هل يمكن القضاء على داء السكري قريباً؟

التقنيات الحديثة واستراتيجيات العلاج المتقدمة تبشِّر بآفاق واعدة

هل يمكن القضاء على داء السكري قريباً؟
TT

هل يمكن القضاء على داء السكري قريباً؟

هل يمكن القضاء على داء السكري قريباً؟

يُعد داء السكري واحداً من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً في العالم، حيث يعاني منه ملايين الأشخاص ويشكل تحدياً صحياً عالمياً. وهذا المرض، الذي ينتج عن اضطراب في تنظيم مستويات السكر في الدم، يرافق المصابين به مدى الحياة ويؤثر على أنظمة الجسم المختلفة.

ومع التطورات العلمية المتسارعة، بدأ الأمل يلوح في الأفق بإمكانية القضاء عليه أو التخفيف من آثاره بشكل جذري، إذ شهدت العقود الأخيرة قفزات هائلة في مجال علاج السكري، شملت ابتكارات طبية متقدمة مثل العلاجات الدوائية الحديثة، والخلايا الجذعية، وتقنيات الهندسة الوراثية، بالإضافة إلى تطوير أجهزة ذكية كالبنكرياس الصناعي. ومع استمرار الأبحاث، يطرح السؤال نفسه: هل نحن قريبون من وداع السكري نهائياً؟ سنستعرض هنا أحدث التطورات العلمية والتحديات التي لا تزال تَحول دون تحقيق هذا الحلم الطبي.

فهم داء السكري

داء السكري هو اضطراب استقلابي يؤثر في كيفية تعامل الجسم مع الغلوكوز، وهو المصدر الرئيسي للطاقة في الخلايا. وهو يحدث عندما يصبح الجسم غير قادر على إنتاج أو استخدام الإنسولين بكفاءة، مما يؤدي إلى تراكم السكر في الدم بمستويات غير طبيعية. يمكن تصنيف المرض إلى نوعين رئيسيين:

- السكري من النوع الأول: يعد مرضاً مناعياً ذاتياً، حيث يقوم الجهاز المناعي بمهاجمة خلايا بيتا المسؤولة عن إنتاج الإنسولين في البنكرياس. ويؤدي ذلك إلى نقص حاد في الإنسولين، مما يوجب على المصابين به الاعتماد على حقن الإنسولين بشكل يومي لضبط مستويات السكر في الدم. وغالباً ما يُشخَّص هذا النوع في مرحلة الطفولة أو المراهقة، لكنه قد يصيب البالغين أيضاً.

- السكري من النوع الثاني: يحدث عندما تصبح خلايا الجسم مقاومة للإنسولين، مما يعني أنها لا تستطيع استخدامه بكفاءة لمعالجة الغلوكوز، واستجابةً لذلك يحاول البنكرياس إنتاج مزيد من الإنسولين، لكن بمرور الوقت قد لا يتمكن من مجاراة الطلب، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم. ويُعد هذا النوع الأكثر شيوعاً، وغالباً ما يرتبط بنمط الحياة غير الصحي، مثل قلة النشاط البدني والسمنة والعوامل الوراثية.

التطورات في علاج داء السكري

العلاجات الدوائية الحديثة:

شهدت السنوات الأخيرة تطورات كبيرة في الأدوية المخصصة للسكري، التي تهدف إلى تحسين التحكم في مستويات السكر وتقليل المضاعفات المرتبطة به:

- مثبطات SGLT2: وفقاً لأبحاث الجمعية الأميركية للسكري (American Diabetes Association) لعام 2023 تعمل هذه الأدوية على تقليل إعادة امتصاص الغلوكوز في الكلى، مما يساعد على خفض مستويات السكر في الدم. إضافةً إلى ذلك، أظهرت الدراسات أن هذه الأدوية تقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والكلى لدى مرضى السكري، مما يجعلها خياراً فعالاً ليس فقط لخفض نسبة السكر ولكن أيضاً لتحسين الصحة العامة للمريض. ويُنصح بها غالباً المرضى الذين يعانون من مخاطر مرتفعة لأمراض القلب والأوعية الدموية.

- نظائر GLP-1: هذه الأدوية تحاكي عمل هرمون GLP-1 الذي يساعد على تنظيم مستويات السكر في الدم من خلال تحفيز إفراز الإنسولين عند ارتفاع مستويات الغلوكوز. وبالإضافة إلى ذلك، تقلل هذه الأدوية من الشهية وتبطئ عملية إفراغ المعدة، مما يساهم في فقدان الوزن. ويُعد فقدان الوزن ميزة إضافية مهمة لهذه الفئة من الأدوية، حيث يرتبط الوزن الزائد بتفاقم مقاومة الإنسولين. وقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن بعض نظائر GLP-1 تساعد أيضاً على تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، مما يجعلها خياراً علاجياً واعداً لمرضى السكري من النوع الثاني (Nature Medicine, 2022).

العلاج بالخلايا الجذعية:

يُعد العلاج بالخلايا الجذعية من أكثر المجالات تطوراً ووعوداً لعلاج السكري من النوع الأول، إذ يجري استخدام الخلايا الجذعية لتجديد خلايا بيتا المنتجة للإنسولين في البنكرياس. وتعتمد هذه التقنية على زراعة خلايا جذعية مبرمجة لإنتاج الإنسولين تلقائياً، مما قد يؤدي إلى استعادة قدرة الجسم الطبيعية على تنظيم مستويات السكر في الدم دون الحاجة إلى حقن الإنسولين المستمرة.

وتشير الأبحاث الحديثة (مجلة الخلايا الجذعية Cell Stem Cell, 2023)، إلى نجاح بعض التجارب السريرية في زراعة هذه الخلايا داخل أجسام المرضى، حيث أظهرت النتائج الأولية قدرة هذه الخلايا على إنتاج الإنسولين بشكل طبيعي والاستجابة لمستويات الغلوكوز في الدم. ورغم هذه التطورات، فإن هناك تحديات كبيرة يجب التغلب عليها، مثل منع رفض الجهاز المناعي هذه الخلايا المزروعة، والتأكد من استمرار وظيفتها لفترات طويلة دون الحاجة إلى عمليات زراعة متكررة.

إضافةً إلى ذلك، يتم استكشاف طرق لحماية هذه الخلايا من الهجمات المناعية باستخدام تقنية الهندسة الوراثية، إذ يتم تعديل الخلايا الجذعية جينياً لجعلها أقل عرضة للهجوم المناعي، مما يزيد من فاعليتها على المدى الطويل. وهناك أيضاً تجارب لاستخدام مواد حيوية لحماية الخلايا داخل كبسولات دقيقة تمنع الجهاز المناعي من مهاجمتها، مع السماح لها بإنتاج الإنسولين بحرية.

وعلى الرغم من أن العلاج بالخلايا الجذعية لا يزال في مراحله التجريبية، فإن التقدم المستمر في هذا المجال يجعل من الممكن تحقيق علاج مستدام للسكري من النوع الأول في المستقبل القريب.

العلاج بالهندسة الوراثية

تقنيات الهندسة الوراثية:

تعد الهندسة الوراثية من أكثر المجالات الواعدة في علاج السكري، حيث توفر تقنيات مثل «CRISPR» إمكانات هائلة في تحرير الجينات وتصحيح الطفرات الوراثية التي تسبب المرض. في تجارب أُجريت على الحيوانات، نجحت هذه التقنية في استعادة الوظائف الطبيعية لخلايا البنكرياس، ما قد يسمح في المستقبل بالقضاء على المرض نهائياً لدى البشر.

علاوة على ذلك، يتم استكشاف تطبيقات الهندسة الوراثية لزيادة إنتاج الإنسولين وتحسين حساسية الخلايا له، مما يتيح إمكانية علاج السكري من النوع الثاني أيضاً. ويركز بعض الأبحاث على إعادة برمجة خلايا غير منتجة للإنسولين، مثل الخلايا الكبدية، لجعلها قادرة على إنتاج الإنسولين عند الحاجة، مما يوفر بديلاً للخلايا التالفة في البنكرياس.

التحدي الرئيسي في هذه التقنية يكمن في التأكد من دقتها وسلامتها قبل استخدامها على نطاق واسع بين البشر. ولا تزال الأبحاث مستمرة لتحديد مدى فاعلية هذه التعديلات الجينية وتأثيرها على المدى الطويل، ولكن النتائج الأولية تبشر بإمكانية تحقيق علاج جذري للسكري في المستقبل القريب (Science Translational Medicine, 2023).

رسم تخيلي لبنكرياس يرتبط الكترونيا بالجسم البشري

البنكرياس الصناعي:

يُعد البنكرياس الصناعي من الابتكارات الحديثة التي تساعد على التحكم التلقائي في مستويات السكر عن طريق مستشعرات متقدمة تقيس مستويات الغلوكوز باستمرار وترسل إشارات إلى مضخات الإنسولين لضبط الجرعة المناسبة دون تدخل المريض. ويتيح هذا النظام الذكي محاكاة وظائف البنكرياس الطبيعي، مما يساعد المرضى على الحفاظ على استقرار مستويات السكر في الدم على مدار اليوم دون الحاجة إلى متابعة مستمرة.

وهناك نوعان رئيسيان من أنظمة البنكرياس الصناعي:

- النظام الهجين المغلق: يحتاج المريض إلى ضبط بعض الإعدادات يدوياً، لكنه يتيح تحكماً شبه تلقائي في مستويات الإنسولين.

- النظام المغلق بالكامل: يعمل تلقائياً بشكل كامل دون أي تدخل يدوي، مما يمنح المرضى راحة أكبر وتحكماً أكثر دقة في مستويات الغلوكوز.

ومن المزايا الأساسية للبنكرياس الصناعي:

- تحسين التحكم في مستويات السكر: يقلل من نوبات ارتفاع أو انخفاض السكر الحاد، مما يحسن جودة الحياة.

- تقليل الحاجة إلى حقن الإنسولين اليومية: يساعد على استبدال الحاجة إلى جرعات متكررة من الإنسولين.

- تحسين جودة النوم: يساعد على تنظيم مستويات السكر في أثناء الليل، مما يقلل من مخاطر الاستيقاظ بسبب ارتفاع أو انخفاض السكر.

- تقليل خطر المضاعفات: مثل أمراض القلب والأعصاب والكلية، نظراً للحفاظ على مستويات السكر ضمن النطاق الطبيعي لفترات أطول.

وفقاً لمجلة «نيو إنغلاند الطبية»، (New England Journal of Medicine, 2023)، حصل بعض أجهزة البنكرياس الصناعي بالفعل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) للاستخدام السريري، مثل MiniMed 780G وControl-IQ، مما يفتح المجال أمام تحسين نوعية حياة مرضى السكري بشكل كبير. ومع ذلك، لا يزال هناك بعض التحديات، مثل تكلفة هذه الأجهزة، وصعوبة الوصول إليها في بعض البلدان، والحاجة إلى تحسين تقنيات الاستشعار لضمان دقة البيانات.

علاجات دوائية حديثة وتوظيف الخلايا الجذعية والهندسة الوراثية والبنكرياس الصناعي

التطورات المستقبلية

زراعة الأعضاء المصغرة: بدأ العلماء بتطوير أعضاء مصغرة تعتمد على الخلايا الجذعية، مثل جزر لانغرهانز الصناعية، التي يمكن زراعتها داخل جسم المريض لتنتج الإنسولين عند الحاجة دون الحاجة إلى تناول أدوية مثبطة للمناعة.

العلاج المناعي: يستهدف العلاج المناعي تعديل استجابة الجهاز المناعي لمنع مهاجمة خلايا البنكرياس المنتجة للإنسولين، وقد أظهرت التجارب السريرية بعض النجاح في وقف تقدم السكري من النوع الأول في مراحله المبكرة.

الأدوية التجديدية: تشمل هذه الأدوية محفزات تجديد خلايا بيتا، التي تهدف إلى إعادة تنشيط إنتاج الإنسولين لدى المرضى الذين فقدوا هذه القدرة.

وبعد، فهل يمكن القضاء على داء السكري نهائياً؟ يُجمع العلماء على أنه رغم التقدم الهائل في الأبحاث والعلاجات، لا يزال هناك عدد من التحديات التي يجب تجاوزها:

- الحاجة إلى تجارب سريرية واسعة النطاق لضمان سلامة وفاعلية العلاجات الجديدة.

- التكلفة العالية للعلاجات المتقدمة مثل العلاج بالخلايا الجذعية والهندسة الوراثية، مما قد يجعلها غير متاحة للجميع.

- التفاوت في استجابة المرضى، حيث قد لا يكون بعض العلاجات فعالاً لجميع المرضى بسبب الاختلافات الوراثية والعوامل البيئية.

وفي ظل التطورات السريعة في مجالات العلاجات الدوائية، والخلايا الجذعية، والهندسة الوراثية، أصبح الأمل في القضاء على داء السكري أقرب من أي وقت مضى. ومع استمرار الأبحاث قد نشهد في المستقبل حلولاً فعالة تضع حداً لهذا المرض المزمن. ومع ذلك، تبقى الوقاية وإدارة المرض بأساليب تقليدية ضرورية حتى يتم التوصل إلى علاج نهائي وفعال يمكن أن يغيِّر حياة الملايين حول العالم.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

دراسة: نقص فيتامين B12 يرتبط بمخاطر أمراض القلب

صحتك يوجد فيتامين B12 بصورة طبيعية في الأغذية الحيوانية مثل اللحوم والأسماك والبيض (إ.ب.أ)

دراسة: نقص فيتامين B12 يرتبط بمخاطر أمراض القلب

يرتبط انخفاض مستويات فيتامين B12 بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وفقاً لمراجعة علمية حديثة نُشرت في دورية «Nutrition Journal».

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك النشاط البدني المنتظم يُقلِّل المخاطر الصحية ويحسن المؤشرات الحيوية (آنسبيلاش)

مؤشرات شخصية لقياس الصحة في منتصف العمر

ابتكر باحثون أوروبيون مؤشراً شخصياً يوفر صورة دقيقة لعملية التمثيل الغذائي لدى الأفراد، من خلال تحليل المواد الكيميائية التي ينتجها الجسم لأداء وظائفه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك محاضرات وورش عمل تتناول أحدث التقنيات والإجراءات في الطب التجميلي (إدارة المؤتمر)

خبراء من 18 دولة يبحثون مستجدات الطب التجميلي في الرياض

تستضيف الرياض النسخة الخامسة من مؤتمر الطب التجميلي، خلال المدة ما بين 5 و7 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة متحدثين من 18 دولة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
صحتك بذور اليقطين تُعدُّ مصدراً غنياً بالألياف الغذائية (بيكسلز)

من اضطرابات الهضم إلى التسمم... متى تشكّل بذور اليقطين خطراً؟

تتميَّز بذور اليقطين بقيمتها الغذائية العالية، ما يجعلها خياراً صحياً سواء تناولتها نيئةً أو مُستنبتةً أو مطبوخةً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك من الضروري الانتباه إلى أحجام الحصص الغذائية لدعم التحكم الأفضل في مستويات السكر بوجه عام (أ.ف.ب)

الأرز أم البطاطس أم المعكرونة... أيها أفضل لمستويات السكر في الدم؟

يُعدّ الأرز والبطاطس والمعكرونة من الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات التي تشكل عناصر أساسية في الأنظمة الغذائية لكثير من الأشخاص. فما الفرق بينهم؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دراسة: نقص فيتامين B12 يرتبط بمخاطر أمراض القلب

يوجد فيتامين B12 بصورة طبيعية في الأغذية الحيوانية مثل اللحوم والأسماك والبيض (إ.ب.أ)
يوجد فيتامين B12 بصورة طبيعية في الأغذية الحيوانية مثل اللحوم والأسماك والبيض (إ.ب.أ)
TT

دراسة: نقص فيتامين B12 يرتبط بمخاطر أمراض القلب

يوجد فيتامين B12 بصورة طبيعية في الأغذية الحيوانية مثل اللحوم والأسماك والبيض (إ.ب.أ)
يوجد فيتامين B12 بصورة طبيعية في الأغذية الحيوانية مثل اللحوم والأسماك والبيض (إ.ب.أ)

يرتبط انخفاض مستويات فيتامين B12 بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، لكن تناول مكملاته لم يُثبت قدرته بصورة متسقة على الوقاية من النوبات القلبية أو غيرها من الأحداث القلبية الوعائية، وفقاً لمراجعة علمية حديثة نُشرت في دورية «Nutrition Journal».

وتشير المراجعة إلى أن أقوى الأدلة على وجود فائدة محتملة تتعلق بتناول مجموعة من فيتامينات «B12» معاً للوقاية من السكتة الدماغية، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعيشون في مناطق لا يُضاف فيها حمض الفوليك إلى الأغذية إلزامياً.

واستند الباحثون إلى دراسات مختبرية وأبحاث سكانية وتجارب سريرية لتقييم دور فيتامين B12 في صحة القلب والأوعية الدموية، ومدى قدرة مكملاته على توفير الحماية منها.

كيف يؤثر نقص الفيتامين في القلب؟

يوجد فيتامين B12 بصورة طبيعية في الأغذية الحيوانية، مثل اللحوم والأسماك والبيض ومنتجات الألبان، ويؤدي دوراً مهماً في تكوين خلايا الدم ووظائف الأعصاب، كما يساعد الجسم على تنظيم بعض العمليات الحيوية المرتبطة بالحمض النووي وتكسير الدهون والأحماض الأمينية.

وعند نقص الفيتامين، ترتفع مستويات الهوموسيستين وحمض الميثيل مالونيك في الجسم. وتوضح المراجعة أن ارتفاع الهوموسيستين قد يؤثر سلباً في بطانة الأوعية الدموية، ويسهم في تلفها وتراكم اللويحات المرتبطة بتصلب الشرايين.

وأظهرت دراسات على الحيوانات زيادة تراكم هذه اللويحات مع ارتفاع مستويات الهوموسيستين، كما رصدت دراسات لدى النساء بعد انقطاع الطمث ارتباطاً بين ارتفاعه وضعف وظيفة الأوعية الدموية.

كذلك، يرتبط انخفاض فيتامين B12 ببعض المؤشرات الكهربائية في القلب التي قد تشير إلى زيادة القابلية لاضطرابات نظم القلب، لكن هذه النتائج لا تثبت أن الأشخاص الذين يعانون نقص الفيتامين أكثر عرضة فعلياً لهذه الاضطرابات.

ورغم هذه التفسيرات البيولوجية المحتملة، لا تزال الأهمية السريرية لتأثير نقص الفيتامين في الأوعية الدموية والقلب غير محسومة.

ماذا تقول الدراسات عن المكملات؟

وأشارت دراسات سابقة إلى وجود ارتباط بين انخفاض مستويات فيتامين B12 والسكتة الدماغية وفشل القلب وتصلب الشرايين والوفاة. كما وجدت إحدى الدراسات أن ارتفاع مستويات حمض الميثيل مالونيك لدى مرضى فشل القلب ارتبط بزيادة خطر الوفاة لأي سبب.

لكن نتائج التجارب السريرية لم تقدم أدلة مماثلة على فاعلية المكملات في الوقاية من أمراض القلب.

فقد اختبرت دراستان، تركيبات تجمع بين حمض الفوليك وفيتامين B12، وأضيف إليهما فيتامين B6 في بعض مجموعات العلاج. ورغم أن هذه التدخلات خفضت مستويات الهوموسيستين بنحو 27 في المائة في إحدى الدراسات، فإنها لم تؤدِّ بصورة متسقة إلى تقليل النوبات القلبية أو الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية، وفق ما أفاد به موقع «ميديكال نيوز» المهتم بأخبار الدراسات العلمية.

وفي المقابل، سجلت دراسة HOPE-2 انخفاضاً في حالات السكتة الدماغية بين المشاركين الذين تناولوا مجموعة فيتامينات «ب». كما أشارت نتائج دراسة NORVIT إلى احتمال وجود آثار ضارة عند استخدام الفيتامينات الثلاثة معاً.

وخلصت مراجعة لمؤسسة «كوكرين» شملت أكثر من 71 ألف مشارك إلى عدم وجود فائدة ملموسة لهذه المكملات في الوقاية من أمراض الشرايين التاجية.

وعند جمع نتائج التجارب، ارتبطت العلاجات التي تجمع فيتامينات «ب» لخفض الهوموسيستين بانخفاض نسبي في حالات السكتة الدماغية بنحو 10 في المائة. وارتفعت هذه النسبة إلى ما بين 30 و35 في المائة في تحليل فرعي شمل أشخاصاً يعيشون في مناطق لا يُضاف فيها حمض الفوليك إلى الأغذية إلزامياً.

لكن معظم هذه الدراسات اختبرت مزيجاً من الفيتامينات، ولذلك لا يمكن إرجاع الفائدة المحتملة إلى فيتامين B12 وحده.

مَن الأكثر عرضة لنقص فيتامين B12؟

تحدد المراجعة عدة فئات تستدعي الانتباه إلى مستويات الفيتامين لديها:

- كبار السن: يزداد خطر النقص مع التقدم في العمر بسبب انخفاض حمض المعدة وضعف امتصاص الفيتامين، لكن التجارب لم تثبت أن تناول مكملاته يوفر حماية واضحة للقلب لدى هذه الفئة.

- النباتيون: يرتفع خطر نقص الفيتامين لدى من لا يتناولون المنتجات الحيوانية، وقد يصاحب ذلك ارتفاع مستويات الهوموسيستين. ويمكن تصحيح النقص باستخدام المكملات.

- من خضعوا لجراحات السمنة: قد تؤدي الجراحة إلى ضعف امتصاص الفيتامين، كما يمكن أن يؤخر مخزونه في الكبد ظهور أعراض النقص لسنوات، مما يجعل المتابعة طويلة الأمد ضرورية.

- مرضى الكلى المزمن: قد يعانون ارتفاع مستويات الهوموسيستين، ويمكن خفضها بمكملات B12 والفولات، لكن التجارب لم تُثبت أن ذلك يقلل الأحداث القلبية الوعائية. ويظل علاج النقص المؤكد ضرورياً، خصوصاً إذا كان مرتبطاً بفقر الدم.

- النساء الحوامل: يرتبط انخفاض مستويات الفيتامين بتسمم الحمل وسكري الحمل وانخفاض وزن المواليد، فضلاً عن احتمال حدوث مشكلات أيضية لاحقاً لدى الأطفال. ويمكن للمكملات تحسين مستويات الفيتامين لدى الأم، لكن الأدلة على تأثيرها في النمو العصبي للرضع لا تزال محدودة وغير متسقة.

وتشير المراجعة أيضاً إلى أن ارتفاع مستويات فيتامين B12 بدرجة كبيرة يرتبط بزيادة معدلات الوفاة، لكن الباحثين يرجحون أن يكون ذلك مؤشراً إلى أمراض أخرى.

هل ينبغي تناول المكملات لحماية القلب؟

تخلص المراجعة إلى أن انخفاض فيتامين B12 يرتبط بمخاطر أعلى لأمراض القلب والأوعية الدموية، لكن الأدلة الحالية لا تثبت أن تناول مكملاته وحده يمنع هذه الأمراض.

ويظل علاج النقص ضرورياً لما يحققه من فوائد مثبتة لصحة الدم والجهاز العصبي، بينما تقتصر المؤشرات الأكثر وضوحاً بشأن الوقاية من السكتة الدماغية على تناول تركيبات تجمع فيتامينات «ب» لدى فئات سكانية محددة.

ويدعو الباحثون إلى إجراء مزيد من الدراسات لتحديد الفئات التي قد تستفيد من المكملات، وتطوير أساليب تقييم تجمع بين نتائج تحاليل الدم والحالة الغذائية والعوامل الوراثية.


الكرياتين والاكتئاب... هل يحمل المُكمِّل الرياضي فوائد للصحة النفسية؟

وجدت الأبحاث أن مرضى الاكتئاب قد تكون لديهم مستويات منخفضة من الكرياتين في الدماغ (آنسبيلاش)
وجدت الأبحاث أن مرضى الاكتئاب قد تكون لديهم مستويات منخفضة من الكرياتين في الدماغ (آنسبيلاش)
TT

الكرياتين والاكتئاب... هل يحمل المُكمِّل الرياضي فوائد للصحة النفسية؟

وجدت الأبحاث أن مرضى الاكتئاب قد تكون لديهم مستويات منخفضة من الكرياتين في الدماغ (آنسبيلاش)
وجدت الأبحاث أن مرضى الاكتئاب قد تكون لديهم مستويات منخفضة من الكرياتين في الدماغ (آنسبيلاش)

أظهرت مراجعة بحثية حديثة نُشرت في دورية «برين ميديسين» أن الكرياتين، الذي يُعد اليوم واحداً من أكثر المكملات الغذائية استخداماً على مستوى العالم، قد يكون مفيداً في علاج الاكتئاب. وفي حين أن فوائده في تعزيز القوة والأداء الرياضي مدعومة بالأدلة العلمية، فقد بدأ التوصية به بشكل متزايد لدوره المحتمل في دعم الصحة النفسية.

كتب الدكتور زودين بوتوشيري، أستاذ طب العناية المركزة في جامعة كوين ماري الإنجليزية في لندن، في مقال نشره، الجمعة، على موقع «كونفيرزيشين»، تعليقاً على نتائج هذه المراجعة البحثية: «بعد أن كان الكرياتين مكملاً غذائياً يقتصر استخدامه غالباً على المهووسين باللياقة البدنية، أصبح اليوم واحداً من أكثر المكملات الغذائية استخداماً على مستوى العالم»، مشيراً إلى أن هناك أسباباً عديدة تجعله يبدو مفيداً لأدمغتنا وصحتنا النفسية.

وأوضح أن الكرياتين مركب ينتجه الجسم بشكل طبيعي، كما يوجد في اللحوم، سواء البيضاء أو الحمراء، وبعض أنواع الأسماك، مثل السلمون والتونة والرنجة. ويعمل الكرياتين مصدراً للطاقة؛ إذ يساعد بشكل أساسي في إمداد العضلات بالطاقة أثناء النشاط البدني. ويُخزَّن معظم الكرياتين في العضلات، في حين توجد كميات صغيرة منه في الدماغ، الذي يُعد أحد أكثر أعضاء الجسم استهلاكاً للطاقة؛ فعلى الرغم من أنه يشكل 2 في المائة فقط من إجمالي وزن الجسم، فإنه يستهلك 20 في المائة من طاقة الجسم.

وكتب بوتوشيري أنه عندما تنخفض مستويات الطاقة في الدماغ، قد يؤثر ذلك في المواد الكيميائية الحيوية التي تتحكم في المزاج. كما يُعتقد أن انخفاض طاقة الدماغ قد يسهم في ظهور مشكلات صحية نفسية متنوعة، بما في ذلك الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب والفصام. وقد وجدت الأبحاث أن الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب قد تكون لديهم مستويات منخفضة من الكرياتين في الجزء الأمامي من الدماغ، وهي منطقة رئيسية ترتبط بتنظيم المزاج. ولهذا السبب، طُرحت فكرة أن الكرياتين قد يكون مفيداً في علاج بعض الاضطرابات النفسية، ومنها الاكتئاب.

الاكتئاب والكرياتين

وفقاً للمقال، اكتشف العلماء، قبل 40 عاماً، وجود علاقة بين الأفكار الانتحارية وانخفاض مستويات الكرياتين في الجسم. ومنذ ذلك الحين، أُجريت دراسات عديدة لبحث وجود صلة بين مستويات الكرياتين والصحة النفسية. وقد توصلت دراسات واسعة النطاق إلى أن الأشخاص الذين يتناولون كميات أكبر من الكرياتين يسجلون معدلات أقل للإصابة بالاكتئاب.

وكما أوضح بوتوشيري، فقد أظهرت الأبحاث أيضاً أن المراهقين الذين يعانون من اكتئاب لا يستجيب للعلاج، وتناولوا مكملات الكرياتين إلى جانب أدويتهم المعتادة، شهدوا تحسناً في حالتهم المزاجية.

وللحصول على صورة أوضح عن فوائد الكرياتين للصحة النفسية، أُجريت تلك المراجعة المنهجية التي شملت 5 تجارب شارك فيها 238 مريضاً.

ووفقاً للمقال، فقد أظهرت اثنتان من هذه التجارب وجود فائدة، بينما لم تُظهر التجارب الثلاث الأخرى أي نتائج إيجابية.

وينبِّه بوتوشيري إلى أهمية الإشارة إلى أن جميع الدراسات التي استكشفت فوائد الكرياتين للصحة العقلية أو الإدراكية كانت صغيرة النطاق؛ لذا لا يوجد حتى الآن دليل علمي قاطع.

وأوضح أننا لا نعرف حتى الآن الجرعة المناسبة أو المدة المثالية لتناوله. فقد يحتاج الشخص إلى جرعة أعلى من الكرياتين ولفترة أطول مما قد يحتاج إليه إذا كان يتناوله لأغراض اللياقة البدنية فقط؛ وذلك لأن الكرياتين لا ينتقل بسهولة إلى داخل الدماغ. لذا، من الضروري تحديد الجرعة المناسبة للدماغ والتأكد من سلامتها، مشدداً على أنه في الوقت الراهن، يظل الخيار الأمثل هو الحرص على الحصول على كمية كافية من الكرياتين من خلال اتباع نظام غذائي متوازن.


مؤشرات شخصية لقياس الصحة في منتصف العمر

النشاط البدني المنتظم يُقلِّل المخاطر الصحية ويحسن المؤشرات الحيوية (آنسبيلاش)
النشاط البدني المنتظم يُقلِّل المخاطر الصحية ويحسن المؤشرات الحيوية (آنسبيلاش)
TT

مؤشرات شخصية لقياس الصحة في منتصف العمر

النشاط البدني المنتظم يُقلِّل المخاطر الصحية ويحسن المؤشرات الحيوية (آنسبيلاش)
النشاط البدني المنتظم يُقلِّل المخاطر الصحية ويحسن المؤشرات الحيوية (آنسبيلاش)

ابتكر باحثون أوروبيون مؤشراً شخصياً يوفر صورة دقيقة لعملية التمثيل الغذائي لدى الأفراد، من خلال تحليل المواد الكيميائية التي ينتجها الجسم لأداء وظائفه، بدءاً من مرحلة منتصف العمر.

وكان جوريس ديلين، من المركز الطبي في جامعة لايدن الهولندية، قد عرض هذا المؤشر خلال أسبوع «FAPESP» المنعقد في هولندا في الفترة من 27 إلى 29 أكتوبر (تشرين الأول).

ويُعد المؤشر الجديد علامة عامة على الصحة في منتصف العمر، ما يتيح الكشف المبكر عن الأشخاص الذين يسيرون على مسار الشيخوخة الصحية، وأولئك الأكثر عرضة لخطر التدهور الوظيفي.

وأشار ديلين إلى وجود تفاوت ملحوظ بين الدول في عدد السنوات التي يتمتع خلالها الأشخاص بصحة جيدة بعد سن 65 عاماً، موضحاً أن هذا التفاوت يرتبط بمجموعة من العوامل، في مقدمتها الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والمستوى التعليمي، ونمط الحياة، والعوامل الوراثية.

وتشير دراسات أُجريت في دول مختلفة إلى أن نحو 60 في المائة من الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً يعانون حالياً من حالتين مرضيتين مزمنتين أو أكثر.

قياس الشيخوخة البيولوجية

نظراً إلى عدم القدرة على قياس الشيخوخة البيولوجية بشكل مباشر، قرر الفريق، الذي ضم علماء من معهد ماكس بلانك لبيولوجيا الشيخوخة في كولونيا بألمانيا، البحث عن إجابات في عينات دم 44 ألف متطوع، تمت متابعتهم على مدى عدة سنوات ضمن 12 دراسة أُجريت في أنحاء أوروبا. ومن خلال فحوصات دم دقيقة، قاس الباحثون أكثر من 200 مادة كيميائية حيوية، بما في ذلك مستويات الدهون والسكريات ومؤشرات الالتهاب.

وخلال فترة البحث، سُجّلت 5500 حالة وفاة بين المتطوعين. ومن خلال تحليل دماء هؤلاء الأفراد، حدّد الباحثون المواد التي تُعد مؤشرات بيولوجية تحذيرية لزيادة خطر الوفاة. كما أقام الفريق تعاوناً مباشراً مع باحثين من البرازيل لتحسين نتائج هذا المؤشر.

ووفقاً للباحثين، جرى تحديث الأداة على ثلاث مراحل، حتى أصبحت تركز الآن على 10 مؤشرات فقط اعتاد الأطباء على تقييمها.

ووفقاً للباحثين، أثبتت النسخة الجديدة فاعلية أكبر في التنبؤ بأمراض القلب والأيض، مثل السكري والنوبات القلبية والسكتات الدماغية.

ونظراً إلى أن هذه النتيجة تعكس الحالة الوظيفية العامة للجسم، فإنها ترتبط بمعايير مختلفة للشيخوخة الصحية، مثل الوظائف الإدراكية، وسعة الرئة، وقوة قبضة اليد، التي تعكس وظائف العضلات بشكل عام.

ولاختبار إمكانية تعديل هذا المؤشر من خلال إجراءات عملية، أخضع العلماء مجموعات من المتطوعين لتغييرات في نمط الحياة وبرامج لتقوية العضلات. وأظهرت النتائج أن هذه التدخلات أدت إلى تحسينات ملحوظة، خصوصاً لدى الأفراد الذين يُعتبرون أقل صحة.

ففي هذه المجموعة الأكثر عرضة للخطر، أدت التغييرات السلوكية والتمارين الرياضية إلى انخفاض ملحوظ في مستويات الأنسولين في الدم في أثناء الصيام، ومستويات الدهون الثلاثية في الدم، بالإضافة إلى تحسين تكوين الجسم.

وقال ديلين: «عندما حللنا التغير في نتائج المجموعة، لم نلحظ تغيراً واضحاً؛ ولكن عندما قسمنا الأفراد وفقاً لنتائجهم الأولية، وجدنا أن التدخل المتعلق بنمط الحياة كان فعالاً بشكل خاص لدى أولئك الذين كانت نتائجهم أقل من الصفر، أي الأشخاص الذين كانوا أقل صحة في البداية».

وكشفت التحليلات التي أجرتها المجموعة أن النتيجة الأيضية تتحدد بنسبة 40 في المائة بالعوامل الوراثية (الجينات)، وبنسبة 60 في المائة بنمط الحياة والعوامل البيئية. ومن بين السلوكيات التي جرى تحليلها، برز التدخين بوصفه عاملاً سلبياً ذا تأثير كبير على النتيجة الأيضية. ومن ناحية أخرى، فإن زيادة النشاط البدني المنتظم قلّلت من المخاطر وحسَّنت النتيجة.