استهداف 3 ناقلات إيرانية... «سنتكوم» توسّع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»

أربعة صواريخ أصابت سفينة قرب مرسى جزيرة خرج... وطهران لوّحت بضربات أشد على السفن الأميركية

لقطة من فيديو للجيش الأميركي تُظهر استهداف ناقلة نفط إيرانية السبت (سنتكوم)
لقطة من فيديو للجيش الأميركي تُظهر استهداف ناقلة نفط إيرانية السبت (سنتكوم)
TT

استهداف 3 ناقلات إيرانية... «سنتكوم» توسّع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»

لقطة من فيديو للجيش الأميركي تُظهر استهداف ناقلة نفط إيرانية السبت (سنتكوم)
لقطة من فيديو للجيش الأميركي تُظهر استهداف ناقلة نفط إيرانية السبت (سنتكوم)

أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، السبت، أنها ضربت ثلاث ناقلات إيرانية للنفط الخام، بينها ناقلة قبالة جزيرة خرج، رداً على إطلاق «الحرس الثوري» صواريخ باليستية باتجاه سفينتَين حربيتَين أميركيتَين في مياه المنطقة.

وقالت «سنتكوم» إن حاملة طائرات أميركية ومدمّرة مزوّدة بصواريخ موجّهة تمكّنتا من تفادي عدة هجمات إيرانية، ولم يصب أي من أفراد القوات الأميركية.

وبعد الهجمات، عطّلت القوات الأميركية بصورة دائمة ناقلة النفط «داوني» قبالة ساحل جزيرة خرج، وناقلة «ستارك 1» قرب جاسك في خليج عُمان، بحسب البيان.

وقالت القيادة إنها دمّرت ناقلة النفط الخام الفارغة «كايلو»، المعروفة أيضاً باسم «نوكسن»، بالكامل في خليج عُمان، بعدما وجّهت طاقمها إلى مغادرة السفينة، ثم استهدفت عدة مواقع حيوية فيها، لجعلها غير صالحة للتشغيل.

ووصف قائد «سنتكوم»، الأدميرال براد كوبر، الضربات بأنها رسالة مباشرة إلى «الحرس الثوري»، قائلاً: «إذا أطلقتم النار على اثنتين من سفننا، فسوف نفرض عليكم تكلفة اقتصادية أكبر، بإخراج ثلاث من سفنكم من الخدمة».

وحذّر كوبر من أن القوات الأميركية «لن تتردد» في الدفاع عن نفسها، مضيفاً أنه إذا اقتضى الأمر «فسندمر أسطول النفط الإيراني المحدود والمكشوف».

ولوّحت عمليات هيئة الأركان الإيرانية بتوسيع الهجمات على القطع البحرية الأميركية. وقالت في بيان إن استمرار «الاعتداءات وتهديد أمن السفن الإيرانية والحصار البحري» سيقابل بضربات أشد على السفن العسكرية الأميركية في المنطقة، محذرة من «إمكانية توسيع نطاقها».

وبدوره، صعّد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث التهديد، قائلاً إن الولايات المتحدة ستدمر ناقلات النفط الإيرانية وتغرقها إذا واصلت طهران إطلاق النار على السفن الأميركية.

وكتب هيغسيث على منصة «إكس»: «الأمر بسيط: إذا أطلقت إيران النار على السفن الأميركية، فسندمر ناقلاتها النفطية ونغرقها»، مضيفاً أن المطلوب من طهران هو «ألا تطلق النار على البحرية الأميركية».

وقال إن أسطول ناقلات النفط الإيراني «بلا دفاع»، مضيفاً أن الطائرات والسفن والغواصات الأميركية قادرة على استهدافه، ومكرراً قوله إن إيران لم تعد تملك قوة بحرية أو جوية.

وبثت «سنتكوم» تسجيلات مصوّرة للضربات الثلاث، تظهر إصابة الناقلات بمقذوفات وتصاعد ألسنة النار وكرات اللهب منها.

وقالت القيادة الأميركية إن الناقلات الثلاث التي استُهدفت، السبت، جزء من «شبكة ظل» تُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات، تموّل «الحرس الثوري» ووكلاءه الإقليميين، مضيفة أن إيران «لا تملك أي وسيلة للدفاع عنها».

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بأنها تلقت تقريراً عن تعرّض عدة سفن تجارية في شمال الخليج العربي وخليج عُمان لنيران أدت إلى تعطيلها، في إطار النشاط العسكري المستمر في المنطقة.

وقالت الهيئة إن السلطات المختصة تتابع الحوادث، وإن التحقيقات لا تزال جارية، مضيفة أنها لا تستطيع حتى الآن تأكيد وقوع إصابات أو أضرار بيئية.

وقال التلفزيون الإيراني إن الأصوات التي سمعت في المنطقتين ناجمة عن التعامل مع «سفن مخالفة» في مضيق هرمز، نافياً وقوع انفجارات في المنطقتين.

لقطة من فيديو للجيش الأميركي تُظهر استهداف ناقلة نفط إيرانية السبت (سنتكوم)

ناقلة قرب خرج

سبق الإعلان الأميركي تقارير إيرانية أفادت بتعرّض ناقلة لضربة قرب جزيرة خرج، المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية.

وذكرت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، نقلاً عن مراسلها ومصادر محلية، أن ناقلة إيرانية أُصيبت بأربعة مقذوفات أميركية على مسافة ستة أميال، نحو 11 كيلومتراً، من الجزيرة.

وأفادت الوكالة بعدم وقوع خسائر بشرية، وقالت إن أفراد الطاقم كانوا يغادرون الناقلة.

كما نقلت وكالة «دانشجو»، التابعة لـجهاز «الباسيج»، عن مصادر محلية أن السفينة المستهدفة «ناقلة صغيرة»، وأن الهجوم لم يسفر عن إصابات. وبثت الوكالة صوراً من خرج، قائلة إن الأوضاع بدت هادئة، ولم تظهر مؤشرات على حرائق أو أعمدة دخان حول الجزيرة. وأفادت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، بسماع دوي عدة انفجارات قرب الجزيرة.

ولم يتضح ما إذا كانت الناقلة التي تحدثت عنها وسائل الإعلام الإيرانية هي «داوني» التي أعلنت «سنتكوم» لاحقاً تعطيلها قبالة خرج.

وكانت جزيرة خرج قد تعرضت خلال الحرب لضربات أميركية استهدفت مواقع عسكرية، بينها هجمات في مارس (آذار).

لقطة من فيديو للجيش الأميركي تُظهر لحظة إصابة ناقلة نفط إيرانية بمقذوف السبت (سنتكوم)

«ناقلة مقابل ناقلة»

وأعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن طهران ستتخذ «إجراءات مقابلة» رداً على التحركات الأميركية، دفاعاً عن سيادتها ومصالحها الوطنية.

ونددت الوزارة بالهجمات الأميركية على ناقلات إيرانية، ووصفتها بأنها «غير قانونية وعدوانية». وحمّلت الحكومة الأميركية وشركاءها مسؤولية تداعيات استمرار الهجمات على السفن التجارية والمصالح الإيرانية.

وتنسجم ضربات السبت مع تحول في قواعد الاشتباك الأميركية حول مضيق هرمز بدأ يظهر بصورة واضحة مطلع الشهر الجاري، عندما استهدفت القوات الأميركية ناقلتَين إيرانيتَين للمرة الأولى ضمن جولة واسعة من الضربات على مواقع وقدرات عسكرية إيرانية.

وأفاد مسؤولون أميركيون، حينها، بأن طائرات مسيّرة أطلقت صواريخ على غرف المحركات في ناقلتَين تابعتَين للحكومة الإيرانية كانتا راسيتين قبالة الساحل شمال خط الحصار البحري الأميركي.

وكشف موقع «أكسيوس» عن أن الرئيس ترمب أقر نهجاً حمل داخل الإدارة وصف «ناقلة مقابل ناقلة»، يسمح باستهداف سفن إيرانية رداً على استهداف طهران السفن في مضيق هرمز، بدلاً من حصر الضربات بالناقلات التي تحاول اختراق الحصار.

واعترض «الحرس الثوري» آنذاك على الرواية الأميركية، قائلاً إن الناقلتَين اصطدمتا بألغام بعدما حاولتا العبور خارج المسار الملاحي الذي حدّدته القوات الإيرانية.

لكن بيان «سنتكوم» الجديد نقل المبدأ خطوة أخرى إلى الأمام. فالمعادلة التي عرضها كوبر لم تعد رد «سفينة مقابل سفينة»، بل فرض «تكلفة اقتصادية أعلى» عبر استهداف عدد أكبر من الناقلات الإيرانية من عدد السفن الأميركية التي تتعرّض للهجوم.

وتزامنت الضربات على الناقلات مع تجدّد المواجهة حول مضيق هرمز بعد فترة من الهدوء النسبي، واستئناف القوات الأميركية عملياتها ضد أهداف عسكرية إيرانية في الأيام الأخيرة.

لقطة من فيديو للجيش الأميركي تُظهر تصاعد الدخان من ناقلة نفط إيرانية السبت (سنتكوم)

وكانت واشنطن قد قالت إن ضرباتها السابقة استهدفت قدرات دفاع جوي ورادارات ومنشآت اتصالات ومواقع لزرع الألغام ومنصات لصواريخ كروز مضادة للسفن وطائرات مسيّرة تابعة لـ«الحرس الثوري».

وبرّرت «سنتكوم» تلك العمليات بمحاولات إيرانية لاستهداف سفن تجارية وقوات أميركية، بالتوازي مع استمرار البحرية الأميركية في مرافقة سفن عبر المضيق.

أما طهران فتتمسك بفرض قواعدها على حركة العبور، وتقول إن السفن يجب أن تسلك المسارات التي تحدّدها القوات الإيرانية.

ويمثّل استهداف ناقلة قبالة خرج تطوراً أكثر حساسية بالنسبة إلى طهران، لأن المنطقة تقع في قلب البنية التحتية التي اعتمدت عليها إيران تاريخياً لتصدير معظم نفطها الخام.

وتزيد ضربات السبت الضغط على أسطول الناقلات الإيراني، بالتوازي مع حصار الموانئ والعقوبات والعقوبات الثانوية التي تستخدمها واشنطن لمنع طهران من الالتفاف على القيود وإبقاء صادراتها النفطية خارج الأسواق.

ونقلت «رويترز» عن مصدر إيراني رفيع قوله إن مخزون إيران من البنزين يكفي لنحو شهرَيْن فقط، مع تزايد تكلفة الحرب والعقوبات الاقتصادية، مشيراً إلى أن البلاد تضطر إلى استيراد البنزين بسبب محدودية قدراتها على التكرير.

وبحسب الوكالة، قطع الحصار الأميركي المستمر على الموانئ الإيرانية صادرات النفط، المصدر الرئيسي لإيرادات طهران. وقالت ثلاثة مصادر إيرانية إن الإجراءات الأميركية تركت لإيران قنوات محدودة للحصول على العملات الأجنبية والسلع.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أطلقت الأسبوع الماضي عملية «المنبوذ الاقتصادي»، التي قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إنها تستهدف «تضييق الخناق وقطع كل مصدر محتمل للإيرادات يمول (الحرس الثوري) والنظام الإيراني».

وتزامن التصعيد العسكري مع استمرار تعثر المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، بعد نحو شهر من الهدوء النسبي في المواجهة.

جزيرة استراتيجية

وتحمل الجزيرة أهمية خاصة لصادرات إيران النفطية؛ إذ كانت نحو 90 في المائة من صادرات الخام الإيراني تمر عبرها قبل الحرب. وتوقفت معظم التدفقات منذ بدء الحصار الأميركي على صادرات النفط الإيرانية في منتصف أبريل (نيسان).

ولوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً باستهداف خرج. ففي 31 أغسطس (آب)، نشر مقطعاً مُنشأ بالذكاء الاصطناعي مرفقاً بعبارة قال فيها إن الجزيرة «ستُسوّى بالأرض»، وردت طهران بالتحذير من رد قوي إذا استُهدفت.

وكان ترمب قد تحدث في 11 يونيو (حزيران) عن السيطرة على الجزيرة، قبل أن يؤجل تهديده بعملية عسكرية عليها قبيل الاتفاق المؤقت الذي وقعته واشنطن وطهران في 17 يونيو.

ومن شأن أي هجوم أميركي على خرج أن يزيد الضغوط على قطاع النفط الإيراني والاقتصاد الأوسع، اللذَيْن يتعرضان بالفعل لتداعيات الحصار البحري الأميركي.

وفرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية، بعدما أغلقت طهران إلى حد بعيد مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

وتُعدّ إيران ثالث أكبر منتج في منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك».


مقالات ذات صلة

«الجامعة العربية» لإصدار قرار بشأن الاعتداءات الإيرانية

العالم العربي جانب من اجتماع المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)

«الجامعة العربية» لإصدار قرار بشأن الاعتداءات الإيرانية

يعقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً، الاثنين، في بداية الدورة الـ«166» لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتجه إلى الصعود على متن الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند يوم 4 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب) p-circle

ترمب وحرب إيران... تهدئة انتخابية أم تصعيد مؤجل؟

لا يمكن فصل إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على وصف الحرب مع إيران بأنها «أمر بسيط» عن اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

إيلي يوسف ( واشنطن)
شؤون إقليمية جانب من الاجتماع الفصلي للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز) p-circle

طهران تهاجم مسعى إحالة «النووي» إلى مجلس الأمن

هاجمت إيران مسعى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا لاستصدار قرار من مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية يحيل ملفها النووي إلى مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (لندن - فيينا)
شؤون إقليمية عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

استخبارات أميركية: إيران تستعد لإطالة الحرب

أصبحت إيران أكثر جرأة في مهاجمة أهداف في الشرق الأوسط، وتبدو مصممة على إطالة أمد الصراع مع الولايات المتحدة لأشهر، وفق تقارير استخباراتية أميركية حديثة.

جوليان بارنز (واشنطن) داستن فولز (واشنطن)
الاقتصاد مدينة الدوحة (رويترز)

«فيتش» تبقي تصنيف قطر عند «AA» وترفعها من قائمة المراقبة السلبية

أزالت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني قطر من قائمة «المراقبة السلبية» وأبقت تصنيفها السيادي عند «AA»، مشيرة إلى تراجع المخاطر التي تهدد منشآت الغاز الطبيعي المسال.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

ترمب وحرب إيران... تهدئة انتخابية أم تصعيد مؤجل؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتجه إلى الصعود على متن الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند يوم 4 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتجه إلى الصعود على متن الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند يوم 4 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب وحرب إيران... تهدئة انتخابية أم تصعيد مؤجل؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتجه إلى الصعود على متن الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند يوم 4 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتجه إلى الصعود على متن الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند يوم 4 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

لا يمكن فصل إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على وصف الحرب مع إيران بأنها «أمر بسيط» عن اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فقد قدّم نفسه بوصفه رافضاً للحروب الطويلة، ويحتاج إلى إقناع الناخبين بأن المواجهة لم تتحول إلى مستنقع جديد، وأن ارتفاع تكلفتها لا يعني فقدان السيطرة عليها.

ولهذا تؤدي العبارات التي استخدمها في الآونة الأخيرة وظيفتَيْن متلازمتَيْن، تثبيت صورة الانتصار الأميركي وتقليص الوزن السياسي للحرب في سباق انتخابي صعب على الجمهوريين.

غير أن هذه اللغة تُخفي تحولاً فعلياً في حسابات البيت الأبيض. فلم يتخلَّ ترمب عن أهدافه القصوى، وفي مقدمتها منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وإنهاء قدرتها على ممارسة نفوذ إقليمي، لكنه بات أكثر حساسية لتوقيت استخدام القوة وحجمها، بعدما أصبحت أسعار الطاقة والخسائر البشرية، رغم محدوديتها، واستنزاف الذخائر؛ عوامل ضغط داخلية متزايدة.

احتواء حتى نوفمبر

ويدفع عدد من كبار مساعدي ترمب، بينهم نائبه جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، إلى إبقاء التصعيد تحت سقف مضبوط حتى الانتخابات، مع إعطاء الأولوية للعقوبات والحصار والضغط الاقتصادي. ونقلت «رويترز» عن مسؤول في البيت الأبيض قوله إن الضغط على إيران مستمر، «لكن نوفمبر أولوية». كما تحدثت مصادر عن احتمال العودة إلى ضربات أشد بعد الانتخابات من دون اتخاذ قرار نهائي بعد.

هذه الضغوط لا تعني أن ترمب خاضع بالكامل للحسابات الحزبية، لكنها تضيّق هامش خياراته. فقد أظهر استطلاع «رويترز/إبسوس» أن ربع الأميركيين فقط يرون الحرب جديرة بتكلفتها، فيما يحاول مساعدوه منعها من التحول إلى القضية المهيمنة على الانتخابات. كما أن تسميتها «نزاع عسكري محدود»، رغم تجاوز تكلفتها 37.5 مليار دولار ومقتل 18 عسكرياً أميركياً، تعكس محاولة لنزع صفة الحرب عنها وخفض حضورها في وعي الناخب. ومع ذلك، تبقى التهدئة الانتخابية هشّة، فأي ضربة إيرانية توقع قتلى أميركيين، أو تهدد منشآت حيوية في المنطقة، أو تعطّل مضيق هرمز بصورة أوسع، قد تجبر ترمب على الرد بقوة قبل الانتخابات. وفيما يريد هو تجنّب حرب شاملة، لا يستطيع في الوقت نفسه تحمل اتهامه بالضعف أو السماح لطهران بالظهور وكأنها تفرض قواعد الاشتباك. في الجهة الأخرى، تدرك طهران هذه المعضلة، وتبدو استراتيجيتها تقوم على «الصمود وإطالة المواجهة»، أملاً في أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود وتراجع تأييد الحرب إلى إضعاف الجمهوريين. لكنها تخاطر عبر استمرار الهجمات، بمنح ترمب المبرر السياسي الذي يحتاج إليه للانتقال من الاحتواء إلى التصعيد.

بعد الانتخابات ليس بلا قيود

بعد نوفمبر، من المرجح أن يتراجع الضغط، ما قد يمنح ترمب حرية أكبر لاستهداف منشآت النفط، أو توسيع الحصار، أو ضرب ما تبقى من القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية. وتعمل إدارته بالفعل على استراتيجية لما بعد الحرب، تقوم على احتواء إيران إقليمياً وتشكيل تحالف أوسع في مواجهتها. غير أن نتيجة الانتخابات ستحدد أيضاً حدود هذه الحرية. فإذا احتفظ الجمهوريون بمجلسي «الكونغرس» فقد يحصل ترمب بسهولة أكبر على التمويل اللازم لتجديد الذخائر ومواصلة العمليات. أما إذا انتقلت إحدى الغرفتَيْن إلى الديمقراطيين فقد يواجه ترمب رقابة أشد ومعارك حول التمويل وصلاحيات الحرب، وإن ظل قادراً على تنفيذ ضربات محدودة بصفته القائد الأعلى للقوات الأميركية.

كما أن القيود العسكرية لن تنتهي بعد الانتخابات. فقد كشفت تقارير عن نقص في الصواريخ الاعتراضية والذخائر الهجومية، وعن خلافات داخل الإدارة بشأن تقديرات الحرب، وهي تقارير نفاها البيت الأبيض و«البنتاغون». وعليه فقد يكون ما بعد الانتخابات مرحلة ضغط اقتصادي وعسكري أطول، لا هجوماً حاسماً واحداً. لذلك، يبدو ترمب خاضعاً للضغوط الداخلية في توقيت التصعيد، أكثر من خضوعه لها في أهداف الحرب. فهو يريد عبور انتخابات نوفمبر بأقل قدر من الخسائر والأسعار المرتفعة التي تراهن عليها طهران، ثم استعادة حرية الحركة. لكن أي حادث دموي كبير أو حسابات إيرانية وإسرائيلية خاطئة قد تحوّل التصعيد المؤجل إلى مواجهة تفرض توقيتها بنفسها.


طهران تهاجم مسعى إحالة «النووي» إلى مجلس الأمن

جانب من الاجتماع الفصلي للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)
جانب من الاجتماع الفصلي للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)
TT

طهران تهاجم مسعى إحالة «النووي» إلى مجلس الأمن

جانب من الاجتماع الفصلي للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)
جانب من الاجتماع الفصلي للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)

هاجمت إيران مسعى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا لاستصدار قرار من مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية يحيل ملفها النووي إلى مجلس الأمن، عادّةً أن التحرك يكشف «الفشل الكامل لوهم سناب باك»، في إشارة إلى إعادة العقوبات الأممية على طهران العام الماضي.

وكتبت البعثة الإيرانية لدى المنظمات الدولية في فيينا على منصة «إكس» أن واشنطن والدول الأوروبية الثلاث «تعتزم مرة أخرى تقديم قرار ضد إيران في مجلس المحافظين، وإرسال الملف النووي الإيراني، إلى مجلس الأمن في نيويورك».

وأضافت البعثة: «يبدو أنهم أنفسهم لا يؤمنون حتى بـ(سناب باك) وإعادة الملف النووي الإيراني إلى جدول أعمال مجلس الأمن، وهو ما قاموا به سابقاً وروجوا له على نطاق واسع».

وعدّت أن الخطوة «دليل على الفشل الكامل لوهم (سناب باك)»، ووصفت مشروع القرار الجديد بأنه «محاولة يائسة» لن تحقق أي مكاسب للأطراف الغربية.

وأشارت البعثة إلى الخطوة التي اتخذتها فرنسا وبريطانيا وألمانيا في أغسطس (آب) 2025 لتفعيل آلية إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة بموجب الاتفاق النووي لعام 2015. وعارضت روسيا والصين شرعية الإجراء، لكن العقوبات الأممية أعيد فرضها رسمياً في سبتمبر (أيلول) 2025 بعد إخفاق مجلس الأمن في تمديد الإعفاءات.

وتتمسك طهران بأن القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن انتهى وفقاً لأحكامه، وترفض أي محاولة لإحياء قرارات سابقة أو الاستناد إلى آليات تقول إنها منقضية، عادّةً إياها «فاقدة للوجاهة القانونية وغير مشروعة».

صورة نشرها مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي على منصة «إكس» من لقائه مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونائبه كاظم غريب آبادي في جنيف يوم الاثنين

مشروع قيد التفاوض

ويبدأ الاجتماع الفصلي لمجلس محافظي الوكالة، الاثنين المقبل في فيينا، وسط تحرك أميركي - أوروبي لحشد التأييد داخل المجلس المؤلف من 35 دولة لمشروع القرار.

وكشف دبلوماسيون ومشروع اطلعت عليه «رويترز» أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا تسعى إلى إحالة إيران إلى مجلس الأمن للمرة الأولى منذ 20 عاماً، بسبب ما تعدّه عدم امتثال لالتزاماتها المتعلقة بعدم الانتشار النووي.

وبموجب التزامات إيران بصفتها طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، يتعين عليها إعلان جميع المواد والأنشطة النووية، والسماح لمفتشي الوكالة بالتحقق من عدم تحويلها عن الاستخدامات السلمية.

وينص المشروع على مطالبة المدير العام للوكالة رافائيل غروسي بإحالة القرار والقرارات السابقة المتعلقة بإيران إلى جميع الدول الأعضاء في الوكالة، إضافة إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

كما يجدد مطالبة طهران بـ«معالجة عدم امتثالها لاتفاق الضمانات بصورة عاجلة»، واتخاذ الخطوات التي تراها الوكالة ومجلس المحافظين ضرورية لتمكين غروسي من تقديم ضمانات بشأن «صحة واكتمال» الإقرارات الإيرانية.

ولم يقدم المشروع رسمياً بعد، وفق دبلوماسيين قالوا إن المفاوضات بشأن صيغته لا تزال مستمرة، ما يتيح لأعضاء المجلس اقتراح تعديلات قبل طرح النص للتصويت الأسبوع المقبل.

خلاف على المخزون والتفتيش

وسبق لمجلس المحافظين أن تبنى في 12 يونيو (حزيران) 2025 قراراً خلص إلى أن إيران انتهكت التزاماتها المتعلقة بالضمانات وعدم الانتشار، بسبب عدم تعاونها الكامل مع تحقيق بشأن آثار يورانيوم عُثر عليها في مواقع غير معلن عنها.

وبدأت إسرائيل في اليوم التالي قصف المنشآت النووية الإيرانية، قبل أن تنضم الولايات المتحدة إلى الهجمات بعد فترة وجيزة، ما أدى إلى تدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بمنشآت تخصيب إيرانية.

ومنذ تلك الضربات، لم تسمح طهران لمفتشي الوكالة بالعودة إلى المواقع التي تعرضت للقصف أو التحقق مما تبقى من مخزون اليورانيوم المخصب.

وكانت الوكالة تقدر قبل الهجمات أن إيران تمتلك 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب إلى مستوى 60 في المائة، وتعدّ حجم المخزون عند هذا المستوى «مسألة تثير قلقاً بالغاً».

ووفق معايير الوكالة، تكفي هذه الكمية، إذا خُصبت بدرجة أعلى، لإنتاج مواد انشطارية لنحو عشرة أسلحة نووية. وتنفي إيران أنها تسعى إلى صنع قنبلة ذرية.

ومن غير المرجح أن يفضي انتقال الملف إلى مجلس الأمن إلى إجراءات عقابية ملموسة، في ظل امتلاك روسيا والصين حق النقض.


«الكردستاني» يهدد بوقف «عملية السلام» مع تركيا

قيادات حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق (رويترز)
قيادات حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق (رويترز)
TT

«الكردستاني» يهدد بوقف «عملية السلام» مع تركيا

قيادات حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق (رويترز)
قيادات حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق (رويترز)

هددت قيادات حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق بوقف «عملية السلام والمجتمع الديمقراطية» الجارية مع تركيا، التي تقوم بالأساس على حل الحزب ونزع أسلحته، ما لم تتخذ حكومتها «خطوات ديمقراطية».

وقال عضو المجلس التنفيذي لـ«اتحاد مجتمعات كردستان»، المظلة الجامعة للتنظيمات الكردية بما فيها «العمال الكردستاني»، جميل بايك، إن «العملية» التي تطلق عليها الحكومة التركية «عملية تركيا خالية من الإرهاب»، ستتوقف ما لم تتخذ خطوات ديمقراطية.

وتطرق بايك إلى نزع أسلحة «العمال الكردستاني» كشرط للانتقال إلى المجال الديمقراطي ودمج أعضاء الحزب في المجتمع التركي، ووجَّه انتقادات إلى «قانون التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي»، الذي أقره البرلمان التركي في 10 أغسطس (آب) الماضي، والمعروف باسم «القانون الإطاري»، قائلاً إنه يعد بداية؛ لكنه «ناقص».

انتقادات وتهديد

وأوضح بايك أنه لم يتم توضيح مبرر إصدار القانون، وأن الاكتفاء بالقول إن الإرهاب سينتهي أدى إلى إضعافه. لو كان تم النص على أن إلقاء السلاح مرتبط باتخاذ خطوات ديمقراطية، لكان الغرض من القانون مفهوماً.

جميل بايك (إعلام تركي)

وأضاف -في تصريحات لوكالة أنباء «فرات» القريبة من «العمال الكردستاني» نقلتها وسائل إعلام تركية السبت- أن اللغة المستخدمة في القانون خاطئة للغاية، وأنهم أوضحوا، في كل مناسبة، أن هذه العملية لا تقتصر على نزع السلاح؛ بل من المهم النص على الخطوات الديمقراطية التي تستلزمه؛ لأن إلقاء السلاح سيكون من أجل دخول مجال سياسي ديمقراطي.

ولفت إلى أن من القضايا المهمة الأخرى وضع زعيم حزب «العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، وكبار كوادر الحزب؛ لأن استثناء القيادات وعدد كبير من الكوادر المشاركة في العملية، من «القانون الإطاري»، يُعد مشكلة خطيرة، ويجب حل هذه المسألة أيضاً بالنسبة لمن سيعودون إلى تركيا.

ويتضمن القانون، الذي صادق عليه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في 18 أغسطس، تأجيلاً للعقوبات، ووقف الملاحقات، وعودة مشروطة لعناصر «العمال الكردستاني» ممن سيتخلون عن أسلحتهم، ولكنه يستثني -حسب ما رشح من معلومات- 230 من القيادات لن يسمح لهم بالعودة، وقد يقيمون في منطقة آمنة في السليمانية شمال العراق.

عناصر من حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في جبل قنديل شمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)

وفي تهديد صريح بوقف العملية، قال بايك: «إذا تعثرت العملية بسبب غياب الخطوات الديمقراطية، فإن المسؤولية تقع على عاتق الحكومة التركية. يمكن للديمقراطية أن تُقدم حلاً للقضية الكردية، وبهذا القانون تقبل الحكومة ضمنياً بهذه الأمور. إذا لم تُحرز هذه العملية تقدماً بخطوات ديمقراطية، فستُعرقَل، وستكون الحكومة مسؤولة عن ذلك».

ولفت إلى أن المؤسسة الحاسمة في حل القضية الكردية ستكون -بلا شك- هي البرلمان»، مؤكداً ضرورة الاعتراف بوجود الأكراد ولغتهم وثقافتهم وإرادتهم السياسية، وحقوقهم في الحكم الذاتي المحلي، من خلال تعديلات دستورية وقانونية، وأنه لا يمكن تحقيق سلام دائم من دون ذلك.

خطوات تنفيذية

جاءت تصريحات بايك في وقت يتواصل فيه العمل على تشكيل 4 لجان فرعية، تقرر إنشاؤها خلال الاجتماع الأول لـ«مجلس المتابعة والتنسيق الوطني للتضامن والاندماج»، الذي يرأسه نائب الرئيس التركي، جودت يلماظ، ويضم وزراء العدل والدفاع والداخلية والخارجية، ورئيس المخابرات، والأمين العام لرئاسة الجمهورية، والأمين العام لمجلس الأمن القومي، في 24 أغسطس الماضي.

جانب من اجتماع «مجلس الرصد والتقييم والتنسيق» المعني بمراقبة حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته (من حساب نائب الرئيس التركي جودت يلماظ في إكس)

وقالت مصادر في حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، إنه سيتم الانتهاء من تشكيل اللجان الأربع (وهي «التنسيق القضائي والقانوني»، و«المتابعة والرصد»، و«التوافق والاندماج الاجتماعي»، و«نزع السلاح والتنسيق الاستراتيجي») وتحديد آليات عملها خلال شهر سبتمبر (أيلول) الحالي، ولكنها استبعدت منح أوجلان أي صفة رسمية أو عضوية مباشرة في أي من هذه اللجان.

وأوضحت أن أوجلان قد يُساهم في عمل لجنة «نزع السلاح والتنسيق الاستراتيجي»، على وجه الخصوص، نظراً لدوره المهم في مرحلة نزع السلاح، وذلك بعد مطالبات متكررة من الجانب الكردي، ورئيس حزب «الحركة القومية» الحليف للحزب الحاكم، بإعطائه دور المنسق العام للتسييس والاندماج.

في الوقت ذاته، كشفت تقارير صحافية عن أن الآلية الأمنية التي تم إنشاؤها بين أنقرة وبغداد وأربيل والسليمانية ستعمل بشكل مكثف، حتى بداية الفصل التشريعي الجديد للبرلمان التركي في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، لتأييد ما إذا كان حزب «العمال الكردستاني» قد انسحب من 72 نقطة على طول الحدود التركية العراقية، وما إذا كانت مستودعات الأسلحة والذخائر الثقيلة تحت الأرض قد تم إبلاغ حكومة إقليم كردستان العراق عنها؛ حيث سيتم التحقق والتأييد من جانب المخابرات التركية.

جنود أتراك أثناء تمشيط مخابئ لـ«العمال الكردستاني» في جبل قنديل شمال العراق (وزارة الدفاع التركية- إكس)

ووفقاً للخطة المحددة، سيتم إخلاء المعسكرات والكهوف الممتدة إلى جبل قنديل، بما في ذلك الواقعة في مناطق متينا، وزاب، وأفاشين، وباسيان، وهفتانين، بحلول الأول من أكتوبر، وسيسلم نحو 3800 عنصر من حزب «العمال الكردستاني» في 18 معسكراً أسلحتهم، وسيتم نشر قوات حرس الحدود العراقي وقوات البيشمركة، لا سيما في المناطق القريبة من الحدود التركية، وستتعاون إدارتا بغداد وأربيل في هذه المناطق.

أما عن المناطق المخصصة لتسليم الأسلحة، فذكرت صحيفة «نفس» التركية -نقلاً عن مصادر لم تحددها- أن التسليم سيتم في بلدتي العمادية وكاني ماسي في دهوك، وسفح جبل قنديل وبلدة كوي سنجق في أربيل، وقضاء رانية وبلدة سيد صادق في السليمانية.