التهاب الغضاريف الناكس مرض التهابي مناعيّ ذاتيّ نادر يمكن أن يظهر عبر حالات مختلفة تماماً.
نماذج حالات مختلفة
نستهل هذا الموضوع باستعراض ثلاث حالات، تمثل نماذج مختارة من بين عديد من الحالات التي تُعايَنُ عادةً في العيادات الطبية، وذلك بهدف تبسيط المحتوى الطبي لموضوع هذا الأسبوع وتعزيز التوعية به.
- الحالة الأولى: إصابة في الأذن. امرأة في منتصف الأربعينات، لم تكن تشكو سوى ألمٍ عابر في أذنها، لكنها بدأت تتردد على العيادة مرة بعد أخرى بسبب ألم واحمرار في صيوان الأذن. كانت تتلقى في كل مرة علاجاً موضعياً أو مضاداً حيوياً، فتتحسن الأعراض مؤقتاً، ثم تعود من جديد. واللافت أن شحمة الأذن بقيت سليمة في كل مرة، ومع مرور الأشهر بدأ شكل الأذن بالتغير، وازداد القلق.
- الحالة الثانية: إصابة في القصبة الهوائية، لرجل خمسيني يعيش منذ سنوات مع تشخيص ربو لا يستجيب للعلاج. تتكرر شكواه في كل زيارة من صفير تنفسي، وبحة في الصوت، وضيق نفس يزداد تدريجياً. التزم بالبخاخات، وراجع قسم الطوارئ أكثر من مرة بنوبات حادة، إلا أن التحسن الكامل لم يتحقق. وعند إجراء تصوير مقطعي للصدر كُشف عن تضيق غير مألوف في القصبة الهوائية، لا يشبه الربو ولا يُفسَّر بعدوى تنفسية.
- الحالة الثالثة: إصابة في العين. من عيادة العيون، تبدأ القصة لامرأة تعاني نوبات متكررة من التهاب مؤلم في صُلبة العين (Scleritis)، وهو التهاب عميق يصيب الطبقة البيضاء الخارجية لمقلة العين، ولا يستجيب للعلاج التقليدي. ومع مرور الوقت، أضافت إلى شكواها آلاماً مفصلية متنقلة، وتغيّراً تدريجياً في شكل الأنف.
ثلاث حالات، من ثلاثة تخصصات مختلفة، بأعراض تبدو متباعدة... لكنها في الحقيقة فصول متفرقة لمرض واحد نادر، يتقن التخفي. وتتضح الصورة عندما نضع هذه الأعراض جنباً إلى جنب: التهاب غضروف الأذن مع سلامة الشحمة وتشوه الأنف، وإصابة المجاري التنفسية، والتهابات عينية غير مفسَّرة؛ لتظهر ملامح تشخيص واحد، لأحد أندر الأمراض المناعية الالتهابية وأكثرها تحدّياً في التشخيص، وهو التهاب الغضاريف الناكس. وهو مرض وُصف لأول مرة في سبعينات القرن الماضي، وتم اعتماد معايير تشخيصه السريرية في دراسات مبكرة نُشرت في مجلات علمية مرموقة (McAdam et al., 1976)، ولا تزال هذه المعايير مستخدمة حتى اليوم في الممارسة الإكلينيكية.
التفسير الطبي
عند النظر إلى كل حالة على حدة، قد تبدو الأعراض مألوفة، بل شائعة في الممارسة اليومية؛ فالتهاب صيوان الأذن قد يُفسَّر على أنه التهاب موضعي، وضيق النفس مع الصفير يُصنَّف بسهولة على أنه ربو، أما التهاب صُلبة العين فقد يُعالج كحالة عينية معزولة. غير أن التحدي الحقيقي يبدأ عندما تتكرر هذه الأعراض، وتفشل العلاجات التقليدية، وتظهر ملامح إصابة تتجاوز عضواً واحداً.
هنا تحديداً، يصبح ربط الأعراض المتفرقة هو المفتاح التشخيصي الأهم. فالتهاب غضروف الأذن مع سلامة الشحمة، والتشوه التدريجي في شكل الأنف، والتضيق غير المبرر في القصبة الهوائية، إضافةً إلى التهابات عينية عميقة غير مستجيبة للعلاج الموضعي، كلها إشارات تحذيرية لمرض جهازي واحد، لا لعدة أمراض منفصلة.
> ما التهاب الغضاريف الناكس (أو الضموري)؟ التهاب الغضاريف الناكس (Relapsing Polychondritis) هو مرض التهابي مناعي ذاتي نادر، يتميز بنوبات متكررة من الالتهاب، تصيب الغضاريف في مناطق مختلفة من الجسم، وقد تمتد إلى أنسجة أخرى تشترك معها في البنية والتركيب، مثل: العينين، والقلب، والأوعية الدموية، والجهاز التنفسي، وقد أظهرت دراسات إكلينيكية منذ عقدين ونصف من الزمن (Kent et al., 2004) منشورة في مجلات أمراض الروماتيزم والمناعة، أن هذا التنوّع في الأعراض يعكس الطبيعة الجهازية المعقّدة للمرض وتفاوت شدته بين المرضى.
وعلى الرغم من ندرته، فإن خطورة المرض تكمن في طبيعته المتعددة الأجهزة، وتفاوت شدته السريرية، وإمكانية تطوره بصمت إلى مضاعفات مهدِّدة للحياة إذا لم يُشخَّص ويُعالج في مراحله المبكرة.
> لماذا يُعد مرضاً خادعاً؟ يُوصَف التهاب الغضاريف الناكس بأنه مرض خادع، ليس فقط لندرته، بل لأنه:
- نادر الحدوث، يبدأ غالباً بأعراض شائعة يسهل تفسيرها على أنها حالات بسيطة أو مستقلة.
- متعدد الأجهزة، ينتقل بين أعضاء مختلفة، مما يشتت الانتباه بين تخصصات طبية متعددة.
- متقلب الأعراض والشدة، فقد تخف الأعراض في مرحلة وتشتد في أخرى.
- يفتقر إلى اختبار مختبري نوعي يؤكد التشخيص بشكل مباشر.
ولهذا السبب، كثيراً ما يُشخَّص متأخراً، بعد أشهر أو حتى سنوات من بداية الأعراض.
> ماذا يحدث داخل الجسم؟ تشير الأدلة العلمية إلى أن التهاب الغضاريف الناكس ينجم عن تفاعل مناعي ذاتي موجَّه ضد مكونات الغضروف، وعلى رأسها الكولاجين من النوع الثاني، وهو المكوّن البنيوي الأساسي لغضاريف الأذن، والأنف، والمفاصل، والقصبة الهوائية.
يؤدي هذا التفاعل إلى تنشيط الخلايا المناعية وإفراز مواد (سيتوكينات) التهابية، مما يسبب تخريباً تدريجياً للنسيج الغضروفي. ومع تكرار النوبات، يُستبدل الغضروف بنسيج ليفي ضعيف غير قادر على أداء وظيفته الطبيعية، وهو ما يفسر التشوهات والمضاعفات المتقدمة التي قد تظهر مع الزمن.
العلامات والأ عراض
> كيف يظهر المرض سريرياً؟ تتنوع المظاهر السريرية للمرض، وقد تختلف من مريض لآخر، بل من مرحلة إلى أخرى لدى المريض نفسه. ومن أبرز هذه المظاهر: الأذن: التهاب مؤلم في صيوان الأذن مع بقاء شحمة الأذن سليمة، وقد يؤدي تكرار النوبات إلى تشوه دائم.
- الأنف: تآكل غضروف الحاجز الأنفي، وما ينتج عنه من تشوه يُعرف بالأنف السرجية.
- الجهاز التنفسي: وتُعد إصابة الجهاز التنفسي من أخطر مظاهر التهاب الغضاريف الناكس، إذ قد تؤدي التهابات غضاريف الحنجرة والقصبة الهوائية إلى تضيق أو انهيار مجرى الهواء. وقد أكدت دراسات سريرية (Lahmer et al., 2010) منشورة في معظم مجلات الطب الباطني وأمراض الصدر أن إصابة المجاري التنفسية تمثل أحد أهم العوامل المرتبطة بارتفاع معدلات المرض والوفيات لدى مرضى هذا الاضطراب، خصوصاً عند تأخر التشخيص.
- العين: التهابات عينية عميقة، مثل التهاب صُلبة العين أو القزحية، وقد تهدد البصر في حال تأخر العلاج.
- المفاصل: التهاب مفاصل غير تآكلي، غالباً متنقل، وقد يكون من أوائل الأعراض.
- القلب والأوعية الدموية: إصابة الصمامات أو توسع الشريان الأبهر، وهي مضاعفات نادرة لكنها خطيرة.
التشخيص والعلاج
> لماذا يتم التشخيص متأخراً؟ يتأخر تشخيص التهاب الغضاريف الناكس في كثير من الحالات، ويعود ذلك إلى عدة عوامل مجتمعة؛ فندرته تجعله خارج دائرة الاشتباه الأوّلي، كما أن أعراضه غالباً ما تبدأ بشكل موضعي أو متفرق، فيتعامل الأطباءُ معها على أنها مشكلات مستقلة، كلٌّ حسب تخصصه. يُضاف إلى ذلك غياب اختبار مخبري نوعي يؤكد التشخيص بشكل قاطع، مما يجعل الاعتماد الأكبر على الخبرة السريرية وربط الصورة الإكلينيكية ككل.وغالباً ما يكون مفتاح التشخيص هو تكرار الأعراض، وعدم الاستجابة للعلاج التقليدي، وتعدد الأجهزة المصابة، خصوصاً عندما تترافق إصابة غضروفية مع مظاهر عينية أو تنفسية أو مفصلية.
متى يتم تأكيد التشخيص؟ يعتمد تشخيص التهاب الغضاريف الناكس أساساً على المعايير السريرية، مثل: معايير McAdam أو معايير Damiani المعدّلة، التي تستند إلى وجود مجموعة من العلامات الإكلينيكية المميزة. وتساعد الفحوصات المخبرية على دعم التشخيص من خلال إظهار ارتفاع مؤشرات الالتهاب العامة، لكنها غير نوعية. كما تلعب وسائل التصوير دوراً مهماً، لا سيما التصوير المقطعي عالي الدقة لتقييم إصابة المجاري التنفسية، أو تخطيط صدى القلب عند الاشتباه بإصابة صمامية أو وعائية. أما الخزعة الغضروفية، فيُلجأ إليها في بعض الحالات المختارة عندما تكون الصورة غير واضحة، لكنها ليست ضرورية دائماً.
> خيارات العلاج. يهدف علاج التهاب الغضاريف الناكس إلى السيطرة على الالتهاب، وتقليل تكرار النوبات، ومنع المضاعفات طويلة الأمد. ويعتمد اختيار العلاج على شدة المرض والأعضاء المصابة. ويشمل ما يلي:
- الكورتيكوستيرويدات، تُعد حجر الأساس في العلاج، خصوصاً في النوبات الحادة والمتوسطة.
- الأدوية المعدّلة للمناعة، مثل الميثوتركسيت أو الآزاثيوبرين، تُستخدم لتقليل الاعتماد طويل الأمد على الكورتيزون والسيطرة على النشاط المرضي.
- العلاجات البيولوجية التي ظهرت، مع تطور فهم الآليات المناعية للمرض، كخيار واعد في الحالات الشديدة أو المقاومة للعلاج التقليدي. وقد أشارت تقارير ودراسات (Hazra et al., 2015) منشورة في مجلات علمية متخصصة إلى تحسن ملحوظ في السيطرة على نشاط المرض باستخدام بعض العلاجات البيولوجية، مثل مثبطات عامل نخر الورم، وتوسيليزوماب، وريتوكسيماب، رغم محدودية الدراسات الواسعة بسبب ندرة المرض.
- التدخلات الداعمة، في بعض الحالات المتقدمة، قد تستدعي إصابة الجهاز التنفسي تدخلات داعمة أو جراحية لتأمين مجرى الهواء.
> المتابعة طويلة الأمد. تحسّن الإنذار العام للمرض بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة بفضل زيادة الوعي به وتطور وسائل التشخيص والعلاجات المناعية، إلا أن مآل المرض يظل مرتبطاً بدرجة إصابة الجهاز التنفسي والقلب.
وتُعد المتابعة طويلة الأمد ضرورة أساسية، ليس فقط لمراقبة نشاط المرض، بل لاكتشاف المضاعفات مبكراً وتعديل الخطة العلاجية بما يضمن أفضل جودة حياة ممكنة للمريض.
ختاماً، فإن التهاب الغضاريف الناكس مثالٌ حيٌّ على الأمراض النادرة التي تتطلب نظرة شمولية ويقظة سريرية عالية، إضافةً إلى الحاجة الملحة لإجراء دراسات واسعة متعددة المراكز لفهمٍ أفضل للآليات المناعية الدقيقة للمرض، وتحديد مؤشرات حيوية تساعد على التشخيص المبكر وتقييم النشاط المرضي، وتطوير بروتوكولات علاجية موحدة قائمة على الدليل. ومن خلال استعراضنا لعدد من الحالات في هذا الموضوع، يتضح أن التهاب الغضاريف الناكس قد يبدأ بعَرَضٍ بسيط لا يلفت الانتباه، لكنه مع التكرار وعدم الاستجابة للعلاج يستحق إعادة النظر وعدم الاكتفاء بالتشخيصات السطحية. فالانتباه المبكر للأعراض غير المألوفة، ومراجعة الطبيب عند استمرارها أو تكررها، قد يكونان عاملين حاسمين في تفادي مضاعفات خطيرة. كما يتضح أيضاً أن الربط بين الأعراض المتفرقة هو جوهر التشخيص، وأن الاكتشاف المبكر والتدخل العلاجي المناسب قادران، بإذن الله، على تغيير مسار المرض وتحسين حياة المرضى بشكل كبير.
* استشاري في طب المجتمع