مع اقتراب الحرب التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران من دخول شهرها السادس، يواجه البيت الأبيض معضلة متزايدة في كيفية إنهاء الصراع، إذ قد يتطلب التوصل إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز تقديم تنازل كانت الإدارة الأميركية قد استبعدته مراراً، وهو قبول درجة من النفوذ الإيراني على الممر البحري، وفق تحليل لوكالة «أسوشيتد برس».
وسيكون أي تنازل صعباً على ترمب، الذي يواصل نفي ما يتردد عن تراجع شعبيته، وتباطؤ الاقتصاد الأميركي، وانخفاض مخزونات بعض الأسلحة بعد أكثر من خمسة أشهر من الحرب. وقال إليوت كوهين، المستشار السابق في وزارة الخارجية خلال إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، إن ترمب «يقسم العالم إلى رابحين وخاسرين، وأي تنازل سيجعله في موقع الخاسر، وهي صورة يصعب عليه تقبلها». وأضاف أن استمرار ارتفاع أسعار الوقود والمخاطر السياسية قبل انتخابات التجديد النصفي قد يزيد الضغوط عليه.
ويرى محللون تحدثوا إلى وكالة «أسوشيتد برس» أن الرئيس الأميركي قد يجد نفسه مضطراً للموازنة بين كلفة استمرار الحرب وكلفة تقديم تنازل لإيران.
وتبقى العقدة الأساسية هي السيطرة على مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من تجارة النفط العالمية.
وبينما يؤكد الجانبان أن الاتفاق بات قريباً، استبعدت إدارة ترمب أي ترتيب يكرس سيطرة إيران على الممر أو يسمح لها بفرض رسوم على السفن.
من جانبها، تتمسك إيران بالحصول على درجة من السيطرة، مؤكدة أن المضيق لن يعود ممراً دولياً مفتوحاً كما كان قبل الحرب. وعلى الرغم من آلاف الضربات الأميركية، لا تزال طهران قادرة على استهداف السفن بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بما يمنحها قدرة على التأثير في حركة الملاحة التجارية.
وقال ديفيد شينكر، المسؤول السابق في وزارة الخارجية خلال الولاية الأولى لترمب، إن الضغوط الاقتصادية المتزايدة قد تدفع الرئيس الأميركي إلى تقديم تنازل بشأن المضيق، رغم ما قد يترتب على ذلك من آثار بعيدة المدى على التجارة العالمية.
وأضاف أن ترمب أظهر بالفعل مدى إلحاح إنهاء الأزمة بالنسبة إليه، وأن هذا قد يكون أحد التنازلات التي يصبح مستعداً لقبولها.
ورغم ذلك، لم يقدم ترمب حتى الآن سوى تنازلات محدودة بشأن الحرب. فقد أكد، الخميس، عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن الجيش الأميركي لا يزال يمتلك «كميات هائلة» من الأسلحة، وأن الإنتاج العسكري مستمر، كما هدد بملاحقة من يسربون معلومات عن مخزونات الأسلحة.
وجاءت تصريحات الرئيس بعدما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أنه أبدى انزعاجه من وزير الدفاع بيت هيغسيث بسبب تقلص مخزون بعض الأسلحة المتطورة خلال اجتماع للحكومة في كامب ديفيد الأسبوع الماضي.
وقال مسؤول كبير في الإدارة إن الاجتماع شهد «نقاشاً قوياً وصحياً» بشأن إيران، نافياً أن يكون قد تحول إلى مواجهة حادة بين المسؤولين، لكنه امتنع عن كشف تفاصيل إضافية بسبب حساسية المداولات الداخلية.
ويقول خبراء إن الجيش الأميركي يواجه تراجعاً في مخزونات بعض الأسلحة، بينها الصواريخ الاعتراضية المتطورة التي استخدمت للدفاع عن القوات الأميركية من الهجمات الإيرانية. كما نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن تقارير استندت إلى وثائق الموازنة ومعلومات عامة تشير إلى انخفاض تلك المخزونات.
وعندما سئل لاحقاً عن الأمر، قال ترمب إن الولايات المتحدة «تحتاج دائماً إلى المزيد» من الأسلحة، مضيفاً أن بعض أنواع الذخائر متوافرة «بكميات شبه غير محدودة»، بينما أصبحت أنواع أخرى «أكثر ضيقاً قليلاً»، من دون أن يقدم تفاصيل.
وأكد أن الولايات المتحدة «في وضع ممتاز»، لكنها تريد دائماً زيادة مخزونها، مشيراً إلى أن الجيش يستطيع الاستفادة من مخزونات الذخيرة الأميركية المنتشرة حول العالم إذا دعت الحاجة.
وفي الوقت نفسه، كان هيغسيث يعقد اجتماعات مغلقة مع أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ سعياً للحصول على مليارات الدولارات الإضافية لوزارة الدفاع ضمن مشروع موازنة جديد.
وقال السيناتور الديمقراطي مارك كيلي، الطيار السابق في البحرية الأميركية، إن نقص الأسلحة يعود إلى حرب افتقرت إلى هدف واستراتيجية واضحين، مضيفاً أن قصف أكثر من 14 ألف هدف لم يكن ضرورياً، وأن البنتاغون يطلب الآن «مليارات ومليارات الدولارات لمعالجة مشكلة تسبب بها بنفسه».
وفي منشور آخر، قال ترمب إن معدلات تأييده هي «الأفضل على الإطلاق»، مستشهداً بأرقام التوظيف وما وصفه بـ«نزع السلاح النووي الإيراني».
لكن استطلاعاً أجراه مركز «أسوشيتد برس - نورك» أواخر يوليو أظهر أن نحو ثلثي الأميركيين يرون أن الحرب مع إيران لم تكن تستحق خوضها، بما في ذلك غالبية الديمقراطيين والمستقلين، إضافة إلى نحو 37 في المائة من الجمهوريين.

ورغم تسجيل الاقتصاد الأميركي مستوى قياسياً في عدد الوظائف خلال يونيو، فإن وتيرة نمو الوظائف تباطأت بصورة ملحوظة خلال الولاية الثانية لترمب.
ويواصل الرئيس الأميركي أيضاً التأكيد أن مضيق هرمز لا يزال مفتوحاً أمام الملاحة التجارية، قائلاً إنه «مفتوح إلى حد ما» في ظل الحصار البحري الذي تفرضه البحرية الأميركية على الموانئ الإيرانية.
وأضاف أن إيران لا تزال قادرة على إطلاق النار أو زرع الألغام، وأن وجود لغم واحد فقط يكفي لردع السفن التجارية عن المجازفة بالعبور.
وبحسب شركة «لويدز ليست إنتليجنس»، أصيبت سفينتان على الأقل في المضيق خلال الأسبوع الماضي، بينما أبلغت سفن أخرى عن حوادث اقتراب أو تلقي تحذيرات من جهات قالت إنها تمثل «الحرس الثوري».
وأشارت الشركة إلى أن عدد السفن العابرة ارتفع إلى 84 رحلة الأسبوع الماضي، مقارنة بـ45 رحلة في الأسبوع السابق، لكنه لا يزال أقل بكثير من المعدل الذي كان يتجاوز 700 رحلة أسبوعياً قبل اندلاع الأزمة.
ويقول مسؤولون أميركيون وإيرانيون إنهم باتوا قريبين من اتفاق لإعادة فتح المضيق، رغم تأكيد الجيش الأميركي أن الممر لا يزال مفتوحاً عبر مسار تشرف عليه القوات الأميركية بالقرب من السواحل العُمانية.
وكانت مصادر قد ذكرت أن الاتفاق المحتمل يطرح بوصفه حلاً مؤقتاً، يسمح للسفن بدخول الخليج العربي عبر مسار يخضع للسيطرة الإيرانية، والخروج عبر مسار تشرف عليه سلطنة عُمان.
وتواصل إدارة ترمب التأكيد أنها تعارض أي ترتيب يسمح لإيران بفرض رسوم على السفن العابرة.
وقال مسؤول أميركي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن أي مسارات مؤقتة لن تتضمن رسوماً أو عوائق أمام الملاحة، مضيفاً أن ترمب ما زال يفضل المسار الدبلوماسي، ويعتقد أنه «يمتلك جميع أوراق القوة» في التعامل مع إيران.
