا الجيش، وإذا عاد أفراد «بيشمركة روج» إلى وطنهم من الخارج فهذا أمر طبيعي للمساهمة في بناء وطنهم.

* كيف تقيّمون المخاطر التي يشكّلها تنظيم «داعش» في الأراضي السورية؟

- محاربة «داعش» أولوية للشعب السوري والمنطقة. قوات «قسد» مستعدة للعمل مع الحكومة الجديدة بدمشق في العمليات ضد التنظيم ومشاركتها مسؤوليات مكافحة الإرهاب.

نحن ملتزمون بضمان حماية أمن جيراننا، لأن سوريا لن تشكل تهديداً لسلامتهم واستقرارهم. ومستعدون للعمل مع الحكومة المركزية لوضع تدابير تضمن عدم تهديد أي جهة غير سورية لأمن سوريا أو جيرانها، كما أننا جاهزون من حيث المبدأ لنقل مسؤوليات مراقبة الحدود بشكل سلس إلى السلطات في دمشق وفق صيغة يُتفَق عليه.

* هل يخطط مظلوم عبدي لزيارة دمشق؟

- بكل تأكيد، دمشق هي عاصمتنا، سنزورها عندما تكون الظروف مهيَّأة.


مقالات ذات صلة

شاهد... إنقاذ طفل سقط في بئر بعمق 18 متراً شمال سوريا

المشرق العربي عناصر من رجال الدفاع المدني السوري (حساب الدفاع المدني الرسمي على «إكس»)

شاهد... إنقاذ طفل سقط في بئر بعمق 18 متراً شمال سوريا

أعلن «الدفاع المدني» السوري إنقاذ طفل عمره ثلاث سنوات سقط في بئر بعمق 18 متراً بريف حلب بشمال البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جدارية تُحيي ذكرى الهجوم الكيميائي عام 2013 في زملكا بضواحي دمشق مساء الخميس (إ.ب.أ)

اعترافات «عدو الغوطتين»: هاجمنا الأهداف عشوائياً وأوامر القصف كانت تأتي من الأسد

نشرت وزارة الداخلية السورية، مساء الثلاثاء، فيديو مسجلاً لاعترافات ميزر صوان، اللواء الطيار في عهد بشار الأسد والملقّب بـ«عدو الغوطتين».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صور مقتطعة من الفيديوهات المسربة لمسؤولين أمنيين وحرس في سجن صيدنايا الثلاثاء

تسريب مقاطع كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا يثير الريبة في توقيته

أثارت مقاطع فيديو بثها مجهولون، فجر الثلاثاء، لمشاهد من داخل سجن صيدنايا، سُجلت قبل أيام قليلة من الإطاحة بنظام الأسد، جدلاً واسعاً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي رئيس الأمن السياسي السابق في محافظة درعا جنوب سوريا عاطف نجيب يحضر الجلسة الأولى لمحاكمته في قصر العدل بدمشق 26 أبريل (أ.ف.ب)

نقيب المحامين في سوريا: قانون العدالة الانتقالية قريباً في مجلس الشعب

اعتبر نقيب المحامين في سوريا محمد علي الطويل هذه المحاكمة «بداية الطريق للعدالة الانتقالية في سوريا»، حيث إن القانون ما زال يدرس وسوف يعرض قريباً على مجلس الشعب

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي ورود وأعلام سورية بعد الإعلان عن القبض على المتهم بارتكاب «مجزرة التضامن» في الحي جنوب دمشق الجمعة الماضي (إ.ب.أ)

تشميع منزل المتهم الرئيسي في «مجزرة التضامن»

أغلقت السلطات السورية منزل أمجد يوسف المتهم الرئيسي في «مجازر حي التضامن 2013» بالشمع الأحمر، فيما باشرت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» عملها...

سعاد جرَوس (دمشق)

مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

يفتح اتفاق «الإطار التنسيقي» على تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة البابَ أمام مزيد من التساؤلات بشأن الخطوة التالية التي قد تُقدم عليها الفصائل الموالية لإيران، لا سيما في ظل ترحيب البعثة الأميركية في العراق بقرار التكليف.

حتى في ظل غياب ترحيب أو دعم أميركي لافت على مستوى وزارة الخارجية أو البيت الأبيض، الذي سبق أن تدخّل برفض ترشيح نوري المالكي، فإن هذا التطور، حسب مراقبين، يحمل إشارة مرور حذِرة للمكلف علي الزيدي للشروع في تشكيل حكومة تراعي «اشتراطات واشنطن»، التي تكررت مراراً خلال الأشهر الأخيرة على لسان كبار المسؤولين الأميركيين، مع تشديدهم على تفكيك الفصائل المسلحة ومواجهة النفوذ الإيراني في العراق.

وليس من الواضح بعد قدرة المرشح علي الزيدي على الاستجابة للشروط الأميركية، لا سيما أنه مدعوم من قوى ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران، وقد طالت بعضها مؤخراً عقوبات أميركية مشددة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تُعد إحدى القوى الوازنة في «الإطار التنسيقي»، إلى جانب «كتائب سيد الشهداء»، التي رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن زعيمها أبو آلاء الولائي.

وحتى مع تصريحات وبيانات سابقة لقادة الفصائل، خصوصاً «كتائب حزب الله»، بشأن رفضهم تمرير أي حكومة من دون موافقتهم، وهي رغبة تتقاطع مباشرة مع الموقف الأميركي، فإن مسألة الخطوة التالية لهذه الفصائل إزاء تشكيل الحكومة لا تزال موضع ترقب وتساؤل لدى بعض المراقبين.

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

تجديد «البيعة» لخامنئي

وتزامناً مع الترحيب الأميركي بتكليف علي الزيدي، جددت حركة «النجباء»، وهي واحدة من أبرز الفصائل المسلحة الموالية لإيران، «بيعتها» للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في ردٍّ يشير إلى الترحيب الأميركي، غير أن مراقبين يستبعدون تأثيرها الجدي على مسار تشكيل الحكومة، باعتبار أنها لا تمتلك أي تمثيل في مجلس النواب، كما أنها لم تشر في بيانها إلى الاستحقاق الحكومي الجاري.

وقالت الحركة في بيان «نجدد البيعة والعهد (لخامنئي)، فالعراق سيبقى أبداً هو القوة الضاربة في هذا المحور، وسنظل نحن أبناء (النجباء) جنودكم الأوفياء». وأضافت: «إننا اليوم، ومن موقع الإدراك العميق لسنن التاريخ، نجدد بيعتنا المطلقة لمشروع الولاية، معلنين أن تمسكنا بهذا الخط ليس خياراً سياسياً أملته الظروف، بل هو انصياع طوعي، فكل أمر يصدر عنكم هو عندنا تكليف مقدس». وذكرت، أن «كل تحدٍّ يرميه العدو في طريقنا يعد فرصة استراتيجية، نحن في قلب الصراع، ندرك مآلاته، فامضِ بنا حيث شئت».

«حَمْل السُّلَّم بالعَرض»

لا يستبعد الباحث والخبير في الجماعات الشيعية، نزار حيدر، أن تقوم الفصائل المسلحة بـ«حَمْلُ السُّلَّم بِالعَرض»، على حد وصفه عرقلة تشكيل الحكومة بعد استشعارها الدعم الأميركي.

وقال حيدر لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الموقف «ليس جديداً على الفصائل المسلحة التي لم تنخرط في العملية السياسية، إذ تعلن دائماً أن سلاحها وولاءها لطهران، وأن تجديد بيعتها للمرشد الجديد ما هو إلا تأكيد لموقفها الثابت والمعلن».

ويشير إلى أن «جماعات الفصائل لا تعتقد بمرجعية النجف التي لا تذهب مع نظرية ولاية الفقيه، كما أنها لا تعطي أي اعتبار للدستور والقانون ولسلطة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها سلطة القائد العام للقوات المسلحة».

وقال حيدر إن الاتفاق على تكليف علي الزيدي والمباركة الأميركية «لم يكن هذه المرة نتيجة إمساك بالعصا من الوسط، بل ثمرة الإمساك بها من الطرف الأميركي».

ورأى حيدر أن «الفصائل سوف تحمل السلم بالعرض، كما يقال، لعرقلة عمل الحكومة الجديدة، خصوصاً أن من أبرز أولوياتها في برنامجها الحكومي حصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الميليشيات، بدعم من القوى السياسية والقضاء، فضلاً عن الإدارة الأميركية».

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

الفصائل لن تعترض

يختلف الأكاديمي والباحث عقيل عباس مع ما يذهب إليه نزار حيدر بشأن إمكانية عرقلة الفصائل لمسار تشكيل الحكومة، إذ يرى أنها «لن تعترض على هذا الترشيح، وستفعل ما دأبت عليه دائماً، أي تجنّب إظهار اعتراضات كبرى حيال مثل هذا القرار، حتى لا تضع نفسها في مواجهة علنية مع واشنطن».

وقال عباس لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل عادة «تعمل على التفاصيل لاحقاً، وهذه هي براعتها، من حيث كيفية تشكيل الحكومة ومنهاجها، وطبيعة اختيار الوزراء، ونوعية التنازلات التي يمكن أن تحصل عليها من الحكومة الجديدة».

ومع ذلك، لا يستبعد أن «تقدم الفصائل، في حال تبيّن لها أن المكلف بتشكيل الحكومة يمضي نحو تقديم تنازلات جدية لواشنطن بشأن تفكيكها، على اتباع أساليب أخرى، مثل عرقلة حصول الحكومة على الثقة في البرلمان أو تعقيد مفاوضات تشكيلها».

ورأى عباس أن السؤال الجوهري الذي يجدر أن يطرح هو: «هل ستستطيع الحكومة الجديدة أن تحميهم من الضغط الأميركي بخصوص تفكيكهم».

وقال إنه، ومع «عدم وجود اتفاق أميركي-إيراني بشأن الملفات الأساسية الثلاثة: النووي، والصواريخ الباليستية، وملف الوكلاء في المنطقة، فإن المشهد معقد، لكن السيناريو الأفضل للفصائل هو تفكيكها بموافقة إيرانية، بما يتيح لها البقاء داخل العمل السياسي والحكومي، أي الاستمرار في دائرة النفوذ والتمويل والتأثير، ولكن من دون دور عسكري».

وأشار عباس إلى أنه، ومع «عدم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، فإن حل الفصائل قد يُطرح محلياً عبر مواجهة مع الحكومة المقبلة، وهو ما يُمثل الاختبار الأصعب للحكومة أمام واشنطن».


الأمطار الهاطلة بعد جفاف تضخ المياه والحياة في أهوار العراق

رجل يصطاد في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)
رجل يصطاد في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)
TT

الأمطار الهاطلة بعد جفاف تضخ المياه والحياة في أهوار العراق

رجل يصطاد في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)
رجل يصطاد في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)

يشقّ قارب صيد طريقه بهدوء وسط مياه أهوار في جنوب العراق، مُحدثاً تموجات ناعمة تصل إلى الأراضي الرطبة الممتدة على الضفتين، والتي كانت حتى الأمس القريب تعاني التشقُّق بفعل الجفاف، إلى أن أنعشتها الأمطار، في الآونة الأخيرة، بعد طول انتظار.

وتتناثر بُقع خضراء على صفحة المياه العائدة إلى المجرى الذي يخترق معظم أهوار الحويزة، في حين تنغمس داخله جواميس وحيوانات، أو ترعى العشب الوارف في جواره.

وفوق المسطّح المائي الساكن، تُحلق طيور من شتى الأنواع، تنعكس صورتها عليه كما لو كان مرآة، وتعكس بدورها غِنى التنوع الحيوي الذي يحظى بالحماية في أهوار بلاد الرافدين هذه، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

صورة جوية لقارب صيد محلي في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان جنوب العراق (أ.ف.ب)

إلا أن هذه الأهوار البالغة القِدم عانت الجفاف على مدى سنوات بفعل التغيّر المناخي والسدود المُقامة في الدول المجاورة على أعالي الأنهار، ما أنهك هذه الأراضي الخصبة بين نهريْ دجلة والفرات، والتي يُعتقد أنها جنة عدن المُشار إليها في كتاب العهد القديم.

لكنّ فترات هطول الأمطار التي شهدها فصل الشتاء، هذه السنة، ضخّت الحياة مجدداً في شرايين الحويزة، وأعادت الأمل إلى سكان هذه الأهوار وعشاقها على السواء.

وخلال إبحار الصياد كاظم كاصد بقاربه الخشبي الطويل، مرتدياً عباءته البيضاء ومعتمراً كوفيته، يقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «ستعود الحياة والثروتان السمكية والحيوانية، وسيشعر الناس بأن ديرتهم (بلدهم) ومستقبلهم عادا».

قارب صيد محلي في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)

ويضيف: «رسالتي إلى الناس الذين يعيشون هنا هي: هذه أرضكم وديرتكم، وأتمنى أن تدافعوا عنها أكثر وتعتزوا بها لأنها موطنكم الأصلي ومصدر حياتكم وعيشتكم أجيالاً بعد أجيال».

وذكرت وزارة الموارد المائية العراقية أن «سدود نهر دجلة على وشك الامتلاء»، متوقعة «ارتفاع مناسيب نهر الفرات، في الأيام المقبلة»، إذا أفرجت سوريا عن المياه من سدودها.

من هنا، تشهد الأهوار «انتعاشاً نسبياً» في الوقت الراهن.

تُعدّ الحويزة أهواراً عابرة للحدود تتشاركها العراق وإيران (أ.ف.ب)

ويؤكد الناشط أحمد صالح نعمة أن أهوار الحويزة لم تشهد هذا القدر من المياه منذ سنوات، مضيفاً أن المياه غمرت 85 في المائة من الأراضي الرطبة، مع أن ثمة حاجة لأن يكون عمقها أكبر.

ويضيف: «فتحنا كل بوابات الإطلاقات المائية من النواظم والسدود باتجاه الأهوار لكي نملأ أكبر كمية ممكنة قبل أن يحلّ الصيف».

ويوضح أنه «أمر جيد، فهذا يعني أن الأهوار لن تجفّ، هذا الصيف»، حين تصل الحرارة إلى 50 درجة مئوية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ترحيب أميركي حذر بالمكلّف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)
TT

ترحيب أميركي حذر بالمكلّف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

أبدت الولايات المتحدة دعماً حذراً لرئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي، في وقت تتصاعد فيه التحديات المرتبطة بتشكيل حكومته، بما في ذلك ملف نفوذ الفصائل المسلحة والعقوبات الأميركية على شخصيات مرتبطة بها.

وقالت بعثة الولايات المتحدة في بغداد، الأربعاء، إنها تؤيد جهود الزيدي لتشكيل «حكومة قادرة على تحقيق تطلعات جميع العراقيين»، مؤكدة دعمها أهدافاً تشمل صون السيادة وتعزيز الأمن ومكافحة الإرهاب وبناء اقتصاد مستقر.

وجاء هذا الموقف بعد ترشيح الزيدي من قِبل قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، عقب انسحاب كل من محمد شياع السوداني ونوري المالكي؛ ما أنهى أزمة سياسية استمرت نحو خمسة أشهر منذ انتخابات أواخر 2025.

نفوذ الفصائل

حسب مصادر سياسية مطلعة، فإن الزيدي وافق على التكليف بعد طرح شروط تتعلق باستقلالية تشكيل الحكومة، من بينها الحد من مشاركة الفصائل المسلحة في التشكيلة الوزارية ومنحه حرية اختيار أعضاء حكومته دون تدخلات مباشرة.

ولم تصدر تأكيدات رسمية علنية من مكتب الزيدي بشأن هذه الشروط، في حين أعلن «الإطار التنسيقي» أنه منح رئيس الوزراء المكلف مساحة لاختيار كابينته، مع التشديد على معايير الكفاءة والنزاهة.

ويمثل دور الفصائل المسلحة ملفاً حساساً في السياسة العراقية، لا سيما في ظل ارتباط بعض قادتها بعقوبات أميركية.

لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)

سياق العقوبات

وكانت وزارة الخزانة الأميركية أعلنت عن مكافآت مالية مقابل معلومات عن قادة فصائل، وهم أبو حسين الحميداوي زعيم «كتائب حزب الله»، وأبو آلاء الولائي زعيم «كتائب سيد الشهداء»، وحيدر الغراوي زعيم «أنصار الله الأوفياء»، في إطار اتهامات تتعلق بأنشطة تهدد المصالح الأميركية والاستقرار في العراق.

ويقول محللون إن هذا السياق الأمني يضيف تعقيداً إلى مهمة الزيدي، الذي يسعى إلى تحقيق توازن بين مطالب القوى السياسية الداخلية ومتطلبات المجتمع الدولي.

ويرى أستاذ العلوم السياسية ياسين البكري أن الموقف الأميركي يعكس «عدم ممانعة مع إبقاء المسار تحت المراقبة»، مشيراً إلى أن واشنطن تركز على قضايا مثل حصر السلاح بيد الدولة ووحدة القرار الأمني.

بدوره، قال طالب محمد كريم إن الدعم الأميركي للزيدي «يعكس براغماتية متزايدة»، موضحاً أن معيار القبول بات يرتبط بسلوك الحكومة المقبلة، لا بهوية رئيسها.

وأضاف أن هذا التأييد «يمكن فهمه بوصفه قبولاً مشروطا، قائم على اختبار الأداء في ملفات التوازن الإقليمي والتعاون الأمني».

وكان رئيس الجمهورية نزار آمدي قد كلف الزيدي رسمياً تشكيل الحكومة، بعد تعثر طويل في التوافق السياسي. ويرى مراقبون أن نجاحه سيعتمد على قدرته على إدارة توازن دقيق بين نفوذ القوى السياسية، بما فيها الفصائل المسلحة، وبين الضغوط الدولية، خاصة الأميركية، في وقت يواجه فيه العراق تحديات أمنية واقتصادية مستمرة.

ومع بدء مشاورات تشكيل الحكومة، تبقى مسألة إشراك أو استبعاد الفصائل، إلى جانب تداعيات العقوبات الأميركية، من أبرز الملفات التي قد تحدد شكل الحكومة المقبلة وطبيعة علاقاتها الخارجية.