رفضت إيران المقترح العماني للإدارة الإقليمية المشتركة لمضيق هرمز، متمسكة بسيطرتها على الممر الملاحي الاستراتيجي، في وقت أعلن «الحرس الثوري» استهداف ثلاث ناقلات نفط بدعوى مخالفة التعليمات، وسلكت «مساراً غير آمن وغير قانوني»، في أحدث مؤشر على تعثر الجهود الرامية إلى احتواء أزمة الملاحة.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير قوله إن طهران أبلغت سلطنة عُمان رفضها المقترح، وأنه «لا فرصة لنجاحه»، واتهم هذا المسؤول الولايات المتحدة بمحاولة الضغط على مسقط للمضي في ما وصفها بـ«خطط غير واقعية» بشأن المضيق.
وأضاف أن إيران تتمسك بأن يكون كامل مسار السفن الداخلة إلى المضيق، وجزء من مسار السفن المغادرة، تحت سيطرتها، عادّاً أن تقاسم إدارة الممر مناصفة مع عُمان لا يخدم المصالح الإيرانية، رغم أن طهران تعد مسقط جاراً مهماً.
وجاء الموقف متزامناً مع تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، الذي أعلن أن بلاده رفضت أيضاً المقترح العُماني، موضحاً أن الخطة تقوم على تقسيم المضيق إلى مسارين يتولى كل منهما عبور نصف حركة السفن، وهو ما قال إنه لا يعالج المخاوف الإيرانية.
وأضاف في تصريحات للتلفزيون الرسمي أن طهران قدمت مقترحاً مضاداً يقضي بمرور السفن مؤقتاً عبر المياه الإقليمية الإيرانية، مؤكداً أن سياسة بلاده تقوم على أن مضيق هرمز «لن يعود أبداً إلى وضعه الذي كان عليه قبل الحرب».
وتقود سلطنة عُمان منذ أسابيع وساطة بين إيران والولايات المتحدة لمحاولة التوصل إلى ترتيبات دائمة للملاحة بعد انهيار التفاهمات السابقة، إلا أن تمسك طهران بحقها في إدارة حركة العبور يضع الوساطة أمام اختبار جديد، في وقت تتعامل فيه القوى الغربية مع حرية الملاحة بوصفها أولوية أمنية واقتصادية.
صراع على مسارات العبور
ووفقاً لما نقلته «رويترز» عن مصدر خليجي ودبلوماسي غربي، فإن المقترح العُماني المدعوم إقليمياً لا يمنح إيران سلطة منفردة على المضيق، بل يقوم على إدارة إقليمية مشتركة، مع نظام رسوم طوعية على السفن على غرار النموذج المعمول به في مضيق ملقة الآسيوي، حيث تستخدم إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة المساهمات لتمويل خدمات الملاحة والبحث والإنقاذ وحماية البيئة.

لكن إيران تصر على نموذج مختلف يمنحها اليد العليا في إدارة حركة السفن. ويتركز الخلاف بصورة خاصة حول مسارات العبور، إذ تطالب طهران بأن تستخدم السفن مساراً قريباً من سواحلها، بينما انتقلت أعداد كبيرة من السفن خلال الأسابيع الماضية إلى مسار جنوبي بمحاذاة الساحل العُماني تحت حماية عملية تقودها الولايات المتحدة.
وتعد إيران هذا المسار «غير آمن وغير قانوني»، وتتهم الولايات المتحدة بتوجيه السفن إليه في محاولة لتقويض ترتيباتها الجديدة في المضيق، بينما ترى واشنطن وشركاؤها أن المسار الجنوبي يوفر حرية ملاحة بعيداً عن القيود التي تحاول طهران فرضها.
وكان مضيق هرمز قد تحول إلى محور الصراع منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير (شباط)، بعدما أعلنت إيران عملياً إغلاقه عبر استهداف السفن التجارية وناقلات النفط أو تهديدها. ورغم أن تفاهماً جرى التوصل إليه الشهر الماضي أعاد فتح المضيق جزئياً، فإن الاتفاق انهار مطلع يوليو (تموز) بعد إطلاق النار على سفن استخدمت المسار الذي لا تعترف به طهران.
في الأثناء، أعلنت بحرية «الحرس الثوري» أنها استهدفت ثلاث ناقلات نفط وأجبرتها على التوقف بعد تجاهلها التحذيرات وسلوكها ما وصفته بـ«المسار غير الآمن وغير القانوني».
وقالت البحرية في بيان إنها تواصل «فرض الإدارة الكاملة» على مضيق هرمز، محذرة من أن «التدخل العسكري الأميركي غير القانوني» والتعليمات التي تصدرها القوات الأميركية للسفن في المنطقة «لن تمر دون رد». ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من صحة البيان.
وفي السياق نفسه، نقلت وكالة «فارس» عن مصدر عسكري قوله إن المضيق «لا يزال مغلقاً بالكامل»، وإنه «لا يحق لأي سفينة العبور من دون إذن إيران»، مضيفاً أن القوات المسلحة الإيرانية تفرض سيطرة كاملة على الممر، وأن أي محاولة لعبور السفن، ولا سيما تلك التي لا تستجيب للتحذيرات، ستواجه «رداً حاسماً وفورياً».
كما قال رئيس هيئة الأركان ومنسق شؤون الجيش الإيراني الأميرال حبيب الله سياري إن البحرية الإيرانية تفرض سيطرة كاملة على شرق مضيق هرمز وشمال المحيط الهندي وبحر عُمان، مضيفاً أن «أي تحرك في المضيق لن يتم من دون موافقة القوات الإيرانية».
وفي المقابل، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن أكثر من 20 سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية تنفذ مهمات في أنحاء الشرق الأوسط، بينها فرض «الحصار ذي الجدار الفولاذي» على إيران. وأضافت أنه حتى الثلاثاء 28 يوليو، أعادت قواتها توجيه 18 سفينة تجارية، وعطلت سفينتين، وصعدت إلى متن سفينتين أخريين لضمان «الامتثال الكامل».
There are more than 20 U.S. Navy warships operating across the Middle East supporting military missions, including strict enforcement of America's steel wall blockade against Iran. As of July 28 CENTCOM has redirected 18 commercial vessels, disabled 2, and boarded 2 to ensure... pic.twitter.com/oPVcdQ1Rmw
— U.S. Central Command (@CENTCOM) July 28, 2026
اتصالات دبلوماسية
وفي موازاة التصعيد الميداني، بحث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، خلال اتصال هاتفي، آخر التطورات المتعلقة بمضيق هرمز، واستعرض المباحثات الجارية مع سلطنة عُمان بشأن ترتيبات الملاحة، وفق بيان للحكومة الإيرانية.
وشمل الاتصال أيضاً ملفات أخرى، بينها انتقاد عراقجي بياناً أوروبياً بشأن موظفين فرنسيين في طهران، وملف الهجوم على سفينة تجارية إيرانية، إضافة إلى اطلاع الحكومة الإيرانية على نتائج الاتصالات التي أجراها مع سلطنة عُمان.
وقال الرئيس السابق لمنظمة التخطيط والموازنة الإيرانية داود منظور للتلفزيون الرسمي إن طهران لا تنظر إلى مضيق هرمز بوصفه مصدراً للإيرادات، عادّاً أن الرسوم المحتملة على السفن «قد لا تكون ذات قيمة كبيرة»، لكن الأهمية تكمن فيما وصفه بتعزيز «التنظيم والحوكمة» على أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة.

من جهته، قال نائب رئيس البرلمان الإيراني علي نيكزاد إن مضيق هرمز «لن يعود إلى وضعه الذي كان عليه قبل الحرب»، واصفاً السيطرة الإيرانية عليه بأنها «من ألطاف الله الخفية». وأضاف أن جميع النواب أيدوا مشروع إدارة المضيق، وأن رئاسة البرلمان أحالته إلى لجنة الأمن القومي ولجان أخرى لإجراء المراجعة الفنية والقانونية قبل عرضه على الجلسة العامة.
وفي موازاة ذلك، حذرت صحيفة «كيهان»، المقربة من مكتب المرشد الإيراني، من استئناف التفاوض مع الولايات المتحدة تحت الضغط، وعدّت أن الجمع بين «الحرب والتفاوض» يهدف إلى «الاستسلام التدريجي» لإيران، مضيفة أن أي مفاوضات مستقبلية يجب أن تُجرى من «موقع قوة» وبـ«صلابة ثورية».
