وفقاً لنظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين، فإن الزمان والمكان يندمجان معاً ليؤلفا ذلك البساط الكوني، أو ما يعرف بـ«نسيج الزمكان». وتتسبب حركة الأجسام الكونية الضخمة، كالمجرات أو العناقيد المجرية (مجموعات ضخمة من آلاف المجرات)، في انحناء هذا النسيج، الأمر نفسه الذي ينطبق على الضوء القادم عبر المسافات الكونية البعيدة.
«مستعر أعظم»
مع مرور أي ضوء قادم نحونا من أي مصدر كوني عبر أحد العناقيد المجرية، تتسبب قوة الجاذبية الهائلة لهذا العنقود في انحناء ضوء هذه المجرة البعيدة وتضخيمه، حيث تعمل كعدسة مكبرة، ليتحول الضوء الخافت لتلك المجرة إلى آخر ساطع ومرئي يسهل رصده عبر التلسكوبات الأرضية، فيما يُعرف بظاهرة العدسة الجاذبية.
وأخيراً، كان العلماء على موعد مع اكتشاف فلكي نادر من هذا النوع، عندما نجح فريق دولي من العلماء في رصد «مستعر أعظم» أو ما يطلق عليه سوبرنوفا (انفجار هائل لنجم في نهاية حياته) يقع على بعد أكثر من 4 مليارات سنة ضوئية. أطلق الفريق العلمي على المستعر المكتشف «إس إن زويكي»، وجرى تكبير صورته بنحو 25 مرة.
يقدم هذا الاكتشاف، الذي نشر الفريق نتائجه في دورية «نيتشر أسترونومي»، في 12 يونيو (حزيران)، فرصة فريدة لعلماء الفلك للإجابة عن أسئلة كونية تتكرر في كل مرة يتم رصد حدث فلكي فريد ونادر كهذا، أسئلة تتعلق بالنوى الداخلية للمجرات والمادة المظلمة والآليات الكامنة وراء توسع الكون.
«لا يستعرض اكتشاف (إس إن زويكي) القدرات الرائعة للتقنيات الفلكية الحديثة فحسب، بل يمثل خطوة مهمة للأمام في سعينا لفهم القوى الأساسية التي تشكل الكون»، كما قال الباحث الرئيسي للدراسة، ومدير مركز «أوسكار كلاين» في جامعة استوكهولم، أرييل جوبار، في بيان صحافي صادر مع الدراسة.
ويقول الدكتور أحمد سليمان، الباحث في مختبر الدفع النفاث بوكالة «ناسا»، وباحث زائر في كالتك، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «إن تطبيق تقنية عدسة الجاذبية ذو قيمة علمية كبيرة جداً، وخطوة للأمام لدراسة طبيعة المادة المظلمة وكيفية تمدد الكون المتسارع، وتحديد المسافات بين أجزائه»، مضيفاً: «يسهم هذا الإنجاز العلمي في فهم العناصر والمكونات الأساسية التي يتألف منها الكون؛ ما يفتح الباب للنظر بعمق داخل المجرات، وبالتالي تحقيق اكتشافات جديدة عن السوبرنوفا».
جرى اكتشاف هذا المستعر في البداية في «مرفق زويكي العابر» (ZTF)، وسرعان ما تم تصنيفه كجرم سماوي مثير للاهتمام؛ نظراً لسطوعه غير المعتاد.
وباستخدام أدوات مرصد كيك والتلسكوبات الضخمة وتلسكوب هابل الفضائي التابع لوكالة «ناسا»، لاحظ الفريق أربع صور له مأخوذة من مواقع مختلفة في السماء، مفسرين ذلك الإشعاع غير العادي بتأثير «عدسات الجاذبية». يقول عالم الفلك في جامعة ميريلاند، إيغور أندريوني، والباحث بمركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لـ«ناسا»: «تلعب المستعرات الأعظمية دوراً مهماً في مساعدة العلماء على قياس المسافات الكونية».
وأوضح أندريوني «لم يتم تضخيم صور (إس إن زويكي) بواسطة عدسات الجاذبية فحسب، إذ إنه ينتمي إلى فئة من المستعرات الأعظمية التي نسميها (الشموع القياسية) التي يمكننا استخدام لمعانها المعروف لتحديد المسافات في الفضاء».
وأضاف «عندما يكون مصدر الضوء بعيداً، يكون الضوء باهتاً - تماماً مثل رؤية الشموع في غرفة مظلمة - وعليه يمكننا مقارنة مصدرين للضوء بهذه الطريقة والحصول على مقياس مستقل للمسافة دون الحاجة لدراسة المجرة نفسها».
دراسة الكون
وبالإضافة إلى كونه مفيداً كمقياس للمسافات الكونية، يفتح «إس إن زويكي» أيضاً طرقاً جديدة للبحث أمام العلماء الذين يستكشفون خصائص المجرات، بما في ذلك المادة المظلمة.
ويعتقد الباحثون أن المستعرات الأعظمية العدسية تلك يمكن أن تثبت أنها أدوات واعدة جداً لفحص الطاقة المظلمة أيضاً، تلك القوة الغامضة التي تتصدى للجاذبية وتدفع التمدد المتسارع للكون، وكذلك تنقية النماذج الحالية التي تصف تمدد الكون، بما في ذلك ثابت هابل - قيمة حسابية تصف مدى سرعة توسع الكون، ويرى البعض أنه لم يعد بالدقة الكافية.
ويصف سليمان نتائج الدراسة بأنها مهمة جداً؛ لأنها جعلتنا نرى الكون من زاوية جديدة مختلفة، مشيراً إلى أن هناك المهمة الفضائية «إقليدس» التي تجهز الآن في الإطار ذاته، وهى المهمة التي ستطلقها قريباً وكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية (إيسا)، لدراسة كل من الطاقة المظلمة والمادة المظلمة بطرق وتقنيات أكثر دقة.
وتهدف «إقليدس» لاستكشاف تطور الكون من خلال مراقبة مليارات المجرات حتى 10 مليارات سنة ضوئية، في محاولة لمعرفة كيف نشأ وكيف تشكلت بنيته، وكيف يتمدد، وما هي القوانين الفيزيائية الأساسية التي تحكمه؟
من جانبه، يعتقد أندريوني أن تقنية «الصورة الكبيرة» المستخدم للعثور على هذا المستعر ستستمر في مساعدة العلماء على جمع كميات كبيرة من البيانات حول الأحداث التي تقع في السماء البعيدة، مشدداً على أن «هذا الاكتشاف يمهد الطريق للعثور على المزيد من الأحداث الفلكية العابرة الجديدة». وأضاف: «نتطلع إلى المزيد من الاكتشافات باستخدام المسوحات الضوئية الواسعة للسماء مثل تلك التي ساعدتنا في التعرف على المستعر الأعظم (إس إن زويكي)».


