واشنطن تتمسك باتفاق مع طهران… لكن ليس «بأي ثمن»

قاليباف ينفى شراء حبوب أميركية… و«الحرس الثوري» يحصر عبور هرمز بالمسار الإيراني… وقاآني يحذر إسرائيل

 روبيو يغادر البحرين بعد جولة شرق أوسطية تناولت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وإيران (رويترز)
روبيو يغادر البحرين بعد جولة شرق أوسطية تناولت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وإيران (رويترز)
TT

واشنطن تتمسك باتفاق مع طهران… لكن ليس «بأي ثمن»

 روبيو يغادر البحرين بعد جولة شرق أوسطية تناولت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وإيران (رويترز)
روبيو يغادر البحرين بعد جولة شرق أوسطية تناولت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وإيران (رويترز)

أكدت الولايات المتحدة، الخميس، تمسكها بمواصلة المفاوضات مع إيران للتوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب، لكنها شددت على أن أي تفاهم يجب أن يكون «حقيقياً وقابلاً للتحقق»، في وقت دخلت المحادثات مرحلة أكثر حساسية مع انتقالها من المبادئ العامة إلى بحث آليات التنفيذ، وسط استمرار التباينات بين الجانبين بشأن البرنامج النووي، ومستقبل مضيق هرمز، وترتيبات وقف القتال في لبنان.

وجاءت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالتزامن مع تحركات دبلوماسية إيرانية ركزت على تنسيق الترتيبات المؤقتة للملاحة في مضيق هرمز مع سلطنة عُمان، بينما أصدر «الحرس الثوري» تحذيراً جديداً بشأن عبور السفن، وأعاد التأكيد على موقف طهران من الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان، قبل أيام من استئناف الجولة الثانية من المحادثات الفنية في سويسرا.

اتفاق قابل للتحقق

وقال روبيو إن الولايات المتحدة لا تزال تسعى إلى التوصل لاتفاق مع إيران، لكنها لن تقبل بتسوية لا توفر ضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ.

وأضاف، خلال اجتماع مع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في البحرين، أن واشنطن «ترغب في اتفاق، لكنها لا تريد اتفاقاً بأي ثمن»، موضحاً أن الهدف هو التوصل إلى «اتفاق جيد، واتفاق حقيقي، واتفاق قابل للتحقق، واتفاق يُلتزم به».

وأكد أن الولايات المتحدة «منفتحة على السلام»، لكنها تريد «سلاماً دائماً وحقيقياً لا يقوض بأي شكل أمنها وازدهارها».

وتأتي تصريحات روبيو بعد أسبوع من توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم أنهت الحرب وفتحت الباب أمام مفاوضات تمتد ستين يوماً للتوصل إلى اتفاق أشمل يعالج القضايا النووية والاقتصادية والأمنية.

وفي هذا السياق، أعلن روبيو أن المحادثات الفنية بين البلدين ستُستأنف يومي 29 أو 30 يونيو (حزيران) في سويسرا. وقال: «الفريق الفني سيعود، على ما أعتقد، في 29 أو 30... وأعتقد أنهم سيعودون إلى سويسرا، إذا لم أكن مخطئاً».

وتمثل هذه الجولة أول اختبار عملي لمذكرة التفاهم، إذ يفترض أن تنتقل المفاوضات من المبادئ العامة إلى وضع آليات تنفيذية للاتفاق، بما يشمل البرنامج النووي، ورفع العقوبات، والرقابة، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.

وكانت طهران قد أعلنت أن الجولة الفنية الأولى انتهت إلى تشكيل أربع مجموعات عمل، تتولى ملفات رفع العقوبات، والبرنامج النووي، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، وآليات الرقابة والتنفيذ، على أن تعمل تحت إشراف اللجنة العليا للمفاوضات.

هرمز خط التماس

وبقي مضيق هرمز أكثر الملفات تعقيداً في المرحلة الحالية، مع تمسك واشنطن برفض أي رسوم على الملاحة، مقابل إصرار طهران على أن ترتيبات العبور لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

وقال روبيو إن «حقيقة الأمر أنه لا يحق لأي دولة على وجه الأرض فرض رسوم على استخدام الممرات المائية الدولية»، مؤكداً أن ذلك «لن يكون أبداً شرطاً مقبولاً في أي اتفاق».

وأضاف أن قبول فرض رسوم على استخدام ممر مائي دولي «سيمتد إلى باقي العالم كالعدوى»، مشدداً على أن «الممرات المائية الدولية لا تتبع لأي بلد، وهذا مبدأ أساسي في العالم اليوم، ومن دونه ستعم الفوضى».

وأوضح أن العُمانيين أبلغوا واشنطن بأنهم لا يدعمون فرض نظام لتحصيل رسوم على عبور مضيق هرمز، مضيفاً أنه لا يعرف «أي دولة في العالم تؤيد فرض رسوم عبور أو بدلات مرور لاستخدام المضيق».

وجاءت تصريحات روبيو بعد يوم واحد من تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إيران أبلغت الولايات المتحدة بأنها لا تعتزم فرض أي رسوم عبور أو تكاليف تأمين أو أعباء مالية أخرى على السفن العابرة لمضيق هرمز.

وقال ترمب إن طهران أكدت لواشنطن أنه «لا توجد أي رسوم عبور، ولا تكاليف تأمين، ولا أي رسوم أخرى من أي نوع تسعى إيران إلى فرضها أو تحصل عليها من السفن التي تعبر مضيق هرمز»، محذراً من أن ثبوت خلاف ذلك سيعني إنهاء المفاوضات «فوراً».

وفي الوقت نفسه، أكد روبيو أن دول المنطقة أبدت مخاوف جدية بشأن عدد من ملفات الاتفاق، لكنه شدد على أن الولايات المتحدة لن تقدم أي تنازل يقوض أمن شركائها أو يغير المبادئ الأساسية المتعلقة بحرية الملاحة.

وفي أحدث رد إيراني على التصريحات الأميركية بشأن آلية استخدام الأصول الإيرانية المفرج عنها، هاجم رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف الرواية الأميركية، قائلاً إن واشنطن «تزعم زوراً» أن هذه الأموال ستُستخدم لهذا الغرض.

وكتب قاليباف على منصة «إكس»: «المحصول الوحيد الذي نحصدُه هو ما زرعتموه: عقود من انعدام الثقة»، مضيفاً أن هذا المحصول «عضوي، وفير، محلي». وأضاف أن الولايات المتحدة «لا تصدّر سوى فول الصويا المعدل وراثياً، والوعود المنقوضة، والخطابات المتشددة».

ممر بشروط إيرانية

بالتوازي مع الموقف الأميركي، كثفت طهران اتصالاتها مع سلطنة عُمان التي تضطلع بدور رئيسي في ملف الملاحة عبر مضيق هرمز.

وأجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العُماني بدر البوسعيدي اتصالاً هاتفياً بحثا خلاله آخر التطورات الإقليمية، والملفات ذات الاهتمام المشترك.

واستعرض الجانبان المستجدات المتعلقة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، والترتيبات المؤقتة المقررة لفترة الستين يوماً، وأكدا أهمية استمرار التنسيق والمشاورات الثنائية، ومواصلة الاتصالات الفنية والخبرائية بشأن هذا الملف.

كما أعرب الوزيران عن ارتياحهما لنتائج الزيارة الأخيرة التي قام بها الوفد الإيراني إلى مسقط، والمباحثات التي جرت خلالها، مؤكدين مواصلة التنسيق ومتابعة الملفات المشتركة عبر القنوات الدبلوماسية والتعاون المستمر بين البلدين.

وجاء هذا الاتصال بعد إعلان طهران ومسقط أنهما ستبحثان الإدارة المستقبلية للملاحة في المضيق، والخدمات والترتيبات المرتبطة به، فيما أكد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي لاحقاً أن الترتيبات المستقبلية الخاصة بهرمز «لا تتضمن فرض أي رسوم للعبور».

وقالت وزارة الخارجية العُمانية، في بيان، إن الاتصال تناول متابعة نتائج زيارة قاليباف إلى سلطنة عُمان، والتفاهم حول آلية التعاون المشترك لتحقيق أهداف مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، خصوصاً ما يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز.

وأضافت أن الوزيرين بحثا الترتيبات المؤقتة ذات الصلة، بما ينسجم مع قواعد القانون الدولي واحترام سيادة الدول، وأعربا عن ارتياحهما لزيارة الوفد الإيراني إلى مسقط وما شهدته من مباحثات «بنّاءة»، مؤكدين أهمية مواصلة التشاور ومتابعة القضايا ذات الاهتمام المشترك عبر القنوات الدبلوماسية، بما يعزز التعاون المستمر بين البلدين.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصافح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فيما يتابع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وجاريد كوشنر المشهد قبل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في منتجع بورغنستوك المطل على بحيرة لوسيرن (أ.ف.ب)

وبالتوازي مع التحركات الدبلوماسية، وجّه «الحرس الثوري» رسالة مباشرة بشأن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، مؤكداً أن المرور خلال المرحلة الحالية سيخضع للترتيبات التي أعلنتها إيران، رغم استمرار المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وقال «الحرس الثوري»، في بيان، إن «المسار الوحيد المسموح به للعبور عبر مضيق هرمز هو المسار الذي أعلنته الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، محذراً من أن أي عبور خارج هذا المسار أو من دون إذن من السلطات الإيرانية سيكون «غير مقبول وخطيراً».

ونقلت وكالة «رويترز» عن البيان أن «العبور الآمن عبر مضيق هرمز ممكن فقط عبر المسارات التي تحددها إيران»

وأضاف أن السفن التي لا تلتزم بالتعليمات الإيرانية ستواجه «الإجراءات المناسبة»، من دون أن يوضح طبيعة تلك الإجراءات.

ويأتي البيان في وقت لا يزال فيه مضيق هرمز يمثل إحدى أكثر القضايا تعقيداً في المفاوضات الأميركية - الإيرانية، إذ تنص مذكرة التفاهم الموقعة الأسبوع الماضي على السماح بمرور السفن التجارية عبر المضيق من دون فرض رسوم طوال مهلة الستين يوماً المخصصة للتفاوض على اتفاق نهائي.

وتبقى ترتيبات الملاحة بعد انتهاء مهلة الستين يوماً إحدى أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران. وتعكس هذه المواقف استمرار التباين بين الطرفين بشأن أحد أكثر البنود حساسية في مذكرة التفاهم، حتى مع بدء العمل على التفاصيل التنفيذية في اللجان الفنية. وأظهرت بيانات صادرة عن المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة، الخميس، أن 57 سفينة، تحمل نحو 1100 بحار، عبرت مضيق هرمز منذ 23 يونيو (حزيران)، ضمن خطة إجلاء أطلقتها الأمم المتحدة هذا الأسبوع.

وقالت المنظمة إن هذه الأرقام هي الأولى التي تصدرها بشأن المبادرة، التي تهدف إلى مساعدة مئات السفن التي تحمل نحو 11 ألف بحار على مغادرة المضيق. ووفق البيانات، عبرت 13 سفينة في 23 يونيو، و32 سفينة أمس، و12 سفينة صباح الخميس.

لبنان على الطاولة

إلى جانب مضيق هرمز، بقي الملف اللبناني حاضراً في المفاوضات بين واشنطن وطهران، وإن كان خارج أولويات الجولة الفنية الحالية.

وقال روبيو إن دعم إيران لـ«حزب الله» سيُطرح في المراحل اللاحقة من المفاوضات، مؤكداً في الوقت نفسه استمرار المسار المنفصل للمحادثات المباشرة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، الذي استؤنف هذا الأسبوع في واشنطن.

ويمثل هذا الموقف استمراراً للرؤية الأميركية التي تفصل بين التفاوض مع إيران، والاتصالات المباشرة الجارية بين بيروت وتل أبيب، في حين تصر طهران على أن وقف الحرب في لبنان جزء لا يتجزأ من أي تسوية إقليمية شاملة.

وكان رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف قد أكد، الأربعاء، أن وقف إطلاق النار في لبنان «كان ولا يزال» بالنسبة إلى إيران بأهمية وقف إطلاق النار في إيران، معتبراً أن إنهاء الحرب على الجبهة اللبنانية لا يقل أهمية عن إنهاء الحرب التي دارت بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

وقال قاليباف إن إدراج لبنان في مذكرة التفاهم يعكس تمسك طهران بربط جميع الجبهات التي شهدت مواجهات خلال الحرب الأخيرة، وهو ما تراه إيران جزءاً من أي اتفاق دائم.

وفي موازاة المسار السياسي، صعّد قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» إسماعيل قاآني لهجته تجاه إسرائيل، مؤكداً أن وجودها العسكري في جنوب لبنان يجب أن ينتهي.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن قاآني قوله إن على إسرائيل أن «تنسحب طوعاً من كامل الأراضي اللبنانية، وإلا فستُجبر على الفرار مهزومة».

وتعتبر طهران أن تنفيذ هذا الالتزام يستوجب انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، بينما تؤكد إسرائيل أنها ستواصل انتشارها العسكري طالما رأت أن «حزب الله» يشكل تهديداً لقواتها وسكانها.

اختبار الستين يوماً

وبينما تؤكد واشنطن أنها تريد اتفاقاً «حقيقياً وقابلاً للتحقق» ولن تقبل به «بأي ثمن»، تتمسك طهران بأن تنفيذ أي التزامات سيظل مرتبطاً بنتائج المفاوضات النهائية. ومع اقتراب استئناف الجولة الفنية في سويسرا، تتجه الأنظار إلى قدرة الطرفين على تحويل المبادئ العامة الواردة في مذكرة التفاهم إلى ترتيبات تنفيذية واضحة في ملفات البرنامج النووي، ومضيق هرمز، ولبنان، وهي الملفات التي ستحدد مستقبل الاتفاق المؤقت وإمكان تحوله إلى اتفاق نهائي.

ومع اقتراب عودة الوفود الفنية إلى سويسرا، تتجه الأنظار إلى قدرة الجانبين على تحويل المبادئ العامة التي أرستها مذكرة التفاهم إلى ترتيبات تنفيذية واضحة، في ملفات تتداخل فيها الاعتبارات النووية والأمنية والإقليمية، وتشكل في مجموعها الاختبار الأول لمدى صمود الاتفاق المؤقت وإمكانية تطويره إلى اتفاق نهائي.


مقالات ذات صلة

«النخبة الآسيوي»: التعادل السلبي يخيم على مباراة تراكتور والشمال

رياضة عربية التعادل السلبي حسم مواجهة تراكتور الإيراني والشمال القطري (نادي الشمال)

«النخبة الآسيوي»: التعادل السلبي يخيم على مباراة تراكتور والشمال

خيّم التعادل السلبي على المباراة التي جمعت بين تراكتور الإيراني والشمال القطري، الاثنين، على ملعب مجمع السلطان قابوس الرياضي في مسقط.

«الشرق الأوسط» (مسقط (عُمان))
شؤون إقليمية قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قال رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، إن التهديد الأمني الذي استهدف قاعدة «فيرفورد»، التي يستخدمها الجيش الأميركي، جرى بتوجيه شبه مؤكد من «الحرس الثوري»...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة ترمب في شمال طهران (إ.ب.أ) p-circle

تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

قالت إيران إنها ما زالت تواصل دراسة الرد الأميركي على مقترحها الرامي إلى إعادة فتح مضيق هرمز خلال 7 أيام وإنهاء الحرب، وسط تعثر الجهود الدبلوماسية.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)
أوروبا قاذفة أميركية من طراز «بي - 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية 27 سبتمبر الماضي (رويترز) p-circle

أميركا وحلفاؤها يحذّرون إيران من سلوك «غير مقبول» بعد واقعة «فيرفورد»

حذّرت الولايات المتحدة وشركاؤها، ومنهم بريطانيا وأستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا، إيران، الاثنين، من الإقدام على أعمال عدائية على أراضيها، عقب حادثة «فيرفورد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي رئيس الوزراء خلال وضعه الحجر الأساس لـ«مبادرة وطن» في نينوى الاثنين (إعلام رئاسة الوزراء)

بغداد تتهم طهران وواشنطن بـ«خنق» الاقتصاد العراقي

اتهم المتحدث باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي، إيران والولايات المتحدة بـ«خنق» الاقتصاد العراقي عبر عدم منحهما أي استثناء لتصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز

فاضل النشمي (بغداد)

حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

قال رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، الاثنين، إن التهديد الأمني الذي استهدف قاعدة «فيرفورد» الجوية، التي يستخدمها الجيش الأميركي في الحرب على إيران، جرى «بتوجيه شبه مؤكد» من «الحرس الثوري» الإيراني.

وفي هذا السياق، أعلنت لندن استدعاء السفير الإيراني فيها، وإدراج مواطنَين إيرانيين اثنين على قائمة العقوبات، على خلفية الحادثة الغامضة التي وقعت في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت الأسبوع الماضي، بشكل مفاجئ، سحب جميع قاذفاتها من طراز «بي1» من القاعدة التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، عقب الحادثة.

وقال بيرنهام أمام «مجلس العموم (البرلمان)»: «تقييمنا هو أنه من المرجح للغاية أن يكون قد جرى التنسيق في إيران، وبتوجيه شبه مؤكد من (الحرس الثوري) الإيراني». وأضاف: «لن نتسامح مع هذه التهديدات على أراضينا. سنتصدى بحزم لاستخدام إيران الشبكات الإجرامية، مستخدمين كامل صلاحياتنا لاستهدافها واستهداف قنوات تمويلها».

وأعلنت وزارة الخارجية البريطانية استدعاء السفير الإيراني في لندن.

شرطيان بريطانيان في محيط قاعدة «فيرفورد» الجوية (رويترز)

وقال وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند: «نعلن أيضاً تصنيف مواطنَين إيرانيين اثنين؛ لدورهما في تسهيل أو الانخراط في أنشطة عدائية نيابة عن النظام الإيراني، بقصد واضح يتمثل في التهديد بشن هجمات في الخارج أو التخطيط لها أو تنفيذها».

وأثارت الواقعة تكهنات واسعة منذ استدعاء الشرطة إلى القاعدة الواقعة في جنوب غربي إنجلترا، بعدما أبلغ مزارع عن وجود مجموعة من الرجال معهم شاحنات صغيرة بيضاء، يمارسون نشاطاً وصفه بأنه «مريب».

ورغم إجراء شرطة مكافحة الإرهاب تحقيقاً موسعاً، فإنه قد أُفرج بكفالة عن المشتبه فيهم الـ7 الذين أوقفوا على مدى أيام، ومن بينهم مواطن بريطاني - إيراني، من دون توجيه اتهامات إلى أي منهم.

وصنّفت السلطات البريطانية الواقعة، في حينها، حادثةً «كبيرة»؛ مما أدى إلى إخلاء قرية مجاورة للقاعدة، غير أن مصدر التهديد وطبيعته ظلا يكتنفهما الغموض.

ولم يعثر المحققون على أي متفجرات داخل الشاحنات الصغيرة، لكنهم عثروا على كمية من البنزين، وفق ما ذكره مسؤولون.

وذكّر ميليباند بأن المملكة المتحدة قد «صنّفت (الحرس الثوري) الإيراني بموجب صلاحياتنا الجديدة المتعلقة بتهديدات الدول، وفرضت عقوبات كبيرة على المسؤولين عن أنشطة إيران الخبيثة».


تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
TT

تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)

يتباعد موقفا طهران وواشنطن حول شروطهما للعودة إلى التفاوض، مما يجعل فرص إنهاء الحرب تبدو بعيدة في الوقت الحالي. وقالت إيران إنها ما زالت تواصل دراسة الرد الأميركي على مقترحها الرامي إلى إعادة فتح مضيق هرمز خلال 7 أيام وإنهاء الحرب، وسط تعثر الجهود الدبلوماسية بسبب الخلاف على شروط استئناف المفاوضات، لا سيما إصرار واشنطن على بحث الملف النووي الإيراني منذ البداية، وليس في مرة لاحقة.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مؤتمر صحافي يوم الاثنين، أن بلاده لا تزال تدرس الرد الأميركي، وأنها ستنقل موقفها إلى واشنطن عبر الوسطاء فور الانتهاء من تقييمه، مؤكداً استمرار تبادل الرسائل بين الطرفين من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وتضطلع قطر وباكستان بدور الوساطة، إلى جانب أطراف أخرى أبرزها روسيا التي عادت إلى ساحة الوساطة بقوة مؤخراً في مسعى يرمي إلى إنهاء الحرب التي دخلت شهرها الثامن.

خلاف على الشروط

لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة ترمب في شمال طهران (إ.ب.أ)

تأتي التصريحات الإيرانية في وقت تواجه فيه الجهود الدبلوماسية صعوبات في التوصل إلى صيغة مشتركة لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة. وكانت طهران قد قدمت مقترحها في منتصف سبتمبر (أيلول)، وأكدت لاحقاً تلقيها رداً أميركياً، لكن الاتصالات لم تحقق تقدماً ملموساً منذ ذلك الحين.

من جانبه، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، إن الردَّ الأميركي على الشروط السبعة الواردة في المقترح الإيراني بفتح مضيق هرمز خلال 7 أيام، «غيرُ كافٍ». وأضاف أن واشنطن وافقت على بعض الشروط الإيرانية، لكنها لم توضح موقفها من بقية الشروط، من دون أن يحدد أي الشروط التي وافقت عليها واشنطن وتلك التي لن توافق عليها.

وأضاف أن بعض المسائل لا تزال بحاجة إلى توضيح، من دون الكشف عن طبيعتها.

وأشار رضائي إلى أن إيران لن تعود إلى النهج الدبلوماسي السابق، قائلاً إن «دبلوماسية إيران تغيّرت»، في إشارة إلى تمسك بلاده بموقفها في المفاوضات.

وتكتسب الأزمة أهمية دولية بالنظر إلى الدور الاستراتيجي للمضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس التجارة العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، مما يجعل استعادة حركة الملاحة فيه عاملاً رئيسياً في أي تسوية محتملة.

توسيع نطاق المواجهة

بزشكيان ورضائي يحضران اجتماعاً بشأن إعادة الإعمار (الرئاسة الإيرانية)

وبالتزامن مع تعثر المسار الدبلوماسي، صعّد رضائي لهجته تجاه الولايات المتحدة، متهماً إدارة الرئيس دونالد ترمب بالفشل في تحقيق أهدافها العسكرية المتعلقة بالمضيق، وموجهاً انتقادات حادة إلى لعمليات الأميركية.

كما حذّر من أن تجدد القتال على نطاق واسع قد يدفع إيران إلى استهداف بنى تحتية في المنطقة، تشمل الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ومواقع أخرى، في تهديد من شأنه توسيع نطاق المخاطر الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالصراع.

ولم يقدم رضائي تفاصيل إضافية عن طبيعة الأهداف المحتملة أو توقيت تنفيذ هذه التهديدات، التي تأتي في ظل استمرار التوترات وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.

ويتمثل أحد أبرز مواضع الخلاف في ترتيب الملفات المطروحة على طاولة التفاوض؛ إذ تصر الولايات المتحدة على مناقشة البرنامج النووي الإيراني منذ البداية، بينما تريد طهران إعطاء الأولوية لإعادة فتح مضيق هرمز واستعادة الأمن في الممر المائي، على أن يُبحث الملف النووي ضمن مسار المفاوضات لاحقاً.

حوار أميركي ـ إسرائيلي بشأن ضرب إيران

لافتة إعلانية كبيرة مناهضة لإسرائيل في خلفية ميدان وسط طهران 12 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

من جهة ثانية، أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

كان الكاتب في صحيفة «معاريف»، بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف عن أن مسؤولين أميركيين قالوا إن إسرائيل هي المتحمسة لاستئناف الحرب، فطلبوا منها مهاجمة إيران منفردة، كي تتحمل هي الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وأضاف بن كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة.

استعادة إنتاج المسيّرات والصواريخ

لافتة تحمل صورة ترمب بجوار منظومة صواريخ إيرانية في ساحة آزادي بطهران (رويترز)

جاء الطلب الأميركي بهجوم منفرد تقوم به إسرائيل، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

كانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت مؤخراً أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

تصعيد في «هرمز»

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

في غضون ذلك، أعلن «الحرس الثوري» أن قواته استهدفت، يوم الاثنين، سفينة كانت تحاول عبور مضيق هرمز، مما أدى إلى اشتعال النيران فيها. وقالت بحرية «الحرس الثوري» في بيان نُشر على موقعه الإلكتروني «سباه نيوز»، إن «ناقلة نفط عملاقة تعرضت لضربة في مضيق هرمز واشتعلت فيها النيران».

وأضاف البيان أن السفينة المستهدفة «حاولت العبور بعد تعطيل أجهزة التعرّف والتتبع الخاصة بها، وأنها تجاهلت التحذيرات الصادرة عن بحرية (الحرس الثوري)».

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ مما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق مساء يوم الأحد، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز عبر المسار الجنوبي. وأفادت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية شبه الرسمية (إسنا) بأن هذه هي ثالث ناقلة نفط «مخالفة» تشتعل فيها النيران منذ يوم السبت، خلال عبورها مساراً غير مسموح به في مضيق هرمز.

وأكدت الوكالة أن «جميع السفن الموجودة في نطاق مضيق هرمز التي تطفئ أنظمة الملاحة والتعريف الخاصة بها ستُصنف على أنها معادية، وسيتم التعامل معها بحزم وشدة».

منافسة على التحكم في المضيق

من جانبها، أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، يوم الأحد، استهداف سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدِفةً مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ مما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، يوم السبت، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها.

ومنذ بداية الحرب، استهدفت إيران مراراً سفناً حاولت عبور مضيق هرمز من دون الحصول على إذن منها.

كان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري» علي عظمائي، قد حذّر خلال عطلة نهاية الأسبوع من أن أي سفينة تُغلق أجهزة التتبع لتجنب رصدها في أثناء عبور المضيق ستُعد هدفاً معادياً.

وقيّدت إيران حركة الملاحة في هذا المضيق الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط)، وفي المقابل، فرضت واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية. وأصبحت الملاحة في المضيق والتحكم بها إحدى نقاط التجاذب الأساسية بين طهران وواشنطن، إذ تتمسك الأولى بأن تكون هي المشرفة على حركة العبور عبر مسار تحدده، في حين ترفض الثانية وأطراف عدة أخرى هذا الأمر.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وتعكس المواقف الإيرانية في مضيق هرمز والمفاوضات والملف النووي اتساع الفجوة مع واشنطن، مما يزيد من نطاق التوترات الإقليمية، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى تسوية للحرب مرتبطة بتجاوز الخلافات بشأن شروط التفاوض وترتيب أولوياته.

غير أن التهديدات باستهداف البنى التحتية الإقليمية، إلى جانب تصاعد الهجمات، تُبرز حجم المخاطر التي قد تواجه أي جهود لاحتواء الصراع ومنع امتداده إلى جبهات جديدة.


نتنياهو أجهض صفقة تبادل شاملة مع «حماس» بعد 9 أشهر فقط من الحرب

مُعارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
مُعارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
TT

نتنياهو أجهض صفقة تبادل شاملة مع «حماس» بعد 9 أشهر فقط من الحرب

مُعارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
مُعارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب، الاثنين، عن مشروع صفقة أُبرمت في يوليو (تموز) 2024، ضمت إسرائيل و«حماس» والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي آنذاك كريم خان، تتضمن «إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، ووقف الحرب، مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين من السجون الإسرائيلية، والعفو عن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو».

وبحسب المصادر، فإن جميع الأطراف وافقت مبدئياً، لكن نتنياهو أجهضها، وتراجع عنها في اللحظة الأخيرة بدعوى ضغوط من وزيرَيْ اليمين المتطرف في حكومته، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.

ونقل الصحافي ناحوم بارنياع، كبير كتّاب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، عن تلك المصادر أن «الصفقة تمت في حينه بوساطة قطرية، وبمشاركة (منتدى عائلات الأسرى الإسرائيليين)، ولم تُنشر جميع تفاصيلها. وقد وافق كريم خان في ذلك الوقت على العمل لدى (الجنائية الدولية) لإصدار عفو عن نتنياهو ووزير الدفاع الأسبق، يوآف غالانت، تحت ذريعة (بدء نتنياهو العمل من أجل وقف الحرب، وإحلال السلام)».

وبحسب ما أوردت الصحيفة، التي قالت إن التفاصيل تُكشف لأول مرة، فإن الاتفاق كانت «يشمل أيضاً إلغاء مذكرات الاعتقال التي صدرت بحق قادة (حماس): يحيى السنوار، ومحمد الضيف، وإسماعيل هنية، تحقيقاً للتوازن».

وقال مصدر إسرائيلي كان مطلعاً على تفاصيل الصفقة في حينه، إن «خان كان يواجه حينها اتهاماً بالتحرش الجنسي من قبل موظفة في (الجنائية الدولية)، وعليه افترض أن جهة إسرائيلية، ربما جهاز (الموساد)، تعبث في الشكوى، وأنه إذا أعفى نتنياهو وغالانت من مذكرتي الاعتقال، فستختفي الشكوى سريعاً».

وكان خان الذي زار «غلاف غزة» في مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2023، مستعداً للاستماع إلى مزيد من شهادات الإسرائيليين بشأن أحداث هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وقد تكفل منتدى عائلات الأسرى بنقلهم جواً إلى لاهاي، لكن المفاوضات أُجهضت.

وفي يوليو الماضي، صوّتت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، على إقالة خان، على خلفية اتهامات بسوء السلوك الجنسي، وهي اتهامات ينفيها.

كل مشكلة تعفي من إبرام صفقة

وبحسب الصحافي الإسرائيلي بارنياع؛ فإنه لم يكن بوسع الصفقة أن تنجح؛ لأن عيباً بنيوياً شابها؛ إذ إن رئيسَيْ «الشاباك» و«الموساد» في حينه دافيد بارنياع ورونين بار والمسؤول عن ملف الأسرى والرهائن الإسرائيليين من قبل الجيش نيتسان ألون، كانوا يرون في كل مشكلة صعوبة تستدعي حلاً، أما نتنياهو فكان يرى في كل مشكلة نعمة وهدية تعفيه من إبرام صفقة، وكان الأسرى هم من دفعوا الثمن: بعضهم بحياته، وبعضهم بعام آخر في الأنفاق».

صور على جدار بالقدس الجمعة للأسرى الإسرائيليين المحتجزين في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتساءل بارنياع عن ماهية توقيت نشر هذه التفاصيل الآن؟ وأجاب: «لأنها تلقي الضوء على آلية صنع القرار في الحكومة المنتهية ولايتها. ففي كل مرحلة من المفاوضات، كان شخص من مكتب نتنياهو يسرب المعلومات إلى سموتريتش، وكان الأخير يقتحم اجتماعاً لم يدع إليه، أو يعقد مؤتمراً صحافياً، ويهدد بإسقاط الحكومة إذا أبرمت صفقة. وكان بن غفير يظهر فوراً بعده مهدداً بالشيء نفسه، ثم كان نتنياهو يشرح للأميركيين أن عليهم أن يفهموا أنه لا يملك أغلبية في الكنيست للموافقة على الصفقة، وأنه لا يستطيع السماح بسقوط حكومته».

وأشار إلى أنه مع انكشاف مزيد من التفاصيل حول ذلك، يتضح أن أزمة الائتلاف الدورية كانت خدعة ومسرحية عُرضت على قادة الأجهزة الأمنية وإدارة بايدن. لم يكن سموتريتش ليغادر الحكومة في منتصف تنفيذ رؤيته الاستيطانية في الضفة الغربية، ولم يكن بن غفير ليفعل ذلك أيضاً؛ حيث لا يغادر القط ما دام يجد ما يؤكل، لم يكن نتنياهو خاضعاً لهما بل كان هو من يحركهما.

ماذا حدث للنصر المطلق؟

وتساءل الصحافي الإسرائيلي مجدداً، إذا لم يكن سموتريتش وبن غفير سبب إفشال الصفقة، فما السبب؟ وأجاب: «لا يسعني إلا التخمين، أولاً، التوقيت. جاءت الصفقة المقترحة متأخرة جداً بالنسبة إلى الرهائن وعائلاتهم، لكنها جاءت مبكرة جداً بالنسبة إلى نتنياهو؛ فقد صعب عليه قبول صفقة تفهم على أنها نهاية الحرب بعد 9 شهور فقط من (السابع من أكتوبر). وكان الإسرائيليون، حتى مؤيدوه، سيسألون: ماذا حدث للنصر المطلق؟ وثانياً، كانت الصفقة ملائمة له أكثر مما ينبغي، فقد كان سيصعب عليه أن يشرح كيف رتب لنفسه عفواً في لاهاي (المحكمة الجنائية الدولية)، بالاشتراك مع قادة (حماس) والمدعي خان».

صورة التُقطت بالأقمار الاصطناعية تظهر الدمار في مدينة غزة شمال القطاع (أ.ف.ب)

وتابع بارنياع: «ثالثاً، اتضحت في يوليو آفاق السياسة الأميركية: اضطر (الرئيس الأميركي جو) بايدن إلى التخلي عن ترشحه لولاية ثانية، ووافق ترمب على مصالحة نتنياهو بعد قطيعة دامت عامين ونصف العام. لم يكن نتنياهو ليمنح اسمه لصفقة (تبادل أسرى) تعزز بايدن و(نائبته كامالا) هاريس. وفي أكتوبر 2025، حين وصل ترمب إلى البيت الأبيض، ولم تعد لديه (نتنياهو) أوراق ضغط في أميركا ولا حلفاء؛ اضطر إلى أن يقول نعم».

وبحسب بارنياع، فإنه يمكن لنتنياهو أن يقول لنفسه إن الانتظار كان مجدياً حينها؛ ففي الفترة التي مضت جرى اغتيال السنوار والضيف وهنية. وانتخب ترمب رئيساً، ووافق على ضرب إيران، وربما سيعود لضربها مستقبلاً»، ووصل متهكماً: «صحيح أن أياً من أهداف الحرب لم يتحقق، وصحيح أن مكانة إسرائيل في العالم تدهورت بشدة، لكن ما الداعي إلى التدقيق في التفاصيل؟».