خامنئي يدفن في مشهد وسط دعوات للانتقام

خليفته غاب عن الظهور العلني... وقائد عمليات هيئة الأركان حذر من اعتبار التشييع «علامة ضعف»

شاشة كبيرة تعرض صورتي مجتبى خامنئي وعلي خامنئي في مدينة مشهد (رويترز)
شاشة كبيرة تعرض صورتي مجتبى خامنئي وعلي خامنئي في مدينة مشهد (رويترز)
TT

خامنئي يدفن في مشهد وسط دعوات للانتقام

شاشة كبيرة تعرض صورتي مجتبى خامنئي وعلي خامنئي في مدينة مشهد (رويترز)
شاشة كبيرة تعرض صورتي مجتبى خامنئي وعلي خامنئي في مدينة مشهد (رويترز)

يدفن جثمان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، الخميس، في مدينة مشهد في شمال شرقي إيران، بعد أسبوع من مراسم تشييع وتنقل بين مدن إيرانية وعراقية، في لحظة سياسية حساسة تختبر قدرة القيادة الجديدة على إظهار التماسك، بينما تتصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة.

وبدأت مراسم التشييع الأخيرة قبل الدفن، في مدينة مشهد، مسقط رأس خامنئي، وهي ثاني كبريات المدن الإيرانية. وأفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية بأن الطائرة التي تقل جثمان المرشد الإيراني السابق هبطت في مطار مشهد في شمال شرقي البلاد، بعدما نقل الجثمان من العراق، حيث أقيمت مراسم تشييع في النجف وكربلاء. ونشرت وكالة «إرنا» لقطات لطائرة تابعة لشركة «ماهان إير» على المدرج بعد وصولها.

وجاء الدفن بعد مراسم امتدت أياماً في طهران وقم، وشاركت فيها حشود من أنصار النظام، ورفعت صور خامنئي والأعلام الإيرانية والرايات الحمراء، في مشهد أرادت منه السلطات إظهار وحدة النظام بعد مقتل المرشد في ضربة أميركية - إسرائيلية في 28 فبراير (شباط)، عن 86 عاماً، أمضى نحو 37 منها في منصب ولي الفقيه.

وعلى مدى الأيام الماضية، حشد «الحرس الثوري» وذراعه التعبوية «الباسيج» مشاركين من عدة محافظات. ونقل الإعلام الرسمي عن مسؤول في «الباسيج» بمحافظة خراسان رضوي قوله إن وفوداً من 28 محافظة حضرت.

وبينما اقتربت المراسم من نهايتها، استؤنفت الضربات الأميركية على إيران ليل الأربعاء - الخميس، وردت طهران باستهداف دول الجوار، رغم وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في منتصف يونيو (حزيران). كما عُلقت حركة القطارات بين طهران ومشهد بعد استهداف جزء من خط السكك الحديدية، وفق التلفزيون الرسمي الإيراني، قبل ساعات من بدء مراسم الدفن.

حشود في مدينة مشهد الإيرانية (رويترز)

غياب الخليفة

وطيلة المراسم التي بدأت الجمعة الماضي في طهران، بقي غياب مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل وخليفته، أبرز علامة استفهام في المشهد السياسي الإيراني. ولم يظهر مجتبى علناً منذ الهجوم الذي قتل فيه والده، رغم إعلان تعيينه مرشداً ثالثاً للمؤسسة الحاكمة في مارس (آذار) وصدور بيانات مكتوبة باسمه.

وتقول مصادر إيرانية إن مجتبى أصيب في الهجوم نفسه بجروح خطيرة وتشوهات في الوجه وإصابات في الأطراف، وإنه لا يزال يتعافى من إصاباته. وأضافت المصادر لـوكالة «رويترز» أن الأجهزة الأمنية تسعى أيضاً إلى الحد من ظهوره خشية تعرضه لهجمات أميركية جديدة.

ويزيد غيابه حساسية المرحلة الانتقالية، في وقت تحاول فيه القيادة الجديدة تثبيت صورتها بعد حرب واسعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وبعد أشهر من احتجاجات داخلية مناهضة للحكومة.

هتافات انتقام

في مشهد، احتشد آلاف المشيعين في الشوارع بانتظار وصول موكب الجنازة. ونقلت «رويترز» أن بعض المشاركين رددوا هتافات تدعو إلى الانتقام من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بينها: «نقسم بدم القائد سنقتلك يا ترمب»، فيما رفعت نساء لافتات كتب عليها «اقتلوا ترمب».

وتوعد اللواء علي عبداللهي، قائد عمليات هيئة الأركان المشتركة الإيرانية، بالانتقام لمقتل خامنئي، محذراً الولايات المتحدة وإسرائيل من تفسير مشاهد الحزن في إيران على أنها علامة ضعف.

وقال عبداللهي، في بيان، إن «الغضب» الذي ظهر في مراسم الأسبوع الماضي سيستمر في مسار «الثأر» ممن قتلوا المرشد الإيراني.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مشاركين دعوات مماثلة للانتقام، كما أشارت إلى لافتات تضمنت تهديدات موجهة إلى ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وعند فندق يحمل اسم «ميامي»، ظهرت لافتة كبيرة تتضمن رسماً كاريكاتورياً لترمب ومكافأة على رأسه، وفق الوكالة.

وأفادت الوكالة بأن متطوعين ومسعفين رشوا الحشود بالماء للتخفيف من شدة الحر، بينما انتظر المشيعون بدء الصلاة التي كان من المقرر أن يؤمها حسين نوري همداني، وهو رجل دين محافظ يبلغ 101 عام.

تجمع الإيرانيون في الشارع قبيل جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وأفراد عائلته في مرقد الإمام الرضا بمدينة مشهد (أ.ف.ب)

نهاية عهد طويل

وتغلق جنازة خامنئي مرحلة حكم بدأت عام 1989، حين اختير مرشداً أعلى بعد وفاة المرشد المؤسس (الخميني). وعلى مدى عقود، عزز خامنئي سلطة المؤسسات التابعة لمكتبه، ووسع نفوذ «الحرس الثوري»، وأدار مواجهة طويلة مع الغرب حول البرنامج النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي.

وجرى تعيين نجله، مجتبى خامنئي بدعم من «الحرس الثوري»، الذي ينظر إليه الآن على أنه القوة الأكثر تأثيراً في التفكير السياسي والاستراتيجي داخل إيران.

لكن إرث خامنئي يبقى موضع انقسام حاد؛ فقد رأت وكالة «أسوشييتد برس» أن مواكب التشييع أظهرت قدرة النظام على حشد أنصاره، لكنها لم تحجب طبقات السخط التي تراكمت بفعل القمع والعقوبات وسوء الإدارة الاقتصادية.

ونقلت الوكالة عن عامل في مجال التكنولوجيا في طهران قوله إن المجتمع الإيراني منقسم بعمق حتى داخل الأسر، وإن «فجوة» سياسية واجتماعية اتسعت في البيوت خلال عهد خامنئي. وتحدث الرجل، مثل آخرين قابلتهم الوكالة، من دون كشف اسمه خوفاً على سلامته.

تأتي الجنازة بعد أشهر من احتجاجات واسعة مناهضة للحكومة، وواجهتها قوات الأمن بحملة قمع دامية. وبدأت تلك الاحتجاجات بسبب الأزمة الاقتصادية، ثم تحولت إلى دعوات لإسقاط خامنئي.

وشكلت موجات الاحتجاج منذ عام 2009 نقطة تحول في العلاقة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع، بعدما قُمعت احتجاجات ذلك العام على خلفية اتهامات بتزوير الانتخابات. ومنذ ذلك الحين، توالت احتجاجات واجهتها السلطات بالقوة، فيما تعمقت الأزمة الاقتصادية تحت ضغط العقوبات والحرب.

وقالت شقيقة إحدى القتيلات في احتجاجات يناير (كانون الثاني) لوكالة «أسوشييتد برس» إن كلمة واحدة تلخص إرث خامنئي بالنسبة لها: «الظلم». وقالت إن عائلات من الطبقة العاملة لم تعد قادرة إلا على تأمين احتياجاتها الأساسية بالكاد، في ظل ارتفاع الأسعار وتدهور الاقتصاد.

كما نقلت عن شاب في طهران شارك في احتجاجات يناير قوله إن الانشغال اليومي بالبقاء، وتوفير الإيجار والطعام، صارا يطغيان على كل شيء، بعدما فقد عمله في شركة تكنولوجيا وواجه أصدقاؤه بطالة متزايدة.

جموع في شوارع مدينة مشهد الإيرانية (أ.ف.ب)

مرحلة بلا يقين

يرى مؤيدو خامنئي أنه قاد البلاد في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وحافظ على نفوذ إيران الإقليمي، وخرج من الحرب باتفاق مؤقت يمنح طهران مكاسب فورية، مع احتمال رفع العقوبات إذا توصلت إلى اتفاق نهائي مع واشنطن. لكن معارضيه يربطون عهده بتركيز السلطة، وإضعاف المؤسسات المنتخبة، وتوسيع قبضة الأجهزة الأمنية، وقمع الاحتجاجات، وتقييد الحياة العامة.

وتبحث شريحة واسعة من الإيرانيين عن الاستقرار والتخفيف الاقتصادي، من دون ثقة واضحة بمسار سياسي محدد.


مقالات ذات صلة

تكلفة الحرب تفجر سجالاً داخل إيران

شؤون إقليمية تصاعد الدخان إثر ضربة على العاصمة الإيرانية طهران يوم 3 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكلفة الحرب تفجر سجالاً داخل إيران

اتسعت الخلافات داخل إيران بشأن تكلفة الحرب وجدوى التفاوض والتمسك بتخصيب اليورانيوم، بعدما دخل «الحرس الثوري» على خط سجال بدأ من داخل حكومة الرئيس مسعود بزشكيان.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
تحليل إخباري عنصران من قوات «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي الجمعة (رويترز)

تحليل إخباري بعد 6 أشهر… قادة إيران يتحدون أميركا ولا يبدون تسامحاً مع المعارضة

بعد 6 أشهر من الحرب، تبلورت القيادة الإيرانية حول نواة صلبة من الجنرالات ورجال الدين الراسخين منذ فترة طويلة في نظام الحكم. وهم مستعدون لمواجهة قد تطول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية صورة كبيرة لمجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

المرشد الإيراني يحذر المسؤولين من الانقسامات

دعا المرشد الإيراني مجتبى خامنئي الأحد الإيرانيين إلى تجنب الخلافات والحفاظ على التماسك الداخلي محذراً من أي نشاط يؤدي إلى الانقسام

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران الثلاثاء (أ.ب)

خامنئي يعتبر كشف «نقاط الضعف» مساعدة للعدو

حذَّر المرشد الإيراني مجتبى خامنئي المسؤولين من أن الحديث علناً عن نقاط ضعف البلاد قد يشكل «مساعدة كبيرة للعدو»، داعياً إلى تجنب أي خطاب «يبعث على اليأس».

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية مجتبى خامنئي خلال اجتماع في تسجيل أرشيفي غير مؤرخ يعود إلى ما قبل توليه منصب المرشد الإيراني ونشرته وسائل إعلام إيرانية 24 أغسطس 2026 (رويترز) p-circle

ستة أشهر من الصمت... استمرار غياب مجتبى يثير تساؤلات

بعد ستة أشهر من الغارات الجوية التي أشعلت فتيل الحرب ودفعت بمجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الإيراني، لا يزال مجتبى غائباً تماماً عن الأنظار.

«الشرق الأوسط» (طهران)

الجيش الأميركي يقصف جزيرة لارك... و«الحرس الثوري» يتوعد بالرد

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يقصف جزيرة لارك... و«الحرس الثوري» يتوعد بالرد

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)

ذكر موقع «أكسيوس» الإخباري، نقلاً عن مسؤول أميركي، أن القوات الأميركية استهدفت، في وقت سابق اليوم الأحد، منصتي إطلاق إيرانيتين في جزيرة لارك الإيرانية.

ونقل باراك رافيد مراسل «أكسيوس» عن المسؤول قوله: «رُصدت قوات من الحرس الثوري وهي تستعد لإطلاق صواريخ تحمل ألغاماً بحرية باتجاه مضيق هرمز»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

بدورها، أفادت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني بسماع دوي ‌انفجار ‌قرب جزيرة ‌لارك، مشيرةً إلى ⁠أن سببه لا يزال مجهولاً.

وفي وقت لاحق، ذكرت ​وكالة الأنباء والتلفزيون الإيرانية، نقلاً عن «الحرس ‌الثوري»، ‌أن ​هجوماً ‌أميركياً ⁠على ​جزيرة لارك «تسبب في مقتل وإصابة ⁠عدد ‌من ‌المقاتلين ​والمدنيين» الإيرانيين، وأنه ‌توعد ‌بالرد ومعاقبة المسؤولين.

ولم يقدم ‌«الحرس الثوري» عدداً ⁠دقيقاً للقتلى ⁠والمصابين.

وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، مساء اليوم الأحد، إن ناقلة تعرضت لقصف بمقذوف مجهول قبالة سواحل سلطنة عمان.

ولا تزال إيران تفرض قيوداً إلى حد كبير على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، من خلال تهديد السفن ومهاجمتها، نتيجة حربها مع الولايات المتحدة.

وفي بيان آخر، قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن الهجمات ومحاولات الهجمات والمضايقات التي ينفذها «الحرس الثوري» في مضيق هرمز لا تزال مستمرة.


تكلفة الحرب تفجر سجالاً داخل إيران

تصاعد الدخان إثر ضربة على العاصمة الإيرانية طهران يوم 3 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)
تصاعد الدخان إثر ضربة على العاصمة الإيرانية طهران يوم 3 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تكلفة الحرب تفجر سجالاً داخل إيران

تصاعد الدخان إثر ضربة على العاصمة الإيرانية طهران يوم 3 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)
تصاعد الدخان إثر ضربة على العاصمة الإيرانية طهران يوم 3 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

اتسعت الخلافات داخل إيران بشأن تكلفة الحرب وجدوى التفاوض والتمسك بتخصيب اليورانيوم، بعدما دخل «الحرس الثوري» على خط سجال بدأ من داخل حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، قبل أن يمتد إلى نجل الرئيس وخصوم الحكومة ومعسكر رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف.

ورد نائب الشؤون السياسية في «الحرس الثوري»، يد الله جواني، على تصريحات نائب الرئيس للشؤون التنفيذية محمد جعفر قائم بناه، الذي قال إنه كان سيتخلى عن التخصيب لو علم أن الحرب ستؤدي إلى مقتل المرشد السابق علي خامنئي.

وقال جواني إن من يعتقدون أن التخلي عن التخصيب كان سيمنع الحرب «إما لا يملكون معرفة تاريخية دقيقة، وإما يفتقرون إلى التحليل الصحيح»، معتبراً أن الملف النووي ليس أصل المواجهة بين طهران وواشنطن.

نائب الشؤون السياسية في «الحرس الثوري» يد الله جواني خلال مقابلة تلفزيونية (جماران)

وأضاف أن القضايا النووية وحقوق الإنسان والصواريخ ودعم الجماعات المسلحة ليست، سوى «ذرائع للضغط»، وأن الخلاف الأساسي يتعلق باستقلال إيران ونظامها السياسي.

ودعا جواني إلى إبراز «واقع قوة إيران»، قائلاً إن المشكلات ونقاط الضعف ينبغي بحثها داخل الحكومة ولجان البرلمان المتخصصة، بدلاً من عرضها إعلامياً بطريقة تمنح الخصوم انطباعاً بأن إيران ضعيفة.

وقال إن الولايات المتحدة دخلت الحرب نتيجة «خطأ في الحسابات»، وإنها لو توقعت ما ستواجهه خلال الأشهر الستة الماضية لما بدأت العمليات. وأضاف أن إيران يجب أن تحافظ على عناصر قوتها وألا تسمح بتكرار هذا التقدير.

وفي السياق نفسه، قال جهاز استخبارات «الحرس الثوري» إن خصوم إيران، بعد «200 يوم من مقاومة الإيرانيين»، يسعون إلى «استنزاف الاستقرار والقدرة الوطنية على الصمود عبر الحرب النفسية». وأضاف أن الرد يجب أن يشمل تعطيل «قدرة قيادة العدو» وضرب شبكات المتعاونين معه والتصدي لمن «يخربون الاستقرار والوحدة».

وتشهد إيران خلافات متزايدة داخل مؤسسات الحكم بشأن التفاوض مع واشنطن، وشروط فتح هرمز، وتكلفة الحصار والحرب، وحدود التنازلات المقبولة لإنهاء المواجهة.

ثمن التخصيب

وبدأ السجال بعدما طرح قائم بناه بصورة مباشرة العلاقة بين التمسك بالتخصيب والتكلفة التي تحملتها إيران خلال الحرب. وقال نائب الرئيس للشؤون التنفيذية: «لو كنت أعلم أن أميركا ستقتل مرشدنا، لتخليت عن التخصيب». وأضاف أن «العقلانية تقتضي ألا ندفع تكلفة كبيرة من أجل هدف يمكن تحقيقه بتكلفة أقل»، متسائلاً: «أي تكلفة أكبر من استشهاد مقام القيادة؟».

وأثارت التصريحات ردود غاضبة بين المحافظين، قبل أن تتدخل المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني للدفاع عنه.

وقالت مهاجراني إن الحكومة تعتبر فقدان علي خامنئي «أثقل تكلفة للحرب»، مشيرة إلى أن كلام قائم بناه «واضح ومفهوم» من هذه الزاوية. ودعت إلى تجنب «القراءات الهامشية» والتركيز على «الحفاظ على الوحدة والتماسك الوطني».

قائم بناه يقف (يسار) إلى جانب بزشيكان ووزير الداخلية إسكندر مؤمني خلال اجتماع الأحد

ولاحقاً، انضم يوسف بزشكيان، نجل الرئيس ومستشاره الإعلامي، إلى السجال مدافعاً عن قائم بناه. وقال إنه لا يعارض تخصيب اليورانيوم، وإنه سيلتزم بأي قرار يتخذه المجلس الأعلى للأمن القومي والمرشد الإيراني، لكنه دعا إلى معرفة تكلفة القرارات ومنافعها قبل اتخاذها.

وكتب عبر شبكات التواصل: «حياتنا ليست مرتبطة بالتخصيب. إذا لم نخصب فلن نموت»، مضيفاً أن «الإنسان العاقل يزن ربح الشيء وخسارته ثم يتخذ القرار». وقال إن إنتاج الطاقة النووية الإيرانية لا يتوقف على التخصيب المحلي، مشيراً إلى أن وقود محطة بوشهر يُستورد من روسيا. وأضاف أن إيران تمتلك تقنيات أخرى «أكثر أهمية» لأمن الدولة وإدارتها، لكنها لا تحظى بالاهتمام نفسه، وقال: «لسنا متعصبين تجاهها إلى هذا الحد».

وهاجمت صحيفة «كيهان» بشدة على قول نجل الرئيس إن «التخصيب ليس من أصول الدين ولا من أعراضنا»، ووصفت تصريحاته بأنها «غير منطقية ومثيرة للشبهات»، واتهمته بالدفاع عن كلام قائم بناه الذي اعتبرته منافياً للمصالح الوطنية. وعنونت الصحيفة مخاطبة الرئيس: «سيد دكتور... أرسل ابنك أيضاً إلى المزرعة نفسها».

ومن جهتها، انضمت وكالة «دانشجو» التابعة لـ«الباسيج» الطلابي إلى الانتقادات، عادّةً أن التخصيب أحد «الخطوط الحمراء للنظام» وأنه ينبغي التعامل معه باعتباره من القضايا الأساسية للدولة.

وقال محمد كاظم أنبارلويي، نائب الأمين العام لحزب «المؤتلفة الإسلامية»، إن «طريق تقدم البلاد لا يُفتح بالتراجع أو المساومة»، مضيفاً أنه عندما يسعى الخصم إلى تدمير إيران «لا شرف في مثل هذا السلام».

سيارات تمر أمام لوحة دعائية في وسط طهران تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل حاوية تموين يوم السبت الماضي (أ.ب)

ومن جانبه، قال ممثل المرشد في خراسان، رضوي أحمد علم الهدى، إن الخلاف الأميركي مع إيران لا يتعلق أساساً بالبرنامج النووي أو مواردها أو سياساتها الإقليمية.

وقال علم الهدى إن الملف النووي والتكنولوجيا ومشكلات إيران في غرب آسيا «ذرائع»، وإن الولايات المتحدة «ستظل معادية لإيران ما دام النظام متمسكاً بنهجه».

وحذر في الوقت نفسه من أن الضغوط الاقتصادية تستهدف زيادة الخلافات الداخلية، داعياً المسؤولين إلى عدم السماح بتحويل المشكلات المعيشية إلى انقسامات سياسية.

التكلفة المعيشية

وامتد الخلاف إلى معسكر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، بعدما أثار مستشاره ومساعده أمير إبراهيم رسولي انتقادات عندما جمع بين المطالبة بالانتقام لمقتل علي خامنئي وارتفاع تكاليف المعيشة.

وقال رسولي: «سنظل حتى اليوم الأخير مطالبين بدم مرشدنا، لكن حفاضات الأطفال التي كنت أشتريها لابني قبل الحرب بـ360 ألف تومان، أصبحت اليوم بـ865 ألفاً». وأضاف: «يجب أن نطابق المبادئ والشعارات مع واقع المجتمع».

وهاجمه روح الله إيزدخواه، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان، واتهمه بصناعة «ثنائية سخيفة ومخجلة» بين المطالبة بالانتقام وارتفاع الأسعار.

صورة انتشرت عبر قنوات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» على شبكة «تلغرام» من حملة تبرع بالحفاظات رداً على تصريحات مستشار قاليباف

وقال إيزدخواه إن القفزة الرئيسية في سعر حفاضات الأطفال سبقت الحرب، وربطها بتغيير سعر الصرف لا بالحرب نفسها.

وتحول كلام رسولي إلى مادة للسخرية في تجمعات ليلية، حيث ظهرت لافتة تدعو إلى «جمع مساعدات لشراء حفاضات» له، وفق وسائل إعلام إيرانية.

واعتذر رسولي لاحقاً، قائلاً إن «من حق الناس أن ينزعجوا»، وإنه يأسف إذا كان المثال الذي استخدمه «جرح مشاعر الناس».

وفي مشهد، دعا سعيد جليلي، ممثل المرشد الإيراني في المجلس الأعلى للأمن القومي، إلى مراجعة الاعتقاد بأن المفاوضات قادرة على حل المشكلات.

وقال جليلي أمام طلاب إن تصوراً ساد العام الماضي بإمكان معالجة المشكلات عبر التفاوض، لكن الولايات المتحدة هاجمت إيران خلال المفاوضات، حسب قوله. وأضاف أن الردع يتحقق عندما يعرف الطرف المقابل أن تحركاته «لن تبقى بلا رد».

ودعا، في ظل الحصار الاقتصادي والبحري، إلى استخدام إمكانات إيران «إلى أقصى حد»، ووضع مضيق هرمز بين الأدوات التي ينبغي الاستفادة منها.

وقال إن إيران، بحدودها مع 15 دولة ووصولها إلى البحر ومواردها من النفط والغاز والمعادن، تملك إمكانات لمواجهة الضغوط الاقتصادية.

إيراني يجلس أسفل مجسم لكأس العالم معروض تحت جسر في طهران يوم 7 يونيو 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأضاف أن الحرب لا تقتصر على الميدان العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد والسياسة والإعلام والأمن، وأن على إيران الاستعداد للعمل على هذه الجبهات بالتوازي.

وتزامن السجال مع نشر بيانين منسوبين للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي شدد فيهما على تجنب الخلافات الداخلية وعدم تحويل نقاط الضعف إلى مادة للسجال العام.

ورد مجلس الوزراء على رسالة خامنئي بإعلان تمسكه بمواصلة المسارين الدبلوماسي والعسكري في آن واحد. وجاء في بيان الحكومة: «نعتبر ميدان الدبلوماسية وميدان الدفاع جناحين متكاملين ومتناسقين ولا ينفصلان لحماية المصالح الوطنية وأمن البلاد وكيانها، ونعمل على دفع المسارين بصورة متزامنة ومتوازنة».

وشدد البيان على أن كبح التضخم وإدارة الأسواق وتوفير فرص العمل ودعم الإنتاج المحلي بين أولويات الحكومة، إلى جانب خفض الاعتماد على الدولار تدريجياً.


قادة أميركيون يحذرون من إطالة حرب إيران

بحارة أميركيون يجرون عمليات طيران ليلية على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها بمياه المنطقة دعماً للعمليات في الشرق الأوسط (سنتكوم)
بحارة أميركيون يجرون عمليات طيران ليلية على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها بمياه المنطقة دعماً للعمليات في الشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

قادة أميركيون يحذرون من إطالة حرب إيران

بحارة أميركيون يجرون عمليات طيران ليلية على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها بمياه المنطقة دعماً للعمليات في الشرق الأوسط (سنتكوم)
بحارة أميركيون يجرون عمليات طيران ليلية على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها بمياه المنطقة دعماً للعمليات في الشرق الأوسط (سنتكوم)

حذّر عدد من كبار القادة العسكريين الأميركيين وزير الدفاع بيت هيغسيث من أن إطالة العمليات واسعة النطاق ضد إيران لم تعد قابلة للاستمرار، وقد تضعف قدرة الولايات المتحدة على مواجهة تهديدات في مناطق أخرى، بما فيها أراضيها.

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن التحذيرات وردت في تقييم سري ضمن نسخة 14 أغسطس (آب) من «كتاب أوامر وزير الدفاع»، الذي يستعرض توزيع القوات والسفن والطائرات وأنظمة الأسلحة الأميركية حول العالم.

وحسب أشخاص مطلعين على الوثيقة، شارك في التحذيرات قادة الجيش والبحرية وسلاح الجو، إلى جانب قادة عسكريين من رتبة أربع نجوم يشرفون على العمليات الأميركية في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية.

وقال أحد المطلعين إن التقييم العام للقيادة العسكرية هو أن العملية ضد إيران، بعد مرور ستة أشهر على اندلاع الحرب، أصبحت «أكثر مما ينبغي ولفترة أطول مما ينبغي».

وتحتفظ القيادة المركزية الأميركية بأكثر من 50 ألف جندي في حالة تأهب منذ أشهر، تحسباً لأن يأمر الرئيس دونالد ترمب بشن هجمات إضافية على إيران.

ووفق الوثيقة، تقرر إبقاء بعض القوات المنتشرة في الشرق الأوسط طوال سبتمبر (أيلول)، فيما ستستمر وحدات أخرى في المنطقة حتى عام 2027.

وقال المطلعون إن احتمال تمديد هذه الانتشارات لفترة إضافية دفع عدداً من القادة إلى تسجيل اعتراضات رسمية على استمرار تحويل القوات والمعدات إلى الشرق الأوسط.

وزير الدفاع بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين والأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية بالشرق الأوسط في «البنتاغون» 16 أبريل الماضي (أ.ب)

اعتراضات من ثلاث قيادات

وسجل قادة القيادة الأوروبية الأميركية وقيادة المحيط الهادئ والقيادة الجنوبية، إلى جانب القيادة العليا للبحرية، «عدم موافقة» على أوامر تمديد انتشار بعض قواتهم. ويعني ذلك أنهم اعترضوا على القرار لكنهم سينفذونه.

وقال المطلعون إن سفناً وطائرات ومعدات سُحبت من أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية لدعم العمليات ضد إيران، ما قلص قدرة تلك القيادات على تنفيذ مهامها والمحافظة على مستويات التدريب المطلوبة.

وحذر كبار المسؤولين في القيادتين الأوروبية والجنوبية من أن إرسال سفن وطائرات مراقبة إلى القيادة المركزية أضعف قدرتهم على الوفاء بالتزامات تتعلق بالدفاع عن الأراضي الأميركية.

واعترض قائد قيادة المحيط الهادئ، الأدميرال صامويل بابارو، على حجم الدعم المطلوب منه الاستمرار في تقديمه، بما يشمل مجموعة قتالية لحاملة طائرات ومدمرات.

استنزاف الأسطول

وقدم رئيس العمليات البحرية، الأدميرال داريل كودل، التقييم الأكثر تشاؤماً، محذراً من أن البحرية لا تستطيع الحفاظ على مستوى دعمها الحالي للحرب مع عدم وجود موعد متوقع لنهايتها.

وحسب المصادر، أبلغ كودل هيغسيث بأنه بالكاد ربع أسطول المدمرات الأميركية أصبح جاهزاً للانتشار، في تراجع حاد مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

وحذرت الوثيقة من أن استمرار المتطلبات الحالية سيؤثر في صيانة السفن ويهدد جاهزية الأسطول إذا اندلعت أزمات أو حروب أخرى.

وطُلب من البحرية توفير عشرات السفن منذ بداية الحرب، للمشاركة أولاً في الضربات والدفاع ضد الهجمات الإيرانية، ثم لفرض الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية.

وتم تمديد انتشار بعض السفن وأطقمها لأشهر، بينما أرسلت الولايات المتحدة حاملة الطائرات الوحيدة المخصصة بصورة دائمة للمحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط لتحل محل حاملة أخرى تجاوز انتشارها 300 يوم.

وأقرت قيادتا الجيش وسلاح الجو بالمخاطر المترتبة على استمرار الانتشار، رغم موافقتهما على تمديد بقاء بعض الوحدات.

وستبقى الفرقة 82 المحمولة جواً، التي حشدت ألفي جندي في مارس (آذار)، في الشرق الأوسط حتى سبتمبر على الأقل، مع توقعات داخل الجيش بإمكانية تمديد انتشارها.

أرشيفية لحاملة طائرات أميركية وسرب من المقاتلات في منطقة الخليج (أ.ف.ب)

ومن المتوقع أيضاً تمديد انتشار وحدات «باتريوت» المكلفة باعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف القواعد الأميركية.

وقالت المصادر إن استنزاف صواريخ «باتريوت» الاعتراضية، نتيجة الحرب مع إيران والتبرعات السابقة لأوكرانيا، قلص قدرة إدارة ترمب على إعادة تصعيد العمليات العسكرية.

كما استنزفت الحرب مخزونات صواريخ «ثاد» الاعتراضية وصواريخ «توماهوك» بعيدة المدى، فيما فقد البنتاغون نحو 25 في المائة من أسطول طائرات «ريبر» المسيّرة.

وتعرضت قواعد أميركية في المنطقة لأضرار تقدر بمليارات الدولارات، فيما تقول إدارة ترمب إن التقارير التي تتحدث عن نقص في الذخائر غير دقيقة.

وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، قد حذر البيت الأبيض قبل بدء الحرب من أن الولايات المتحدة لا تملك ذخائر أو دعماً من الحلفاء يكفيان لخوض حملة واسعة ومطولة.

كما حذر قائد القيادة الأوروبية، الجنرال أليكسوس غرينكويتش، البنتاغون لاحقاً من عدم توافر قوات بحرية كافية لحماية إسرائيل والأراضي الأميركية من الهجمات الصاروخية.