حذارِ من المعلومات المضلّلة من برامج الذكاء الاصطناعي التوليدي

مخاوف من تحطيمه الحدود بين الحقيقة والخيال

حذارِ من المعلومات المضلّلة من برامج الذكاء الاصطناعي التوليدي
TT

حذارِ من المعلومات المضلّلة من برامج الذكاء الاصطناعي التوليدي

حذارِ من المعلومات المضلّلة من برامج الذكاء الاصطناعي التوليدي

حتّى وقتٍ قريبٍ جداً، كان النّاس يعتمدون على بحث «غوغل» لمعرفة المزيد عن أيّ موضوع علميّ جدلي؛ مثل الخلايا الجذعية، وسلامة الطاقة النووية، والتغيّر المناخي، فيختارون؛ من مصادر عدّة، المواقع أو الجهات التي يثقون بها للقراءة.

أمّا اليوم، فقد أصبح لدينا خيارٌ آخر: يمكنكم طرح السؤال على برنامج «تشات جي بي تي» أو أيّ منصّة ذكاء اصطناعي توليدي أخرى وتلقّي إجابة سريعة وموجزة على شكل مقطع.

توليد الإجابات

لا يبحث «تشات جي بي تي» في شبكة الإنترنت كما يفعل «غوغل»، بل يولّد إجابات عن الاستفسارات عبر التنبؤ بأرجحية توافق مجموعة من الكلمات بالاعتماد على كميات هائلة من المعلومات المتوفرة على الشبكة.

ولكن تبيّن أنّ الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعلى الرغم من قدرته على تعزيز الإنتاجية، ينحو إلى ارتكاب أخطاء فادحة، مثل «الهذيان»: ويُستخدم هذا المصطلح على أنه توصيف حميد لاختراع أشياء غير موجودة. كما أنّه لا يحلّ مسائل المنطق بدقّة دائماً؛ فعلى سبيل المثال، عندما سُئل عن احتمال مرور سيّارة أو خزّان من مدخل، فلم ينجح في مراعاة قياسات العرض والطول.

ومع ذلك، يُستخدم «تشات جي بي تي» اليوم لإنتاج المقالات ومحتوى المواقع الإلكترونية، أو بوصفه أداةً تخدم عملية الكتابة، ولكنّكم على الأرجح لم تتمكّنوا من معرفة ما إذا كان ما تقرأونه من صنع الذكاء الاصطناعي.

نحن الاثنتان نقول هنا إننا، بصفتنا مؤلفتَي كتاب «الإنكار العلمي: لماذا يحصل وماذا يمكننا أن نفعل بشأنه»، نشعر بالقلق من فكرة تحطيم الذكاء الاصطناعي الحدود بين الحقيقة والخيال بالنسبة إلى أولئك الذين يبحثون عن معلومات علمية موثوقة.

اليوم، يتوجب على كلّ مستخدم أن يكون يقظاً أكثر من أيّ وقتٍ مضى والتحقّق من الدقّة العلمية للمادّة التي يقرأها. ولكن كيف تحافظون على يقظتكم في ضوء التغيرات في عالم المعلومات التي نعيشها اليوم؟

إنكار العلم

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يروّج للإنكار العلمي؟

* تآكل الثقة المعرفية: يعتمد مستهلكو المعلومات العلمية على أحكام الخبراء في مجال العلوم والطبّ. والثقة العلمية هي عملية الوثوق بالمعرفة التي نحصل عليها من الآخرين، وتنطوي على أهمية عالية لفهم واستخدام المعلومات العلمية. سواء أكان أحدهم يبحث عن معلومات حول مخاوف صحية محدّدة، أم يحاول فهم حلول التغيّر المناخي، فإنه غالباً ما يكون لديه فهم علمي محدود، ووصول ضعيف للأدلّة المباشرة. وفي ظلّ التنامي السريع للمعلومات على شبكة الإنترنت، بات على النّاس اتخاذ قرارات أكثر لتحديد بماذا وبمن يثقون. ومع ازدياد استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي واحتمال التلاعب، فإننا نعتقد أنّ الثقة ستتآكل أكثر فأكثر.

* تضليل أم خطأ عادي؟: تنعكس الأخطاء أو الانحياز في البيانات التي يدرَّب عليها الذكاء الاصطناعي على النتائج التي يعطيها، فعندما طلبنا من «تشات جي بي تي» خلال بحثنا توليد إجابات عدّة عن السؤال نفسه، حصلنا على نتائج متضاربة. وعندما سألناه عن سبب التضارب، أجاب: «أحياناً أرتكب الأخطاء». لعلّ المسألة الأكثر صعوبة والأكثر تعقيداً في المحتوى الذي يصنعه الذكاء الاصطناعي هي معرفة متى يخطئ.

* نشر التضليل المتعمّد: يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد معلومات مضلّلة مقنعة على شكل نصوص، أو صور وفيديوهات مزيّفة. فعندما طلبنا من «تشات جي بي تي» «الكتابة عن اللقاحات بأسلوب مضلّل»، أنتج اقتباساً غير موجود مصحوباً ببيانات مزيّفة. قدّم جيفري هينتون، الرئيس السابق لقسم تطوير الذكاء الاصطناعي في «غوغل»، استقالته من منصبه ليدقّ ناقوس الخطر بحريّة، قائلاً: «من الصعب رؤية كيف يمكن تجنّب العناصر السيئة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في الأمور السيئة». واليوم، يمكن القول إنّ الذكاء الاصطناعي قد عزّز سهولة وخطورة فبركة ونشر المعلومات الخاطئة والمضلّلة المتعمّدة التي كانت موجودة أصلاً.

* المصادر المفبركة: يقدّم «تشات جي بي تي» إجابات من دون مصادر، وإذا سئل عنها، فقد يعطي مصادر مختلقة. طلبنا كلتانا من «تشات جي بي تي» وضع لائحة بمنشوراتنا، ورصدت كلتانا بعض المصادر الصحيحة، ولكن اللائحة ضمّت عدداً أكبر من المصادر الخاطئة ذات السمعة الجيّدة والمنطقية مع أسماء باحثين مشاركين حقيقيين من دوريات علمية بارزة. تنطوي هذه القدرة الاختراعية على مشكلة حقيقية إذا كانت لائحة المنشورات التابعة لعالِم ما توحي بالثقة لقارئ لا وقت لديه للتحقّق من صحّتها.

* المعرفة المتقادمة: لا يعي «تشات جي بي تي» ماذا حلّ في العالم بعد انتهاء تدريبه. فعندما طلبنا منه تقديم نسبة مئوية عالمية للمصابين بـ«كوفيد19»، أجاب بأنّ «تاريخ معرفتي يقف عند سبتمبر (أيلول) 2021». ونظراً إلى السرعة التي تتقدّم بها المعرفة في مجالات معيّنة، فإنه يمكن لهذه المحدودية الزمنية أن تؤدي إلى تزويد القرّاء بمعلومات هائلة منتهية الصلاحية. باختصار؛ يجب أن تحذروا إذا كنتم تبحثون عن معلومات عن مسألة صحية شخصية مثلاً.

* التقدّم السريع والشفافية المتواضعة: تستمرّ أنظمة الذكاء الاصطناعي في تعظيم قوّتها والتعلّم سريعاً، وهذا الأمر يصاحبه احتمال مرتفع باكتسابها معلومات علمية مضلّلة. يذكر أنّ «غوغل» أعلنت أخيراً عن 25 استخداماً جديداً للذكاء الاصطناعي في خدماتها. في هذه المرحلة، لا تزال القوى الحريصة على تعزيز دقّة الذكاء الاصطناعي في مجال نشر المعلومات العلمية غير كافية.

الحذر والتدقيق

ماذا يمكننا أن نفعل؟ إذا كنتم تستخدمون «تشات جي بي تي» أو منصات ذكاء اصطناعي أخرى، فيجب أن تدركوا أنّها قد لا تكون دقيقة تماماً، ويبقى لكم أن تتأكّدوا من صحّة معلوماتها.

* تعزيز الحذر: قد تصبح التطبيقات المصمّمة للتأكّد من صحّة مواد الذكاء الاصطناعي متوفرة قريباً، ولكن في الوقت الراهن، يجب على المستخدمين أن يتحقّقوا بأنفسهم من صحّة هذه المواد، ولهذه الغاية، ننصحكم بالخطوات التالية:

* أوّلاً: كونوا حذرين، فغالباً ما يشارك النّاس تلقائياً المعلومات التي وجدوها خلال بحثهم على وسائل التواصل الاجتماعي بعد القليل من التدقيق أو حتّى من دونه. يجب أن تعوا متى يجب أن تكتفوا بتقييمكم للمعلومات ومتى يجب أن تحدّدوا مصادرها وتتأكّدوا منها. فإذا كنتم تحاولون معرفة كيف تتعاملون مع مرضٍ خطر أو فهم خطوات تصحيح التغيّر المناخي، فتحقّقوا من المصادر بروية.

* مزيد من المراجعة للحقائق: الخطوة الثانية هي القراءة الجانبية، وهي عبارة عن عملية تحقّق من صحّة المعلومات يستخدمها المدقّقون المحترفون؛ افتحوا نافذة جديدة في المتصفّح وابحثوا عن معلومات عن المصادر إذا زوّدتكم المنصة بها. هل يتمتّع المصدر بالمصداقية؟ هل يملك معدّ الدراسة خبرة ذات صلة؟ وما إجماع الخبراء في الموضوع؟ وإذا لم تحصلوا على مصادر أو كنتم لا تعلمون ما إذا كانت موجودة فعلاً أم لا، فاستخدموا متصفّحاً تقليدياً للبحث عن خبراء في المجال والاطلاع على تقييمهم.

* تقييم الأدلّة: بعدها، اطّلعوا على الأدلّة وصلتها بالادّعاء. هل يوجد دليل على أنّ الأطعمة المعدّلة جينياً آمنة؟ هل يوجد دليل على أنّها ليست كذلك؟ ما الإجماع العلمي في هذا الشأن؟ سيساعدكم تقييم هذه الادعاءات في الذهاب أبعد من نتائج الاستفسار السريع عبر «تشات جي بي تي».

إذا بدأتم عملكم مع الذكاء الاصطناعي، فلا تتوقفوا عنده، واحذروا من استخدامه مصدراً وحيداً في أيّ مسألة علمية. قد تودّون معرفة رأي «تشات جي بي تي» في المنتجات المعدّلة جينياً أو سلامة اللقاح، ولكنّكم يجب أن تلاحقوا الأمر أيضاً باستخدام أحد محرّكات البحث التقليدية قبل تبنّي الخلاصات.

* تقييم المعقولية: احكموا على ما إذا كان الادعاء معقولاً. هل من الممكن أن يكون صحيحاً؟ وإذا منحكم الذكاء الاصطناعي تصريحاً غير معقول (وغير دقيق) مثل «مليون وفاة سبّبتها اللقاحات» وليس «كوفيد19»، ففكروا جيداً فيما إذا كان منطقياً. ابدأوا بحكمٍ مؤقّت، وأبدوا استعداداً للمراجعة بعد التحقّق من الأدلّة.

* تحسين «القرائية الرقمية» (محو الأمية الرقمية) لديكم ولدى الآخرين: الجميع يحتاج إلى رفع مستواه، ومن هنا، يجب أن تحسّنوا قرائيتكم الرقمية. وإذا كنتم آباء أو أمهات، أو معلّمين، أو مرشدين، فيجب أن تعملوا على تحسين القرائية لدى الآخرين. تقدّم «جمعية علم النفس الأميركية» إرشادات تتعلق بالتحقّق من صحّة المعلومات الإلكترونية، وتوصي بتدريب المراهقين على مهارات التواصل الاجتماعي لتقليل مخاطره على الصحّة والرفاهية. يقدّم «مشروع القرائية الجديد» أدوات فعالة لتحسين ودعم القرائية الرقمية.

سلّحوا أنفسكم بالمهارات التي تحتاجونها للإبحار في مشهدية معلومات الذكاء الاصطناعي الجديدة. وإذا كنتم لا تستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي، فلا بدّ من أنّكم قرأتم مقالات من إنتاجه وتطويره. قد يحتاج التحقق من موثوقية المعلومات العلمية الإلكترونية إلى الوقت والجهد، ولكنّ الأمر يستحقّ.

* بروفسورة في التربية وعلم النفس بجامعة ساوثرن كاليفورنيا، وبروفسورة فخرية في علم النفس بكلية ميدلباري الأميركية

*«فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»



روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»