مرضى ارتفاع ضغط الدم لا يلتزمون ممارسات الوقاية من السكتة الدماغية

ثلثهم فقط يتَّبعونها رغم اقتناع أغلبيتهم بضرورتها

الحفاظ على ضغط دم طبيعي يقلل من مخاطر السكتة الدماغية
الحفاظ على ضغط دم طبيعي يقلل من مخاطر السكتة الدماغية
TT

مرضى ارتفاع ضغط الدم لا يلتزمون ممارسات الوقاية من السكتة الدماغية

الحفاظ على ضغط دم طبيعي يقلل من مخاطر السكتة الدماغية
الحفاظ على ضغط دم طبيعي يقلل من مخاطر السكتة الدماغية

ارتفاع ضغط الدم من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً، ومن أبرز عوامل الخطر المؤدية إلى السكتة الدماغية التي تُعد أحد الأسباب الرئيسية للوفاة والإعاقة حول العالم. ورغم التقدم في وسائل التشخيص والعلاج، فلا تزال الوقاية من مضاعفات هذا المرض تمثل تحدياً صحياً يتجاوز توفير الأدوية والخدمات الطبية، ليشمل وعي المريض وسلوكه اليومي ومدى التزامه بالإجراءات الوقائية.

قد يدرك مريض ارتفاع ضغط الدم أهمية الالتزام بالعلاج، ومراقبة ضغطه بانتظام، وممارسة النشاط البدني، والحفاظ على وزن صحي، ولكنه قد يجد صعوبة في تحويل هذه المعرفة إلى سلوك يومي مستمر. وهنا يبرز السؤال: ما الذي يحُول بين معرفة المريض بوسائل الوقاية من السكتة الدماغية والتزامه الفعلي بها؟

وقد لفتت الانتباه دراسة علمية حديثة تناولت هذه القضية من زاوية مختلفة؛ إذ لم تكتفِ بقياس معرفة مرضى ارتفاع ضغط الدم بالسكتة الدماغية؛ بل بحثت أيضاً في قناعاتهم وممارساتهم المتعلقة بالوقاية منها. وتكتسب الدراسة أهمية خاصة في سياقنا العربي؛ إذ أُجريت في مصر، أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان، وشملت 700 مريض في 12 محافظة، ما يجعلها نموذجاً ميدانياً مهماً لفهم الفجوة بين المعرفة والسلوك الوقائي.

وللوقوف على أبرز نتائج الدراسة ودلالاتها الصحية، تواصلت «صحتك» مع الدكتور عبد الله عباس، الباحث في مجال طب المخ والأعصاب بكلية طب الأزهر بدمياط، وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة المنشورة عام 2026 في دورية «Scientific Reports» العلمية، التابعة لمجموعة «Nature Portfolio»، لمناقشة ما تكشفه النتائج عن سلوك المرضى، والعوامل التي تعوق الوقاية الفعالة من السكتة الدماغية.

الدكتور عبد الله عباس

دراسة علمية

لماذا مرضى ارتفاع ضغط الدم تحديداً؟ يوضح الدكتور عبد الله عباس أن الدافع وراء إجراء الدراسة كان الحاجة إلى فهم مدى معرفة مرضى ارتفاع ضغط الدم بالسكتة الدماغية، واتجاهاتهم نحو الوقاية منها، ومدى انعكاس ذلك على ممارساتهم اليومية. ويقول: «معظم الدراسات السابقة تناولت وعي عامة الناس بالسكتة الدماغية، أو معرفة المرضى بها بعد الإصابة، بينما لم تتوفر صورة واضحة عن معرفة مرضى ارتفاع ضغط الدم أنفسهم، رغم أنهم من الفئات الأكثر عرضة لخطر الإصابة».

ولذلك حرص الفريق البحثي على ألا يقتصر التقييم على المعلومات التي يمتلكها المرضى؛ بل أن يشمل أيضاً قناعاتهم وسلوكياتهم الوقائية، بهدف تحديد مواضع الخلل التي قد تحول دون ترجمة الوعي الصحي إلى ممارسات فعلية.

وكشفت الدراسة عن مفارقة لافتة بين ما يعرفه مرضى ارتفاع ضغط الدم عن السكتة الدماغية وما يطبقونه فعلياً للوقاية منها، فقد أظهرت النتائج أن 67.9 في المائة من المشاركين يمتلكون مستوى كافياً من المعرفة، وأن 83 في المائة لديهم اتجاهات إيجابية نحو الوقاية، ولكن نسبة الذين حققوا مستوى كافياً من الممارسات الوقائية لم تتجاوز 33.7 في المائة.

وتشير هذه النتائج إلى أن امتلاك المعلومات الصحية والاقتناع بأهمية الوقاية لا يضمنان بالضرورة الالتزام بالسلوكيات المطلوبة. فعلى سبيل المثال، أفاد 33.7 في المائة بأنهم يقيسون ضغطهم دائماً، بينما بلغت نسبة الذين أفادوا بممارسة الرياضة بانتظام 13.1 في المائة فقط.

وفي المقابل، أظهرت الدراسة أن معظم المشاركين كانوا على دراية ببعض العلامات التحذيرية للسكتة الدماغية، مثل ضعف أحد جانبي الجسم أو اضطراب الكلام المفاجئ، وإن تفاوتت معرفتهم ببقية الأعراض والمضاعفات.

ويعلِّق الدكتور عبد الله عباس على هذه المفارقة موضحاً أن الاستجابة لحالة طارئة قد تتطلب قراراً واحداً، بينما تحتاج الوقاية إلى التزام متكرر يمتد سنوات. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إيصال المعلومات الصحية إلى المرضى فحسب؛ بل في مساعدتهم على تحويلها إلى عادات يومية مستمرة.

فروق في المعرفة والممارسة

• فروق جغرافية: لم تكن مستويات المعرفة والممارسات الوقائية متساوية بين المشاركين في الدراسة؛ فقد ظهرت فروق لافتة حسب المنطقة الجغرافية والمستوى التعليمي. وأظهرت النتائج أن المشاركين من محافظات الوجه البحري والمناطق الحضرية كانوا أكثر أرجحية لتحقيق مستوى كافٍ من المعرفة بالسكتة الدماغية، مقارنة بالمشاركين من الوجه القبلي.

لكن هذه الفروق في المعرفة لم تنعكس بالضرورة على السلوك الوقائي؛ إذ لم يظهر فرق ذو دلالة إحصائية في مستوى الممارسات بين الوجه البحري والوجه القبلي، بينما كان المشاركون من المحافظات الحضرية أكثر أرجحية لتحقيق مستوى كافٍ من الممارسة الوقائية.

ويشير الدكتور عبد الله عباس إلى أن هذه النتيجة تكشف جانباً مهماً من المشكلة؛ فارتفاع مستوى المعرفة لا يكفي وحده لضمان الالتزام بالسلوكيات الصحية، وأن الحاجة إلى دعم الممارسات الوقائية لا تقتصر على منطقة بعينها.

كما ارتبط ارتفاع المستوى التعليمي، وسماع المريض سابقاً عن السكتة الدماغية، بتحسن المعرفة بها. وارتبط انتظام السيطرة على ضغط الدم باتجاهات أكثر إيجابية وممارسات وقائية أفضل.ومع ذلك، يؤكد الباحث ضرورة الحذر عند تفسير هذه العلاقات؛ فالدراسة مقطعية، وتكشف عن ارتباطات بين العوامل المختلفة، ولكنها لا تثبت أن أحدها تسبب في الآخر.

• لماذا لا تتحول المعرفة إلى سلوك؟ تشير نتائج الدراسة إلى أن العلاقة بين المعرفة والممارسات الوقائية كانت ضعيفة نسبياً، بينما ظهر ارتباط أقوى بين الاتجاهات الإيجابية نحو الوقاية والممارسة الفعلية. وهذا يعني أن معرفة المريض بعوامل خطر السكتة الدماغية ووسائل الوقاية منها لا تكفي وحدها لضمان التزامه بها.

ويوضح الدكتور عبد الله عباس أن الاقتناع الشخصي بأهمية الوقاية يمثل عاملاً مهماً في تغيير السلوك؛ فهناك فرق بين أن يعرف المريض أن النشاط البدني مفيد لصحته، وأن يدرك أنه معرض شخصياً لخطر السكتة الدماغية، وأن بإمكانه الحد من هذا الخطر باتباع عادات صحية منتظمة.

ويمكن فهم هذه العلاقة في ضوء ما يُعرف بـ«نموذج الاعتقاد الصحي» (Health Belief Model)، الذي يفسر السلوك الوقائي من خلال مجموعة عوامل، أبرزها إدراك الفرد لاحتمال إصابته بالمرض وخطورته، واقتناعه بفوائد الوقاية، والعوائق التي قد تحول دون تطبيقها.

غير أن هذه العوائق لا تتعلق بالقناعة وحدها؛ فقد يواجه المريض صعوبات عملية، مثل عدم توفر جهاز لقياس الضغط في المنزل، أو غياب مكان مناسب للمشي، أو صعوبة الحصول على متابعة طبية منتظمة. ولذلك، فإن تحسين المعرفة الصحية ينبغي أن يصاحبه دعم عملي يساعد المرضى على تحويل ما يعرفونه إلى سلوك يومي مستمر.

مقترحات الدراسة

في ضوء هذه النتائج، يدعو الباحثون إلى تطوير برامج الوقاية من السكتة الدماغية، بحيث لا تقتصر على نشر المعلومات الصحية؛ بل تساعد المرضى على تحويلها إلى ممارسات يومية قابلة للاستمرار.

ويوضح الدكتور عبد الله عباس أن زيارات المتابعة الدورية لمرضى ارتفاع ضغط الدم تمثل فرصة مهمة لتقديم المشورة الوقائية، ومناقشة العوائق التي تواجه كل مريض، ووضع أهداف واقعية تتناسب مع حالته الصحية وظروفه المعيشية، بدلاً من الاكتفاء بالنصائح العامة.

ومن المهم هنا التمييز بين نقص المعرفة وصعوبة تطبيقها؛ فالمريض الذي لا يدرك خطورة ارتفاع ضغط الدم يحتاج إلى التثقيف الصحي، بينما يحتاج المريض الذي يعرف المخاطر لكنه لا يلتزم بالممارسات الوقائية إلى فهم العوائق التي تحول دون تطبيقها، والعمل على تذليلها. وتؤكد الدراسة أهمية استكشاف هذه العوائق بصورة أعمق في بحوث لاحقة.

كما يؤكد الباحث أهمية تدريب العاملين الصحيين على أساليب المشورة التي تشجع المريض على المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بصحته، وتعزز قدرته على الالتزام بالعلاج ومراقبة ضغط الدم وممارسة النشاط البدني. ويمكن أن تشمل هذه المشورة الاتفاق مع المريض على أهداف محددة، ومراجعة قراءات الضغط المسجلة، ومناقشة ما تحقق من تقدم في الزيارات اللاحقة.

وتشير الدراسة إلى ضرورة مراعاة الاختلافات الاجتماعية والجغرافية عند تصميم برامج التوعية والوقاية، مع تعزيز دور الرعاية الصحية الأولية والعاملين الصحيين المجتمعيين؛ خصوصاً في المناطق التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات الصحية.

ومن المفيد كذلك ألا يُقاس نجاح برامج التوعية بمقدار المعلومات التي يكتسبها المرضى فحسب؛ بل أن يشمل تقييمها مدى انعكاس تلك المعلومات على ممارساتهم الوقائية الفعلية. فالمؤشر الأهم ليس ما يتذكره المريض من معلومات، وإنما ما يستطيع تطبيقه والاستمرار عليه.

ويخلص الباحث إلى أن الوقاية الفعالة تتطلب شراكة بين المريض والفريق الطبي والمنظومة الصحية؛ فالمعرفة تضع الأساس، ولكن الدعم والمتابعة وتذليل العوائق هي ما تساعد على تحويلها إلى سلوك مستمر.

وأخيراً، نشير إلى أن أهمية هذه الدراسة لا تقتصر على ما كشفته من تفاوت بين المعرفة والممارسات الوقائية لدى مرضى ارتفاع ضغط الدم في مصر؛ بل تمتد إلى إثارة سؤال يهم ملايين المرضى في مجتمعاتنا العربية: هل نكتفي بمعرفة ما يحمي صحتنا، أم نحوِّل هذه المعرفة إلى عادات يومية؟ فارتفاع ضغط الدم قد يستمر سنوات دون أعراض واضحة، بينما تتراكم آثاره على الأوعية الدموية والقلب والدماغ. ولذلك، فإن الشعور بالعافية لا يعني بالضرورة أن ضغط الدم تحت السيطرة، كما أن تناول الدواء وحده لا يغني عن المتابعة المنتظمة والالتزام بنمط حياة صحي.

وتبدأ الوقاية بخطوات بسيطة؛ لكنها مؤثرة: قياس ضغط الدم وفق إرشادات الطبيب، وتسجيل القراءات، والانتظام في تناول العلاج الموصوف دون إيقافه أو تعديل جرعاته من تلقاء النفس، وتقليل الملح في الطعام، وممارسة النشاط البدني المناسب للحالة الصحية، والمحافظة على وزن صحي، والامتناع عن التدخين.

كما ينبغي معرفة العلامات التحذيرية للسكتة الدماغية، مثل الضعف المفاجئ في أحد جانبي الجسم، أو اضطراب الكلام، وطلب الإسعاف فور ظهورها، حتى لو اختفت الأعراض بعد دقائق.

وتبقى الرسالة الأهم أن الوقاية ليست قراراً يُتخذ مرة واحدة؛ بل ممارسة تتجدد كل يوم. وربما يكون السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل مريض على نفسه اليوم: «متى كانت آخر مرة قِستُ فيها ضغطي؛ لا لأني أشعر بشيء؛ بل لأنها عادة؟».

* استشاري طب المجتمع

رابط الدراسة الإلكتروني:

https://www.nature.com/articles/s41598-026-61467-w

 


مقالات ذات صلة

نقص التستوستيرون... إعادة صياغة العلاج بالبدائل الهرمونية

صحتك ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)

نقص التستوستيرون... إعادة صياغة العلاج بالبدائل الهرمونية

كشفت دراسة، عن أن الرجال الذين يستخدمون علاج التستوستيرون دون تشخيص طبي مؤكد لنقص الهرمون يواجهون مخاطر أعلى بكثير للإصابة بمضاعفات صحية خطيرة

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك «مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

أشارت دراسة حديثة، إلى أن مقارنة المراهق نفسه بالآخرين على منصات التواصل الاجتماعي ترتبط ارتباطاً أقوى بأعراض القلق والاكتئاب، مقارنة باستخدام هذه المنصات

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك تشير أبحاث إلى أن بعض البكتيريا داخل الأورام قد تساعد الخلايا السرطانية على مقاومة العلاج (توضيحية - بيكسلز)

بكتيريا خفية داخل الأورام... كيف تجعل السرطان أصعب علاجاً؟

تكشف أبحاث حديثة عن أن بكتيريا داخل بعض الأورام قد تعطّل الأدوية وتضعف المناعة؛ مما يساعد السرطان على مقاومة العلاج، ويفتح مسارات بحثية جديدة لتحسين الاستجابة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك وجود الكلب في الأسرة لا يعني أن الطفل يستطيع التعامل معه بلا إشراف

ماذا تقول الدراسات الطبية عن فوائد اقتناء الكلاب؟

وجودها في حياة الإنسان يتحول صمام أمان حقيقياً لصحته النفسية والجسدية

د. عبير مبارك (الرياض)
صحتك تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونةً في الشتاء (بيكسلز)

لماذا يزداد جفاف اليدين في فصل الشتاء؟

مع حلول فصل الشتاء، يلاحظ كثيرون تغيراً واضحاً في مظهر أيديهم، إذ تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونة، وتظهر عليها خطوط دقيقة وتشققات، خصوصاً حول مفاصل الأصابع.

«الشرق الأوسط» (لندن)

نقص التستوستيرون... إعادة صياغة العلاج بالبدائل الهرمونية

ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)
ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)
TT

نقص التستوستيرون... إعادة صياغة العلاج بالبدائل الهرمونية

ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)
ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)

كشفت دراسة عالمية ضخمة نُشرت في عدد أغسطس (آب) 2026 من مجلة eBioMedicine، عن أن الرجال الذين يستخدمون علاج التستوستيرون دون تشخيص طبي مؤكد لنقص الهرمون (قصور الغدد التناسلية) يواجهون مخاطر أعلى بكثير للإصابة بمضاعفات صحية خطيرة، وذلك مقارنة بالذين يستخدمونه لعلاج نقص حقيقي لديهم في هذا الهرمون.

هرمون التستوستيرون

وخلال فترة متابعة امتدت لـ10 سنوات وشملت ما يقرب من 359 ألف رجل (تتراوح أعمارهم بين 30 و75 عاماً)، تبين أن الرجال الذين تناولوا التستوستيرون دون وجود قصور في الغدد التناسلية واجهوا خطراً أعلى بنسبة 50 في المائة للإصابة بمشكلات خطيرة في القلب، مثل النوبات القلبية، السكتات الدماغية، والتوقف المفاجئ للقلب. كما كانوا أكثر عرضة للوفاة لأي سبب بمقدار الضعف، مقارنة بالرجال الذين يعالجون نقصاً موثقاً بوجود نقص فعلي في الهرمون لديهم.

وشملت الدراسة تحليل السجلات الصحية عبر 123 منظمة رعاية صحية حول العالم، وأظهرت أن نحو ثلث الرجال الذين يتناولون الهرمون ليس لديهم دليل طبي على إصابتهم بالقصور في مستوى هذا الهرمون. وحث الباحثون على ضرورة الخضوع لتقييم إكلينيكي كامل قبل بدء العلاج بهذا الهرمون الذكوري. لأن الاستخدام غير السليم يرتبط أيضاً بمخاطر أخرى، مثل ارتفاع عدد خلايا الدم الحمراء؛ ما قد يتسبب في حدوث جلطات دم خطيرة في أوردة الساقين والرئتين.

وفتحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية السجلات البحثية في أكتوبر(تشرين الأول) الماضي لاستقبال المراجعات العلمية بهدف صياغة المسار الإكلينيكي لاعتماد مستحضرات تستوستيرون مخصصة للنساء؛ وذلك لعلاج اضطراب الرغبة الجنسية الخاملة HSDD، وباهتمام مخصوص لبناءً على معايير الأمان القلبية.

ينخفض مستوى هرمون التستوستيرون لدى الرجل بنحو 1.6 % سنوياً بدءاً من منتصف الثلاثين من عمره

من جانبها، حدّثت جمعية الغدد الصماء الدولية بروتوكول الأمان في وصف هرمون التستوستيرون، بدءاً من الشهر نفسه. وشدد الدليل الإكلينيكي المطبق هذا الشهر على منع الوصفات العشوائية للتستوستيرون؛ حيث أظهرت مراجعاتهم الإحصائية أن 12 في المائة فقط من الرجال يحصلون على تشخيص سليم ومطابق للإرشادات قبل كتابة الوصفة الطبية الأولى لهم. ودعت الجمعية الأطباء إلى ضرورة إجراء فحصين صباحيين منفصلين في حالة الصيام شرط أن يقل الهرمون عن عتبة 300 ng/dL لتفادي مخاطر تخثر الدم والانصمام الرئوي (جلطة الشرايين الرئوية) الناتجة من سوء الاستخدام.

وفي عمق الفسيولوجيا البشرية، يتربع هرمون التستوستيرون (Testosterone) كـ«مايسترو» غير متوج لجسد الرجل وعقله. ولقرون طويلة، ارتبط هذا الهرمون في المخيلة الفلوكلورية والإكلينيكية بالقوة البدنية، والخصوبة، والخصائص الذكورية الظاهرة فقط. إلا أن الأبحاث الطبية المتقدمة صاغت لنا مؤخراً مفهوماً مغايراً تماماً؛ فالإستروجين ليس وحده هرمون الحياة المتكاملة، بل إن التستوستيرون يُمثل «الوقود الحيوي» الذي ينظم عمل الشرايين، ويحمي متانة العظام، ويضبط وتيرة التمثيل الغذائي، بل ويعيد تشكيل كيمياء الدماغ للحفاظ على المزاج والإدراك والتركيز.

ومع تقدم الرجال في العمر، يواجه الكثير منهم انخفاضاً تدريجياً وصامتاً في مستويات هذا الهرمون، وهي الحالة التي باتت تُعرف طبياً بـ قصور الغدد التناسلية المتأخر Late-Onset Hypogonadism، أو ما يُطلق عليه مجازاً «سن اليأس الذكوري» Andropause.

وبينما كان العلاج التعويضي بالتستوستيرون TRT محاطاً لسنوات طويلة بهالة من المخاوف والتحذيرات المتعلقة بالقلب والأورام، صححت البيانات العلمية المحققة جوانب من هذا الأمر، حيث شهدت السنوات القليلة الماضية إعادة صياغة كاملة لبروتوكولات العلاج بالبدائل الهرمونية للتستوستيرون بعد صدور نتائج دراسات الأمان الإكلينيكية الكبرى.

أحدث التوجيهات الطبية

وتتلخص التوجيهات الطبية الأحدث فيما يلي:

1. حسم الجدل حول أمان القلب والأوعية الدموية. لسنوات، ظلت هناك مخاوف من أن تعويض التستوستيرون قد يزيد من خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية. إلا أن الوضوح الطبي الأكبر جاء مع إعلان نتائج دراسة «ترافيرس» السريرية TRAVERSE Trial المشهورة، حيث أثبتت بالأدلة القاطعة أن العلاج التعويضي المنضبط والمدروس للتستوستيرون لدى الرجال الذين يعانون قصوراً حقيقياً في مستوى هذا الهرمون، لا يرفع مطلقاً مخاطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين مقارنة بالدواء الوهمي؛ ما أزال عقبة الخوف التاريخية أمام الأطباء والمرضى.

2. الخيارات العلاجية المتنوعة وتخصيص الجرعات. لم تعد الخيارات مقتصرة على الحقن المؤلمة؛ بل تتيح الإرشادات الحالية مجموعة علاجية تلاءم النمط الحياتي لكل مريض:

- الهلام الموضعي Testosterone Gels. يُدهَن يومياً على الكتفين أو الذراعين، ويوفر مستويات هرمونية مستقرة وثابتة في الدم دون تذبذب، ولكنه يتطلب حذراً شديداً لمنع ملامسة مكان الدهن للأطفال أو النساء.

- الحقن طويلة المفعول (مثل تستوستيرون أنديكانوات): تُعطى في العضل كل 10 إلى 14 أسبوعاً؛ ما يمنح المريض راحة ممتدة من الوخز المتكرر.

- الحقن قصيرة المفعول (مثل إنانثات أو سيبيونات): تُعطى كل أسبوع أو أسبوعين، وتتميز بقدرة الطبيب على التحكم في جرعتها وتعديلها سريعاً، وإن كانت تسبب أحياناً تذبذباً في المزاج والطاقة يُعرف بـ«تأثير الأفعوانية» Rollercoaster effect.

- الحلول الحديثة: مثل الكبسولات الفموية المطورة الذائبة في الليمفاوية لتقليل الضغط على الكبد، واللاصقات الجلدية، وبخاخات الأنف.

3. الحفاظ على الخصوبة عند الشباب. من الأخطاء الطبية الشائعة إعطاء التستوستيرون الخارجي لشاب يعاني نقص الهرمون ويرغب في الإنجاب. والسبب، أن التستوستيرون الخارجي يرسل إشارة سالبة للدماغ، تؤدي إلى إيقاف إنتاج الحيوانات المنوية تماماً داخل الخصية وتسبب العقم المؤقت أو الدائم. وتشدد التوجيهات الطبية الحديثة على استخدام البدائل المحفزة للخصية ذاتياً في هذه الفئة، مثل الكلوميفين Clomiphene Citrate أو حقن الموجهة الغدد التناسلية المشيمائية hCG، والتي ترفع التستوستيرون مع الحفاظ الكامل على كفاءة الخصية وإنتاج الحيوانات المنوية.

هرمون التستوستيرون «وقود حيوي» ينظم عمل الشرايين ويحمي متانة العظام ويضبط وتيرة التمثيل الغذائي

الأدوار الخفية للتستوستيرون... معاناة صامتة

يُفرز التستوستيرون بشكل رئيسي من الخلايا البينية (خلايا ليديج) في الخصيتين تحت توجيه دقيق من الغدة النخامية ومنطقة المهاد في الدماغ. ورغم شهرته الواسعة في تحفيز الكتلة العضلية والقدرة الجنسية، يمتلك الهرمون تأثيرات جهازية مذهلة، تشمل:

- صحة الهيكل العظمي: يعمل التستوستيرون على تحفيز الخلايا البانية للعظام (Osteoblasts). ويؤدي نقصه الحاد إلى إصابة الرجال بهشاشة عظام صامتة وقابلة للكسر السريع.

- التمثيل الغذائي وحساسية الإنسولين: يلعب الهرمون دوراً محورياً في توزيع الدهون في الجسم؛ حيث يمنع تراكم الدهون الحشوية (سمنة البطن) ويعزز من حساسية الخلايا للإنسولين؛ ما يجعله خط دفاع أول ضد متلازمة التمثيل الغذائي ومرض السكري من النوع الثاني.

- الإنتاج الدموي: يحفز التستوستيرون الكليتين على إفراز هرمون الإريثروبويتين (Erythropoietin)، المسؤول عن حث نخاع العظم على إنتاج خلايا الدم الحمراء، وبذلك يحمي الرجل من الأنيميا المزمنة.

- المرونة النفسية والذهنية: توجد مستقبلات التستوستيرون بكثافة في مناطق الدماغ المسؤولة عن الذاكرة والمزاج (مثل الحصين). لذا؛ يُعدّ الهرمون مسؤولاً مباشراً عن مستويات الطاقة اليومية، والدافعية، والوقاية من الاكتئاب وضبابية التفكير.

ولنقص التستوستيرون لدى الرجل قصة ذات سرد مختلف؛ إذْ على عكس انقطاع الطمث المفاجئ لدى النساء، ينخفض التستوستيرون لدى الرجال ببطء وبمعدل يتراوح بين 1 في المائة و2 في المائة سنوياً بعد سن الثلاثين. وتظهر أعراض النقص في صورة متلازمة إكلينيكية معقدة تشمل:

- تراجع حاد في الرغبة الجنسية وضعف الانتصاب (خاصة غياب الانتصاب الصباحي التلقائي).

- الإرهاق المزمن، الخمول، وفقدان الشغف والدافعية للعمل أو ممارسة الأنشطة اليومية.

- خسارة الكتلة العضلية والقوة البدنية مقابل زيادة تصاعدية في نسب دهون الجسم.

- تقلبات مزاجية، سرعة الاستثارة، واضطرابات النوم والأرق المزعج.

- تثدي الرجل Gynecomastia الناتج من خلل التوازن بين التستوستيرون والإستروجين.


«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية
TT

«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

أشارت دراسة حديثة لباحثين من معهد كارولينسكا في السويد والمعهد النرويجي للصحة العامة، ونُشرت في مجلة الطب النفسي والصحة النفسية للأطفال والمراهقين Child and Adolescent Psychiatry and Mental Health في النصف الثاني من شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الحالي، إلى أن مقارنة المراهق نفسه بالآخرين على منصات التواصل الاجتماعي ترتبط ارتباطاً أقوى بأعراض القلق والاكتئاب، مقارنة باستخدام هذه المنصات لمجرد تمضية الوقت.

سلوكيات المراهقين الرقمية

على الرغم من أن الأبحاث السابقة حول وسائل التواصل الاجتماعي ركزت في الأغلب على إجمالي الوقت الذي يقضيه المراهقون على هذه المنصات، فإنها لم تدرس مدى ارتباط سلوكيات المراهقين وتجاربهم بالصحة النفسية بالشكل الكافي، بمعنى أن المراهق يمكن أن يقضي وقتاً قصيراً نسبياً على وسائل التواصل، ولكنه يصاب بالاكتئاب والقلق بسبب سلوكيات معينة، والعكس صحيح أيضاً؛ إذ يمكن أن تُحسن وسائل التواصل من حالته النفسية.

في الدراسة الحالية، ركز الباحثون بشكل أساسي على طبيعة السلوك الذي يمارسه كل مراهق على وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال فحص خمسة جوانب رئيسية لاستخدام وسائل التواصل، وهي: المقارنة الاجتماعية، وتمضية الوقت، وطلب الدعم، والتعرض للسلوك العدائي من الآخرين، وممارسة السلوك العدائي تجاه الآخرين.

استخدم الباحثون بيانات أُخذت من دراسة مسحية سابقة أُجريت خلال خريف عام 2025، وشملت ما يزيد على 4 آلاف مراهق من 21 مدرسة إعدادية في النرويج، وبلغ متوسط أعمارهم 14 عاماً، وكانت نسبة الذكور مساوية تقريباً لنسبة الإناث، حيث جرى تقييم لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. كما أجاب المراهقون عن أسئلة تتعلق بأعراض الاكتئاب والقلق الاجتماعي، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط ADHD واضطراب الرهاب الاجتماعي. وصُممت هذه الأسئلة لقياس الأعراض، لا لتشخيص حالات طبية محددة.

ثبَّت العلماء جميع العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتيجة النهائية، مثل الجنس والعمر وعدد الساعات الإجمالية التي يقضيها كل طالب على الإنترنت، بجانب الخلفية الاجتماعية والتاريخ المرضي للإصابة بأي أمراض نفسية وحالة الأسرة الاقتصادية ومستوى تعليم الوالدين، وكذلك العوامل البيئية سواء داخل المنزل، مثل التعرض للعنف الجسدي أو اللفظي، أو البيئة الخارجية، مثل التعرض للتنمر والفشل الدراسي. ووجد الباحثون أن المراهقين يقضون جزءاً من وقتهم على مواقع التواصل الاجتماعي في تحديث ملفاتهم الشخصية ونشر المحتوى، لكنهم يقضون الجزء الأكبر من وقتهم في تصفح ملفات وصور أقرانهم؛ ما يؤدي إلى إجراء مقارنات مستمرة؛ وهو ما يجعل المقارنة الاجتماعية ظاهرة أخطر بكثير من توقع الآباء.

مقارنة النفس وأعراض القلق

أظهرت النتائج أن تمضية الوقت عند الشعور بالملل، كانت السبب الأكثر شيوعاً لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين، لكنها في الوقت نفسه أظهرت ارتباطاً ضعيفاً بأعراض الاكتئاب والقلق، وفي المقابل كانت (مقارنة المراهق نفسه بالآخرين) شائعة أيضاً، لكنها أظهرت ارتباطاً أقوى بكثير مع أعراض القلق الاجتماعي والاكتئاب.

أوضحت النتائج أيضاً أن التعرض للسلوك العدائي من الآخرين مثل التنمر والسخرية، رغم ارتباطه بشكل واضح بظهور أعراض الاكتئاب والقلق، فإن هذا الارتباط في المجمل كان أقل حدة من الاكتئاب المرتبط بـمقارنة المراهق نفسه بالآخرين، وكانت هذه النتائج متماثلة في الفتيات والفتيان.

وأوضح الباحثون أن مقارنة المرء نفسه بالآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي قد تؤدي إلى نشوء أفكار سلبية متكررة حول الذات، وتزيد من شعوره بافتقاده لما يمتلكه الآخرون؛ ما ينعكس بالسلب على حالته النفسية ويصيبه بالاكتئاب.

وتكمن مشكلة المقارنة الاجتماعية في أنها تدخل المراهق في دائرة مفرغة، بمعنى أن المقارنة تؤدي إلى الإصابة بالقلق والاكتئاب وتراجع الحالة النفسية، وهذه الأعراض تدفع المراهق إلى إجراء المزيد من المقارنات الاجتماعية مما يضاعف من اكتئابه.

ونصحت الدراسة بضرورة التعامل مع ظاهرة المقارنة الرقمية بشكل إيجابي للتغلب على آثارها السلبية على الصحة النفسية، بمعنى أن مقارنة الذات بالآخرين يمكن أن تكون مصدراً للإلهام والتحفيز بدلاً من الإحباط والاكتئاب، وعلى سبيل المثال يمكن أن تدفع هذه المقارنات المراهقين إلى بذل جهد أكبر والتحسن في مجال معين مثل المجال الدراسي أو التفوق الرياضي، حتى يصبح في نفس مستوى الأقران الذين يقارن نفسه بهم.

وأوضح الباحثون أن أثر المقارنة على المراهق بالسلب أو الإيجاب يكون تبعاً لنوعها، حيث يوجد نوعان للمقارنة الاجتماعية. النوع الأول وهو (المقارنة بالمستوى الأعلى) ويحدث عندما يقارن المراهق نفسه بآخرين يعتقد أنهم أفضل منه في جانب معين وغالباً ما يشعر بالنقص نتيجة لهذا النوع من المقارنة.

أما النوع الآخر، وهو (المقارنة بالمستوى الأقل)، فيحدث عندما يقارن المراهق نفسه بأقران يراهم في وضع أسوأ سواء على المستوى الاجتماعي أو الدراسي أو المواصفات الجسدية، وفي الأغلب تسهِم هذه المقارنة في تحسين شعوره تجاه وضعه وما يملكه من مهارات.

ولذلك؛ فإن بعض المقارنات تجعل المراهق يشعر بعدم الكفاءة وتقلل من سعيه نحو تحقيق هدف معين، في حين توجد مقارنات أخرى تمنحه الثقة وتعزز تقديره لذاته.

وأكدت الدراسة أن هذه النتائج تستدعي من الآباء والعاملين في المدارس والمتخصصين في الرعاية الصحية، الاهتمام بما يمارسه المراهقون على منصات التواصل الاجتماعي، وليس فقط للوقت الذي يقضونه عليها، ونصحت الآباء بضرورة إظهار الدعم النفسي غير المشروط لأبنائهم؛ حتى يسهِم في تخفيف حدة الضيق المرتبط بالمقارنات الاجتماعية.

* استشاري طب الأطفال


مرضى ارتفاع ضغط الدم لا يلتزمون ممارسات الوقاية من السكتة الدماغية

الحفاظ على ضغط دم طبيعي يقلل من مخاطر السكتة الدماغية
الحفاظ على ضغط دم طبيعي يقلل من مخاطر السكتة الدماغية
TT

مرضى ارتفاع ضغط الدم لا يلتزمون ممارسات الوقاية من السكتة الدماغية

الحفاظ على ضغط دم طبيعي يقلل من مخاطر السكتة الدماغية
الحفاظ على ضغط دم طبيعي يقلل من مخاطر السكتة الدماغية

ارتفاع ضغط الدم من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً، ومن أبرز عوامل الخطر المؤدية إلى السكتة الدماغية التي تُعد أحد الأسباب الرئيسية للوفاة والإعاقة حول العالم. ورغم التقدم في وسائل التشخيص والعلاج، فلا تزال الوقاية من مضاعفات هذا المرض تمثل تحدياً صحياً يتجاوز توفير الأدوية والخدمات الطبية، ليشمل وعي المريض وسلوكه اليومي ومدى التزامه بالإجراءات الوقائية.

قد يدرك مريض ارتفاع ضغط الدم أهمية الالتزام بالعلاج، ومراقبة ضغطه بانتظام، وممارسة النشاط البدني، والحفاظ على وزن صحي، ولكنه قد يجد صعوبة في تحويل هذه المعرفة إلى سلوك يومي مستمر. وهنا يبرز السؤال: ما الذي يحُول بين معرفة المريض بوسائل الوقاية من السكتة الدماغية والتزامه الفعلي بها؟

وقد لفتت الانتباه دراسة علمية حديثة تناولت هذه القضية من زاوية مختلفة؛ إذ لم تكتفِ بقياس معرفة مرضى ارتفاع ضغط الدم بالسكتة الدماغية؛ بل بحثت أيضاً في قناعاتهم وممارساتهم المتعلقة بالوقاية منها. وتكتسب الدراسة أهمية خاصة في سياقنا العربي؛ إذ أُجريت في مصر، أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان، وشملت 700 مريض في 12 محافظة، ما يجعلها نموذجاً ميدانياً مهماً لفهم الفجوة بين المعرفة والسلوك الوقائي.

وللوقوف على أبرز نتائج الدراسة ودلالاتها الصحية، تواصلت «صحتك» مع الدكتور عبد الله عباس، الباحث في مجال طب المخ والأعصاب بكلية طب الأزهر بدمياط، وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة المنشورة عام 2026 في دورية «Scientific Reports» العلمية، التابعة لمجموعة «Nature Portfolio»، لمناقشة ما تكشفه النتائج عن سلوك المرضى، والعوامل التي تعوق الوقاية الفعالة من السكتة الدماغية.

الدكتور عبد الله عباس

دراسة علمية

لماذا مرضى ارتفاع ضغط الدم تحديداً؟ يوضح الدكتور عبد الله عباس أن الدافع وراء إجراء الدراسة كان الحاجة إلى فهم مدى معرفة مرضى ارتفاع ضغط الدم بالسكتة الدماغية، واتجاهاتهم نحو الوقاية منها، ومدى انعكاس ذلك على ممارساتهم اليومية. ويقول: «معظم الدراسات السابقة تناولت وعي عامة الناس بالسكتة الدماغية، أو معرفة المرضى بها بعد الإصابة، بينما لم تتوفر صورة واضحة عن معرفة مرضى ارتفاع ضغط الدم أنفسهم، رغم أنهم من الفئات الأكثر عرضة لخطر الإصابة».

ولذلك حرص الفريق البحثي على ألا يقتصر التقييم على المعلومات التي يمتلكها المرضى؛ بل أن يشمل أيضاً قناعاتهم وسلوكياتهم الوقائية، بهدف تحديد مواضع الخلل التي قد تحول دون ترجمة الوعي الصحي إلى ممارسات فعلية.

وكشفت الدراسة عن مفارقة لافتة بين ما يعرفه مرضى ارتفاع ضغط الدم عن السكتة الدماغية وما يطبقونه فعلياً للوقاية منها، فقد أظهرت النتائج أن 67.9 في المائة من المشاركين يمتلكون مستوى كافياً من المعرفة، وأن 83 في المائة لديهم اتجاهات إيجابية نحو الوقاية، ولكن نسبة الذين حققوا مستوى كافياً من الممارسات الوقائية لم تتجاوز 33.7 في المائة.

وتشير هذه النتائج إلى أن امتلاك المعلومات الصحية والاقتناع بأهمية الوقاية لا يضمنان بالضرورة الالتزام بالسلوكيات المطلوبة. فعلى سبيل المثال، أفاد 33.7 في المائة بأنهم يقيسون ضغطهم دائماً، بينما بلغت نسبة الذين أفادوا بممارسة الرياضة بانتظام 13.1 في المائة فقط.

وفي المقابل، أظهرت الدراسة أن معظم المشاركين كانوا على دراية ببعض العلامات التحذيرية للسكتة الدماغية، مثل ضعف أحد جانبي الجسم أو اضطراب الكلام المفاجئ، وإن تفاوتت معرفتهم ببقية الأعراض والمضاعفات.

ويعلِّق الدكتور عبد الله عباس على هذه المفارقة موضحاً أن الاستجابة لحالة طارئة قد تتطلب قراراً واحداً، بينما تحتاج الوقاية إلى التزام متكرر يمتد سنوات. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إيصال المعلومات الصحية إلى المرضى فحسب؛ بل في مساعدتهم على تحويلها إلى عادات يومية مستمرة.

فروق في المعرفة والممارسة

• فروق جغرافية: لم تكن مستويات المعرفة والممارسات الوقائية متساوية بين المشاركين في الدراسة؛ فقد ظهرت فروق لافتة حسب المنطقة الجغرافية والمستوى التعليمي. وأظهرت النتائج أن المشاركين من محافظات الوجه البحري والمناطق الحضرية كانوا أكثر أرجحية لتحقيق مستوى كافٍ من المعرفة بالسكتة الدماغية، مقارنة بالمشاركين من الوجه القبلي.

لكن هذه الفروق في المعرفة لم تنعكس بالضرورة على السلوك الوقائي؛ إذ لم يظهر فرق ذو دلالة إحصائية في مستوى الممارسات بين الوجه البحري والوجه القبلي، بينما كان المشاركون من المحافظات الحضرية أكثر أرجحية لتحقيق مستوى كافٍ من الممارسة الوقائية.

ويشير الدكتور عبد الله عباس إلى أن هذه النتيجة تكشف جانباً مهماً من المشكلة؛ فارتفاع مستوى المعرفة لا يكفي وحده لضمان الالتزام بالسلوكيات الصحية، وأن الحاجة إلى دعم الممارسات الوقائية لا تقتصر على منطقة بعينها.

كما ارتبط ارتفاع المستوى التعليمي، وسماع المريض سابقاً عن السكتة الدماغية، بتحسن المعرفة بها. وارتبط انتظام السيطرة على ضغط الدم باتجاهات أكثر إيجابية وممارسات وقائية أفضل.ومع ذلك، يؤكد الباحث ضرورة الحذر عند تفسير هذه العلاقات؛ فالدراسة مقطعية، وتكشف عن ارتباطات بين العوامل المختلفة، ولكنها لا تثبت أن أحدها تسبب في الآخر.

• لماذا لا تتحول المعرفة إلى سلوك؟ تشير نتائج الدراسة إلى أن العلاقة بين المعرفة والممارسات الوقائية كانت ضعيفة نسبياً، بينما ظهر ارتباط أقوى بين الاتجاهات الإيجابية نحو الوقاية والممارسة الفعلية. وهذا يعني أن معرفة المريض بعوامل خطر السكتة الدماغية ووسائل الوقاية منها لا تكفي وحدها لضمان التزامه بها.

ويوضح الدكتور عبد الله عباس أن الاقتناع الشخصي بأهمية الوقاية يمثل عاملاً مهماً في تغيير السلوك؛ فهناك فرق بين أن يعرف المريض أن النشاط البدني مفيد لصحته، وأن يدرك أنه معرض شخصياً لخطر السكتة الدماغية، وأن بإمكانه الحد من هذا الخطر باتباع عادات صحية منتظمة.

ويمكن فهم هذه العلاقة في ضوء ما يُعرف بـ«نموذج الاعتقاد الصحي» (Health Belief Model)، الذي يفسر السلوك الوقائي من خلال مجموعة عوامل، أبرزها إدراك الفرد لاحتمال إصابته بالمرض وخطورته، واقتناعه بفوائد الوقاية، والعوائق التي قد تحول دون تطبيقها.

غير أن هذه العوائق لا تتعلق بالقناعة وحدها؛ فقد يواجه المريض صعوبات عملية، مثل عدم توفر جهاز لقياس الضغط في المنزل، أو غياب مكان مناسب للمشي، أو صعوبة الحصول على متابعة طبية منتظمة. ولذلك، فإن تحسين المعرفة الصحية ينبغي أن يصاحبه دعم عملي يساعد المرضى على تحويل ما يعرفونه إلى سلوك يومي مستمر.

مقترحات الدراسة

في ضوء هذه النتائج، يدعو الباحثون إلى تطوير برامج الوقاية من السكتة الدماغية، بحيث لا تقتصر على نشر المعلومات الصحية؛ بل تساعد المرضى على تحويلها إلى ممارسات يومية قابلة للاستمرار.

ويوضح الدكتور عبد الله عباس أن زيارات المتابعة الدورية لمرضى ارتفاع ضغط الدم تمثل فرصة مهمة لتقديم المشورة الوقائية، ومناقشة العوائق التي تواجه كل مريض، ووضع أهداف واقعية تتناسب مع حالته الصحية وظروفه المعيشية، بدلاً من الاكتفاء بالنصائح العامة.

ومن المهم هنا التمييز بين نقص المعرفة وصعوبة تطبيقها؛ فالمريض الذي لا يدرك خطورة ارتفاع ضغط الدم يحتاج إلى التثقيف الصحي، بينما يحتاج المريض الذي يعرف المخاطر لكنه لا يلتزم بالممارسات الوقائية إلى فهم العوائق التي تحول دون تطبيقها، والعمل على تذليلها. وتؤكد الدراسة أهمية استكشاف هذه العوائق بصورة أعمق في بحوث لاحقة.

كما يؤكد الباحث أهمية تدريب العاملين الصحيين على أساليب المشورة التي تشجع المريض على المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بصحته، وتعزز قدرته على الالتزام بالعلاج ومراقبة ضغط الدم وممارسة النشاط البدني. ويمكن أن تشمل هذه المشورة الاتفاق مع المريض على أهداف محددة، ومراجعة قراءات الضغط المسجلة، ومناقشة ما تحقق من تقدم في الزيارات اللاحقة.

وتشير الدراسة إلى ضرورة مراعاة الاختلافات الاجتماعية والجغرافية عند تصميم برامج التوعية والوقاية، مع تعزيز دور الرعاية الصحية الأولية والعاملين الصحيين المجتمعيين؛ خصوصاً في المناطق التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات الصحية.

ومن المفيد كذلك ألا يُقاس نجاح برامج التوعية بمقدار المعلومات التي يكتسبها المرضى فحسب؛ بل أن يشمل تقييمها مدى انعكاس تلك المعلومات على ممارساتهم الوقائية الفعلية. فالمؤشر الأهم ليس ما يتذكره المريض من معلومات، وإنما ما يستطيع تطبيقه والاستمرار عليه.

ويخلص الباحث إلى أن الوقاية الفعالة تتطلب شراكة بين المريض والفريق الطبي والمنظومة الصحية؛ فالمعرفة تضع الأساس، ولكن الدعم والمتابعة وتذليل العوائق هي ما تساعد على تحويلها إلى سلوك مستمر.

وأخيراً، نشير إلى أن أهمية هذه الدراسة لا تقتصر على ما كشفته من تفاوت بين المعرفة والممارسات الوقائية لدى مرضى ارتفاع ضغط الدم في مصر؛ بل تمتد إلى إثارة سؤال يهم ملايين المرضى في مجتمعاتنا العربية: هل نكتفي بمعرفة ما يحمي صحتنا، أم نحوِّل هذه المعرفة إلى عادات يومية؟ فارتفاع ضغط الدم قد يستمر سنوات دون أعراض واضحة، بينما تتراكم آثاره على الأوعية الدموية والقلب والدماغ. ولذلك، فإن الشعور بالعافية لا يعني بالضرورة أن ضغط الدم تحت السيطرة، كما أن تناول الدواء وحده لا يغني عن المتابعة المنتظمة والالتزام بنمط حياة صحي.

وتبدأ الوقاية بخطوات بسيطة؛ لكنها مؤثرة: قياس ضغط الدم وفق إرشادات الطبيب، وتسجيل القراءات، والانتظام في تناول العلاج الموصوف دون إيقافه أو تعديل جرعاته من تلقاء النفس، وتقليل الملح في الطعام، وممارسة النشاط البدني المناسب للحالة الصحية، والمحافظة على وزن صحي، والامتناع عن التدخين.

كما ينبغي معرفة العلامات التحذيرية للسكتة الدماغية، مثل الضعف المفاجئ في أحد جانبي الجسم، أو اضطراب الكلام، وطلب الإسعاف فور ظهورها، حتى لو اختفت الأعراض بعد دقائق.

وتبقى الرسالة الأهم أن الوقاية ليست قراراً يُتخذ مرة واحدة؛ بل ممارسة تتجدد كل يوم. وربما يكون السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل مريض على نفسه اليوم: «متى كانت آخر مرة قِستُ فيها ضغطي؛ لا لأني أشعر بشيء؛ بل لأنها عادة؟».

* استشاري طب المجتمع

رابط الدراسة الإلكتروني:

https://www.nature.com/articles/s41598-026-61467-w