إطلاق أول شركة للاقتصاد الرعائي في مصر باستثمارات 27.7 مليون دولار

«سيرا للتعليم» تنتظر تنفيذ عرض استحواذ من صندوق الاستثمارات العامة السعودي

وزير الاستثمار المصري حسن الخطيب خلال كلمته في مؤتمر «سيرا كير» (وزارة الاستثمار المصرية)
وزير الاستثمار المصري حسن الخطيب خلال كلمته في مؤتمر «سيرا كير» (وزارة الاستثمار المصرية)
TT

إطلاق أول شركة للاقتصاد الرعائي في مصر باستثمارات 27.7 مليون دولار

وزير الاستثمار المصري حسن الخطيب خلال كلمته في مؤتمر «سيرا كير» (وزارة الاستثمار المصرية)
وزير الاستثمار المصري حسن الخطيب خلال كلمته في مؤتمر «سيرا كير» (وزارة الاستثمار المصرية)

أطلقت شركة «سيرا للتعليم»، الأحد، شركة استثمار جديدة في الاقتصاد الرعائي (سيرا كير) باستثمارات 1.4 مليار جنيه (27.7 مليون دولار) تُضخ على مدار عامين، تستهدف من خلالها تغطية 5 دول أبرزها: السعودية والإمارات وكندا وألمانيا وأميركا.

والاقتصاد الرعائي أو اقتصاد الرعاية يقوم على 4 قطاعات أساسية، بدءاً من الطفولة المبكرة، ورعاية كبار السن، مروراً بالأشخاص ذوي الإعاقة وحتى العمل المنزلي، وبينهم ما يخص الخدمات التعليمية والصحية.

ووفق عرض قدمته شركة «سيرا»، فإنه بحلول عام 2030، سوف يصل عدد الأشخاص الذين سيحتاجون إلى رعاية نحو 2.3 مليار شخص، وسيبلغ النقص في هذا القطاع نحو 10 ملايين شخص.

وقالت الرئيسة التنفيذية لشركة «سيرا للتكنولوجيا»، ونائبة الرئيس التنفيذي لشركة «سيرا للتعليم»، سارة القلا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المناهج والبرامج جاهزة للبدء فوراً في فبراير (شباط) المقبل، من خلال التعليم والتدريب المدروس، وذلك بالتعاون مع الحكومة المصرية ومؤسسات مصرية ودولية».

وأضافت، على هامش مؤتمر صحافي عُقد خصيصاً للإعلان عن الشركة الجديدة، أن شركة «سيرا» للاقتصاد الرعائي، ستكون الأولى في مصر والمنطقة، وتستهدف تغطية احتياجات السوق المصرية، والمساهمة في تصدير العمالة المدربة للخارج، مؤكدة: «إننا نستهدف تخريج نحو ألف شخص بعد تطبيق المبادرة الأولى... وأتمنى تصديرها بالخارج حتى تجذب فئات الشباب التي تبحث عن دخل بالدولار في قطاع جديد ومهم لنا وللعالم...».

وأشارت إلى أن التعليم سيراعي أن احتياجات السوق السعودية تختلف عن مثيلتها في السوق الألمانية بالنسبة لمجال الرعاية وأولوياتها، موضحة أن التركيز في البداية سيكون على أسواق: السعودية والإمارات وكندا وألمانيا وأميركا.

وأوضحت سارة القلا أن قطاع الرعاية يوفر 381 مليون وظيفة على مستوى العالم، بحصة تمثل 11.5 في المائة من التوظيف العالمي، ويحقق نحو 11.5 تريليون دولار، «ولا توجد أرقام رسمية لمصر أو المنطقة في هذا الإطار».

وشهد حفل الإطلاق توقيع 13 مذكرة تفاهم مع مؤسسات تعليمية عالمية، ومقدمي تدريب مهني، ووكالات تنمية، ومنظمات للموارد البشرية، بما في ذلك كلية موهوك، اتحاد تكساس الدولي للتعليم (TIEC)، جامعة طومسون ريفرز، كلية بو فالي، أمديست، مركز الإمارات للبحوث والدراسات، SIS – الشرق الأوسط لخدمات التدريب، نقابة التمريض المصرية، أبسكيل، جامعة بدر في القاهرة (BUC)، جامعة بدر في أسيوط (BUA)، جامعة ساكسوني مصر (SEU)، وشركة إينوڤيت للتعليم.

جانب من الحضور في مؤتمر الإعلان عن مبادرة «سيرا كير» (الشرق الأوسط)

وقد تأسست شركة «سيرا للتعليم» عام 1992، وهي أكبر شركة قطاع خاص تقدم خدمات تعليمية في مصر. وتقوم بتشغيل 30 مدرسة، و3 جامعات، و9 مراكز ما قبل المدرسة، وتوجد في 12 محافظة مختلفة.

وفي مايو (أيار) الماضي، أعلنت شركة «سوشيال إمباكت كابيتال»، المساهم الرئيسي في شركة «سيرا للتعليم» المقيدة في البورصة المصرية، عن توقيع اتفاقية مشروطة، تكتتب من خلالها الشركة السعودية المصرية للاستثمار (SEIC)، التابعة لـ«صندوق الاستثمارات العامة» السعودي، في أسهم جديدة تصدرها شركة «سوشيال إمباكت كابيتال».

وذكرت الشركة في بيان، حينها، أن الاتفاقية تتضمن تمويل عملية الاستحواذ ليصل إجمالي نسبة مساهمة شركة «سوشيال إمباكت كابيتال» ما بين 75 و100 في المائة من أسهم شركة «سيرا للتعليم»، بسعر 14 جنيهاً للسهم الواحد، بهدف تحويل الشركة إلى شركة إقليمية رئيسية رائدة في قطاع التعليم.

ووافقت الهيئة العامة للرقابة المالية على عرض الشراء المعدل المقدم من شركة «سوشيال إمباكت كابيتال» على أسهم «سيرا للتعليم».

وقالت الرقابة المالية، الأحد، إنه على مقدم العرض الالتزام بكل التعهدات الواردة بإعلان عرض الشراء الإجباري مع تحمل المسؤولية القانونية في حال مخالفتها، وإخطار الشركة المستهدفة. وأوضحت أنه يجوز لمالكي الأوراق المالية محل العرض الأصلي في حالة عدم موافقتهم على التعديل سحب أوامر البيع قبل انتهاء فترة سريان عرض الشراء.

وتضمن عرض الشراء الجديد تعديل سعر العرض ليصبح 15.5 جنيه للسهم بدلاً من 15 جنيهاً. كما تضمن إلغاء البند الثالث من تعهدات مقدم العرض، مع عدم السير في إجراءات الشطب الاختياري لقيد أسهم الشركة المستهدفة بالعرض خلال السنتين التاليتين لتنفيذ عرض الشراء.

وتضمن أيضاً تعديل نسبة الأسهم المستهدفة لتصبح نسبة 38.78 في المائة من أسهم رأسمال الشركة بدلاً من 48.78 في المائة بحيث تصبح نسبة مقدم العرض حتى 90 في المائة بدلاً من 100 في المائة مع إلغاء شروط الحد الأدنى لنسبة الاستجابة البالغ 75 في المائة.

يشار إلى أن «سيرا للتعليم» اعتمدت تقرير القيمة العادلة لسهم الشركة المقدم من شركة «BDO كيز للاستشارات المالية»، الذي حدد السهم بقيمة 17.95 جنيه.

وتوقع الرئيس التنفيذي لشركة «سيرا للتعليم»، محمد القلا، حسم عرض الاستحواذ، نهاية يناير (كانون الثاني) الحالي.

فرص استثمارية

وقال القلا: «نعدّ (سيرا كير) أكثر من مجرد مبادرة أو مشروع؛ إنها رؤية متكاملة مبنية على فهم عميق لاحتياجات سوق الرعاية المتزايدة سواء في مصر أو في المنطقة بأكملها. ومع تزايد الطلب على خدمات الرعاية عالمياً، نعمل على أن نكون مستعدين بحلول شاملة ومبتكرة، تركز على معالجة الركائز الأساسية للاقتصاد الرعائي، وتضع مصر في موقع ريادي بوصفها مُصدراً رئيسياً للكوادر الماهرة».

وكشف القلا، في مؤتمر صحافي، عن أن شركته تدرس عدداً من الفرص الاستثمارية في سوقين إقليميّتين، دون ذكر مزيد من التفاصيل، لكنه أشار إلى أنه يدرس عدة فرص بقطاعي التعليم الجامعي وقبل الجامعي، على أن تكون بالشراكة مع صندوق مصر السيادي.

وتمتلك «سيرا للتعليم» 3 جامعات في مصر، وأكثر من 30 مدرسة، فضلاً عن تنفيذ جامعة في دمياط باستثمارات 3.5 مليار جنيه خلال 7 سنوات، وتنفيذ مدرستين بالتعاون مع الصندوق السيادي المصري.

الرعاية والاستثمار

يرى وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، حسن الخطيب، أن الاستثمار في رأس المال البشري يعد الركيزة الأساسية لأي تنمية اقتصادية واجتماعية ناجحة، مشيراً إلى أن الإنسان هو المحور الرئيسي لعملية التنمية، وهو القادر على تحويل التحديات إلى فرص، والموارد إلى ثروات.

وأضاف الخطيب، في كلمته بالمؤتمر الصحافي، أن «مصر بفضل ثروتها البشرية الهائلة تمتلك كل المقومات لتحقيق قفزات تنموية غير مسبوقة حيث يبلغ عدد القوى العاملة الماهرة نحو 31 مليون مصري، وهي قوة عاملة شابة، متعلمة وطموحة».

وأشار هنا إلى أن «الأجور في مصر تعد تنافسية جداً مقارنة بعدد من الدول الأخرى، مما يجعل من مصر سوقاً مثالية للمستثمرين الباحثين عن إنتاجية عالية بتكلفة معقولة، ويجعل الكوادر المصرية الخيار الأول للعديد من الأسواق العالمية».

ولفت الوزير إلى أن ملف العاملين بالخارج يأتي في صلب اهتمامات الدولة، حيث يمثل تصدير العمالة المصرية الماهرة إلى الخارج مصدراً للدخل ووسيلة لتعزيز مكانة مصر على الخريطة العالمية، مشيراً إلى أن المصريين العاملين في الخارج يتجاوز عددهم 5 ملايين، موزعين في مختلف دول العالم، خصوصاً في منطقة الخليج العربي.


مقالات ذات صلة

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

الاقتصاد مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث تجاوز عدد الخدمات المقدمة 18 مليون خدمة.

بندر مسلم (الرياض)
رياضة سعودية الأمير الوليد بن طلال ويزيد الحميّد خلال توقيع اتفاقية الاستحواذ (صندوق الاستثمارات العامة)

رسمياً... شركة المملكة القابضة تستحوذ على 70% من شركة نادي الهلال

وقّع صندوق الاستثمارات العامة وشركة المملكة القابضة اليوم الخميس اتفاقية بيع وشراء أسهم ملزمة، تستحوذ بموجبها شركة المملكة القابضة على 70% من إجمالي رأس المال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي ياسر الرميان (الشرق الأوسط) p-circle 02:12

الرميان: العمل جارٍ لإعادة هيكلة مشاريع «نيوم» وتعزيز الجدوى المالية

قال محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي ياسر الرميان، إن العمل جارٍ لإعادة هيكلة المشاريع في شركة «نيوم» لتحقيق جدوى مالية مستدامة في المستقبل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد القطارات التابعة للشركة السعودية للخطوط الحديدية (واس)

ترسية عقد تصميم الجسر البري السعودي على شركة إسبانية

يشهد مشروع «الجسر البري السعودي» تقدماً ملحوظاً بعد فوز شركة «سينر» الإسبانية بعقد تصميم المشروع، في خطوة تمثل محطة مهمة ضمن برنامج السكك الحديدية في المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الجدعان مشاركاً في اجتماع الطاولة المستديرة الذي نظمته غرفة التجارة الأميركية في واشنطن (إكس)

الجدعان: اقتصاد السعودية أثبت كفاءته في مواجهة الصدمات

أكّد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المملكة أثبتت قدرة فائقة على التعامل مع الصدمات الاقتصادية العالمية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الذهب يستقر مدعوماً بآمال السلام ويتجه لمكاسب أسبوعية رابعة

TT

الذهب يستقر مدعوماً بآمال السلام ويتجه لمكاسب أسبوعية رابعة

استقر الذهب خلال تعاملات يوم الجمعة، متجهاً لتسجيل مكاسب للأسبوع الرابع على التوالي، في ظل تنامي الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، ما ساهم في تهدئة المخاوف المرتبطة بارتفاع التضخم واستمرار تشديد السياسة النقدية.

وارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.2 في المائة ليبلغ 4797.49 دولار للأونصة بحلول الساعة 04:35 بتوقيت غرينتش، محققاً مكاسب أسبوعية بنحو 1.1 في المائة. كما صعدت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم يونيو (حزيران) بنسبة 0.2 في المائة إلى 4818.80 دولار، وفق «رويترز».

ودخل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، الممتد لعشرة أيام، حيّز التنفيذ يوم الخميس، فيما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إمكانية عقد اجتماع بين الولايات المتحدة وإيران خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وقال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق في شركة «كيه سي إم ترايد»، إن المستثمرين يراقبون عن كثب أي تقدم ملموس في المحادثات الأميركية - الإيرانية، موضحاً أن أي اختراق أو تمديد لوقف إطلاق النار الهش من شأنه تهدئة أسواق النفط وكبح مخاوف التضخم، وهو ما قد يفتح المجال أمام مزيد من الارتفاع في أسعار الذهب.

في المقابل، يتجه الدولار الأميركي لتسجيل تراجع للأسبوع الثاني على التوالي، ما يجعل السلع المقومة به أكثر جاذبية لحائزي العملات الأخرى. كما أسهم انخفاض أسعار النفط في تخفيف الضغوط التضخمية، وسط تفاؤل متزايد باقتراب نهاية الحرب الإيرانية.

وكانت المخاوف من ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثيرها في التضخم، وما يستتبعه من إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، قد دفعت أسعار الذهب للتراجع بأكثر من 8 في المائة منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير (شباط).

ورغم أن الذهب يُعد ملاذاً آمناً في مواجهة التضخم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يقلص جاذبيته نظراً لكونه أصلاً لا يدر عائداً.

من جانبها، توقعت شركة «بي إم آي» التابعة لـ«فيتش سوليوشينز» استمرار بعض الضغوط الهبوطية على الذهب خلال الفترة المقبلة، مع بقاء الأسعار مدعومة فوق مستوى 3500 دولار للأونصة بفعل المخاطر الجيوسياسية المستمرة وخصائصه كملاذ آمن.

ويُسعّر المتداولون حالياً احتمالاً بنحو 27 في المائة لقيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى خفضين خلال العام قبل اندلاع الحرب.

في سياق متصل، أوقفت البنوك الهندية طلبات استيراد الذهب والفضة من الموردين الأجانب، نتيجة تعليق شحنات كبيرة في الجمارك بسبب غياب توجيهات حكومية رسمية تسمح باستيراد السبائك.

أما المعادن النفيسة الأخرى، فقد ارتفعت الفضة بنسبة 0.9 في المائة إلى 79.12 دولار للأونصة، متجهة نحو تحقيق مكاسب للأسبوع الرابع على التوالي. كما صعد البلاتين بنسبة 0.3 في المائة إلى 2092.07 دولار، والبلاديوم بنسبة 0.5 في المائة إلى 1558.47 دولار، مع توقعات بتسجيلهما مكاسب أسبوعية ثالثة على التوالي.


صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.